Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:29–31

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:29–31

9:29Page 191

قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ ٢٩

Fight against those who do not believe in Allāh or in the Last Day and who do not consider unlawful what Allāh and His Messenger have made unlawful and who do not adopt the religion of truth [i.e., Islām] from those who were given the Scripture - [fight] until they give the jizyah1 willingly while they are humbled.

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ﴾ .

الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لا تَتَفَرَّعُ عَلى الَّتِي قَبْلَها، فالكَلامُ انْتِقالٌ مِن غَرَضِ نَبْذِ العَهْدِ مَعَ المُشْرِكِينَ وأحْوالِ المُعامَلَةِ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ إلى غَرَضِ المُعامَلَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، إذْ كانَ الفَرِيقانِ مُسالِمَيْنِ المُسْلِمِينَ في أوَّلِ بَدْءِ الإسْلامِ، وكانُوا يَحْسَبُونَ أنَّ في مُدافَعَةِ المُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ ما يَكْفِيهِمْ أمْرَ التَّصَدِّي، لِلطَّعْنِ في الإسْلامِ وتَلاشِي أمْرِهِ فَلَمّا أخَذَ الإسْلامُ يَنْتَشِرُ في بِلادِ العَرَبِ يَوْمًا فَيَوْمًا، واسْتَقَلَّ أمْرُهُ بِالمَدِينَةِ، ابْتَدَأ بَعْضُ اليَهُودِ يُظْهِرُ إحَنَهُ نَحْوَ المُسْلِمِينَ، فَنَشَأ النِّفاقُ بِالمَدِينَةِ وظاهَرَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ أهْلَ الأحْزابِ لَمّا غَزُوا المَدِينَةَ فَأذْهَبَهُمُ اللَّهُ عَنْها.

ثُمَّ لَمّا اكْتَمَلَ نَصْرُ الإسْلامِ بِفَتْحِ مَكَّةَ والطّائِفِ وعُمُومِهِ بِلادَ العَرَبِ بِمَجِيءِ وُفُودِهِمْ مُسْلِمِينَ، وامْتَدَّ إلى تُخُومِ البِلادِ الشّامِيَّةِ، أوْجَسَتْ نَصارى العَرَبِ خِيفَةً مِن تَطَرُّقِهِ إلَيْهِمْ، ولَمْ تَغْمُضْ عَيْنُ دَوْلَةِ الرُّومِ حامِيَةِ نَصارى العَرَبِ عَنْ تَدانِي بِلادِ الإسْلامِ مِن بِلادِهِمْ، فَأخَذُوا يَسْتَعِدُّونَ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ بِواسِطَةِ مُلُوكِ غَسّانَ سادَةَ بِلادِ الشّامِ في مُلْكِ الرُّومِ. فَفي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ ”«كانَ لِي صاحِبٌ مِنَ الأنْصارِ إذا غِبْتُ أتانِي بِالخَبَرِ وإذا غابَ كُنْتُ أنا آتِيهِ بِالخَبَرِ ونَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِن مُلُوكِ غَسّانَ ذُكِرَ لَنا أنَّهُ يُرِيدُ أنْ يَسِيرَ إلَيْنا وأنَّهم يَنْعَلُونَ الخَيْلَ لِغَزْوِنا فَإذا صاحِبِي الأنْصارِيِّ يَدُقُّ البابَ فَقالَ: افْتَحِ افْتَحْ. فَقُلْتُ: أجاءَ الغَسّانِيُّ. قالَ: بَلْ أشَدُّ مِن ذَلِكَ اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ» إلى آخَرِ الحَدِيثِ.

صفحة ١٦٣

فَلا جَرَمَ لَمّا أمِنَ المُسْلِمُونَ بَأْسَ المُشْرِكِينَ وأصْبَحُوا في مَأْمَنٍ مِنهم، أنْ يَأْخُذُوا الأُهْبَةَ لِيَأْمَنُوا بَأْسَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى، فابْتَدَأ ذَلِكَ بِغَزْوِ خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وقَدْ هُزِمُوا وكَفى اللَّهُ المُسْلِمِينَ بَأْسَهم وأوْرَثَهم أرْضَهم فَلَمْ يَقَعْ قِتالٌ مَعَهم بَعْدُ ثُمَّ ثَنّى بِغَزْوَةِ تَبُوكَ الَّتِي هي مِن مَشارِفِ الشّامِ.

وعَنْ مُجاهِدٍ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الأمْرِ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ فالمُرادُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ خُصُوصُ النَّصارى، وهَذا لا يُلاقِي ما تَضافَرَتْ عَلَيْهِ الأخْبارُ مِن أنَّ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ.

و(مِن) بَيانِيَّةٌ وهي تُبَيِّنُ المَوْصُولَ الَّذِي قَبْلَها.

وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ القَوْمَ المَأْمُورَ بِقِتالِهِمْ ثَبَتَتْ لَهم مَعانِي الأفْعالِ الثَّلاثَةِ المُتَعاطِفَةِ في صِلَةِ المَوْصُولِ، وأنَّ البَيانَ الواقِعَ بَعْدَ الصِّلَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ راجِعٌ إلى المَوْصُولِ بِاعْتِبارِ كَوْنِهِ صاحِبَ تِلْكَ الصِّلاتِ، فَيَقْتَضِي أنَّ الفَرِيقَ المَأْمُورُ بِقِتالِهِ فَرِيقٌ واحِدٌ، انْتَفى عَنْهُمُ الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وتَحْرِيمُ ما حَرَّمَ اللَّهُ، والتَّدَيُّنُ بِدِينِ الحَقِّ. ولَمْ يَعْرِفْ أهْلُ الكِتابِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ. فاليَهُودُ والنَّصارى مُثْبِتُونَ لِوُجُودِ اللَّهِ - تَعالى - ومُؤْمِنُونَ بِيَوْمِ الجَزاءِ.

وبِهَذا الِاعْتِبارِ تَحَيَّرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ فَلِذَلِكَ تَأوَّلُوها بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى، وإنْ أثْبَتُوا وُجُودَ اللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَقَدْ وصَفُوا اللَّهَ بِصِفاتٍ تُنافِي الإلَهِيَّةَ فَكَأنَّهم ما آمَنُوا بِهِ، إذْ أثْبَتَ اليَهُودُ الجِسْمِيَّةَ لِلَّهِ - تَعالى - أوْ قالُوا ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] . وقالَ كَثِيرٌ مِنهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ.

وأثْبَتَ النَّصارى تَعَدُّدَ الإلَهِ بِالتَّثْلِيثِ فَقارَبُوا قَوْلَ المُشْرِكِينَ فَهم أبْعَدُ مِنَ اليَهُودِ عَنِ الإيمانِ الحَقِّ، وأنَّ قَوْلَ الفَرِيقَيْنِ بِإثْباتِ اليَوْمِ الآخِرِ قَدْ ألْصَقُوا بِهِ تَخَيُّلاتٍ وأُكْذُوباتٍ تُنافِي حَقِيقَةَ الجَزاءِ: كَقَوْلِهِمْ ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] فَكَأنَّهم لَمْ يُؤْمِنُوا بِاليَوْمِ الآخِرِ. وتَكَلَّفَ المُفَسِّرُونَ لِدَفْعِ ما يُرَدُّ عَلى تَأْوِيلِهِمْ هَذا مِنَ المُنَوَّعِ وذَلِكَ مَبْسُوطٌ في تَفْسِيرِ الفَخْرِ وكُلُّهُ تَعَسُّفاتٍ.

صفحة ١٦٤

والَّذِي أراهُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ المَقْصُودَ الأهَمَّ مِنها قِتالُ أهْلِ الكِتابِ مِنَ النَّصارى كَما عَلِمْتَ ولَكِنَّها أدْمَجَتْ مَعَهُمُ المُشْرِكِينَ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ أحَدٌ أنَّ الأمْرَ بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ يَقْتَضِي التَّفَرُّغَ لِقِتالِهِمْ ومُتارَكَةِ قِتالِ المُشْرِكِينَ.

فالمَقْصُودُ مِنَ الآيَةِ هو الصِّفَةُ الثّالِثَةُ ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: (ورَسُولُهُ) فَإدْماجٌ. فَلَيْسَ المَقْصُودُ اقْتِصارَ القِتالِ عَلى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِمُ الصِّفاتُ الأرْبَعُ بَلْ كُلُّ الصِّفَةِ المَقْصُودَةِ هي الَّتِي أرْدَفَتْ بِالتَّبْيِينِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ وما عَداها إدْماجٌ وتَأْكِيدٌ لِما مَضى، فالمُشْرِكُونَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لِأنَّهم لا شَرِيعَةَ لَهم فَلَيْسَ عِنْدَهم حَلالٌ وحَرامٌ ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ وهو الإسْلامُ.

وأمّا اليَهُودُ والنَّصارى فَيُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ويَحْرِمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ في دِينِهِمْ ولَكِنَّهم لا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ وهو الإسْلامُ ويَلْحَقُ بِهِمُ المَجُوسُ فَقَدْ كانَتْ هَذِهِ الأدْيانُ هي الغالِبَةَ عَلى أُمَمِ المَعْرُوفِ مِنَ العالَمِ يَوْمَئِذٍ، فَقَدْ كانَتِ الرُّومُ نَصارى، وكانَ في العَرَبِ نَصارى في بِلادِ الشّامِ وطَيِّءٍ وكَلْبٍ وقُضاعَةَ وتَغْلِبَ وبَكْرٍ، وكانَ المَجُوسُ بِبِلادِ الفُرْسِ وكانَ فِرَقٌ مِنَ المَجُوسِ في القَبائِلِ الَّتِي تَتْبَعُ مُلُوكَ الفُرْسِ مِن تَمِيمٍ وبَكْرٍ والبَحْرَيْنِ، وكانَتِ اليَهُودُ في خَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وأشْتاتٌ في بِلادِ اليَمَنِ وقَدْ تَوَفَّرَتْ في أصْحابِ هَذِهِ الأدْيانِ مِن أسْبابِ الأمْرِ بِقِتالِهِمْ ما أوْمَأ إلَيْهِ اخْتِيارُ طَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِتَعْرِيفِهِمْ بِتِلْكَ الصِّلاتِ لِأنَّ المَوْصُولِيَّةَ أمْكَنُ طَرِيقٍ في اللُّغَةِ لِحِكايَةِ أحْوالِ كَفْرِهِمْ.

ولا تَحْسَبَنَّ أنَّ عَطْفَ جُمَلٍ عَلى جُمْلَةِ الصِّلَةِ يَقْتَضِي لُزُومَ اجْتِماعِ تِلْكَ الصِّلاتِ لِكُلِّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَوْصُولِ، فَإنَّ الواوَ لا تُفِيدُ إلّا مُطْلَقَ الجَمْعِ في الحُكْمِ فَإنَّ اسْمَ المَوْصُولِ قَدْ يَكُونُ مُرادًا بِهِ واحِدٌ فَيَكُونُ كالمَعْهُودِ بِاللّامِ، وقَدْ يَكُونُ المُرادُ بِهِ جِنْسًا

صفحة ١٦٥

أوْ أجْناسًا مِمّا يَثْبُتُ لَهُ مَعْنى الصِّلَةِ أوِ الصِّلاتِ، عَلى أنَّ حَرْفَ العَطْفِ نائِبٌ عَنِ العامِلِ فَهو بِمَنزِلَةِ إعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ سَواءٌ وقَعَ الِاقْتِصارُ عَلى حَرْفِ العَطْفِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، أمْ جُمِعَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ وإعادَةِ اسْمِ المَوْصُولِ بَعْدَ حَرْفِ العَطْفِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤] ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] ﴿إنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقامًا﴾ [الفرقان: ٦٦] ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ [الفرقان: ٦٧] ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] فَقَدْ عُطِفَتْ فِيها ثَمانِيَةُ أسْماءٍ مَوْصُولَةٍ عَلى اسْمِ المَوْصُولِ ولَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ أنَّ كُلَّ مَوْصُولٍ مُخْتَصٌّ الماصَدَقَ عَلى طائِفَةٍ خاصَّةٍ بَلِ العِبْرَةُ بِالِاتِّصافِ بِمَضْمُونِ إحْدى تِلْكَ الصِّلاتِ جَمِيعِها بِالأُولى، والتَّعْوِيلُ في مِثْلِ هَذا عَلى القَرائِنِ.

وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ بَيانٌ لِأقْرَبِ صِلَةٍ مِنهُ وهي صِلَةُ ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ والأصْلُ في البَيانِ أنْ يَكُونَ بِلَصْقِ المُبَيَّنِ لِأنَّ البَيانَ نَظِيرَ البَدَلِ المُطابِقِ - ولَيْسَ هَذا مِن فُرُوعِ مَسْألَةِ الصِّفَةِ ونَحْوِها الوارِدَةِ بَعْدَ جُمَلٍ مُتَعاطِفَةٍ - مُفْرِدٌ ولَيْسَ بَيانًا لِجُمْلَةِ الصِّلَةِ عَلى أنَّ القَرِينَةَ تَرُدُّهُ إلى مَرَدِّهِ. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ التَّنْدِيدُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أُوتُوا الكِتابَ ولَمْ يَدِينُوا دِينَ الحَقِّ الَّذِي جاءَ بِهِ كِتابُهم، وإنَّما دانُوا بِما حَرَّفُوا مِنهُ، وما أنْكَرُوا مِنهُ، وما ألْصَقُوا بِهِ، ولَوْ دانُوا دِينَ الحَقِّ لاتَّبَعُوا الإسْلامَ؛ لِأنَّ كِتابَهُمُ الَّذِي أُوتُوهُ أوْصاهم بِاتِّباعِ النَّبِيءِ الآتِي مِن بَعْدُ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْناكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أأقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ﴿فَمَن تَوَلّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨٢] ﴿أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣]

وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ . بِمَعْنى لا يَجْعَلُونَ حَرامًا ما حَرَّمَهُ اللَّهُ فَإنَّ مادَّةَ فَعَّلَ تُسْتَعْمَلُ في جَعْلِ المَفْعُولِ مُتَّصِفًا بِمَصْدَرِ الفِعْلِ، فَيُفِيدُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ أنَّهم يَجْعَلُونَهُ غَيْرَ حَرامٍ والمُرادُ أنَّهم يَجْعَلُونَهُ مُباحًا. والمَقْصُودُ مِن هَذا تَشْنِيعُ حالِهِمْ وإثارَةُ كَراهِيَتِهِمْ لَهم بِأنَّهم يَسْتَبِيحُونَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ ولَمّا كانَ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ قَبِيحًا مُنْكَرًا لِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]

صفحة ١٦٦

لا جَرَمَ أنَّ الَّذِينَ يَسْتَبِيحُونَهُ دَلُّوا عَلى فَسادِ عُقُولِهِمْ فَكانُوا أهْلًا لِرَدْعِهِمْ عَنْ باطِلِهِمْ عَلى أنَّ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ شامِلٌ لِكُلِّيّاتِ الشَّرِيعَةِ الضَّرُورِيّاتِ كَحِفْظِ النَّفْسِ والنَّسَبِ والمالِ والعِرْضِ والمُشْرِكُونَ لا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ.

والمُرادُ بِـ (رَسُولُهُ) مُحَمَّدٌ ﷺ كَما هو مُتَعارَفُ القُرْآنِ ولَوْ أُرِيدَ غَيْرُهُ مِنَ الرُّسُلِ لَقالَ ورُسُلُهُ لِأنَّ اللَّهَ ما حَرَّمَ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ إلّا ما هو حَقِيقٌ بِالتَّحْرِيمِ.

وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ تَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ تَهْيِئَةً لِلْمُسْلِمِينَ لِأنْ يَغْزُوا الرُّومَ والفُرْسَ وما بَقِيَ مِن قَبائِلِ العَرَبِ الَّذِينَ يَسْتَظِلُّونَ بِنَصْرِ إحْدى هاتَيْنِ الأُمَّتَيْنِ الَّذِينَ تَأخَّرَ إسْلامُهم مِثْلِ قُضاعَةَ وتَغْلِبَ بِتُخُومِ الشّامِ حَتّى يُؤْمِنُوا أوْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.

وحَتّى غايَةٌ لِلْقِتالِ، أيْ يَسْتَمِرُّ قِتالُكم إيّاهم إلى أنْ يُعْطُوا الجِزْيَةَ.

وضَمِيرُ يُعْطُوا عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البقرة: ١٠١]

والجِزْيَةَ اسْمٌ لِمالٍ يُعْطِيهِ رِجالُ قَوْمٍ جَزاءً عَلى الإبْقاءِ بِالحَياةِ أوْ عَلى الإقْرارِ بِالأرْضِ، بُنِيَتْ عَلى وزْنِ اسْمِ الهَيْئَةِ، ولا مُناسَبَةَ في اعْتِبارِ الهَيْئَةِ هُنا، فَلِذَلِكَ كانَ الظّاهِرُ في هَذا الِاسْمِ أنَّهُ مُعَرَّبٌ عَنْ كَلِمَةِ (كِزْيَتْ) بِالفارِسِيَّةِ بِمَعْنى الخَراجِ نَقَلَهُ المُفَسِّرُونَ عَنِ الخُوارَزْمِيِّ، ولَمْ أقِفْ عَلى هَذِهِ الكَلِمَةِ في كَلامِ العَرَبِ في الجاهِلِيَّةِ ولَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها الرّاغِبُ في مُفْرَداتِ القُرْآنِ. ولَمْ يَذْكُرُوها في مُعَرَّبِ القُرْآنِ لِوُقُوعِ التَّرَدُّدِ في ذَلِكَ لِأنَّهم وجَدُوا مادَّةَ الِاشْتِقاقِ العَرَبِيِّ صالِحَةً فِيها ولا شَكَّ أنَّها كانَتْ مَعْرُوفَةَ المَعْنى لِلَّذِينَ نَزَلَ القُرْآنُ بَيْنَهم ولِذَلِكَ عُرِّفَتْ في هَذِهِ الآيَةِ.

وقَوْلُهُ: عَنْ يَدٍ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى يُعْطُوا لِلتَّنْصِيصِ عَلى الإعْطاءِ و(عَنْ) فِيهِ لِلْمُجاوَزَةِ. أيْ يَدْفَعُوها بِأيْدِيهِمْ ولا يُقْبَلُ مِنهم إرْسالُها ولا الحَوالَةُ فِيها، ومَحَلُّ المَجْرُورِ الحالُ مِنَ الجِزْيَةِ. والمُرادُ يَدُ المُعْطِي أيْ يُعْطُوها غَيْرَ مُمْتَنِعِينَ ولا مُنازِعِينَ في إعْطائِها وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ“ أعْطى بِيَدِهِ ”إذا انْقادَ.

وجُمْلَةُ ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ“ يُعْطُوا "

صفحة ١٦٧

والصّاغِرُ اسْمُ فاعِلٍ مِن صَغِرَ بِكَسْرِ الغَيْنِ صَغَرا بِالتَّحْرِيكِ وصَغارًا. إذا ذَلَّ، وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الصَّغارِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٢٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، أيْ وهم أذِلّاءُ وهَذِهِ حالٌ لازِمَةٌ لِإعْطاءِ الجِزْيَةِ عَنْ يَدٍ: والمَقْصُودُ مِنهُ تَعْظِيمُ أمْرِ الحُكْمِ الإسْلامِيِّ وتَحْقِيرُ أهْلِ الكُفْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهم في الِانْخِلاعِ عَنْ دِينِهِمُ الباطِلِ واتِّباعِهِمْ دِينَ الإسْلامِ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى أخْذِ الجِزْيَةِ مِنَ المَجُوسِ لِأنَّهم أهْلُ كِتابٍ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ خِلافًا في أنَّ الجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنهم، وخالَفَ ابْنَ وهْبٍ مِن أصْحابِ مالِكٍ في أخْذِ الجِزْيَةِ مِن مَجُوسِ العَرَبِ. وقالَ لا تُقْبَلُ مِنهم جِزْيَةٌ ولا بُدَّ مِنَ القَتْلِ أوِ الإسْلامِ كَما دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أخْذِ الجِزْيَةِ مِن نَصارى العَرَبِ، دُونَ مُشْرِكِي العَرَبِ: لِأنَّ حُكْمَ قِتالِهِمْ مَضى في الآياتِ السّالِفَةِ ولَمْ يَتَعَرَّضْ فِيها إلى الجِزْيَةِ بَلْ كانَتْ نِهايَةُ الأمْرِ فِيها قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلَهُ: ﴿فَإنْ تابُوا وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ فَإخْوانُكُمْ﴾ [التوبة: ١١] وقَوْلَهُ: ﴿ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن يَشاءُ﴾ [التوبة: ١٥] . ولِأنَّهم لَوْ أُخِذَتْ مِنهُمُ الجِزْيَةُ لاقْتَضى ذَلِكَ إقْرارَهم في دِيارِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُشَرِّعْ إجْلاءَهم عَنْ دِيارِهِمْ وذَلِكَ لَمْ يَفْعَلْهُ النَّبِيءُ ﷺ .

9:30Page 191

وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٣٠

The Jews say, "Ezra is the son of Allāh"; and the Christians say, "The Messiah is the son of Allāh." That is their statement from their mouths; they imitate the saying of those who disbelieved before [them]. May Allāh destroy them; how are they deluded?

﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهم بِأفْواهِهِمْ يُضاهُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾

عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولا يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ﴾ [التوبة: ٢٩] والتَّقْدِيرُ: ويَقُولُ اليَهُودُ مِنهم عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ، ويَقُولُ النَّصارى مِنهُمُ المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، تَشْنِيعًا عَلى قائِلِيهِما مِن أهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم بَلَغُوا في الكُفْرِ غايَتَهُ حَتّى ساوَوُا المُشْرِكِينَ.

وعُزَيْرُ: اسْمُ حَبْرٍ كَبِيرٍ مِن أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ كانُوا في الأسْرِ البابِلِيِّ، واسْمُهُ في العِبْرانِيَّةِ (عِزْرا) بِكَسْرِ العَيْنِ المُهْمَلَةِ بْنُ (سَرايا) مِن سِبْطٍ اللّاوِيِّينَ، كانَ

صفحة ١٦٨

حافِظًا لِلتَّوْراةِ. وقَدْ تَفَضَّلَ عَلَيْهِ (كُورَشُ) مَلِكُ فارِسَ فَأطْلَقَهُ مِنَ الأسْرِ، وأطْلَقَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الأسْرِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِمْ في بابِلَ، وأذِنَهم بِالرُّجُوعِ إلى أُورْشَلِيمَ وبِناءُ هَيْكَلِهِمْ فِيهِ، وذَلِكَ في سَنَةِ ٤٥١ قَبْلَ المَسِيحِ، فَكانَ عِزْرا زَعِيمَ أحْبارِ اليَهُودِ الَّذِينَ رَجَعُوا بِقَوْمِهِمْ إلى أُورْشَلِيمَ وجَدَّدُوا الهَيْكَلَ وأعادَ شَرِيعَةَ التَّوْراةِ مِن حِفْظِهِ، فَكانَ اليَهُودُ يُعَظِّمُونَ عِزْرا إلى حَدِّ أنِ ادَّعى عامَّتُهم أنَّ عِزْرا ابْنُ اللَّهِ، غُلُوًّا مِنهم في تَقْدِيسِهِ، والَّذِينَ وصَفُوهُ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِن أحْبارِ اليَهُودِ في المَدِينَةِ، وتَبِعَهم كَثِيرٌ مِن عامَّتِهِمْ. وأحْسَبُ أنَّ الدّاعِيَ لَهم إلى هَذا القَوْلِ أنْ لا يَكُونُوا أخْلِياءَ مِن نِسْبَةِ أحَدِ عُظَمائِهِمْ إلى بُنُوَّةِ اللَّهِ - تَعالى - مِثْلَ قَوْلِ النَّصارى في المَسِيحِ كَما قالَ مُتَقَدِّمُوهُمُ ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]

قالَ بِهَذا القَوْلِ فِرْقَةٌ مِنَ اليَهُودِ فَأُلْصِقَ القَوْلُ بِهِمْ جَمِيعًا لِأنَّ سُكُوتَ الباقِينَ عَلَيْهِ وعَدَمَ تَغْيِيرِهِ يُلْزِمُهُمُ المُوافَقَةَ عَلَيْهِ والرِّضا بِهِ، وقَدْ ذُكِرَ اسْمُ عِزْرا في الآيَةِ بِصِيغَةِ التَّصْغِيرِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا عُرِّبَ عُرِّبَ بِصِيغَةٍ تُشْبِهُ صِيغَةَ التَّصْغِيرِ، فَيَكُونُ كَذَلِكَ اسْمُهُ عِنْدَ يَهُودِ المَدِينَةِ ويُحْتَمَلُ أنَّ تَصْغِيرَهُ جَرى عَلى لِسانِ يَهُودِ المَدِينَةِ تَحْبِيبًا فِيهِ.

قَرَأ الجُمْهُورُ عُزَيْرُ - مَمْنُوعًا مِنَ التَّنْوِينِ لِلْعُجْمَةِ - وهو ما جَزَمَ بِهِ الزَّمَخْشَرِيُّ وقَرَأهُ عاصِمٌ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: بِالتَّنْوِينِ عَلى اعْتِبارِهِ عَرَبِيًّا بِسَبَبِ التَّصْغِيرِ الَّذِي أُدْخِلَ عَلَيْهِ لِأنَّ التَّصْغِيرَ لا يَدْخُلُ في الأعْلامِ العَجَمِيَّةِ، وهو ما جَزَمَ بِهِ عَبْدُ القاهِرِ في فَصْلِ النَّظْمِ مِن دَلائِلِ الإعْجازِ، وتَأوُّلُ قِراءَةِ تَرْكِ التَّنْوِينِ بِوَجْهَيْنِ لَمْ يَرْتَضِهِما الزَّمَخْشَرِيُّ.

وأمّا قَوْلُ النَّصارى بِبُنُوَّةِ المَسِيحِ فَهو مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ. وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى المَسِيحِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٥] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

والإشارَةُ بِـ ”ذَلِكَ“ إلى القَوْلِ المُسْتَفادِ مِن ”قالَتِ اليَهُودُ“ - ”وقالَتِ النَّصارى“ . والمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ تَشْهِيرُ القَوْلِ وتَمْيِيزُهُ، زِيادَةً في تَشْنِيعِهِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ.

و”بِأفْواهِهِمْ“ حالٌ مِنَ القَوْلِ، والمُرادُ أنَّهُ قَوْلٌ لا يَعْدُو الوُجُودَ في اللِّسانِ ولَيْسَ لَهُ ما يُحَقِّقُهُ في الواقِعِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ كاذِبًا كَقَوْلِهِ - تَعالى:

صفحة ١٦٩

﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] . وفي هَذا أيْضًا إلْزامٌ لَهم بِهَذا القَوْلِ، وسَدُّ بابِ تَنَصُّلِهِمْ مِنهُ إذْ هو إقْرارُهم بِأفْواهِهِمْ وصَرِيحِ كَلامِهِمْ.

والمُضاهاةُ: المُشابَهَةُ، وإسْنادُها إلى القائِلِينَ: عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ ظاهِرٍ مِنَ الكَلامِ، أيْ يُضاهِي قَوْلَهم.

و﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ﴾ هُمُ المُشْرِكُونَ: مِنَ العَرَبِ، ومِنَ اليُونانِ، وغَيْرِهِمْ، وكَوْنِهِمْ مِن قَبْلِ النَّصارى ظاهَرٌ، وأمّا كَوْنُهم مِن قَبْلِ اليَهُودِ: فَلِأنَّ اعْتِقادَ بُنُوَّةِ عُزَيْرَ طارِئٌ في اليَهُودِ ولَيْسَ مِن عَقِيدَةِ قُدَمائِهِمْ.

وجُمْلَةُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ دُعاءٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ، وهو مُرَكَّبٌ يُسْتَعْمَلُ في التَّعَجُّبِ مِن عَمَلٍ شَنِيعٍ، والمُفاعَلَةُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في الدُّعاءِ: أيْ قَتَلَهُمُ اللَّهُ قَتْلًا شَدِيدًا. وجُمْلَةُ التَّعْجِيبِ مُسْتَأْنَفَةٌ كَشَأْنِ التَّعَجُّبِ.

وجُمْلَةُ أنّى يُؤْفَكُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ. والِاسْتِفْهامُ فِيها مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ في الِاتِّباعِ الباطِلِ، حَتّى شُبِّهَ المَكانُ الَّذِي يُصْرَفُونَ إلَيْهِ بِاعْتِقادِهِمْ بِمَكانٍ مَجْهُولٍ مِن شَأْنِهِ أنْ يُسْألَ عَنْهُ بِاسْمِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ المَكانِ، ومَعْنى ”يُؤْفَكُونَ“ يُصْرَفُونَ. يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، قالَ - تَعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَن أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٩] والإفْكُ بِمَعْنى الكَذِبِ قَدْ جاءَ مِن هَذِهِ المادَّةِ لِأنَّ الكاذِبَ يَصْرِفُ السّامِعَ عَنِ الصِّدْقِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ.

9:31Page 191

ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١

They have taken their scholars and monks as lords besides Allāh,1 and [also] the Messiah, the son of Mary.2 And they were not commanded except to worship one God; there is no deity except Him. Exalted is He above whatever they associate with Him.

﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ والمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا لا إلَهَ إلّا هو سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾

الجُمْلَةُ تَقْرِيرٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] لِيُبْنى عَلى التَّقْرِيرِ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ إلَخْ، فَوِزانُ هَذِهِ الجُمْلَةِ وِزانُ جُمْلَةِ ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] بَعْدَ جُمْلَةِ ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨] . والضَّمِيرُ لِلْيَهُودِ والنَّصارى.

صفحة ١٧٠

والأحْبارُ جَمَعُ حَبْرٍ - بِفَتْحِ الحاءِ - وهو العالِمُ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ.

الرُّهْبانُ اسْمُ جَمْعٍ لِراهِبٍ وهو التَّقِيُّ المُنْقَطِعُ لِعِبادَةِ اللَّهِ مِن أهْلِ دِينِ النَّصْرانِيَّةِ، وإنَّما خُصَّ الحَبْرُ بِعالِمِ اليَهُودِ لِأنَّ عُظَماءَ دِينِ اليَهُودِيَّةِ يَشْتَغِلُونَ بِتَحْرِيرِ عُلُومِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ فَهم عُلَماءُ في الدِّينِ، وخُصَّ الرّاهِبُ بِعَظِيمِ دِينِ النَّصْرانِيَّةِ لِأنَّ دِينَ النَّصارى قائِمٌ عَلى أصْلِ الزُّهْدِ في الدُّنْيا والِانْقِطاعِ لِلْعِبادَةِ.

ومَعْنى اتِّخاذِهِمْ هَؤُلاءِ أرْبابًا أنَّ اليَهُودَ ادَّعَوْا لِبَعْضِهِمْ بُنُوَّةَ اللَّهِ - تَعالى - وذَلِكَ تَأْلِيهٌ، وأنَّ النَّصارى أشَدُّ مِنهم في ذَلِكَ إذْ كانُوا يَسْجُدُونَ لِصُوَرِ عُظَماءِ مِلَّتِهِمْ مِثْلَ صُورَةِ مَرْيَمَ، وصُوَرِ الحَوارِيِّينَ، وصُورَةِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّاءَ، والسُّجُودُ مِن شِعارِ الرُّبُوبِيَّةِ، وكانُوا يَسْتَنْصِرُونَ بِهِمْ في حُرُوبِهِمْ ولا يَسْتَنْصِرُونَ بِاللَّهِ.

وهَذا حالُ كَثِيرٍ مِن طَوائِفِهِمْ وفِرَقِهِمْ، ولِأنَّهم كانُوا يَأْخُذُونَ بِأقْوالِ أحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمُ المُخالِفَةِ لِما هو مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ أنَّهُ مِنَ الدِّينِ، فَكانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّ أحْبارَهم ورُهْبانَهم يُحَلِّلُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ، ويُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ، وهَذا مُطَّرِدٌ في جَمِيعِ أهْلِ الدِّينَيْنِ، ولِذَلِكَ أفْحَمَ بِهِ النَّبِيءُ ﷺ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ لَمّا وفَدَ عَلَيْهِ قُبَيْلَ إسْلامِهِ لَمّا سَمِعَ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ﴾ وقالَ عَدِيُّ: لَسْنا نَعْبُدُهم فَقالَ: («ألَيْسَ يُحَرِّمُونَ ما أحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ ويُحِلُّونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ فَقُلْتُ: بَلى قالَ: فَتِلْكَ عِبادَتُهم» ) فَحَصَلَ مِن مَجْمُوعِ أقْوالِ اليَهُودِ والنَّصارى أنَّهم جَعَلُوا لِبَعْضِ أحْبارِهِمْ ورُهْبانِهِمْ مَرْتَبَةَ الرُّبُوبِيَّةِ في اعْتِقادِهِمْ فَكانَتِ الشَّناعَةُ لازِمَةً لِلْأُمَّتَيْنِ ولَوْ كانَ مِن بَيْنِهِمْ مَن لَمْ يَقُلْ بِمَقالِهِمْ كَما زَعَمَ عَدِيُّ بْنُ حاتِمٍ فَإنَّ الأُمَّةَ تُؤاخَذُ بِما يَصْدُرُ مِن أفْرادِها إذا أقَرَّتْهُ ولَمْ تُنْكِرْهُ، ومَعْنى اتِّخاذُهم أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ أنَّهُمُ اتَّخَذُوهم أرْبابًا دُونَ أنْ يُفْرِدُوا اللَّهَ بِالوَحْدانِيَّةِ، وتَخْصِيصُ المَسِيحِ بِالذِّكْرِ لِأنَّ تَأْلِيهَ النَّصارى إيّاهُ أشْنَعُ وأشْهَرُ.

وجُمْلَةُ ﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا إلَهًا واحِدًا﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿اتَّخَذُوا أحْبارَهُمْ﴾، وهي مَحَطُّ زِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ وإنْكارِ صَنِيعِهِمْ بِأنَّهم لا عُذْرَ لَهم فِيما زَعَمُوا؛ لِأنَّ وصايا كُتُبِ المِلَّتَيْنِ طافِحَةٌ بِالتَّحْذِيرِ مِن عِبادَةِ المَخْلُوقاتِ ومِن إشْراكِها في خَصائِصِ الإلَهِيَّةِ.

صفحة ١٧١

وجُمْلَةُ (لا الهُ إلّا هو) صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ ”إلَهًا واحِدًا“

وجُمْلَةُ ﴿سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِقَصْدِ التَّنْزِيهِ والتَّبْرِيءِ مِمّا افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ إشْراكًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском