Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:19–23

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:19–23

9:19Page 189

۞ أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩

Have you made the providing of water for the pilgrim and the maintenance of al-Masjid al-Ḥarām equal to [the deeds of] one who believes in Allāh and the Last Day and strives in the cause of Allāh? They are not equal in the sight of Allāh. And Allāh does not guide the wrongdoing people.

﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّها خِطابٌ لِقَوْمٍ سَوَّوْا بَيْنَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وبَيْنَ الجِهادِ والهِجْرَةِ، في أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِن عَمَلِ البِرِّ، فَتُؤْذِنُ بِأنَّها خِطابٌ لِقَوْمٍ مُؤْمِنِينَ قَعَدُوا عَنِ الهِجْرَةِ والجِهادِ، بِعِلَّةِ اجْتِزائِهِمْ بِالسِّقايَةِ والعِمارَةِ. ومُناسَبَتُها

صفحة ١٤٣

لِلْآياتِ الَّتِي قَبْلَها: أنَّهُ لَمّا وقَعَ الكَلامُ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ هُمُ الأحِقّاءُ بِعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ المُشْرِكِينَ دَلَّ ذَلِكَ الكَلامُ عَلى أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ لا يَحِقُّ لِغَيْرِ المُسْلِمِ أنْ يُباشِرَ فِيهِ عَمَلا مِنَ الأعْمالِ الخاصَّةِ بِهِ، فَكانَ ذَلِكَ مَثارَ ظَنٍّ بِأنَّ القِيامَ بِشَعائِرِ المَسْجِدِ الحَرامِ مُساوٍ لِلْقِيامِ بِأفْضَلِ أعْمالِ الإسْلامِ.

وأحْسَنُ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ما رَواهُ الطَّبَرَيُّ، والواحِدِيُّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم ”ما أُبالِي أنْ لا أعْمَلَ عَمَلًا بَعْدَ الإسْلامِ إلّا أنْ أسْقِيَ الحاجَّ“؛ وقالَ آخَرُ ”بَلْ عِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ“ وقالَ آخَرُ ”بَلِ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِمّا قُلْتُمْ“ فَزَجَرَهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وقالَ ”لا تَرْفَعُوا أصْواتَكم عِنْدَ مِنبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وذَلِكَ يَوْمَ الجُمُعَةِ ولَكِنْ إذا صَلَّيْتُ الجُمُعَةَ دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَفْتَيْتُهُ فِيما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلى ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾

وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ سَرى هَذا التَّوَهُّمُ إلى بَعْضِ المُسْلِمِينَ، فَرُوِيَ أنَّ العَبّاسَ رامَ أنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ ويَتْرُكَ الهِجْرَةَ لِأجْلِ الشَّغْلِ بِسِقايَةِ الحاجِّ والزّائِرِ؛ وأنَّ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ رامَ مِثْلَ ذَلِكَ، لِلْقِيامِ بِحِجابَةِ البَيْتِ. ورَوى الطَّبَرَيُّ، والواحِدِيُّ: أنَّ مُماراةً جَرَتْ بَيْنَ العَبّاسِ وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ بِبَدْرٍ، وأنَّ عَلِيًّا عَيَّرَ العَبّاسَ بِالكُفْرِ وقَطِيعَةِ الرَّحِمِ، فَقالَ العَبّاسُ:“ ما لَكم لا تَذْكُرُونَ مَحاسِنَنا إنّا لَنَعْمُرُ مَسْجِدَ اللَّهِ ونَحْجِبُ الكَعْبَةَ ونَسَقِي الحاجَّ ”فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ الآيَةَ.

والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.

و(السِّقايَةُ) صِيغَةٌ لِلصِّناعَةِ، أيْ صِناعَةُ السَّقْيِ، وهي السَّقْيُ مِن ماءِ زَمْزَمَ، ولِذَلِكَ أُضِيفَتِ السِّقايَةُ إلى الحاجِّ.

وكَذَلِكَ (العِمارَةُ) صِناعَةُ التَّعْمِيرِ، أيِ القِيامُ عَلى تَعْمِيرِ شَيْءٍ، بِالإصْلاحِ والحِراسَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهي، هُنا: غَيْرُ ما في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٨] وأُضِيفَتْ إلى المَسْجِدِ الحَرامِ لِأنَّها عَمَلٌ في ذاتِ المَسْجِدِ.

وتَعْرِيفُ الحاجِّ تَعْرِيفُ الجِنْسِ.

صفحة ١٤٤

وقَدْ كانَتْ سِقايَةُ الحاجِّ وعِمارَةُ المَسْجِدِ الحَرامِ مِن أعْظَمِ مَناصِبِ قُرَيْشٍ في الجاهِلِيَّةِ، والمَناصِبُ عَشْرَةٌ، وتُسَمّى المَآثِرَ فَكانَتِ السِّقايَةُ لِبَنِي هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُصَيٍّ وجاءَ الإسْلامُ وهي لِلْعَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ، وكانَتْ عِمارَةُ المَسْجِدِ، وهي السِّدانَةُ، وتُسَمّى الحِجابَةُ، لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيٍّ وجاءَ الإسْلامُ وهي لِعُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ.

وكانَتْ لَهم مَناصِبُ أُخْرى ثَمانِيَةً أبْطَلَها الإسْلامُ رَأيْتُها بِخَطِّ جَدِّي العَلّامَةِ الوَزِيرِ وهي: الدِّياتُ والحَمالاتُ، السِّفارَةُ، الرّايَةُ، الرِّفادَةُ، المَشُورَةُ، الأعِنَّةُ والقُبَّةُ، الحُكُومَةُ وأمْوالُ الآلِهَةِ، الأيْسارُ.

فَأمّا الدِّياتُ والحَمالاتُ: فَجَمْعُ دِيَةٍ وهي عِوَضُ دَمِ القَتِيلِ خَطَأً أوْ عَمْدًا إذا صُولِحَ عَلَيْهِ؛ وجَمْعُ حَمالَةَ - بِفَتْحِ الحاءِ المُهْمَلَةِ - وهي الغَرامَةُ الَّتِي يَحْمِلُها قَوْمٌ عَنْ قَوْمٍ، وكانَتْ لِبَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ. ومُرَّةُ جَدُّ قُصَيِّ، وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.

وأمّا السِّفارَةُ - بِكَسْرِ السِّينِ وفَتْحِها - فَهي السَّعْيُ بِالصُّلْحِ بَيْنَ القَبائِلِ والقائِمُ بِها يُسَمّى سَفِيرًا. وكانَتْ لِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ أبْناءُ عَمٍّ لِقُصَيٍّ وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.

وأمّا الرّايَةُ، وتُسَمّى: العُقابُ - بِضَمِّ العَيْنِ - لِأنَّها تَخْفُقُ فَوْقَ الجَيْشِ كالعُقابِ، فَهي رايَةُ جَيْشِ قُرَيْشٍ، وكانَتْ لِبَنِي أُمَيَّةَ، وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ.

وأمّا الرِّفادَةُ: فَهي أمْوالٌ تُخْرِجُها قُرَيْشٌ إكْرامًا لِلْحَجِيجِ فَيُطْعِمُونَهم جَمِيعَ أيّامِ المَوْسِمِ يَشْتَرُونَ الجُزُرَ والطَّعامَ والزَّبِيبَ - لِلنَّبِيذِ - وكانَتْ لِبَنِي نَوْفَلَ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ الحارِثِ بْنِ عامِرِ بْنِ نَوْفَلَ.

وأمّا المَشُورَةُ فَهي وِلايَةُ دارِ النَّدْوَةِ وكانَتْ لِبَنِي أسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى بْنِ قُصَيٍّ. وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ زَيْدِ بْنِ زَمْعَةَ.

صفحة ١٤٥

وأمّا الأعِنَّةُ والقُبَّةُ فَقُبَّةٌ يَضْرِبُونَها يَجْتَمِعُونَ إلَيْها عِنْدَ تَجْهِيزِ الجَيْشِ وسُمِّيَتِ الأعِنَّةَ وكانَتْ لِبَنِي مَخْزُومٍ. وهم أبْناءُ عَمِّ قُصَيٍّ، وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ.

وأمّا الحُكُومَةُ وأمْوالُ الآلِهَةِ - ولَمْ أقِفْ عَلى حَقِيقَتِها - فَأحْسَبُ أنَّ تَسْمِيَتَها الحُكُومَةَ لِأنَّ المالَ المُتَجَمِّعَ بِها هو ما يُحَصَّلُ مِن جَزاءِ الصَّيْدِ في الحَرَمِ أوْ في الإحْرامِ. وأمّا تَسْمِيَتُها أمْوالَ الآلِهَةِ لِأنَّها أمْوالٌ تُحَصَّلُ مِن نَحْوِ السّائِبَةِ والبَحِيرَةِ وما يُوهَبُ لِلْآلِهَةِ مِن سِلاحٍ ومَتاعٍ. فَكانَتْ لِبَنِي سَهْمٍ وهم أبْناءُ عَمٍّ لِقُصَيٍّ. وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ الحارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ سَهْمٍ.

وأمّا الأيْسارُ وهي الأزْلامُ الَّتِي يَسْتَقْسِمُونَ بِها فَكانَتْ لِبَنِي جُمَحٍ وهم أبْناءُ عَمٍّ لِقُصَيٍّ، وجاءَ الإسْلامُ وهي بِيَدِ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ.

وقَدْ أبْطَلَ الإسْلامُ جَمِيعَ هَذِهِ المَناصِبِ، عَدا السِّدانَةَ والسِّقايَةَ، لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «ألا إنَّ كُلَّ مَأْثُرَةٍ مِن مَآثِرِ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ هاتَيْنِ إلّا سِقايَةَ الحاجِّ وسِدانَةَ البَيْتِ» .

وكانَتْ مَناصِبُ العَرَبِ الَّتِي بِيَدِ قُصَيِّ بْنِ كِلابٍ خَمْسَةً: الحِجابَةَ، والسِّقايَةَ، والرِّفادَةَ، والنَّدْوَةَ، واللِّواءَ فَلَمّا كَبُرَ قُصَيٌّ جَعَلَ المَناصِبَ لِابْنِهِ عَبْدِ الدّارِ، ثُمَّ اخْتَصَمَ أبْناءُ قُصَيٍّ بَعْدَ مَوْتِهِ وتَداعَوْا لِلْحَرْبِ، ثُمَّ تَداعَوْا لِلصُّلْحِ، عَلى أنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدِ الدّارِ الحِجابَةَ واللِّواءَ والنَّدْوَةَ، وأنْ يُعْطُوا بَنِي عَبْدَ مَنافٍ السِّقايَةَ والرِّفادَةَ، وأُحْدِثَتْ مَناصِبُ لِبَعْضٍ مِن قُرَيْشٍ غَيْرِ أبْناءِ قُصَيٍّ فانْتَهَتِ المَناصِبُ إلى عَشْرَةٍ كَما ذَكَرْنا.

وذِكْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لَيْسَ لِأنَّهُ مَحَلُّ التَّسْوِيَةِ المَرْدُودَةِ عَلَيْهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَدَّعُوا التَّسْوِيَةَ بَيْنَ السِّقايَةِ أوِ العِمارَةِ بِدُونِ الإيمانِ، بَلْ ذِكْرُ الإيمانِ إدْماجٌ، لِلْإيماءِ إلى أنَّ الجِهادَ أثَرُ الإيمانِ، وهو مُلازِمٌ لِلْإيمانِ، فَلا يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِ التَّنَصُّلُ مِنهُ بِعِلَّةِ اشْتِغالِهِ بِسِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَيْسَ ذِكْرُ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ لِكَوْنِ الَّذِينَ جَعَلُوا مَزِيَّةَ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ مِثْلَ مَزِيَّةِ الإيمانِ

صفحة ١٤٦

لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ لِأنَّهم لَوْ كانُوا غَيْرَ مُؤْمِنِينَ لَما جَعَلُوا مَناصِبَ دِينِهِمْ مُساوِيَةً لِلْإيمانِ، بَلْ لَجَعَلُوها أعْظَمَ. وإنَّما تَوَهَّمُوا أنَّهُما عَمَلانِ يَعْدِلانِ الجِهادَ، وفي الشَّغْلِ بِهِما عُذْرٌ لِلتَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، أوْ مَزِيَةٌ دِينِيَّةٌ تُساوِي مَزِيَّةَ المُجاهِدِينَ.

وقَدْ دَلَّ ذِكْرُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ في جانِبِ المُشَبَّهِ، وذِكْرُ مَن آمَنَ وجاهَدَ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ، عَلى أنَّ العَمَلَيْنِ ومَن عَمِلَهُما لا يُساوِيانِ العَمَلَيْنِ الآخَرَيْنِ ومَن عَمِلَهُما. فَوَقَعَ احْتِباكٌ في طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ، أيْ لا يَسْتَوِي العَمَلانِ مَعَ العَمَلَيْنِ ولا عامِلُو هَذَيْنِ بِعامِلِي ذَيْنِكَ العَمَلَيْنِ. والتَّقْدِيرُ: أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وجَعَلْتُمْ سَقّايَةَ الحاجِّ وعُمّارَ المَسْجِدِ كالمُؤْمِنِينَ والمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ. ولَمّا ذُكِرَتِ التَّسْوِيَةُ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أُسْنِدَتْ إلى ضَمِيرِ العامِلِينَ، دُونَ الأعْمالِ: لِأنَّ التَّسْوِيَةَ لَمْ يَشْتَهِرْ في الكَلامِ تَعْلِيقُها بِالمَعانِي بَلْ بِالذَّواتِ.

وجُمْلَةُ ﴿لا يَسْتَوُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا: لِبَيانِ ما يُسْألُ عَنْهُ مِن مَعْنى الإنْكارِ الَّذِي في الِاسْتِفْهامِ بِقَوْلِهِ: أجَعَلْتُمُ الآيَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ إلَخْ، ومَوْقِعُهُ هُنا خَفِيٌّ إنْ كانَتِ السُّورَةُ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، وكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِمّا نَزَلَ مَعَ السُّورَةِ ولَمْ تَنْزِلْ قَبْلَها، عَلى ما رَجَّحْناهُ مِن رِوايَةِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ في سَبَبِ نُزُولِها، فَإنَّهُ لَمْ يَبْقَ يَوْمَئِذٍ مَن يَجْعَلُ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ البَيْتِ تُساوِيانِ الإيمانَ والجِهادَ، حَتّى يَرُدَّ عَلَيْهِ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِ اهْتِدائِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في سَبَبِ نُزُولِها وهو يَزِيدُ مَوْقِعَها خَفاءً.

فالوَجْهُ عِنْدِي في مَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ أنَّ مَوْقِعَها الِاعْتِراضُ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ﴾ وجُمْلَةِ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا﴾ [التوبة: ٢٠] إلَخْ.

والمَقْصُودُ مِنها زِيادَةُ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الإيمانِ، إعْلامًا بِأنَّهُ دَلِيلٌ إلى الخَيْراتِ، وقائِدٌ إلَيْها. فالَّذِينَ آمَنُوا قَدْ هَداهم إيمانُهم إلى فَضِيلَةِ الجِهادِ، والَّذِينَ كَفَرُوا لَمْ يَنْفَعْهم ما كانُوا فِيهِ مِن عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ وسِقايَةِ الحاجِّ، فَلَمْ يَهْدِهِمُ اللَّهُ إلى الخَيْرِ، وذَلِكَ

صفحة ١٤٧

بُرْهانٌ عَلى أنَّ الإيمانَ هو الأصْلُ، وأنَّ شُعَبَهُ المُتَوَلِّدَةَ مِنهُ أفْضَلُ الأعْمالِ، وأنَّ ما عَداها مِنَ المَكارِمِ والخَيْراتِ في الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ في الفَضْلِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مِن شُعَبِ الإيمانِ، وإنْ كانَ كِلا الصِّفَتَيْنِ لا يَنْفَعُ إلّا إذا كانَ مَعَ الإيمانِ، وخاصَّةً الجِهادَ.

وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ: لَوْلا الجِهادُ لَما كانَ أهْلُ السِّقايَةِ وعِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ مُؤْمِنِينَ، فَإنَّ إيمانَهم كانَ مِن آثارِ غَزْوَةِ فَتْحِ مَكَّةَ وجَيْشِ الفَتْحِ إذْ آمَنَ العَبّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو صاحِبُ السِّقايَةِ، وآمَنَ عُثْمانُ بْنُ طَلْحَةَ وهو صاحِبُ عِمارَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ.

فَأمّا ما رَواهُ الطَّبَرَيُّ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: مِن أنَّ نُزُولَ هَذِهِ الآيَةِ كانَ يَوْمَ بَدْرٍ، بِسَبَبِ المُماراةِ الَّتِي وقَعَتْ بَيْنَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ والعَبّاسِ، فَمَوْقِعُ التَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ واضِحٌ: أيْ لا يَهْدِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْقُونَ الحاجَّ ويَعْمُرُونَ المَسْجِدَ الحَرامَ، إذْ لا يُجْدِي ذَلِكَ مَعَ الإشْراكِ. فَتَبَيَّنَ أنَّ ما تَوَهَّمُوهُ مِنَ المُساواةِ بَيْنَ تِلْكَ الأعْمالِ وبَيْنَ الجِهادِ، وتَنازُعَهم في ذَلِكَ، خَطَأٌ مِنَ النَّظَرِ، إذْ لا تَسْتَقِيمُ تَسْوِيَةُ التّابِعِ بِالمَتْبُوعِ والفَرْعِ بِالأصْلِ، ولَوْ كانَتِ السِّقايَةُ والعِمارَةُ مُساوِيَتَيْنِ لِلْجِهادِ لَكانَ أصْحابُهُما قَدِ اهْتَدَوْا إلى نَصْرِ الإيمانِ، كَما اهْتَدى إلى نَصْرِهِ المُجاهِدُونَ، والمُشاهَدَةُ دَلَّتْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ: فَإنَّ المُجاهِدِينَ كانُوا مُهْتَدِينَ ولَمْ يَكُنْ أهْلُ السِّقايَةِ والعِمارَةِ بِالمُهْتَدِينَ. فالهِدايَةُ شاعَ إطْلاقُها مَجازًا بِاسْتِعارَتِها لِمَعْنى الإرْشادِ عَلى المَطْلُوبِ، وهي بِحَسَبِ هَذا الإطْلاقِ مُرادٌ بِها مَطْلُوبٌ خاصٌّ وهو ما يَطْلُبُهُ مَن يَعْمَلُ عَمَلًا يَتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ، كَما يَقْتَضِيهِ تَعْقِيبُ ذِكْرِ سِقايَةِ الحاجِّ وعِمارَةِ المَسْجِدِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ.

وكُنِّيَ بِنَفْيِ الهِدايَةِ عَنْ نَفْيِ حُصُولِ الغَرَضِ مِنَ العَمَلِ.

والمَعْنى: واللَّهُ لا يَقْبَلُ مِنَ القَوْمِ المُشْرِكِينَ أعْمالَهم.

ونُسِبَ إلى ابْنِ ورْدانَ أنَّهُ رَوى عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ قَرَأ: سُقاةَ الحاجِّ بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ السّاقِي - وقَرَأ“ وعَمَرَةَ " بِالعَيْنِ المَفْتُوحَةِ وبِدُونِ ألِفٍ وبِفَتْحِ الرّاءِ جَمْعُ عامِرٍ - وقَدِ اخْتُلِفَ فِيها عَنِ ابْنِ ورْدانَ.

9:20Page 189

ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠

The ones who have believed, emigrated and striven in the cause of Allāh with their wealth and their lives are greater in rank in the sight of Allāh. And it is those who are the attainers [of success].

صفحة ١٤٨

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وهاجَرُوا وجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمُ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ مُبَيِّنَةٌ لِنَفْيِ الِاسْتِواءِ الَّذِي في جُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] ومُفَصِّلَةٌ لِلْجِهادِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] بِأنَّهُ الجِهادُ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ، وإدْماجٌ لِبَيانِ مَزِيَّةِ المُهاجِرِينَ مِنَ المُجاهِدِينَ.

والَّذِينَ هاجَرُوا هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ وما حَوْلَها، الَّذِينَ هاجَرُوا مِنها إلى المَدِينَةِ لَمّا أذِنَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالهِجْرَةِ إلَيْها بَعْدَ أنْ أسْلَمُوا، وذَلِكَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ.

والمُهاجَرَةُ: تَرْكُ المَوْطِنِ والحُلُولُ بِبَلَدٍ آخَرَ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الهَجْرِ وهو التَّرْكُ، واشْتُقَّتْ لَها صِيغَةُ المُفاعَلَةِ لِاخْتِصاصِها بِالهَجْرِ القَوِيِّ وهو هَجْرُ الوَطَنِ، والمُرادُ بِها - في عُرْفِ الشَّرْعِ - هِجْرَةٌ خاصَّةٌ: وهي الهِجْرَةُ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، فَلا تَشْمَلُ هِجْرَةَ مَن هاجَرَ مِنَ المُسْلِمِينَ إلى بِلادِ الحَبَشَةِ لِأنَّها لَمْ تَكُنْ عَلى نِيَّةِ الِاسْتِيطانِ بَلْ كانَتْ هِجْرَةً مُؤَقَّتَةً، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الهِجْرَةِ في آخِرِ سُورَةِ الأنْفالِ.

والمُفَضَّلُ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ لِظُهُورِهِ: أيْ أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ مِن أصْحابِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ولَمْ يُجاهِدُوا الجِهادَ الكَثِيرَ الَّذِي جاهَدَهُ المُسْلِمُونَ أيّامَ بَقاءِ أُولَئِكَ في الكُفْرِ، والمَقْصُودُ تَفْضِيلُ خِصالِهِمْ.

والدَّرَجَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢٢٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] في أوائِلِ الأنْفالِ. وهي في كُلِّ ذَلِكَ مُسْتَعارَةٌ لِرَفْعِ المِقْدارِ. وعِنْدَ اللَّهِ إشارَةٌ إلى أنَّ رِفْعَةَ مِقْدارِهِمْ رِفْعَةُ رِضًى مِنَ اللَّهِ وتَفْضِيلٌ بِالتَّشْرِيفِ؛ لِأنَّ أصْلَ (عِنْدَ) أنَّها ظَرْفٌ لِلْقُرْبِ.

وجُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً﴾ أيْ: أعْظَمُ وهم أصْحابُ الفَوْزِ. وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ بِاللّامِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في عِظَمِ فَوْزِهِمْ حَتّى إنَّ فَوْزَ غَيْرِهِمْ بِالنِّسْبَةِ إلى فَوْزِهِمْ يُعَدُّ كالمَعْدُومِ.

صفحة ١٤٩

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الفَوْزَ لِأجْلِ تِلْكَ الأوْصافِ الَّتِي مَيَّزَتْهم: وهي الإيمانُ والهِجْرَةُ والجِهادُ بِالأمْوالِ والأنْفُسِ.

9:21–22Page 190

يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١

Their Lord gives them good tidings of mercy from Him and approval and of gardens for them wherein is enduring pleasure.

خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٢

[They will be] abiding therein forever. Indeed, Allāh has with Him a great reward.

﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾

بَيانٌ لِلدَّرَجَةِ العَظِيمَةِ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿أعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٠] فَتِلْكَ الدَّرَجَةُ هي عِنايَةُ اللَّهِ - تَعالى - بِهِمْ بِإدْخالِ المَسَرَّةِ عَلَيْهِمْ، وتَحْقِيقِ فَوْزِهِمْ، وتَعْرِيفِهِمْ بِرِضْوانِهِ عَلَيْهِمْ، ورَحْمَتِهِ بِهِمْ، وبِما أعَدَّ لَهم مِنَ النَّعِيمِ الدّائِمِ، ومَجْمُوعُ هَذِهِ الأُمُورِ لَمْ يَمْنَحْهُ غَيْرُهم مِن أهْلِ السِّقايَةِ والعِمارَةِ، الَّذِينَ وإنْ صَلَحُوا لِأنْ يَنالُوا بَعْضَ هَذِهِ المَزايا فَهم لَمْ يَنالُوا جَمِيعَها.

والتَّبْشِيرُ: الإخْبارُ بِخَيْرٍ يَحْصُلُ لِلْمُخْبَرِ لَمْ يَكُنْ عالِمًا بِهِ.

فَإسْنادُ التَّبْشِيرِ إلى اسْمِ الجَلالَةِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ، المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ، مُؤْذِنٌ بِتَعاقُبِ الخَيْراتِ عَلَيْهِمْ، وتَجَدُّدِ إدْخالِ السُّرُورِ بِذَلِكَ لَهم؛ لِأنَّ تَجَدُّدَ التَّبْشِيرِ يُؤْذِنُ بِأنَّ المُبَشَّرَ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لِلْمُبَشَّرِ (بِفَتْحِ الشِّينِ) وإلّا لَكانَ الإخْبارُ بِهِ تَحْصِيلًا لِلْحاصِلِ.

وكَوْنُ المُسْنَدِ إلَيْهِ لَفْظَ الرَّبِّ، دُونَ غَيْرِهِ مِمّا يَدُلُّ عَلى الخالِقِ سُبْحانَهُ، إيماءٌ إلى الرَّحْمَةِ بِهِمْ والعِنايَةِ: لِأنَّ مَعْنى الرُّبُوبِيَّةِ يَرْجِعُ إلى تَدْبِيرِ المَرْبُوبِ والرِّفْقِ بِهِ واللُّطْفِ بِهِ، ولِتَحْصُلَ بِهِ الإضافَةُ إلى ضَمِيرِهِمْ إضافَةَ تَشْرِيفٍ.

وتَقَدَّمَتِ الرَّحْمَةُ في قَوْلِهِ: الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ

والرِّضْوانُ - بِكَسْرِ الرّاءِ وبِضَمِّها -: الرِّضا الكامِلُ الشَّدِيدُ؛ لِأنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تُشْعِرُ بِالمُبالَغَةِ مِثْلَ الغُفْرانِ والشُّكْرانِ والعِصْيانِ.

والجَنّاتُ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في ذِكْرِ الجَنَّةِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وجَمْعُها بِاعْتِبارِ مَراتِبِها وأنْواعِها وأنْواعِ النَّعِيمِ فِيها.

صفحة ١٥٠

والنَّعِيمُ: ما بِهِ التِذاذُ النَّفْسِ بِاللَّذّاتِ المَحْسُوسَةِ، وهو أخَصُّ مِنَ النِّعْمَةِ. قالَ - تَعالى: ﴿إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ﴾ [الإنفطار: ١٣] وقالَ ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]

والمُقِيمُ المُسْتَمِرُّ، اسْتُعِيرَتِ الإقامَةُ لِلدَّوامِ والِاسْتِمْرارِ.

والتَّنْكِيرُ في (بِرَحْمَةٍ، ورَضْوانٍ، وجَنّاتٍ، ونَعِيمٍ) لِلتَّعْظِيمِ، بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقَرِينَةُ قَوْلِهِ: مِنهُ وقَرِينَةُ كَوْنِ تِلْكَ مُبَشَّرًا بِها.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ وتَنْوِيهٌ بِشَأْنِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ لِأنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ يَعُمُّ مَضْمُونَ ما قَبْلَها وغَيْرَهُ، وفي هَذا التَّذْيِيلِ إفادَةُ أنَّ ما ذُكِرَ مِن عَظِيمِ دَرَجاتِ المُؤْمِنِينَ المُهاجِرِينَ المُجاهِدِينَ هو بَعْضُ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الخَيْراتِ فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ التَّرْغِيبُ في الِازْدِيادِ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ لِيَزْدادُوا رِفْعَةً عِنْدَ رَبِّهِمْ، كَما قالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ”ما عَلى مَن دُعِيَ مِن جَمِيعِ تِلْكَ الأبْوابِ مِن ضَرُورَةٍ“ .

والأجْرُ: العِوَضُ المُعْطى عَلى عَمَلٍ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥] في سُورَةِ العُقُودِ.

9:23Page 190

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣

O you who have believed, do not take your fathers or your brothers as allies if they have preferred disbelief over belief. And whoever does so among you - then it is those who are the wrongdoers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكم وإخْوانَكم أوْلِياءَ إنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِافْتِتاحِ غَرَضٍ آخَرَ وهو تَقْرِيعُ المُنافِقِينَ ومَن يُوالِيهِمْ، فَإنَّهُ لَمّا كانَ أوَّلُ السُّورَةِ في تَخْطِيطِ طَرِيقَةِ مُعامَلَةِ المُظْهِرِينَ لِلْكُفْرِ، لا جَرَمَ تَهَيَّأ المُتامُّ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن أبَطَنُوا الكُفْرَ وأظْهَرُوا الإيمانَ: المُنافِقِينَ مِن أهْلِ المَدِينَةِ ومِن بَقايا قَبائِلِ العَرَبِ، مِمَّنْ عُرِفُوا بِذَلِكَ، أوْ لَمْ يُعْرَفُوا وأطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَبِيَّهُ ﷺ، وحَذَّرَ المُؤْمِنِينَ المُطَّلِعِينَ عَلَيْهِمْ مِن بِطانَتِهِمْ وذَوِي قَرابَتِهِمْ

صفحة ١٥١

ومُخالَطَتِهِمْ، وأكْثَرُ ما كانَ ذَلِكَ في أهْلِ المَدِينَةِ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ كانَ مُعْظَمُهم مُؤْمِنِينَ خُلَّصًا، وكانَتْ مِن بَيْنِهِمْ بَقِيَّةٌ مِنَ المُنافِقِينَ وهم مِن ذَوِي قَرابَتِهِمْ، ولِذَلِكَ افْتُتِحَ الخِطّابُ بِـ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾: إشْعارٌ بِأنَّ ما سَيُلْقى إلَيْهِمْ مِنَ الوَصايا هو مِن مُقْتَضَياتِ الإيمانِ وشِعارِهِ.

وقَدْ أسْفَرَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ الَّتِي نَزَلَتْ عَقِبَها هَذِهِ السُّورَةُ عَنْ بَقاءِ بَقِيَّةٍ مِنَ النِّفاقِ في أهْلِ المَدِينَةِ والأعْرابِ المُجاوِرِينَ لَها كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٠] وقَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ [التوبة: ١٠١] ونَظائِرِهُما مِنَ الآياتِ.

رَوى الطَّبَرَيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، والواحِدِيُّ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّهم لَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ وقالَ العَبّاسُ: أنا أسْقِي الحاجَّ، وقالَ طَلْحَةُ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ: أنا حاجِبُ الكَعْبَةِ، فَلا نُهاجِرُ، تَعَلَّقَ بَعْضُ الأزْواجِ والأبْناءِ بِبَعْضِ المُؤْمِنِينَ فَقالُوا ”أتُضَيِّعُونَنا“ فَرَقُّوا لَهم وجَلَسُوا مَعَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ومَعْنى ﴿اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ﴾ أحَبُّوهُ حُبًّا مُتَمَكِّنًا. فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ، مِثْلَ ما في اسْتَقامَ واسْتَبْشَرَ.

حَذَّرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ مِن مُوالاةِ مَنِ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ، في ظاهِرِ أمْرِهِمْ أوْ باطِنِهِ، إذا اطَّلَعُوا عَلَيْهِمْ وبَدَتْ عَلَيْهِمْ أماراتُ ذَلِكَ بِما ذَكَرَ مِن صِفاتِهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ، وجَعَلَ التَّحْذِيرَ مِن أُولَئِكَ بِخُصُوصِ، كَوْنِهِمْ آباءً وإخْوانًا تَنْبِيهًا عَلى أقْصى الجَدارَةِ بِالوَلايَةِ لِيُعْلَمَ بِفَحْوى الخِطابِ أنَّ مَن دُونَهم أوْلى بِحُكْمِ النَّهْيِ. ولَمْ يَذْكُرِ الأبْناءَ والأزْواجَ هُنا لِأنَّهم تابِعُونَ فَلا يَقْعُدُونَ بَعْدَ مَتْبُوعِيهِمْ.

وقَوْلُهُ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ أُرِيدَ بِهِ الظّالِمُونَ أنْفُسُهم لِأنَّهم وقَعُوا فِيما نَهاهُمُ اللَّهُ، فاسْتَحَقُّوا العِقابَ فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِتَسَبُّبِ العَذابِ لَها، فالظُّلْمُ إذَنْ بِمَعْناهُ اللُّغَوِيِّ ولَيْسَ مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ. وصِيغَةُ الحَصْرِ لِلْمُبالَغَةِ بِمَعْنى أنَّ ظُلْمَ غَيْرِهِمْ كَلا ظُلْمَ بِالنِّسْبَةِ لِعَظَمَةِ ظُلْمِهِمْ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُمُ ”الظّالِمُونَ“ عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ النَّصْبِ في قَوْلِهِ:﴿ومَن يَتَوَلَّهُمْ﴾ أيْ إلى الآباءِ والإخْوانِ الَّذِينَ اسْتَحَبُّوا الكُفْرَ عَلى الإيمانِ،

صفحة ١٥٢

والمَعْنى ومَن يَتَوَلَّهم فَقَدْ تَوَلّى الظّالِمِينَ فَيَكُونُ الظُّلْمُ عَلى هَذا مُرادًا بِهِ الشِّرْكُ، كَما هو الكَثِيرُ في إطْلاقِهِ في القُرْآنِ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِزِيادَةِ تَمْيِيزِ هَؤُلاءِ أوْ هَؤُلاءِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ جَدارَتَهم بِالحُكْمِ المَذْكُورِ بَعْدَ الإشارَةِ كانَتْ لِأجْلِ تِلْكَ الصِّفاتِ أعْنِي اسْتِحْبابَ الكُفْرِ عَلى الإيمانِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском