Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:116–121

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:116–121

9:116Page 205

إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦

Indeed, to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth; He gives life and causes death. And you have not besides Allāh any protector or any helper.

﴿إنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ يُحْيِي ويُمِيتُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾

تَذْيِيلٌ ثانٍ في قُوَّةِ التَّأْكِيدِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٥]، ولِذَلِكَ فُصِلَ بِدُونِ عَطْفٍ لِأنَّ ثُبُوتَ مُلْكِ السَّماواتِ والأرْضِ لِلَّهِ - تَعالى - يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ عَلِيمًا بِكُلِّ شَيْءٍ لِأنَّ تَخَلُّفَ العِلْمِ عَنِ التَّعَلُّقِ بِبَعْضِ المُتَمَلَّكاتِ يُفْضِي إلى إضاعَةِ شُؤُونِها.

فافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِـ (إنَّ) مَعَ عَدَمِ الشَّكِّ في مَضْمُونِ الخَبَرِ يُعَيِّنُ أنَّ (إنَّ) لِمُجَرَّدِ الِاهْتِمامِ فَتَكُونُ مُفِيدَةً مَعْنى التَّفْرِيعِ بِالفاءِ والتَّعْلِيلِ.

ومَعْنى المُلْكِ: التَّصَرُّفُ والتَّدْبِيرُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]

وزِيادَةُ جُمْلَتَيْ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لِتَصْوِيرِ مَعْنى المُلْكِ في أتَمِّ مَظاهِرِهِ المَحْسُوسَةِ لِلنّاسِ المُسَلَّمِ بَيْنَهم أنَّ ذَلِكَ مِن تَصَرُّفِ اللَّهِ - تَعالى - لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ دَفْعَ ذَلِكَ ولا تَأْخِيرَهُ.

وعَطْفُ جُمْلَةِ ﴿وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ لِتَأْيِيدِ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم مَنصُورُونَ في سائِرِ الأحْوالِ لِأنَّ اللَّهَ ولِيُّهم فَهو نَصِيرٌ لَهم، ولِإعْلامِهِمْ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ الكُفّارَ لِأنَّ الكافِرِينَ لا مَوْلى لَهم لِأنَّ اللَّهَ غاضِبٌ عَلَيْهِمْ فَهو لا يَنْصُرُهم. وذَلِكَ مُناسِبٌ لِغَرَضِ الكَلامِ المُتَعَلِّقِ بِاسْتِغْفارِهِمْ لِلْمُشْرِكِينَ بِأنَّهُ لا يُفِيدُهم.

وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الوَلِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿قُلْ أغَيْرَ اللَّهِ أتَّخِذُ ولِيًّا﴾ [الأنعام: ١٤] في أوَّلِ سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٤٩

والنَّصِيرُ: النّاصِرُ. وتَقَدَّمَ مَعْنى النَّصْرِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ [البقرة: ٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

9:117Page 205

لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧

Allāh has already forgiven the Prophet and the Muhājireen and the Anṣār who followed him in the hour of difficulty after the hearts of a party of them had almost inclined [to doubt], and then He forgave them. Indeed, He was to them Kind and Merciful.

﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ مِن بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

انْتِقالٌ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ والتَّحْذِيرِ مِنَ التَّقاعُسِ والتَّوْبِيخِ عَلى التَّخَلُّفِ، وما طَرَأ عَلى ذَلِكَ التَّحْرِيضِ مِن بَيانِ أحْوالِ النّاسِ تِجاهَ ذَلِكَ التَّحْرِيضِ وما عَقَبَهُ مِن أعْمالِ المُنافِقِينَ والضُّعَفاءِ والجُبَناءِ إلى بَيانِ فَضِيلَةِ الَّذِينَ انْتُدِبُوا لِلْغَزْوِ واقْتَحَمُوا شَدائِدَهُ، فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ.

وافْتِتاحُها بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ تَأْكِيدٌ لِمَضْمُونِها المُتَقَرِّرِ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ حَسْبَما دَلَّ عَلَيْهِ الإتْيانُ بِالمُسْنِداتِ كُلِّها أفْعالًا ماضِيَةً.

ومِنَ المُحَسِّناتِ افْتِتاحُ هَذا الكَلامِ بِما يُؤْذِنُ بِالبِشارَةِ لِرِضى اللَّهِ عَلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ غَزَوْا تَبُوكَ.

وتَقْدِيمُ النَّبِيءِ ﷺ في تَعَلُّقِ فِعْلِ التَّوْبَةِ بِالغُزاةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ هَذِهِ التَّوْبَةِ وإتْيانِها عَلى جَمِيعِ الذُّنُوبِ إذْ قَدْ عَلِمَ المُسْلِمُونَ كُلُّهم أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ.

ومَعْنى تابَ عَلَيْهِ: غَفَرَ لَهُ، أيْ لَمْ يُؤاخِذْهُ بِالذُّنُوبِ سَواءً كانَ مُذْنِبًا أوْ لَمْ يَكُنْهُ، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] أيْ فَغَفَرَ لَكم وتَجاوَزَ عَنْ تَقْصِيرِكم ولَيْسَ هُنالِكَ ذَنْبٌ ولا تَوْبَةٌ. فَمَعْنى التَّوْبَةِ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أنَّ اللَّهَ لا يُؤاخِذُهم بِما قَدْ يَحْسَبُونَ أنَّهُ يُسَبِّبُ مُؤاخَذَةً كَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍ فَقالَ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» .

صفحة ٥٠

وأمّا تَوْبَةُ اللَّهِ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَهي اسْتِجابَتُهُ لِتَوْبَتِهِمْ مِن ذَنْبِهِمْ.

والمُهاجِرُونَ والأنْصارُ: هم مَجْمُوعُ أهْلِ المَدِينَةِ، وكانَ جَيْشُ العُسْرَةِ مِنهم ومِن غَيْرِهِمْ مِنَ القَبائِلِ الَّتِي حَوْلَ المَدِينَةِ ومَكَّةَ، ولَكِنَّهم خُصُّوا بِالثَّناءِ لِأنَّهم لَمْ يَتَرَدَّدُوا ولَمْ يَتَثاقَلُوا ولا شَحُّوا بِأمْوالِهِمْ، فَكانُوا أُسْوَةً لِمَنِ اتَّسى بِهِمْ مِن غَيْرِهِمْ مِنَ القَبائِلِ.

ووَصْفُ (المُهاجِرُونَ) و(الأنْصارُ) بِـ ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ لِلْإيماءِ إلى أنَّ لِصِلَةِ المَوْصُولِ تَسَبُّبًا في هَذِهِ المَغْفِرَةِ.

ومَعْنى اتَّبَعُوهُ أطاعُوهُ ولَمْ يُخالِفُوا عَلَيْهِ، فالِاتِّباعُ مَجازِيٌّ.

والسّاعَةُ: الحِصَّةُ مِنَ الزَّمَنِ.

والعُسْرَةُ: اسْمُ العُسْرِ، زِيدَتْ فِيهِ التّاءُ لِلْمُبالَغَةِ وهي الشِّدَّةُ. وساعَةُ العُسْرَةِ هي زَمَنُ اسْتِنْفارِ النَّبِيءِ ﷺ النّاسَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ. فَهو الَّذِي تَقَدَّمْتِ الإشارَةُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] فالَّذِينَ انْتُدِبُوا وتَأهَّبُوا وخَرَجُوا هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ، فَأمّا ما بَعْدَ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ فَذَلِكَ لَيْسَ هو الِاتِّباعُ ولَكِنَّهُ الجِهادُ. ويَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما كادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنهُمْ﴾ أيْ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ، فَإنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ (اتَّبَعُوهُ) أيِ اتَّبَعُوا أمْرَهُ بَعْدَ أنْ خامَرَ فَرِيقًا مِنهم خاطِرُ التَّثاقُلِ والقُعُودِ والمَعْصِيَةِ بِحَيْثُ يُشْبِهُونَ المُنافِقِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهُ بَعْدَ الخُرُوجِ، وهَذا الزَّيْغُ لَمْ يَقَعْ ولَكِنَّهُ قارَبَ الوُقُوعَ.

و(كادَ) مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ تَعْمَلُ في اسْمَيْنِ عَمَلَ (كانَ)، واسْمُها هُنا ضَمِيرُ شَأْنٍ مُقَدَّرٌ، وخَبَرُها هو جُمْلَةُ الخَبَرِ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ، وإنَّما جُعِلَ اسْمُها هُنا ضَمِيرَ شَأْنٍ لِتَهْوِيلِ شَأْنِهِمْ حِينَ أشْرَفُوا عَلى الزَّيْغِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”تَزِيغُ“ بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِالمُثَنّاةِ التَّحْتِيَّةِ. وهُما وجْهانِ في الفِعْلِ المُسْنَدِ لِجَمْعِ تَكْسِيرٍ ظاهِرٍ.

صفحة ٥١

والزَّيْغُ: المَيْلُ عَنِ الطَّرِيقِ المَقْصُودِ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ [آل عمران: ٨] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وجُمْلَةُ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ﴾ أيْ تابَ عَلى غَيْرِ هَذا الفَرِيقِ مُطْلَقًا، وتابَ عَلى هَذا الفَرِيقِ بَعْدَ ما كادَتْ قُلُوبُهم تَزِيغُ، فَتَكُونُ ثُمَّ عَلى أصْلِها مِنَ المُهْلَةِ. وذَلِكَ كَقَوْلِهِ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة: ١١٨] . والمَعْنى: تابَ عَلَيْهِمْ فَأُهِمُّوا بِهِ وخَرَجُوا فَلَقُوا المَشَقَّةَ والعُسْرَ، فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ لِـ (فَرِيقٍ) . وجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ أنْ تَكُونَ (ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ في الذِّكْرِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَوْكِيدًا لِجُمْلَةِ (تابَ اللَّهُ)، فالضَّمِيرُ لِلْمُهاجِرِينَ والأنْصارِ كُلِّهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَها عَلى التَّفْسِيرَيْنِ.

9:118Page 206

وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨

And [He also forgave] the three who were left alone [i.e., boycotted, regretting their error] to the point that the earth closed in on them in spite of its vastness1 and their souls confined [i.e., anguished] them and they were certain that there is no refuge from Allāh except in Him. Then He turned to them so they could repent. Indeed, Allāh is the Accepting of Repentance,2 the Merciful.

﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ وضاقَتْ عَلَيْهِمُ أنْفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجَأ مِنَ اللَّهِ إلّا إلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾

﴿وعَلى الثَّلاثَةِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى النَّبِيءِ بِإعادَةِ حَرْفِ الجَرِّ لِبُعْدِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أيْ وتابَ عَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا. وهَؤُلاءِ فَرِيقٌ لَهُ حالَةٌ خاصَّةٌ مِن بَيْنِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرِ الَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ﴾ [التوبة: ٨١] الآيَةَ، والَّذِينَ ذُكِرُوا في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ [التوبة: ٩٠] الآيَةَ.

والتَّعْرِيفُ في الثَّلاثَةِ تَعْرِيفُ العَهْدِ فَإنَّهم كانُوا مَعْرُوفِينَ بَيْنَ النّاسِ، وهم: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِن بَنِي سَلَمَةَ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ العَمْرِيُّ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ مِن بَنِي واقِفٍ، كُلُّهم مِنَ الأنْصارِ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِدُونِ عُذْرٍ. ولَمّا رَجَعَ النَّبِيءُ ﷺ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ سَألَهم عَنْ تَخَلُّفِهِمْ فَلَمْ يَكْذِبُوهُ بِالعُذْرِ ولَكِنَّهُمُ اعْتَذَرُوا بِذَنْبِهِمْ وحَزِنُوا. «ونَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ عَنْ كَلامِهِمْ، وأمَرَهم بِأنْ يَعْتَزِلُوا نِساءَهم. ثُمَّ عَفا اللَّهُ عَنْهم بَعْدَ خَمْسِينَ

صفحة ٥٢

لَيْلَةً» . وحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ في قِصَّتِهِ هَذِهِ مَعَ الآخَرِينَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ طَوِيلٌ أغَرُّ، وقَدْ ذَكَرَهُ البَغَوِيُّ في تَفْسِيرِهِ.

و”خُلِّفُوا“ بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ خَلَفَ المُخَفَّفِ الَّذِي هو فِعْلٌ قاصِرٌ، مَعْناهُ أنَّهُ وراءَ غَيْرِهِ، مُشْتَقٌّ مِنَ الخَلْفِ بِسُكُونِ اللّامِ وهو الوَراءُ. والمَقْصُودُ بَقِيَ وراءَ غَيْرِهِ. يُقالُ: خَلَفَ عَنْ أصْحابِهِ إذا تَخَلَّفَ عَنْهم في المَشْيِ يَخْلُفُ بِضَمِّ اللّامِ في المُضارِعِ، فَمَعْنى (خُلِّفُوا) خَلَفَهم مُخَلِّفٌ، أيْ تَرَكَهَمْ وراءَهُ وهم لَمْ يُخَلِّفُهم أحَدٌ وإنَّما تَخَلَّفُوا بِفِعْلِ أنْفُسِهِمْ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ خُلِّفُوا بِمَعْنى خَلَّفُوا أنْفُسَهم عَلى طَرِيقَةِ التَّجْرِيدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَخْلِيفُهم تَخْلِيفًا مَجازِيًّا اسْتُعِيرَ لِتَأْخِيرِ البَتِّ في شَأْنِهِمْ، أيِ الَّذِينَ خُلِّفُوا عَنِ القَضاءِ في شَأْنِهِمْ فَلَمْ يَعْذُرْهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا آيَسَهم مِنَ التَّوْبَةِ كَما آيَسَ المُنافِقِينَ. فالتَّخْلِيفُ هُنا بِمَعْنى الإرْجاءِ. وبِهَذا التَّفْسِيرِ فَسَّرَهُ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ في حَدِيثِهِ المَرْوِيِّ في الصَّحِيحِ فَقالَ: ولَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمّا خُلِّفْنا عَنِ الغَزْوِ وإنَّما تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجاؤُهُ أمْرَنا عَمَّنْ حَلَفَ لَهُ واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقُبِلَ مِنهُ. اهـ.

يَعْنِي لَيْسَ المَعْنى أنَّهم خَلَّفُوا أنْفُسَهم عَنِ الغَزْوِ وإنَّما المَعْنى خَلَّفَهم أحَدٌ، أيْ جَعَلَهم خَلَفًا وهو تَخْلِيفٌ مَجازِيٌّ، أيْ لَمْ يُقْضَ فِيهِمْ. وفاعِلُ التَّخْلِيفِ يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ أوِ اللَّهُ تَعالى.

وبِناءُ فِعْلِ (خُلِّفُوا) لِلنّائِبِ عَلى ظاهِرِهِ، فَلَيْسَ المُرادُ أنَّهم خَلَّفُوا أنْفُسَهم.

وتَعْلِيقُ التَّخْلِيفِ بِضَمِيرِ الثَّلاثَةِ مِن بابِ تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِاسْمِ الذّاتِ. والمُرادُ: تَعْلِيقُهُ بِحالٍ مِن أحْوالِها يُعْلَمُ مِنَ السِّياقِ، مِثْلُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]

وهَذا الَّذِي فَسَّرَ كَعْبٌ بِهِ هو المُناسِبُ لِلْغايَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ لِأنَّ تَخَيُّلَ ضِيقِ الأرْضِ عَلَيْهِمْ وضِيقِ أنْفُسِهِمْ هو غايَةٌ لِإرْجاءِ أمْرِهِمُ انْتَهى عِنْدَها التَّخْلِيفُ، ولَيْسَ غايَةً لِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الغَزْوِ؛ لِأنَّ تَخَلُّفَهم لا انْتِهاءَ لَهُ.

صفحة ٥٣

وضِيقُ الأرْضِ: اسْتِعارَةٌ، أيْ حَتّى كانَتِ الأرْضُ كالضَّيِّقَةِ عَلَيْهِمْ، أيْ عِنْدَهم. وذَلِكَ التَّشْبِيهُ كِنايَةٌ عَنْ غَمِّهِمْ وتَنَكُّرِ المُسْلِمِينَ لَهم. فالمَعْنى أنَّهم تَخَيَّلُوا الأرْضَ في أعْيُنِهِمْ كالضَّيِّقَةِ كَما قالَ الطِّرِمّاحُ:

مَلَأْتُ عَلَيْهِ الأرْضَ حَتّى كَأنَّها مِنَ الضِّيقِ في عَيْنَيْهِ كِفَّةُ حابِلِ

وقَوْلُهُ: (بِما رَحُبَتْ) حالٌ مِنَ الأرْضِ، والباءُ لِلْمُلابَسَةِ، أيِ الأرْضُ المُلابِسَةُ لِسِعَتِها المَعْرُوفَةِ. وما مَصْدَرِيَّةٌ.

و(رَحُبَتْ) اتَّسَعَتْ، أيْ تَخَيَّلُوا الأرْضَ ضَيِّقَةً وهي الأرْضُ المَوْصُوفَةُ بِسِعَتِها المَعْرُوفَةِ.

وضِيقُ أنْفُسِهِمُ: اسْتِعارَةٌ لِلْغَمِّ والحَزَنِ لِأنَّ الغَمَّ يَكُونُ في النَّفْسِ بِمَنزِلَةِ الضِّيقِ. ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْمَحْزُونِ: ضاقَ صَدْرُهُ، ولِلْمَسْرُورِ: شُرِحَ صَدْرُهُ.

والظَّنُّ مُسْتَعْمَلٌ في اليَقِينِ والجَزْمِ، وهو مِن مَعانِيهِ الحَقِيقِيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦] في سُورَةِ الأعْرافِ، أيْ وأيْقَنُوا أنَّ أمْرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ مَوْكُولٌ إلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ بِما يُوحِي بِهِ إلى رَسُولِهِ، أيِ التَجَئُوا إلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ. وهَذا كِنايَةٌ عَنْ أنَّهم تابُوا إلى اللَّهِ وانْتَظَرُوا عَفْوَهُ.

وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٧] عَطْفٌ عَلى ﴿ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ﴾ وما بَعْدَهُ، أيْ حَتّى وقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ بَعْدَهُ.

و(ثُمَّ) هُنا لِلْمُهْلَةِ والتَّراخِي الزَّمَنِيِّ ولَيْسَتْ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ؛ لِأنَّ ما بَعْدَها لَيْسَ أرْفَعَ دَرَجَةً مِمّا قَبْلَها بِقَرِينَةِ السِّياقِ، وهو مُغْنٍ عَنْ جَوابِ (إذا) لِأنَّهُ يُفِيدُ مَعْناهُ، فَهو بِاعْتِبارِ العَطْفِ تَنْهِيَةٌ لِلْغايَةِ، وبِاعْتِبارِ المَعْطُوفِ دالٌّ عَلى الجَوابِ.

واللّامُ في (لِيَتُوبُوا) لِلتَّعْلِيلِ، أيْ تابَ عَلَيْهِمْ لِأجْلِ أنْ يَكُفُّوا عَنِ المُخالَفَةِ ويَتَنَزَّهُوا عَنِ الذَّنْبِ، أيْ لِيَدُومُوا عَلى التَّوْبَةِ، فالفِعْلُ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنى الدَّوامِ عَلى التَّلَبُّسِ بِالمَصْدَرِ لا عَلى إحْداثِ المَصْدَرِ.

صفحة ٥٤

ولَيْسَ المُرادُ لِيُذْنِبُوا فَيَتُوبُوا، إذْ لا يُناسِبُ مَقامُ التَّنْوِيهِ بِتَوْبَتِهِ عَلَيْهِمْ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ تَذْيِيلٌ مُفِيدٌ لِلِامْتِنانِ.

9:119Page 206

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩

O you who have believed, fear Allāh and be with those who are true.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾

الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ خاتِمَةٌ لِلْآيِ السّابِقَةِ ولَيْسَتْ فاتِحَةَ غَرَضٍ جَدِيدٍ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن «حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أنَّهُ قالَ " فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا. . أبْلاهُ اللَّهُ في صِدْقِ الحَدِيثِ أحْسَنَ مِمّا أبْلانِي ما تَعَمَّدْتُ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى يَوْمِي هَذا كَذِبًا وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيءِ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ»﴾ اهـ. فَهَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْقِصَّةِ فَإنَّ القِصَّةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلى ذِكْرِ قَوْمٍ اتَّقَوُا اللَّهَ فَصَدَقُوا في إيمانِهِمْ وجِهادِهِمْ فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهم، وذِكْرِ قَوْمٍ كَذَبُوا في ذَلِكَ واخْتَلَقُوا المَعاذِيرَ وحَلَفُوا كَذِبًا فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقَوْمٍ تَخَلَّفُوا عَنِ الجِهادِ وصَدَقُوا في الِاعْتِرافِ بِعَدَمِ العُذْرِ فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا كانَ سَبَبُ فَوْزِ الفائِزِينَ في هَذِهِ الأحْوالِ كُلِّها هو الصِّدْقُ لا جَرَمَ أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ بِتَقْواهُ وبِأنْ يَكُونُوا في زُمْرَةِ الصّادِقِينَ، مِثْلَ أُولَئِكَ الصّادِقِينَ الَّذِينَ تَضَمَّنَتْهُمُ القِصَّةُ.

والأمْرُ بِـ ﴿كُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ أبْلَغُ في التَّخَلُّقِ بِالصِّدْقِ مِن نَحْوِ: اصْدُقُوا. ونَظِيرُهُ ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] . وكَذَلِكَ جَعَلَهُ بَعْدَ (مِنَ) التَّبْعِيضِيَّةِ وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤] ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]

9:120Page 206

مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠

It was not [proper] for the people of Madīnah and those surrounding them of the bedouins that they remain behind after [the departure of] the Messenger of Allāh or that they prefer themselves over his self.1 That is because they are not afflicted by thirst or fatigue or hunger in the cause of Allāh, nor do they tread on any ground that enrages the disbelievers, nor do they inflict upon an enemy any infliction but that it is registered for them as a righteous deed. Indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of the doers of good.

صفحة ٥٥

﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ولا يَرْغَبُوا بِأنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ ولا نَصَبٌ ولا مَخْمَصَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا إلّا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِإيجابِ الغَزْوِ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِن أهْلِ بادِيَتِها الحافِّينَ بِالمَدِينَةِ إذا خَرَجَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْغَزْوِ. فَهَذا وُجُوبٌ عَيْنِيٌّ عَلى هَؤُلاءِ شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِأنْ جَعَلَهم جُنْدَ النَّبِيءِ ﷺ وحَرَسَ ذاتِهِ.

والَّذِينَ هم حَوْلَ المَدِينَةِ مِنَ الأعْرابِ هم: مُزَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وغِفارٌ، وجُهَيْنَةُ، وأسْلَمُ.

وصِيغَةُ ﴿ما كانَ لِأهْلِ المَدِينَةِ﴾ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في إنْشاءِ الأمْرِ عَلى طَرِيقِ المُبالَغَةِ، إذْ جُعِلَ التَّخَلُّفُ لَيْسَ مِمّا ثَبَتَ لَهم، فَهم بُرَآءُ مِنهُ فَيَثْبُتُ لَهم ضِدُّهُ وهو الخُرُوجُ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ إذا غَزا.

فِيهِ ثَناءٌ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ لِما قامُوا بِهِ مِن غَزْوِ تَبُوكَ، فَهو يَقْتَضِي تَحْرِيضَهم عَلى ذَلِكَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ إلَخْ.

وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالَّذِينَ تَخَلَّفُوا مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِنَ الأعْرابِ. وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى إيجابِ النَّفِيرِ عَلَيْهِمْ إذا خَرَجَ النَّبِيءُ ﷺ لِلْغَزْوِ. وقالَ قَتادَةُ وجَماعَةٌ: هَذا الحُكْمُ خاصٌّ بِخُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الخُلَفاءِ والأُمَراءِ فَهو مُحْكَمٌ غَيْرُ مَنسُوخٍ. وبِذَلِكَ جَزَمَ ابْنُ بَطّالٍ مِنَ المالِكِيَّةِ. قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ: كانَ هَذا حُكْمًا عامًّا في قِلَّةِ الإسْلامِ واحْتِياجِهِ إلى كَثْرَةِ الغُزاةِ ثُمَّ نُسِخَ لَمّا قَوِيَ الإسْلامُ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] فَصارَ وُجُوبُ الجِهادِ عَلى الكِفايَةِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا حُكْمُ مَنِ اسْتَنْفَرَهُمُ الإمامُ بِالتَّعْيِينِ لِأنَّهُ لَوْ جازَ لِهَؤُلاءِ التَّخَلُّفُ لَتَعَطَّلَ الخُرُوجُ. واخْتارَهُ فَخْرُ الدِّينِ.

والتَّخَلُّفُ: البَقاءُ في المَكانِ بَعْدَ الغَيْرِ مِمَّنْ كانَ مَعَهُ فِيهِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٨١]

صفحة ٥٦

والرَّغْبَةُ تُعَدّى بِحَرْفِ (في) فَتُفِيدُ مَعْنى مَوَدَّةِ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ والحِرْصِ فِيهِ، وتُعِدِّيَ بِحَرْفِ (عَنْ) فَتُفِيدُ مَعْنى المُجافاةِ لِلشَّيْءِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ [البقرة: ١٣٠] وهي هُنا مُعَدّاةٌ بِـ (عَنْ) . أُرِيدَ بِرَغْبَتِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ مَحَبَّتُهم أنْفُسَهم وحِرْصُهم عَلى سَلامَتِها دُونَ الحِرْصِ عَلى سَلامَةِ نَفْسِ الرَّسُولِ، فَكَأنَّهم رَغِبُوا عَنْ نَفْسِهِ إذْ لَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ مُلابِسِينَ لِأنْفُسِهِمْ، أيْ مُحْتَفِظِينَ بِها لِأنَّهم بِمِقْدارِ مَن يَتَخَلَّفُ مِنهم يَزْدادُ تَعَرُّضُ نَفْسِ الرَّسُولِ مِنَ التَّلَفِ قُرْبًا، فَتَخَلُّفُ واحِدٍ مِنهم عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ عَوْنٌ عَلى تَقْرِيبِ نَفْسِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ التَّلَفِ فَلِذَلِكَ اسْتُعِيرَ لِهَذا التَّخَلُّفِ لَفْظُ الرَّغْبَةِ عَنْهُ.

والباءُ في قَوْلِهِ: (بِأنْفُسِهِمْ) لِلْمُلابَسَةِ وهي في مَوْضِعِ الحالِ. نَزَلَ الضَّنُّ بِالأنْفُسِ والحَذَرُ مِن هَلاكِها بِالتَّلَبُّسِ بِها في شِدَّةِ التَّمَكُّنِ فاسْتُعْمِلَ لَهُ حَرْفُ باءٍ لِلْمُلابَسَةِ. وهَذِهِ مُلابَسَةٌ خاصَّةٌ وإنْ كانَتِ النُّفُوسُ في كُلِّ حالٍ مُتَلَبَّسًا بِها. وهَذا تَرْكِيبٌ بَدِيعُ الإيجازِ بالِغُ الإعْجازِ.

قالَ في الكَشّافِ: ”أُمِرُوا أنْ يُلَقُّوا أنْفُسَهم مِنَ الشَّدائِدِ ما تَلْقاهُ نَفْسُهُ عِلْمًا بِأنَّها أعَزُّ نَفْسٍ عِنْدَ اللَّهِ وأكْرَمُها عَلَيْهِ فَإذا تَعَرَّضَتْ مَعَ كَرامَتِها وعِزَّتِها لِلْخَوْضِ في شِدَّةٍ وهَوْلٍ وجَبَ عَلى سائِرِ الأنْفُسِ أنْ تَتَهافَتَ فِيما تَعَرَّضَتْ لَهُ“ اهـ.

وهَذا نَهْيٌ بَلِيغٌ وتَوْبِيخٌ لَهم وتَهْيِيجٌ لِمُتابَعَتِهِ بِأنَفَةٍ وحَمِيَّةٍ.

والإشارَةُ بِـ (ذَلِكَ) إلى نَفْيِ كَوْنِ التَّخَلُّفِ عَنِ الرَّسُولِ ثابِتًا لَهم، أيْ أنَّ ما يَنالُونَهُ مِن فَضْلٍ وثَوابٍ وأجْرٍ عَظِيمٍ يَقْضِي بِأنَّهُ ما يَكُونُ لَهم أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ.

والباءُ في (بِأنَّهم) لِلسَّبَبِيَّةِ. والظَّمَأُ: العَطَشُ، والنَّصَبُ: التَّعَبُ، والمَخْمَصَةُ: الجُوعُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] في سُورَةِ العُقُودِ.

والوَطْءُ: الدَّوْسُ بِالأرْجُلِ. والمَوْطِئُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْوَطْءِ. والوَطْءُ في سَبِيلِ اللَّهِ هو الدَّوْسُ بِحَوافِرِ الخَيْلِ وأخْفافِ الإبِلِ وأرْجُلِ الغُزاةِ في أرْضِ العَدُوِّ، فَإنَّهُ الَّذِي يَغِيظُ العَدُوَّ ويُغْضِبُهُ لِأنَّهُ يَأْنَفُ مِن وطْءِ أرْضِهِ بِالجَيْشِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الوَطْءُ هُنا مُسْتَعارًا لِإذْلالِ العَدُوِّ وغَلَبَتِهِ وإبادَتِهِ، كَقَوْلِ الحارِثِ بْنِ وعْلَةَ الذُّهْلِيِّ مِن شُعَراءِ الحَماسَةِ:

صفحة ٥٧

ووَطِئْتَنا وطْئًا عَلى حَنْقٍ وطْءَ المُقَيَّدِ نابِتَ الهَرْمِ

وهُوَ أوْفَقُ بِإسْنادِ الوَطْءِ إلَيْهِمْ.

والنَّيْلُ: مَصْدَرُ (يَنالُونَ) . يُقالُ: نالَ مِنهُ إذا أصابَهُ بِرُزْءٍ. وبِذَلِكَ لا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ. وحَرْفُ (مِن) مُسْتَعْمَلٌ في التَّبُعِيضِ المَجازِيِّ المُتَحَقِّقِ في الرَّزِيَّةِ. ورُزْءُ العَدُوِّ يَكُونُ مِن ذَواتِ الأعْداءِ بِالأسْرِ، ويَكُونُ مِن مَتاعِهِمْ وأمْوالِهِمْ بِالسَّبْيِ والغُنْمِ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن عُمُومِ الأحْوالِ. فَجُمْلَةُ ﴿كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ، وأغْنى حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ عَنِ اقْتِرانِها بِقَدْ. والضَّمِيرُ في بِهِ عائِدٌ عَلى نَصْبٍ وما عُطِفَ عَلَيْهِ إمّا بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ وإمّا لِأنَّ إعادَةَ حَرْفِ النَّفْيِ جَعَلَتْ كُلَّ مَعْطُوفٍ كالمُسْتَقِلِّ بِالذِّكْرِ، فَأُعِيدَ الضَّمِيرُ عَلى كُلِّ واحِدٍ عَلى البَدَلِ كَما يُعادُ الضَّمِيرُ مُفْرَدًا عَلى المُتَعاطِفاتِ بِـ (أوْ) بِاعْتِبارِ أنَّ ذَلِكَ المُتَعَدِّدَ لا يَكُونُ في نَفْسِ الأمْرِ إلّا واحِدًا مِنهُ. ومَعْنى كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ أنْ يُكْتَبَ لَهم بِكُلِّ شَيْءٍ مِن أنْواعِ تِلْكَ الأعْمالِ عَمَلٌ صالِحٌ، أيْ جَعَلَ اللَّهُ كُلَّ عَمَلٍ مِن تِلْكَ الأعْمالِ عَمَلًا صالِحًا وإنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ عامِلُوهُ تَقَرُّبًا إلى اللَّهِ فَإنَّ تِلْكَ الأعْمالَ تَصْدُرُ عَنْ أصْحابِها وهم ذاهِلُونَ في غالِبِ الأزْمانِ أوْ جَمِيعِها عَنِ الغايَةِ مِنها فَلَيْسَتْ لَهم نِيّاتٌ بِالتَّقَرُّبِ بِها إلى اللَّهِ ولَكِنَّ اللَّهَ - تَعالى - بِفَضْلِهِ جَعَلَها لَهم قُرُباتٍ بِاعْتِبارِ شَرَفِ الغايَةِ مِنها. وذَلِكَ بِأنْ جَعَلَ لَهم عَلَيْها ثَوابًا كَما جَعَلَ لِلْأعْمالِ المَقْصُودِ بِها القُرْبَةُ، كَما ورَدَ أنَّ نَوْمَ الصّائِمِ عِبادَةٌ.

وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا المَعْنى التَّذْيِيلُ الَّذِي أفادَ التَّعْلِيلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾

ودَلَّ هَذا التَّذْيِيلُ عَلى أنَّهم كانُوا بِتِلْكَ الأعْمالِ مُحْسِنِينَ فَدَخَلُوا في عُمُومِ قَضِيَّةِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ بِوَجْهِ الإيجازِ.

9:121Page 206

وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١

Nor do they spend an expenditure, small or large, or cross a valley but that it is registered for them that Allāh may reward them for the best of what they were doing.

﴿ولا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهم لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، وهو انْتِقالٌ مِن عِدادِ الكُلَفِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْهم بِلا قَصْدٍ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى بَعْضِ الكُلَفِ الَّتِي لا تَخْلُو عَنِ اسْتِشْعارِ مَن تَحِلُّ بِهِمْ بِأنَّهم

صفحة ٥٨

لَقُوها في سَبِيلِ اللَّهِ.

فالنَّفَقَةُ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تَكُونُ إلّا عَنْ قَصْدٍ يَتَذَكَّرُ بِهِ المُنْفِقُ أنَّهُ يَسْعى إلى ما هو وسِيلَةٌ لِنَصْرِ الدِّينِ، والنَّفَقَةُ الكَبِيرَةُ أُدْخِلَ في القَصْدِ، فَلِذَلِكَ نَبَّهَ عَلَيْهِما وعَلى النَّفَقَةِ الصَّغِيرَةِ لِيُعْلَمَ بِذَكَرِ الكَبِيرَةِ حُكْمُ النَّفَقَةِ الصَّغِيرَةِ لِأنَّ العِلَّةَ في الكَبِيرَةِ أظْهَرُ وكانَ هَذا الإطْنابُ في عَدِّ مَناقِبِهِمْ في الغَزْوِ لِتَصْوِيرِ ما بَذَلُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ.

وقَطْعُ الوادِي: هو اجْتِيازُهُ. وحَقِيقَةُ القَطْعِ: تَفْرِيقُ أجْزاءِ الجِسْمِ. وأُطْلِقَ عَلى الِاجْتِيازِ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ.

والوادِي: المُنْفَرَجُ يَكُونُ بَيْنَ جِبالٍ أوْ إكامٍ فَيَكُونُ مَنفَذًا لِسُيُولِ المِياهِ، ولِذَلِكَ اشْتُقَّ مِن ودى بِمَعْنى سالَ. وقَطْعُ الوادِي أثْناءَ السَّيْرِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَذَكَّرَ السّائِرُونَ بِسَبَبِهِ أنَّهم سائِرُونَ إلى غَرَضٍ ما لِأنَّهُ يُجَدِّدُ حالَةً في السَّيْرِ لَمْ تَكُنْ مِن قَبْلُ. ومِن أجْلِ ذَلِكَ نُدِبَ الحَجِيجُ إلى تَجْدِيدِ التَّلْبِيَةِ عِنْدَما يَصْعَدُونَ شَرَفًا أوْ يَنْزِلُونَ وادِيًا أوْ يُلاقُونَ رِفاقًا.

والضَّمِيرُ في (كُتِبَ) عائِدٌ إلى عَمَلٍ صالِحٍ. ولامُ التَّعْلِيلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِـ (كُتِبَ)، أيْ كَتَبَ اللَّهُ لَهم صالِحًا لِيَجْزِيَهم عَنْ أحْسَنِ أعْمالِهِمْ.

ولَمّا كانَ هَذا جَزاءً عَنْ عَمَلِهِمُ المَذْكُورِ عُلِمَ أنَّ عَمَلَهم هَذا مِن أحْسَنِ أعْمالِهِمْ.

وانْتَصَبَ (أحْسَنَ) عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ عَنْ أحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أوْ بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٨] وأمّا قَوْلُهُ: ﴿لِيَجْزِيَكَ أجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ [القصص: ٢٥] فالظّاهِرُ أنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا القَبِيلِ وأنَّ (أجْرَ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ.

وفِي ذِكْرِ ”كانُوا“ والإتْيانِ بِخَبَرِها مُضارِعًا إفادَةُ أنَّ مِثْلَ هَذا العَمَلِ كانَ دَيْدَنُهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском