Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:37–38

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:37–38

9:37Page 193

إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧

Indeed, the postponing [of restriction within sacred months] is an increase in disbelief by which those who have disbelieved are led [further] astray. They make it1 lawful one year and unlawful another year to correspond to the number made unlawful by Allāh2 and [thus] make lawful what Allāh has made unlawful. Made pleasing to them is the evil of their deeds; and Allāh does not guide the disbelieving people.

﴿إنَّما النَّسِيُّ زِيادَةٌ في الكُفْرِ يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٦] الآيَةَ لِأنَّ ذَلِكَ كالمُقَدِّمَةِ إلى المَقْصُودِ وهو إبْطالُ النَّسِيءِ وتَشْنِيعُهُ.

صفحة ١٨٩

والنَّسِيءُ يُطْلَقُ عَلى الشَّهْرِ الحَرامِ الَّذِي أُرْجِئَتْ حُرْمَتُهُ وجُعِلَتْ لِشَهْرٍ آخَرَ فالنَّسِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِن نَسَأ المَهْمُوزِ اللّامِ، ويُطْلَقُ مَصْدَرًا بِوَزْنِ فَعِيلٍ مِثْلَ نَذِيرٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٧]، ومِثْلُ النَّكِيرِ والعُذْرِ وفِعْلُهُ نَسَأ المَهْمُوزُ، أيْ أخَّرَ، فالنَّسِيءُ - بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الياءِ - في المَشْهُورِ. وبِذَلِكَ قَرَأهُ جُمْهُورُ العَشَرَةِ. وقَرَأهُ ورْشٌ عَنْ نافِعٍ بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ في آخِرِهِ عَلى تَخْفِيفِ الهَمْزَةِ ياءً وإدْغامِها في أُخْتِها، والإخْبارُ عَنِ النَّسِيءِ بِأنَّهُ زِيادَةٌ إخْبارٌ بِالمَصْدَرِ كَما أخْبَرَ عَنْ هارُوتَ ومارُوتَ بِالفِتْنَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢]

والنَّسِيءُ عِنْدَ العَرَبِ تَأْخِيرٌ يَجْعَلُونَهُ لِشَهْرٍ حَرامٍ فَيُصَيِّرُونَهُ حَلالًا ويُحَرِّمُونَ شَهْرًا آخَرَ مِنَ الأشْهُرِ الحَلالِ عِوَضًا عَنْهُ في عامِهِ.

والدّاعِي الَّذِي دَعا العَرَبَ إلى وضْعِ النَّسِيءِ أنَّ العَرَبَ سَنَتُهم قَمَرِيَّةٌ تَبَعًا لِلْأشْهُرِ، فَكانَتْ سَنَتُهُمِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا قَمَرِيَّةً تامَّةً، ودامُوا عَلى ذَلِكَ قُرُونًا طَوِيلَةً ثُمَّ بَدا لَهم فَجَعَلُوا النَّسِيءَ.

وأحْسَنُ ما رُوِيَ في صِفَةِ ذَلِكَ قَوْلُ أبِي وائِلٍ: أنَّ العَرَبَ كانُوا أصْحابَ حُرُوبٍ وغاراتٍ فَكانَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ أنْ يَمْكُثُوا ثَلاثَةَ أشْهُرٍ مُتَوالِيَةٍ لا يُغِيرُونَ فِيها فَقالُوا لَئِنْ تَوالَتْ عَلَيْنا ثَلاثَةُ أشْهُرٍ لا نُصِيبُ فِيها شَيْئًا لِنَهْلِكَنَّ. وسَكَتَ المُفَسِّرُونَ عَمّا نَشَأ بَعْدَ قَوْلِ العَرَبِ هَذا، ووَقَعَ في بَعْضِ ما رَواهُ الطَّبَرَيُّ والقُرْطُبِيُّ ما يُوهِمُ أنَّ أوَّلَ مَن نَسَأ لَهُمُ النَّسِيءَ هو جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ ولَيْسَ الأمْرُ ذَلِكَ لِأنَّ جُنادَةَ بْنَ عَوْفٍ أدْرَكَ الإسْلامَ وأمْرُ النَّسِيءِ مُتَوَغِّلٌ في القِدَمِ والَّذِي يَجِبُ اعْتِمادُهُ أنَّ أوَّلَ مَن نَسَأ النَّسِيءَ هو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ نُعَيْمٍ أوْ فُقَيْمٍ - ولَعَلَّ نُعَيْمَ تَحْرِيفُ فُقَيْمٍ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ اسْمُ نُعَيْمٍ لَمْ يُعْرَفْ في هَذا - . وهو المُلَقَّبُ بِالقَلَمَّسِ ولا يُوجَدُ ذِكْرُ بَنِي فُقَيْمٍ في جَمْهَرَةِ ابْنِ حَزْمٍ وقَدْ ذَكَرَهُ صاحِبُ القامُوسِ وابْنُ عَطِيَّةَ. قالَ ابْنُ حَزْمٍ أوَّلُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ سَرِيرُ (كَذا ولَعَلَّهُ سَرِيُّ) بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ مالِكِ بْنِ كِنانَةَ ثُمَّ ابْنُ أخِيهِ عَدِيُّ بْنُ عامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ. وفي ابْنِ عَطِيَّةَ خِلافُ ذَلِكَ قالَ: انْتَدَبَ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ

صفحة ١٩٠

لَهُمُ الشُّهُورَ. ثُمَّ خَلَفَهُ ابْنُهُ عَبّادٌ. ثُمَّ ابْنُهُ قُلَعٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أُمَيَّةُ، ثُمَّ ابْنُهُ عَوْفٌ، ثُمَّ ابْنُهُ أبُو ثُمامَةَ جُنادَةُ وعَلَيْهِ قامَ الإسْلامُ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ كانَ بَنُو فُقَيْمٍ أهْلَ دِينٍ في العَرَبِ وتَمَسُّكٍ بِشَرْعِ إبْراهِيمَ فانْتَدَبَ مِنهُمُ القَلَمَّسُ وهو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ فُقَيْمٍ فَنَسَأ الشُّهُورَ لِلْعَرَبِ. وفي تَفْسِيرِ القُرْطُبِيِّ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أوَّلُ مَن نَسَأ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ (أيِ الَّذِي أدْخَلَ عِبادَةَ الأصْنامِ في العَرَبِ وبَحَرَ البَحِيرَةَ وسَيَّبَ السّائِبَةَ) . وقالَ الكَلْبِيُّ أوَّلُ مَن نَسَأ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُقالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ.

قالَ ابْنُ حَزْمٍ: كُلُّ مَن صارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ المَرْتَبَةُ أيْ مَرْتَبَةُ النَّسِيءِ كانَ يُسَمّى القَلَمَّسَ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: كانَ الَّذِي يَلِي النَّسِيءَ يَظْفَرُ بِالرِّئاسَةِ لِتَرْيِيسِ العَرَبِ إيّاهُ. وكانَ القَلَمَّسُ يَقِفُ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ ويَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي ناسِئُ الشُّهُورِ وواضِعُها مَواضِعَها ولا أُعابُ ولا أُجابُ. اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ أحْلَلْتُ أحَدَ الصَّفَرَيْنِ وحَرَّمْتُ صَفَرَ المُؤَخَّرَ انْفِرُوا عَلى اسْمِ اللَّهِ تَعالى. وكانَ آخِرَ النُّسَأةِ جُنادَةُ بْنُ عَوْفٍ ويُكَنّى أبا ثُمامَةَ وكانَ ذا رَأْيٍ فِيهِمْ وكانَ يَحْضُرُ المَوْسِمَ عَلى حِمارٍ لَهُ فَيُنادِي أيُّها النّاسُ ألا إنَّ أبا ثُمامَةَ لا يُعابُ ولا يُجابُ. ولا مَرَدَّ لِما يَقُولُ فَيَقُولُونَ أنْسِئْنا شَهْرًا، أيْ أخِّرْ عَنّا حُرْمَةَ المُحَرَّمِ واجْعَلْها في صَفَرٍ فَيُحِلُّ لَهُمُ المُحَرَّمَ ويُنادِي: ألا إنَّ آلِهَتَكم قَدْ حَرَّمَتِ العامَ صَفَرَ فَيُحَرِّمُونَهُ ذَلِكَ العامَ فَإذا حَجُّوا في ذِي الحِجَّةِ تَرَكُوا المُحَرَّمَ وسَمَّوْهُ صَفَرًا فَإذا انْسَلَخَ ذُو الحِجَّةِ خَرَجُوا في مُحَرَّمٍ وغَزَوْا فِيهِ وأغارُوا وغَنِمُوا لِأنَّهُ صارَ صَفَرًا فَيَكُونُ لَهم في عامِهِمْ ذَلِكَ صَفَرانِ وفي العامِ القابِلِ يَصِيرُ ذُو الحِجَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ ذا القَعْدَةِ ويَصِيرُ مُحَرَّمُ ذا الحِجَّةِ فَيَحُجُّونَ في مُحَرَّمٍ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ عامَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ثُمَّ يُبَدِّلُونَ فَيَحُجُّونَ في شَهْرِ صَفَرٍ عامَيْنِ ولاءً ثُمَّ كَذَلِكَ.

وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: ”إنَّ تَأْخِيرَ بَعْضِ الشُّهُورِ بَعْدَ مُدَّةٍ لِقَصْدِ تَأْخِيرِ الحَجِّ عَنْ وقْتِهِ القَمَرِيِّ، تَحَرِّيًا مِنهم لِلسَّنَةِ الشَّمْسِيَّةِ، فَكانُوا يُؤَخِّرُونَهُ في كُلِّ عامٍ أحَدَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ أكْثَرَ قَلِيلًا، حَتّى يَعُودَ الدَّوْرُ إلى ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، فَيَعُودُ إلى وقْتِهِ ونُسِبَ إلى شَيْخِهِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ أنَّ ذَلِكَ اعْتِبارٌ مِنهم بِالشُّهُورِ العَجَمِيَّةِ“ . ولَعَلَّهُ تَبِعَ في هَذا قَوْلَ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ القُرْطُبِيُّ، وأحْسَبُ أنَّهُ اشْتِباهٌ.

صفحة ١٩١

وكانَ النَّسِيءُ بِأيْدِي بَنِي فُقَيْمٍ مِن كِنانَةَ، وأوَّلُ مَن نَسَأ الشُّهُورَ هو حُذَيْفَةُ بْنُ عَبْدِ بْنِ فُقَيْمٍ.

وتَقْرِيبُ زَمَنِ ابْتِداءِ العَمَلِ بِالنَّسِيءِ أنَّهُ في أواخِرِ القَرْنِ الثّالِثِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، أيْ في حُدُودِ سَنَةِ عِشْرِينَ ومِائَتَيْنِ قَبْلَ الهِجْرَةِ.

وصِيغَةُ القَصْرِ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما النَّسِيُّ زِيادَةٌ في الكُفْرِ﴾ تَقْتَضِي أنَّهُ لا يَعْدُو كَوْنَهُ مِن أثَرِ الكُفْرِ لِمَحَبَّةِ الِاعْتِداءِ والغاراتِ فَهو قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ، ويَلْزَمُ مِن كَوْنِهِ زِيادَةً في الكُفْرِ أنَّ الَّذِينَ وضَعُوهُ لَيْسُوا إلّا كافِرِينَ وما هم بِمُصْلِحِينَ، وما الَّذِينَ تابَعُوهم إلّا كافِرُونَ كَذَلِكَ وما هم بِمُتَّقِينَ.

ووَجْهُ كَوْنِهِ كُفْرًا أنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ شَرْعَ لَهُمُ الحَجَّ ووَقَّتَهُ بِشَهْرٍ مِنَ الشُّهُورِ القَمَرِيَّةِ المَعْدُودَةِ المُسَمّاةِ بِأسْماءَ تُمَيِّزُها عَنِ الِاخْتِلاطِ، فَلَمّا وضَعُوا النَّسِيءَ قَدْ عَلِمُوا أنَّهم يَجْعَلُونَ بَعْضَ الشُّهُورِ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ، ويُسَمُّونَهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ، ويُصادِفُونَ إيقاعَ الحَجِّ في غَيْرِ الشَّهْرِ المُعَيَّنِ لَهُ، أعْنِي شَهْرَ ذِي الحِجَّةِ ولِذَلِكَ سَمَّوْهُ النَّسِيءَ اسْمًا مُشْتَقًّا مِن مادَّةِ النَّسّاءِ وهو التَّأْخِيرُ، فَهم قَدِ اعْتَرَفُوا بِأنَّهُ تَأْخِيرُ شَيْءٍ عَنْ وقْتِهِ، وهم في ذَلِكَ مُسْتَخِفُّونَ بِشَرْعِ اللَّهِ تَعالى، ومُخالِفُونَ لِما وقَّتَ لَهم عَنْ تَعَمُّدٍ مُثْبِتِينَ الحِلَّ لِشَهْرٍ حَرامٍ والحُرْمَةَ لِشَهْرٍ غَيْرِ حَرامٍ، وذَلِكَ جُرْأةٌ عَلى دِينِ اللَّهِ واسْتِخْفافٌ بِهِ، فَلِذَلِكَ يُشْبِهُ جَعْلُهم لِلَّهِ شُرَكاءَ، فَكَما جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في الإلَهِيَّةِ جَعَلُوا مِن أنْفُسِهِمْ شُرَكاءَ لِلَّهِ في التَّشْرِيعِ يُخالِفُونَهُ فِيما شَرَعَهُ فَهو بِهَذا الِاعْتِبارِ كالكُفْرِ، فَلا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى أنَّ الأعْمالَ السَّيِّئَةَ تُوجِبُ كُفْرَ فاعِلِها، ولَكِنَّ كُفْرَ هَؤُلاءِ أوْجَبَ عَمَلَهُمُ الباطِلَ.

وحَرْفُ في المُفِيدُ الظَّرْفِيَّةَ مُتَعَلِّقٌ بِزِيادَةٍ لِأنَّ الزِّيادَةَ تَتَعَدّى بِفي ﴿يَزِيدُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ [فاطر: ١] فالزِّيادَةُ في الأجْسامِ تَقْتَضِي حُلُولَ تِلْكَ الزِّيادَةِ في الجِسْمِ المُشابِهِ لِلظَّرْفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ أنَّهُ لَمّا كانَ إحْداثُهُ مِن أعْمالِ المُشْرِكِينَ في شُئُونِ دِيانَتِهِمْ وكانَ فِيهِ إبْطالٌ لِمَواقِيتِ الحَجِّ ولِحُرْمَةِ الشَّهْرِ الحَرامِ اعْتُبِرَ زِيادَةً في الكُفْرِ بِمَعْنى في أعْمالِ الكُفْرِ وإنْ يَكُنْ في ذاتِهِ كُفْرًا وهَذا كَما يَقُولُ السَّلَفُ: إنَّ الإيمانَ يَزِيدُ ويَنْقُصُ يُرِيدُونَ بِهِ يَزِيدُ بِزِيادَةِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ ويَنْقُصُ بِنَقْصِها مَعَ الجَزْمِ بِأنَّ ماهِيَّةَ

صفحة ١٩٢

الإيمانِ لا تَزِيدُ ولا تَنْقُصُ وهَذا كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ صَلاتَكم. عَلى أنَّ إطْلاقَ اسْمِ الإيمانِ عَلى أعْمالِ دِينِ الإسْلامِ وإطْلاقَ اسْمِ الكُفْرِ عَلى أعْمالِ الجاهِلِيَّةِ مِمّا طَفَحَتْ بِهِ أقْوالُ الكِتابِ والسُّنَّةِ مَعَ اتِّفاقِ جُمْهُورِ عُلَماءِ الأُمَّةِ عَلى أنَّ الأعْمالَ غَيْرُ الِاعْتِقادِ لا تَقْتَضِي إيمانًا ولا كُفْرًا.

وعَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي فَتَأْوِيلُهُ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ، أيْ زِيادَةٍ في أحْوالِ أهْلِ الكُفْرِ، أيْ أمْرٍ مِنَ الضَّلالِ زِيدَ عَلى ما هم فِيهِ مِنَ الكُفْرِ بِضِدِّ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦] . وهَذانِ التَّأْوِيلانِ مُتَقارِبانِ لا خِلافَ بَيْنَهُما إلّا بِالِاعْتِبارِ، فالتَّأْوِيلُ الأوَّلُ يَقْتَضِي أنَّ إطْلاقَ الكُفْرِ فِيهِ مَجازٌ مُرْسَلٌ والتَّأْوِيلُ الثّانِي يَقْتَضِي أنَّ إطْلاقَ الكُفْرِ فِيهِ إيجازُ حَذْفٍ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ.

وجُمْلَةُ ﴿يَضِلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ خَبَرٌ ثانٍ عَنِ النَّسِيءِ أيْ هو ضَلالٌ مُسْتَمِرٌّ، لِما اقْتَضاهُ الفِعْلُ المُضارِعُ مِنَ التَّجَدُّدِ.

وجُمْلَةُ ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ بَيانٌ لِسَبَبِ كَوْنِهِ ضَلالًا.

وقَدِ اخْتِيرَ المُضارِعُ لِهَذِهِ الأفْعالِ لِدَلالَتِهِ عَلى التَّجَدُّدِ والِاسْتِمْرارِ، أيْ هم في ضَلالٍ مُتَجَدِّدٍ مُسْتَمِرٍّ بِتَجَدُّدِ سَبَبِهِ، وهو تَحْلِيلُهُ تارَةً وتَحْرِيمُهُ أُخْرى، ومُواطَأةُ عِدَّةِ ما حَرَّمَ اللَّهُ.

وإسْنادُ الضَّلالِ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا يَقْتَضِي أنَّ النَّسِيءَ كانَ عَمَلُهُ مُطَّرِدًا بَيْنَ جَمِيعِ المُشْرِكِينَ مِنَ العَرَبِ فَما وقَعَ في تَفْسِيرِ الطَّبَرَيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ مِن قَوْلِهِما: وكانَتْ هَوازِنُ وغَطَفانُ وبَنُو سَلِيمٍ يَفْعَلُونَهُ ويُعَظِّمُونَهُ، لَيْسَ مَعْناهُ اخْتِصاصُهم بِالنَّسِيءِ ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَءُوا بِمُتابَعَتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ يَضِلُّ - بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ - وقَرَأهُ حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ وخَلَفُ، ويَعْقُوبُ - بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ - عَلى أنَّهم يُضِلُّونَ غَيْرَهم.

والتَّنْكِيرُ والوَحْدَةُ في قَوْلِهِ: عامًا في المَوْضِعَيْنِ لِلنَّوْعِيَّةِ، أيْ يُحِلُّونَهُ في بَعْضِ الأعْوامِ ويُحَرِّمُونَهُ في بَعْضِ الأعْوامِ، فَهو كالوَحْدَةِ في قَوْلِ الشّاعِرِ:

يَوْمًا بِحُزْوى ويَوْمًا بِالعَقِيقِ

صفحة ١٩٣

ولَيْسَ المُرادُ أنَّ ذَلِكَ يَوْمًا غَبَّ يَوْمٍ، فَكَذَلِكَ في الآيَةِ لَيْسَ المُرادُ أنَّ النَّسِيءَ يَقَعُ عامًا غَبَّ عامٍ كَما ظَنَّهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ. ونَظِيرُهُ قَوْلُ أبِي الطَّيِّبِ:

فَيَوْمًا بِخَيْلٍ تَطْرُدُ الرُّومَ عَنْهُمُ ∗∗∗ ويَوْمًا بِجُودٍ تَطْرُدُ الفَقْرَ والجَدْبا

(يُرِيدُ تارَةً تَدْفَعُ عَنْهُمُ العَدُوَّ وتارَةً تَدْفَعُ عَنْهُمُ الفَقْرَ والجَدْبَ) وإنَّما يَكُونُ ذَلِكَ حِينَ حُلُولِ العَدُوِّ بِهِمْ وإصابَةِ الفَقْرِ والجَدْبِ بِلادَهم، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ المَعَرِّيُّ في كِتابِ (مُعْجِزِ أحْمَدَ) بِأنْ قالَ: ”فَإنْ قَصَدَهُمُ الرُّومُ طَرَدْتَهم بِخَيْلِكَ، وإنْ نازَلَهم فَقْرٌ وجَدْبٌ كَشَفْتَهُ عَنْهم بِجُودِكَ وإفْضالِكَ“ .

وقَدْ أبْقى الكَلامَ مُجْمَلًا لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ في هَذا المَقامِ بِبَيانِ كَيْفِيَّةِ عَمَلِ النَّسِيءِ، ولَعَلَّ لَهم فِيهِ كَيْفِيّاتٌ مُخْتَلِفَةٌ هِي مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ السّامِعِينَ.

ومَحَلُّ الذَّمِّ هو ما يَحْصُلُ في عَمَلِ النَّسِيءِ مِن تَغْيِيرِ أوْقاتِ الحَجِّ المُعَيَّنَةِ مِنَ اللَّهِ في غَيْرِ أيّامِها في سِنِينَ كَثِيرَةٍ، ومِن تَغْيِيرِ حُرْمَةِ بَعْضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ في سِنِينَ كَثِيرَةٍ. ويَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ بِقَوْلِهِ: ﴿يُحِلُّونَهُ عامًا ويُحَرِّمُونَهُ عامًا﴾ أيْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِيُوافِقُوا عَدَدَ الأشْهُرِ الحُرُمِ فَتَبْقى أرْبَعَةً.

والمُواطَأةُ المُوافَقَةُ، وهي مُفاعَلَةٌ عَنِ الوَطِيئِ شَبَّهَ التَّماثُلَ في المِقْدارِ وفي الفِعْلِ بِالتَّوافُقِ وطِيئِ الأرْجُلِ ومِن هَذا قَوْلُهم (وُقُوعُ الحافِرِ عَلى الحافِرِ) .

و﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ هي عِدَّةُ الأشْهُرِ الحُرُمِ الأرْبَعَةِ.

وظاهِرُ هَذا أنَّهُ تَأْوِيلٌ عَنْهم وضَرْبٌ مِنَ المَعْذِرَةِ، فَلا يُناسِبُ عَدَّهُ في سِياقِ التَّشْنِيعِ بِعَمَلِهِمْ والتَّوْبِيخِ لَهم، ولَكِنْ ذَكَرَهُ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ فَإنَّهُ يَتَفَرَّعُ عَلى مُحاوَلَتِهِمْ مُوافَقَةَ عِدَّةِ ما حَرَمَ اللَّهُ أنْ يُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، وهَذا نِداءٌ عَلى فَسادِ دِينِهِمْ واضْطِرابِهِ فَإنَّهم يَحْتَفِظُونَ بِعَدَدِ الأشْهُرِ الحُرُمِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ مَزِيدُ أثَرٍ في الدِّينِ، وإنَّما هو عَدَدٌ تابِعٌ لِتَعْيِينِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، ويُفَرِّطُونَ في نَفْسِ الحُرْمَةِ فَيُحِلُّونَ الشَّهْرَ الحَرامَ، ثُمَّ يَزِيدُونَ باطِلًا آخَرَ فَيُحَرِّمُونَ الشَّهْرَ الحَلالَ. فَقَدِ احْتَفَظُوا بِالعَدَدِ وأفْسَدُوا المَعْدُودَ.

صفحة ١٩٤

وتَوْجِيهُ عَطْفِ ﴿فَيُحِلُّوا﴾ عَلى مَجْرُورِ لامِ التَّعْلِيلِ في قَوْلِهِ: ﴿لِيُواطِئُوا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ هو تَنْزِيلُ الأمْرِ المُتَرَتِّبِ عَلى العِلَّةِ مَنزِلَةَ المَقْصُودِ مِنَ التَّعْلِيلِ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُ صاحِبِهِ بِهِ التَّعْلِيلَ، عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ والتَّخْطِئَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهم عَدُوًّا وحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ دُونَ أنْ يُعَبِّرَ بِنَحْوِ عِدَّةِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، لِلْإشارَةِ إلى تَعْلِيلِ عَمَلِهِمْ في اعْتِقادِهِمْ بِأنَّهم حافَظُوا عَلى عِدَّةِ الأشْهُرِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعْظِيمًا. فَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهَكُّمِ بِهِمْ.

والإظْهارُ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ فَيُحِلُّوهُ، لِزِيادَةِ التَّصْرِيحِ بِتَسْجِيلِ شَناعَةِ عَمَلِهِمْ، وهو مُخالَفَتُهم أمْرَ اللَّهِ - تَعالى - وإبْطالُهم حُرْمَةَ بَعْضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، تِلْكَ الحُرْمَةُ الَّتِي لِأجْلِها زَعَمُوا أنَّهم يُحَرِّمُونَ بَعْضَ الأشْهُرِ الحَلالِ حِفاظًا عَلى عِدَّةِ الأشْهُرِ الَّتِي حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى.

وجُمْلَةُ ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا: لِأنَّ ما حُكِيَ مِنِ اضْطِرابِ حالِهِمْ يُثِيرُ سُؤالَ السّائِلِينَ عَنْ سَبَبِ هَذا الضِّغْثِ مِنَ الضَّلالِ الَّذِي تَمَلَّئُوهُ فَقِيلَ: لِأنَّهم زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ، أيْ لِأنَّ الشَّيْطانَ زَيَّنَ لَهم سُوءَ أعْمالِهِمْ فَحَسَّنَ لَهُمُ القَبِيحَ.

والتَّزْيِينُ التَّحْسِينُ، أيْ جَعْلُ شَيْءٍ زَيْنًا، وهو إذًا يَسْنِدُ إلى ما لا تَتَغَيَّرُ حَقِيقَتُهُ فَلا يَصِيرُ حَسَنًا، يُؤْذِنُ بِأنَّ التَّحْسِينَ تَلْبِيسٌ. وتَقَدَّمَ التَّزْيِينُ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٢١٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وفِي هَذا الِاسْتِئْنافِ مَعْنى التَّعْلِيلِ لِحالِهِمُ العَجِيبَةِ حَتّى يَزُولَ تَعَجُّبُ السّامِعِ مِنها.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿زُيِّنَ لَهم سُوءُ أعْمالِهِمْ﴾ فَهي مَشْمُولَةٌ لِمَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ المُرادُ مِنهُ التَّعْلِيلُ لِتِلْكَ الحالَةِ الغَرِيبَةِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن تِلْكَ الحالَةِ يَسْتَلْزِمُ التَّعْجِيبَ مِن دَوامِهِمْ عَلى ضَلالِهِمْ وعَدَمِ اهْتِدائِهِمْ إلى ما في صَنِيعِهِمْ مِنَ الِاضْطِرابِ، حَتّى يُقْلِعُوا عَنْ ضَلالِهِمْ، فَبَعْدَ أنْ أُفِيدَ السّائِلُ بِأنَّ

صفحة ١٩٥

سَبَبَ ذَلِكَ الِاضْطِرابِ هو تَزْيِينُ الشَّيْطانِ لَهم سُوءَ أعْمالِهِمْ، أُفِيدَ بِأنَّ دَوامَهم عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ أمْسَكَ عَنْهُمُ اللُّطْفَ والتَّوْفِيقَ، الَّذَيْنِ بِهِما يَتَفَطَّنُ الضّالُّ لِضَلالِهِ فَيُقْلِعُ عَنْهُ، جَزاءً لَهم عَلى ما أسْلَفُوهُ مِنَ الكُفْرِ، فَلَمْ يَزالُوا في دَرَكاتِ الضَّلالِ إلى أقْصى غايَةٍ.

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ بِقَوْلِهِ: ﴿القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ لِقَصْدِ إفادَةِ التَّعْمِيمِ الَّذِي يَشْمَلُهم وغَيْرَهم، أيْ: هَذا شَأْنُ اللَّهِ مَعَ جَمِيعِ الكافِرِينَ.

واعْلَمْ أنَّ حُرْمَةَ الأزْمانِ والبِقاعِ إنَّما تُتَلَقّى عَنِ الوَحْيِ الإلَهِيِّ لِأنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ هَذا العالَمَ هو الَّذِي يَسُنُّ لَهُ نِظامَهُ فَبِذَلِكَ تَسْتَقِرُّ حُرْمَةُ كُلِّ ذِي حُرْمَةٍ في نُفُوسِ جَمِيعِ النّاسِ إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ عَمَلٌ لِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، فَإذا أُدْخِلَ عَلى ما جَعَلَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ تَغْيِيرٌ تَقَشَّعَتِ الحُرْمَةُ مِنَ النُّفُوسِ فَلا يَرْضى فَرِيقٌ بِما وضَعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الفِرَقِ، فَلِذَلِكَ كانَ النَّسِيءُ زِيادَةً في الكُفْرِ لِأنَّهُ مِنَ الأوْضاعِ الَّتِي اصْطَلَحَ عَلَيْها النّاسُ، كَما اصْطَلَحُوا عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ بِتَلْقِينِ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ.

وقَدْ أوْحى اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ أنَّ العامَ الَّذِي يَحُجُّ فِيهِ يُصادِفُ يَوْمُ الحَجِّ مِنهُ يَوْمَ تِسْعَةٍ مِن ذِي الحِجَّةِ، عَلى الحِسابِ الَّذِي يَتَسَلْسَلُ مِن يَوْمِ خَلْقِ اللَّهِ السَّماواتِ والأرْضَ، وأنَّ فِيهِ يَنْدَحِضُ أثَرُ النَّسِيءِ، ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ في خُطْبَةِ حَجَّةِ الوَداعِ «إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ»، قالُوا فَصادَفَتْ حَجَّةُ أبِي بَكْرٍ سَنَةَ تِسْعٍ أنَّها وقَعَتْ في شَهْرِ ذِي القَعْدَةِ بِحِسابِ النَّسِيءِ، فَجاءَتْ حَجَّةُ النَّبِيءِ ﷺ في شَهْرِ ذِي الحِجَّةِ في الحِسابِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ.

9:38Page 193

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ٣٨

O you who have believed, what is [the matter] with you that, when you are told to go forth in the cause of Allāh, you adhere heavily to the earth?1 Are you satisfied with the life of this world rather than the Hereafter? But what is the enjoyment of worldly life compared to the Hereafter except a [very] little.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ فَما مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا قَلِيلٌ﴾

هَذا ابْتِداءُ خِطابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ لِلتَّحْرِيضِ عَلى الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، بِطَرِيقَةِ العِتابِ عَلى التَّباطُئِ بِإجابَةِ دَعْوَةِ النَّفِيرِ إلى الجِهادِ، والمَقْصُودُ بِذَلِكَ غَزْوَةُ تَبُوكَ. قالَ ابْنُ

صفحة ١٩٦

عَطِيَّةَ: ”لا اخْتِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ في أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عِتابًا عَلى تَخَلُّفِ مَن تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، إذْ تَخَلَّفَ عَنْها قَبائِلُ ورِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ، والمُنافِقُونَ“ فالكَلامُ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وبِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ ﴿فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٥] كَما أشَرْنا إلَيْهِ في تَفْسِيرِ تِلْكَ الآياتِ. وهو خِطابٌ لِلَّذِينَ حَصَلَ مِنهُمُ التَّثاقُلُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ إلى تِلْكَ الغَزْوَةِ، وكانَ ذَلِكَ في وقْتِ حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفازًا، حِينَ نَضِجَتِ الثِّمارُ، وطابَتِ الظِّلالُ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ في شِدَّةِ حاجَةٍ إلى الظَّهْرِ والعُدَّةِ. فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ غَزْوَةُ العُسْرَةِ كَما سَيَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ، فَجَلّى رَسُولُ اللَّهِ لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهم لِيَتَأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وأخْبَرَهم بِوَجْهِهِ الَّذِي يُرِيدُ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ لا يُرِيدُ غَزْوَةً إلّا ورّى بِما يُوهِمُ مَكانًا غَيْرَ المَكانِ المَقْصُودِ، فَحَصَلَ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ تَثاقُلٌ، ومِن بَعْضِهِمْ تَخْلُفٌ، فَوَجَّهَ اللَّهُ إلَيْهِمْ هَذا المَلامَ المُعَقَّبَ بِالوَعِيدِ.

فَإنْ نَحْنُ جَرَيْنا عَلى أنَّ نُزُولَ السُّورَةِ كانَ دُفْعَةً واحِدَةً، وأنَّهُ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ، كَما هو الأرْجَحُ، وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ، كانَ مَحْمَلُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها عِتابٌ عَلى ما مَضى وكانَتْ إذا مُسْتَعْمَلَةً ظَرْفًا لِلْماضِي، عَلى خِلافِ غالِبِ اسْتِعْمالِها، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] صالِحٌ لِإفادَةِ ذَلِكَ، وتَحْذِيرٌ مِنَ العَوْدَةِ إلَيْهِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٩] و﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ [التوبة: ٤٠] و﴿انْفِرُوا خِفافًا﴾ [التوبة: ٤١] مُرادٌ بِهِ ما يُسْتَقْبَلُ حِينَ يُدْعَوْنَ إلى غَزْوَةٍ أُخْرى، وسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا في مَواضِعِهِ مِنَ الآياتِ.

وإنْ جَرْيَنا عَلى ما عَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى النِّقاشِ: أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِن سُورَةِ بَراءَةَ، كانَتِ الآيَةُ عِتابًا عَلى تَكاسُلٍ وتَثاقَلٍ ظَهَرا عَلى بَعْضِ النّاسِ، فَكانَتْ إذا ظَرْفًا لِلْمُسْتَقْبَلِ، عَلى ما هو الغالِبُ فِيها، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩] تَحْذِيرًا مِن تَرْكِ الخُرُوجِ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ، وهَذا كُلُّهُ بَعِيدٌ مِمّا ثَبَتَ في السِّيرَةِ وما تَرَجَّحَ في نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ.

صفحة ١٩٧

و”ما“ في قَوْلِهِ: ”ما لَكُمُ“ اسْمُ اسْتِفْهامٍ إنْكارِيٍّ، والمَعْنى: أيُّ شَيْءٍ، و”لَكم“ خَبَرٌ عَنِ الِاسْتِفْهامِ أيْ: أيُّ شَيْءٍ ثَبَتَ لَكم.

وإذا ظَرْفٌ تَعَلَّقَ بِمَعْنى الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ عَلى مَعْنى: أنَّ الإنْكارَ حاصِلٌ في ذَلِكَ الزَّمانِ الَّذِي قِيلَ لَهم فِيهِ: انْفِرُوا، ولَيْسَ مُضَمَّنًا مَعْنى الشَّرْطِ لِأنَّهُ ظَرْفُ مُضِيٍّ.

وجُمْلَةُ اثّاقَلْتُمْ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الجَماعَةِ، وتِلْكَ الحالَةُ هي مَحَلُّ الإنْكارِ، أيْ: ما لَكم مُتَثاقِلِينَ. يُقالُ: مالَكَ فَعَلْتَ كَذا، ومالَكَ تَفْعَلُ كَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥]، ومالَكَ فاعِلًا، كَقَوْلِهِ: ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ [النساء: ٨٨]

والنَّفْرُ: الخُرُوجُ السَّرِيعُ مِن مَوْضِعٍ إلى غَيْرِهِ لِأمْرٍ يَحْدُثُ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الخُرُوجِ إلى الحَرْبِ، ومَصْدَرُهُ حِينَئِذٍ النَّفِيرُ.

وسَبِيلُ اللَّهِ: الجِهادُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كالطَّرِيقِ المُوَصِّلِ إلى اللَّهِ، أيْ إلى رِضاهُ و﴿اثّاقَلْتُمْ﴾ أصْلُهُ تَثاقَلْتُمْ قُلِبَتِ التّاءُ المُثَنّاةُ ثاءً مُثَلَّثَةً لِتَقارُبِ مَخْرَجَيْهِما طَلَبًا لِلْإدْغامِ، واجْتُلِبَتْ هَمْزَةُ الوَصْلِ لِإمْكانِ تَسْكِينِ الحَرْفِ الأوَّلِ مِنَ الكَلِمَةِ عِنْدَ إدْغامِهِ.

والتَّثاقُلُ تَكَلُّفُ الثِّقَلِ، أيْ إظْهارُ أنَّهُ ثَقِيلٌ لا يَسْتَطِيعُ النُّهُوضَ.

والثِّقَلُ حالَةٌ في الجِسْمِ تَقْتَضِي شِدَّةَ تَطَلُّبِهِ لِلنُّزُولِ إلى أسْفَلَ، وعُسْرَ انْتِقالِهِ، وهو مُسْتَعْمَلٌ هُنا في البُطْءِ مَجازًا مُرْسَلًا، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ بُطْأهم لَيْسَ عَنْ عَجْزٍ، ولَكِنَّهُ عَنْ تَعَلُّقٍ بِالإقامَةِ في بِلادِهِمْ وأمْوالِهِمْ.

وعُدِّيَ التَّثاقُلُ بِـ إلى لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى المَيْلِ والإخْلادِ، كَأنَّهُ تَثاقُلٌ يَطْلُبُ فاعِلُهُ الوُصُولَ إلى الأرْضِ لِلْقُعُودِ والسُّكُونِ بِها.

والأرْضُ ما يَمْشِي عَلَيْهِ النّاسُ.

ومَجْمُوعُ قَوْلِهِ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ تَمْثِيلٌ لِحالِ الكارِهِينَ لِلْغَزْوِ المُتَطَلِّبِينَ لِلْعُذْرِ عَنِ الجِهادِ كَسَلًا وجُبْنًا بِحالِ مَن يُطْلَبُ مِنهُ النُّهُوضُ والخُرُوجُ، فَيُقابِلُ

صفحة ١٩٨

ذَلِكَ الطَّلَبَ بِالِالتِصاقِ بِالأرْضِ، والتَّمَكُّنِ مِنَ القُعُودِ، فَيَأْبى النُّهُوضَ فَضْلًا عَنِ السَّيْرِ.

وقَوْلُهُ: ﴿إلى الأرْضِ﴾ كَلامٌ مُوَجَّهٌ بَدِيعٌ: لِأنَّ تَباطُؤَهم عَنِ الغَزْوِ، وتَطَلُّبَهُمُ العُذْرَ، كانَ أعْظَمُ بَواعِثِهِ رَغْبَتَهُمُ البَقاءَ في حَوائِطِهِمْ وثِمارِهِمْ، حَتّى جَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَعْنى ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾: مِلْتُمْ إلى أرْضِكم ودِيارِكم.

والِاسْتِفْهامُ في ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ إنْكارِيٌ تَوْبِيخِيٌ، إذْ لا يَلِيقُ ذَلِكَ بِالمُؤْمِنِينَ.

ومَن في ﴿مِنَ الآخِرَةِ﴾ لِلْبَدَلِ: أيْ كَيْفَ تَرْضَوْنَ بِالحَياةِ الدُّنْيا بَدَلًا عَنِ الآخِرَةِ. ومِثْلُ ذَلِكَ لا يُرْضى بِهِ والمُرادُ بِالحَياةِ الدُّنْيا، وبِالآخِرَةِ: مَنافِعُهُما، فَإنَّهم لَمّا حاوَلُوا التَّخَلُّفَ عَنِ الجِهادِ قَدْ آثَرُوا الرّاحَةَ في الدُّنْيا عَلى الثَّوابِ الحاصِلِ لِلْمُجاهِدِينَ في الآخِرَةِ.

واخْتِيرَ فِعْلُ رَضِيتُمْ دُونَ نَحْوِ آثَرْتُمْ أوْ فَضَّلْتُمْ: مُبالَغَةً في الإنْكارِ؛ لِأنَّ فِعْلَ (رَضِيَ بِكَذا) يَدُلُّ عَلى انْشِراحِ النَّفْسِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ في حَدِيثِ الغارِ ”فَشَرِبَ حَتّى رَضِيتُ“ .

والمَتاعُ: اسْمُ مَصْدَرِ تَمَتَّعَ، فَهو الِالتِذاذُ والتَّنَعُّمُ، كَقَوْلِهِ: ﴿مَتاعًا لَكم ولِأنْعامِكُمْ﴾ [النازعات: ٣٣] ووَصْفُهُ بِـ ”قَلِيلٍ“ بِمَعْنى ضَعِيفٍ ودَنِيءٍ. اسْتُعِيرَ القَلِيلُ لِلتّافِهِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَتاعُ هُنا مُرادًا بِهِ الشَّيْءُ المُتَمَتَّعُ بِهِ، مِن إطْلاقِ المَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ فالإخْبارُ عَنْهُ بِالقَلِيلِ حَقِيقَةٌ.

وحَرْفُ ”في“ مِن قَوْلِهِ: ”في الآخِرَةِ“ دالٌّ عَلى مَعْنى المُقايَسَةِ، وقَدْ جَعَلُوا المُقايَسَةَ مِن مَعانِي (في) كَما في التَّسْهِيلِ والمُغْنِي، واسْتَشْهَدُوا بِهَذِهِ الآيَةِ أخْذًا مِنَ الكَشّافِ ولَمْ يَتَكَلَّمْ عَلى هَذا المَعْنى شارِحُوهُما ولا شارِحُو الكَشّافِ، وقَدْ تَكَرَّرَ نَظِيرُهُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا مَتاعٌ﴾ [الرعد: ٢٦]، وقَوْلِهِ ﷺ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ «ما الدُّنْيا في الآخِرَةِ إلّا كَمَثَلِ ما يَجْعَلُ أحَدُكم إصْبَعَهُ في اليَمِّ فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ» وهو في التَّحْقِيقِ (مِن) الظَّرْفِيَّةُ المَجازِيَّةُ: أيْ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا إذا أُقْحِمَ في خَيْراتِ الآخِرَةِ كانَ قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلى كَثْرَةِ خَيْراتِ الآخِرَةِ، فَلَزِمَ أنَّهُ ما ظَهَرَتْ قِلَّتُهُ إلّا عِنْدَما قِيسَ بِخَيْراتٍ عَظِيمَةٍ ونُسِبَ إلَيْها، فالتَّحْقِيقُ أنَّ المُقايَسَةَ مَعْنًى حاصِلٌ لِاسْتِعْمالِ حَرْفِ الظَّرْفِيَّةِ، ولَيْسَ مَعْنًى مَوْضُوعًا لَهُ حَرْفُ (في)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском