Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:43–49
9:43Page 194
عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٤٣
Allāh has pardoned you, [O Muḥammad, but] why did you give them permission [to remain behind]? [You should not have] until it was evident to you who were truthful and you knew [who were] the liars.
صفحة ٢١٠
﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أذِنَتْ لَهم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعَلَمَ الكاذِبِينَ﴾ اسْتَأْذَنَ فَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ النَّبِيءَ ﷺ، أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوَةِ، مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، ورِفاعَةُ بْنُ التّابُوتِ، وكانُوا تِسْعَةً وثَلاثِينَ واعْتَذَرُوا بِأعْذارٍ كاذِبَةٍ وأذِنَ النَّبِيءُ ﷺ لِمَنِ اسْتَأْذَنَهُ حَمْلًا لِلنّاسِ عَلى الصِّدْقِ، إذْ كانَ ظاهِرُ حالِهِمُ الإيمانَ، وعِلْمًا بِأنَّ المُعْتَذِرِينَ إذا أُلْجِئُوا إلى الخُرُوجِ لا يُغْنُونَ شَيْئًا، كَما قالَ - تَعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧] فَعاتَبَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ في أنْ أذِنَ لَهم؛ لِأنَّهُ لَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهم لَقَعَدُوا، فَيَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا لِلنَّبِيءِ ﷺ عَلى نِفاقِهِمْ وكَذِبِهِمْ في دَعْوى الإيمانِ، كَما قالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿ولَوْ نَشاءُ لَأرَيْناكَهم فَلَعَرَفْتَهم بِسِيماهُمْ﴾ [محمد: ٣٠]
والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِأنَّهُ غَرَضٌ أُنُفٌ.
وافْتِتاحُ العِتابِ بِالإعْلامِ بِالعَفْوِ إكْرامٌ عَظِيمٌ، ولَطافَةٌ شَرِيفَةٌ، فَأخْبَرَهُ بِالعَفْوِ قَبْلَ أنْ يُباشِرَهُ بِالعِتابِ. وفي هَذا الِافْتِتاحِ كِنايَةٌ عَنْ خِفَّةِ مُوجِبِ العِتابِ لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: ما كانَ يَنْبَغِي، وتَسْمِيَةُ الصَّفْحِ عَنْ ذَلِكَ عَفْوًا ناظِرٌ إلى مَغْزى قَوْلِ أهْلِ الحَقِيقَةِ: حَسَناتُ الأبْرارِ سَيِّئاتُ المُقَرَّبِينَ.
وأُلْقِيَ إلَيْهِ العِتابُ بِصِيغَةِ الِاسْتِفْهامِ عَنِ العِلَّةِ إيماءً إلى أنَّهُ ما أذِنَ لَهم إلّا لِسَبَبٍ تَأوَّلَهُ ورَجا مِنهُ الصَّلاحَ عَلى الجُمْلَةِ بِحَيْثُ يُسْألُ عَنْ مِثْلِهِ في اسْتِعْمالِ السُّؤالِ مِن سائِلٍ يَطْلُبُ العِلْمَ وهَذا مِن صِيَغِ التَّلَطُّفِ في الإنْكارِ أوِ اللَّوْمِ، بِأنْ يُظْهِرَ المُنْكِرُ نَفْسَهُ كالسّائِلِ عَنِ العِلَّةِ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ أعْقَبَهُ بِأنَّ تَرْكَ الإذْنِ كانَ أجْدَرَ بِتَبْيِينِ حالِهِمْ، وهو غَرَضٌ آخَرُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ قَصْدُ النَّبِيءِ ﷺ .
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ أذِنْتَ لِظُهُورِهِ مِنَ السِّياقِ، أيْ لِمَ أذِنْتَ لَهم في القُعُودِ والتَّخَلُّفِ.
صفحة ٢١١
و(حَتّى) غايَةٌ لِفِعْلِ أذِنْتَ لِأنَّهُ لَمّا وقَعَ في حَيِّزِ الِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كانَ في حُكْمِ المَنفِيِّ فالمَعْنى: لا مُقْتَضِيَ لِلْإذْنِ لَهم إلى أنْ يَتَبَيَّنَ الصّادِقُ مِنَ الكاذِبِ.
وفِي زِيادَةِ لَكَ بَعْدَ قَوْلِهِ: يَتَبَيَّنُ زِيادَةُ مُلاطَفَةٍ بِأنَّ العِتابَ ما كانَ إلّا عَنْ تَفْرِيطٍ في شَيْءٍ يَعُودُ نَفْعُهُ إلَيْهِ، والمُرادُ بِالَّذِينَ صَدَقُوا: الصّادِقُونَ في إيمانِهِمْ، وبِالكافِرِينَ الكاذِبِينَ فِيما أظْهَرُوهُ مِنَ الإيمانِ، وهُمُ المُنافِقُونَ. فالمُرادُ بِالَّذِينَ صَدَقُوا المُؤْمِنُونَ.
9:44Page 194
لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ٤٤
Those who believe in Allāh and the Last Day would not ask permission of you to be excused from striving [i.e., fighting] with their wealth and their lives. And Allāh is Knowing of those who fear Him.
﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ واقِعَةٌ مَوْقِعَ البَيانِ لِجُمْلَةِ ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] . ومَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ ﴿لِمَ أذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] أوْ هي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِما تُثِيرُهُ جُمْلَةُ ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وتَعْلَمَ الكاذِبِينَ﴾ [التوبة: ٤٣] والِاعْتِباراتُ مُتَقارِبَةٌ ومَآلُها واحِدٌ.
والمَعْنى: أنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ اسْتُنْفِرُوا أنْ لا يَسْتَأْذِنُوا النَّبِيءَ ﷺ في التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهادِ، فَأمّا أهْلُ الأعْذارِ: كالعُمْيِ، فَهم لا يَسْتَنْفِرُهُمُ النَّبِيءُ ﷺ، وأمّا الَّذِينَ تَخَلَّفُوا مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقَدْ تَخَلَّفُوا ولَمْ يَسْتَأْذِنُوا في التَّخَلُّفِ؛ لِأنَّهم كانُوا عَلى نِيَّةِ اللِّحاقِ بِالجَيْشِ بَعْدَ خُرُوجِهِ.
والِاسْتِئْذانُ طَلَبُ الإذْنِ، أيْ في إباحَةِ عَمَلٍ وتَرْكِ ضِدِّهِ؛ لِأنَّ شَأْنَ الإباحَةِ أنْ تَقْتَضِيَ التَّخْيِيرَ بَيْنَ أحَدِ أمْرَيْنِ مُتَضادَّيْنِ.
والِاسْتِئْذانُ يُعَدّى بِـ (في) . فَقَوْلُهُ: ”أنْ يُجاهِدُوا“ في مَحَلِّ جَرٍّ بِـ (في) المَحْذُوفَةِ، وحَذْفُ الجارِّ مَعَ أنْ مُطَّرِدٌ شائِعٌ.
ولَمّا كانَ الِاسْتِئْذانُ يَسْتَلْزِمُ شَيْئَيْنِ مُتَضادَّيْنِ، كَما قُلْنا، جازَ أنْ يُقالَ: اسْتَأْذَنْتُ في كَذا واسْتَأْذَنْتُ في تَرْكِ كَذا. وإنَّما يُذْكَرُ غالِبًا مَعَ فِعْلِ الِاسْتِئْذانِ الأمْرُ الَّذِي يَرْغَبُ المُسْتَأْذِنُ الإذْنَ فِيهِ دُونَ ضِدِّهِ وإنْ كانَ ذِكْرُ كِلَيْهِما صَحِيحًا.
صفحة ٢١٢
ولَمّا كانَ شَأْنُ المُؤْمِنِينَ الرَّغْبَةَ في الجِهادِ كانَ المَذْكُورُ مَعَ اسْتِئْذانِ المُؤْمِنِينَ، في الآيَةِ أنْ يُجاهِدُوا دُونَ أنْ لا يُجاهِدُوا، إذْ لا يَلِيقُ بِالمُؤْمِنِينَ الِاسْتِئْذانُ في تَرْكِ الجِهادِ، فَإذا انْتَفى أنْ يَسْتَأْذِنُوا في أنْ يُجاهِدُوا ثَبَتَ أنَّهم يُجاهِدُونَ دُونَ اسْتِئْذانٍ، وهَذا مِن لَطائِفِ بَلاغَةِ هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْها المُفَسِّرُونَ وتَكَلَّفُوا في إقامَةِ نَظْمِ الآيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ لِفائِدَةِ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلى أسْرارِ المُؤْمِنِينَ إذْ هُمُ المُرادُ بِالمُتَّقِينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢]
9:45Page 194
إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ ٤٥
Only those would ask permission of you who do not believe in Allāh and the Last Day and whose hearts have doubted, and they, in their doubt, are hesitating.
﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾
الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا نَشَأ عَنْ تَبْرِئَةِ المُؤْمِنِينَ مِن أنْ يَسْتَأْذِنُوا في الجِهادِ: بِبَيانِ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ الِاسْتِئْذانُ في هَذا الشَّأْنِ، وأنَّهُمُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ في باطِنِ أمْرِهِمْ لِأنَّ انْتِفاءَ إيمانِهِمْ يَنْفِي رَجاءَهم في ثَوابِ الجِهادِ، فَلِذَلِكَ لا يُعَرِّضُونَ أنْفُسَهم لَهُ.
وأفادَتْ ”إنَّما“ القَصْرُ. ولَمّا كانَ القَصْرُ يُفِيدُ مُفادَ خَبَرَيْنِ بِإثْباتِ شَيْءٍ ونَفْيِ ضِدِّهِ كانَتْ صِيغَةُ القَصْرِ هُنا دالَّةً بِاعْتِبارِ أحَدِ مُفادَيْها عَلى تَأْكِيدِ جُمْلَةِ ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٤] وقَدْ كانَتْ مُغْنِيَةً عَنِ الجُمْلَةِ المُؤَكِّدَةِ لَوْلا أنَّ المُرادَ مِن تَقْدِيمِ تِلْكَ الجُمْلَةِ التَّنْوِيهُ بِفَضِيلَةِ المُؤْمِنِينَ، فالكَلامُ إطْنابٌ لِقَصْدِ التَّنْوِيهِ، والتَّنْوِيهُ مِن مَقاماتِ الإطْنابِ.
وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَسْتَأْذِنُكَ هُنا لِظُهُورِهِ مِمّا قَبْلَهُ مِمّا يُؤْذِنُ بِهِ فِعْلُ الِاسْتِئْذانِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا﴾ [التوبة: ٤٤] والتَّقْدِيرُ: إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ في أنْ لا يُجاهِدُوا، ولِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ يَسْتَأْذِنُكَ هُنا.
صفحة ٢١٣
والسّامِعُ البَلِيغُ يُقَدِّرُ لِكُلِّ كَلامٍ ما يُناسِبُ إرادَةَ المُتَكَلِّمِ البَلِيغِ، وكُلٌّ عَلى مِنوالِهِ يَنْسِجُ.
وعَطْفُ ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عَلى الصِّلَةِ وهي ﴿لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالِارْتِيابِ الِارْتِيابُ في ظُهُورِ أمْرِ النَّبِيءِ ﷺ فَلِأجْلِ ذَلِكَ الِارْتِيابِ كانُوا ذَوِي وجْهَيْنِ مَعَهُ فَأظْهَرُوا الإسْلامَ لِئَلّا يَفُوتَهم ما يَحْصُلُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ العِزِّ والنَّفْعِ، عَلى تَقْدِيرِ ظُهُورِ أمْرِ الإسْلامِ، وأبْطَنُوا الكُفْرَ حِفاظًا عَلى دِينِهِمُ الفاسِدِ وعَلى صِلَتِهِمْ بِأهْلِ مِلَّتِهِمْ، كَما قالَ اللَّهُ - تَعالى - فِيهِمُ ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكم فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قالُوا ألَمْ نَكُنْ مَعَكم وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكم ونَمْنَعْكم مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١٤١]
ولَعَلَّ أعْظَمَ ارْتِيابِهِمْ كانَ في عاقِبَةِ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِأنَّهم لِكُفْرِهِمْ ما كانُوا يُقَدِّرُونَ أنَّ المُسْلِمِينَ يَغْلِبُونَ الرُّومَ، هَذا هو الوَجْهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ كَما آذَنَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾
وجِيءَ في قَوْلِهِ: ”لا يُؤْمِنُونَ“ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَجَدُّدِ نَفْيِ إيمانِهِمْ، وفي ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ بِصِيغَةِ الماضِي لِلدَّلالَةِ عَلى قِدَمِ ذَلِكَ الِارْتِيابِ ورُسُوخِهِ فَلِذَلِكَ كانَ أثَرُهُ اسْتِمْرارَ انْتِفاءِ إيمانِهِمْ، ولَمّا كانَ الِارْتِيابُ مُلازِمًا لِانْتِفاءِ الإيمانِ كانَ في الكَلامِ شِبْهُ الِاحْتِباكِ إذْ يَصِيرُ بِمَنزِلَةِ أنْ يُقالَ: الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا ولا يُؤْمِنُونَ وارْتابَتْ وتَرْتابُ قُلُوبُهم.
وفَرَّعَ قَوْلَهُ: ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ عَلى ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ تَفْرِيعَ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ: لِأنَّ الِارْتِيابَ هو الشَّكُّ في الأمْرِ بِسَبَبِ التَّرَدُّدِ في تَحْصِيلِهِ، فَلِتَرَدُّدِهِمْ لَمْ يُصارِحُوا النَّبِيءَ ﷺ بِالعِصْيانِ لِاسْتِنْفارِهِ، ولَمْ يَمْتَثِلُوا لَهُ فَسَلَكُوا مَسْلَكًا يَصْلُحُ لِلْأمْرَيْنِ، وهو مَسْلَكُ الِاسْتِئْذانِ في القُعُودِ، فالِاسْتِئْذانُ مُسَبَّبٌ عَلى التَّرَدُّدِ، والتَّرَدُّدُ مُسَبَّبٌ عَلى الِارْتِيابِ وقَدْ دَلَّ هَذا عَلى أنَّ المَقْصُودَ مِن صِلَةِ المَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ . هو قَوْلُهُ: ﴿وارْتابَتْ قُلُوبُهم فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ . لِأنَّهُ المُنْتِجُ لِانْحِصارِ الِاسْتِئْذانِ فِيهِمْ.
صفحة ٢١٤
وفِي ”رَيْبِهِمْ“ ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَماعَةِ، والظَّرْفِيَّةُ مَجازِيَّةٌ مُفِيدَةٌ إحاطَةَ الرَّيْبِ بِهِمْ، أيْ تَمَكُّنَهُ مِن نُفُوسِهِمْ، ولَيْسَ قَوْلُهُ: في رَيْبِهِمْ مُتَعَلِّقًا بِـ ”يَتَرَدَّدُونَ“
والتَّرَدُّدُ حَقِيقَتُهُ ذِهابٌ ورُجُوعٌ مُتَكَرِّرٌ إلى مَحَلٍّ واحِدٍ، وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالِ المُتَحَيِّرِ بَيْنَ الفِعْلِ وعَدَمِهِ بِحالِ الماشِي والرّاجِعِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهم: يُقَدِّمُ رِجْلًا ويُؤَخِّرُ أُخْرى.
والمَعْنى: أنَّهم لَمْ يَعْزِمُوا عَلى الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ. وفي هَذِهِ الآيَةِ تَصْرِيحٌ لِلْمُنافِقِينَ بِأنَّهم كافِرُونَ، وأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ رَسُولَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والمُؤْمِنِينَ عَلى كُفْرِهِمْ؛ لِأنَّ أمْرَ اسْتِئْذانِهِمْ في التَّخَلُّفِ قَدْ عَرَفَهُ النّاسُ.
9:46Page 194
۞ وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦
And if they had intended to go forth, they would have prepared for it [some] preparation. But Allāh disliked their being sent, so He kept them back, and they were told, "Remain [behind] with those who remain."1
﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾
عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَهم في رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التوبة: ٤٥] لِأنَّ مَعْنى المَعْطُوفِ عَلَيْها: أنَّهم لَمْ يُرِيدُوا الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ، وهَذا اسْتِدْلالٌ عَلى عَدَمِ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ إذْ لَوْ أرادُوهُ لَأعَدُّوا لَهُ عُدَّتَهُ. وهَذا تَكْذِيبٌ لِزَعْمِهِمْ أنَّهم تَهَيَّئُوا لِلْغَزْوِ ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُمُ الأعْذارُ فاسْتَأْذَنُوا في القُعُودِ لِأنَّ عَدَمَ إعْدادِهِمُ العُدَّةَ لِلْجِهادِ دَلَّ عَلى انْتِفاءِ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ.
و”العُدَّةُ“ بِضَمِّ العَيْنِ: ما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِنَ الأشْياءِ، كالسِّلاحِ لِلْمُحارِبِ، والزّادِ لِلْمُسافِرِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الإعْدادِ وهو التَّهْيِئَةُ.
والخُرُوجُ تَقَدَّمَ آنِفًا.
والِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ اسْتِدْراكٌ عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ شَرْطُ لَوْ مِن فَرْضِ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ تَأْكِيدًا لِانْتِفاءِ وُقُوعِهِ بِإثْباتِ ضِدِّهِ، وعَبَّرَ عَنْ ضِدِّ
صفحة ٢١٥
الخُرُوجِ بِتَثْبِيطِ اللَّهِ إيّاهم لِأنَّهُ في السَّبَبِ الإلَهِيِّ ضِدُّ الخُرُوجِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنْ مُسَبِّبِهِ، واسْتِعْمالُ الِاسْتِدْراكِ كَذَلِكَ بَعْدَ لَوِ اسْتِعْمالٌ مَعْرُوفٌ في كَلامِهِمْ كَقَوْلِ أُبَيِّ بْنِ سُلْمى الضَّبِّيِّ:
فَلَوْ طارَ ذُو حافِرٍ قَبْلَها لَطارَتْ ولَكِنَّهُ لَمْ يَطِرْ
وقَوْلِ الغَطَمَّشِ الضَّبِّيِّ:
أخِلّايَ لَوْ غَيْرُ الحِمامِ أصابَكم ∗∗∗ عَتِبْتُ ولَكِنْ ما عَلى المَوْتِ مَعْتَبُ
إلّا أنَّ اسْتِدْراكَ ضِدِّ الشَّرْطِ في الآيَةِ كانَ بِذِكْرِ ما يُساوِي الضِّدَّ: وهو تَثْبِيطُ اللَّهِ إيّاهم، تَوْفِيرًا لِفائِدَةِ الِاسْتِدْراكِ بِبَيانِ سَبَبِ الأمْرِ المُسْتَدْرَكِ، وجَعْلِ هَذا السَّبَبِ مُفَرَّعًا عَلى عِلَّتِهِ: وهي أنَّ اللَّهَ كَرِهَ انْبِعاثَهم، فَصِيغَ الِاسْتِدْراكُ بِذِكْرِ عِلَّتِهِ اهْتِمامًا بِها، وتَنْبِيهًا عَلى أنَّ عَدَمَ إرادَتِهِمُ الخُرُوجَ كانَ حِرْمانًا مِنَ اللَّهِ إيّاهم، وعِنايَةً بِالمُسْلِمِينَ فَجاءَ الكَلامُ بِنَسْجٍ بَدِيعٍ وحَصَلَ التَّأْكِيدُ مَعَ فَوائِدَ زائِدَةٍ.
وكَراهَةُ اللَّهِ انْبِعاثَهم مُفَسَّرَةٌ في الآيَةِ بَعْدَها بِقَوْلِهِ: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧]
والِانْبِعاثُ مُطاوِعٌ، بَعْثَهُ إذا أرْسَلَهُ.
والتَّثْبِيطُ إزالَةُ العَزْمِ. وتَثْبِيطُ اللَّهِ إيّاهم: أنْ خَلَقَ فِيهِمُ الكَسَلَ وضَعْفَ العَزِيمَةِ عَلى الغَزْوِ.
والقُعُودُ مُسْتَعْمَلٌ في تَرْكِ الغَزْوِ تَشْبِيهًا لِلتَّرْكِ بِالجُلُوسِ.
و(القَوْلُ) الَّذِي في ”وقِيلَ اقْعُدُوا“ قَوْلُ أمْرِ التَّكْوِينِ: أيْ كَوَّنَ فِيهِمُ القُعُودَ عَنِ الغَزْوِ.
وزِيادَةُ قَوْلِهِ: ”مَعَ القاعِدِينَ“ مَذَمَّةٌ لَهم: لِأنَّ القاعِدِينَ هُمُ الَّذِينَ شَأْنُهُمُ القُعُودُ عَنِ الغَزْوِ، وهُمُ الضُّعَفاءُ مِن صِبْيانٍ ونِساءٍ كالعُمْيِ والزَّمْنى.
9:47Page 194
لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٤٧
Had they gone forth with you, they would not have increased you except in confusion, and they would have been active among you, seeking [to cause] you fitnah [i.e., chaos and dissension]. And among you are avid listeners to them. And Allāh is Knowing of the wrongdoers.
صفحة ٢١٦
﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا ولَأوْضَعُوا خِلالَكم يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ وفِيكم سَمّاعُونَ لَهم واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجُمْلَةِ ﴿كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦] لِبَيانِ الحِكْمَةِ مِن كَراهِيَةِ اللَّهِ انْبِعاثَهم، وهي إرادَةُ اللَّهِ سَلامَةَ المُسْلِمِينَ مِن أضْرارِ وُجُودِ هَؤُلاءِ بَيْنَهم؛ لِأنَّهم كانُوا يُضْمِرُونَ المَكْرَ لِلْمُسْلِمِينَ فَيَخْرُجُونَ مُرْغَمِينَ، ولا فائِدَةَ في جَيْشٍ يَغْزُو بِدُونِ اعْتِقادِ أنَّهُ عَلى الحَقِّ، وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الخُرُوجِ بِفي شائِعَةٌ في الخُرُوجِ مَعَ الجَيْشِ.
والزِّيادَةُ التَّوْفِيرُ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”زادُوكم“ لِدَلالَةِ الخُرُوجِ عَلَيْهِ، أيْ ما زادُوكم قُوَّةً أوْ شَيْئًا مِمّا تُفِيدُ زِيادَتُهُ في الغَزْوِ نَصْرًا عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ اسْتُثْنِيَ مِنَ المَفْعُولِ المَحْذُوفِ الخَبالُ عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ بِتَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ فَإنَّ الخَبالَ في الحَرْبِ بَعْضٌ مِن عَدَمِ الزِّيادَةِ في قُوَّةِ الجَيْشِ، بَلْ هو أشَدُّ عَدَمًا لِلزِّيادَةِ، ولَكِنَّهُ ادُّعِيَ أنَّهُ مِن نَوْعِ الزِّيادَةِ في فَوائِدِ الحَرْبِ، وأنَّهُ يَجِبُ اسْتِثْناؤُهُ مِن ذَلِكَ النَّفْيِ، عَلى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
والخَبالُ الفَسادُ، وتَفَكُّكُ الشَّيْءِ المُلْتَحِمِ المُلْتَئِمِ، فَأُطْلِقَ هُنا عَلى اضْطِرابِ الجَيْشِ واخْتِلالِ نِظامِهِ.
وحَقِيقَةُ أوْضَعُوا أسْرَعُوا سَيْرَ الرِّكابِ. يُقالُ: وضَعَ البَعِيرُ وضْعًا، إذا أسْرَعَ ويُقالُ: أوْضَعْتُ بَعِيرِي، أيْ سَيَّرْتُهُ سَيْرًا سَرِيعًا. وهَذا الفِعْلُ مُخْتَصٌّ بِسَيْرِ الإبِلِ فَلِذَلِكَ يُنَزَّلُ فِعْلُ أوْضَعَ مَنزِلَةَ القاصِرِ لِأنَّ مَفْعُولَهُ مَعْلُومٌ مِن مادَّةِ فِعْلِهِ. وهو هُنا تَمْثِيلٌ لِحالَةِ المُنافِقِينَ حِينَ يَبْذُلُونَ جُهْدَهم لِإيقاعِ التَّخاذُلِ والخَوْفِ بَيْنَ رِجالِ الجَيْشِ، وإلْقاءِ الأخْبارِ الكاذِبَةِ عَنْ قُوَّةِ العَدُوِّ، بِحالِ مَن يُجْهِدُ بَعِيرَهُ بِالسَّيْرِ لِإبْلاغِ خَبَرٍ مُهِمٍّ أوْ إيصالِ تِجارَةٍ لِسُوقٍ، وقَرِيبٌ مِن هَذا التَّمْثِيلِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ﴾ [الإسراء: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ [المائدة: ٦٢] . وأصْلُهُ قَوْلُهم: يَسْعى لِكَذا، إلّا أنَّهُ لَمّا شاعَ إطْلاقُ السَّعْيِ في الحِرْصِ عَلى الشَّيْءِ خَفِيَتْ مُلاحَظَةُ تَمْثِيلِ الحالَةِ عِنْدَ إطْلاقِهِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ فَلِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنا ذِكْرُ الإيضاعِ لِعِزَّةِ هَذا المَعْنى، ولِما فِيهِ مِنَ الصَّلاحِيَةِ لِتَفْكِيكِ الهَيْئَةِ بِأنْ يُشَبَّهَ الفاتِنُونَ بِالرَّكْبِ، ووَسائِلُ الفِتْنَةِ بِالرَّواحِلِ.
صفحة ٢١٧
وفِي ذِكْرِ (خِلالَكم) ما يَصْلُحُ لِتَشْبِيهِ اسْتِقْرائِهِمُ الجَماعاتِ والأفْرادَ بِتَغَلْغُلِ الرَّواحِلِ في خِلالِ الطُّرُقِ والشِّعابِ.
والخِلالُ جَمْعُ خَلَلٍ بِالتَّحْرِيكِ. وهو الفُرْجَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ واسْتُعِيرَ هُنا لِمَعْنى بَيْنَكم تَشْبِيهًا لِجَماعاتِ الجَيْشِ بِالأجْزاءِ المُتَفَرِّقَةِ.
وكُتِبَ كَلِمَةُ (ولا أوْضَعُوا) في المُصْحَفِ - بِألِفٍ بَعْدَ هَمْزَةِ (أوْضَعُوا) الَّتِي في اللّامْ ألِفْ بِحَيْثُ وقَعَ بَعْدَ اللّامِ ألِفانِ فَأشْبَهَتِ اللّامْ ألِفْ لا النّافِيَةَ لِفِعْلِ أوْضَعُوا ولا يُنْطَقُ بِالألِفِ الثّانِيَةِ في القِراءَةِ فَلا يَقَعُ التِباسٌ في ألْفاظِ الآيَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما وقَعُوا في ذَلِكَ لِأنَّ الفَتْحَةَ في العِبْرانِيَّةِ وكَثِيرٍ مِنَ الألْسِنَةِ تُكْتَبُ ألِفًا. وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ”يُحْتَمَلُ أنْ تُمْطَلَ حَرَكَةُ اللّامِ فَتَحْدُثُ ألِفٌ بَيْنَ اللّامِ والهَمْزَةِ الَّتِي مِن أوْضَعَ، وقِيلَ: ذَلِكَ لِخُشُونَةِ هِجاءِ الأوَّلِينَ“، يَعْنِي لِعَدَمِ تَهْذِيبِ الرَّسْمِ عِنْدَ الأقْدَمِينَ مِنَ العَرَبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِثْلُ ذَلِكَ كَتَبُوا لَأذْبَحَنَّهُ في سُورَةِ النَّمْلِ قُلْتُ: وكَتَبُوا لَأُعَذِّبَنَّهُ بِلامْ ألِفْ لا غَيْرَ وهي بِلَصْقِ كَلِمَةِ ”أوْ لَأذْبَحَنَّهُ“، ولا في نَحْوِ (وإذًا لا اتَّخَذُوكَ خَلِيلًا) فَلا أراهم كَتَبُوا ألِفًا بَعْدَ اللّامْ ألِفْ فِيما كَتَبُوها فِيهِ إلّا لِمَقْصِدٍ، ولَعَلَّهم أرادُوا التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ الهَمْزَةَ مَفْتُوحَةٌ وعَلى أنَّها هَمْزَةُ قَطْعٍ.
وجُمْلَةُ ﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ﴿ولَوْ أرادُوا الخُرُوجَ﴾ [التوبة: ٤٦] العائِدِ عَلى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٥] المُرادُ بِهِمُ المُنافِقُونَ كَما تَقَدَّمَ.
وبَغى يَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ لِأنَّهُ بِمَعْنى طَلَبَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: أفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وعُدِّيَ (يَبْغُونَكم) إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ هُنا عَلى طَرِيقَةِ نَزْعِ الخافِضِ، وأصْلُهُ يَبْغُونَ لَكُمُ الفِتْنَةَ. وهو اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في فِعْلِ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ.
والفِتْنَةُ اخْتِلالُ الأُمُورِ وفَسادُ الرَّأْيِ، وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] في سُورَةِ المائِدَةِ.
صفحة ٢١٨
وقَوْلُهُ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ أيْ في جَماعَةِ المُسْلِمِينَ أيْ مِن بَيْنِ المُسْلِمِينَ سَمّاعُونَ لَهم فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَؤُلاءِ السَّمّاعُونَ مُسْلِمِينَ يُصَدِّقُونَ ما يَسْمَعُونَهُ مِنَ المُنافِقِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ السَّمّاعُونَ مُنافِقِينَ مَبْثُوثِينَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضٌ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ بَغْيَهُمُ الفِتْنَةَ أشَدُّ خَطَرًا عَلى المُسْلِمِينَ لِأنَّ في المُسْلِمِينَ فَرِيقًا تَنْطَلِي عَلَيْهِمْ حِيَلُهم، وهَؤُلاءِ هم سُذَّجُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يَعْجَبُونَ مِن أخْبارِهِمْ ويَتَأثَّرُونَ ولا يَبْلُغُونَ إلى تَمْيِيزِ التَّمْوِيهاتِ والمَكائِدِ عَنِ الصِّدْقِ والحَقِّ.
وجاءَ سَمّاعُونَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اسْتِماعَهم تامٌّ وهو الِاسْتِماعُ الَّذِي يُقارِنُهُ اعْتِقادُ ما يُسْمَعُ كَقَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ [المائدة: ٤١] وعَنِ الحَسَنِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ زَيْدٍ: مَعْنى سَمّاعُونَ لَهم، أيْ جَواسِيسُ يَسْتَمِعُونَ الأخْبارَ ويَنْقُلُونَها إلَيْهِمْ، وقالَ قَتادَةُ وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: مَعْناهُ: وفِيكم مَن يَقْبَلُ مِنهم قَوْلَهم ويُطِيعُهم، قالَ النَّحّاسُ الأغْلَبُ أنَّ مَعْنى سَمّاعٍ يَسْمَعُ الكَلامَ ومِثْلُهُ سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ. وأمّا مَن يَقْبَلُ ما يَسْمَعُهُ فَلا يَكادُ يُقالُ فِيهِ إلّا سامِعٌ مِثْلُ قائِلٍ.
وجِيءَ بِحَرْفِ (في) مِن قَوْلِهِ: ﴿وفِيكم سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ الدّالِّ عَلى الظَّرْفِيَّةِ دُونَ حَرْفِ (مِن) فَلَمْ يَقُلْ ومِنكم سَمّاعُونَ لَهم أوْ ومِنهم سَمّاعُونَ، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُ السَّمّاعِينَ بِجَماعَةٍ مِن أحَدِ الفَرِيقَيْنِ دُونَ الآخَرِ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ السَّمّاعِينَ لَهم فَرِيقانِ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ وفَرِيقٌ مِنَ المُنافِقِينَ أنْفُسِهِمْ مَبْثُوثُونَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ لِإلْقاءِ الأراجِيفِ والفِتْنَةِ وهُمُ الأكْثَرُ فَكانَ اجْتِلابُ حَرْفِ (في) إيفاءً بِحَقِّ هَذا الإيجازِ البَدِيعِ ولِأنَّ ذَلِكَ هو المُلائِمُ لِمَحْمَلَيْ لَفَظِ (سَمّاعُونَ) فَقَدْ حَصَلَتْ بِهِ فائِدَتانِ.
وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ قُصِدَ مِنهُ إعْلامُ المُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أحْوالَ المُنافِقِينَ الظّالِمِينَ لِيَكُونُوا مِنهم عَلى حَذَرٍ، ولِيَتَوَسَّمُوا فِيهِمْ ما وسَمَهُمُ القُرْآنُ بِهِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّ الِاسْتِماعَ لَهم هو ضَرْبٌ مِنَ الظُّلْمِ.
والظُّلْمُ هُنا الكُفْرُ والشِّرْكُ ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]
9:48Page 195
لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ ٤٨
They had already desired dissension before and had upset matters for you1 until the truth came and the ordinance [i.e., victory] of Allāh appeared, while they were averse.
صفحة ٢١٩
﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ وهم كارِهُونَ﴾
الجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِقَوْلِهِ (﴿يَبْغُونَكُمُ الفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]) لِأنَّها دَلِيلٌ بِأنَّ ذَلِكَ دَيْدَنٌ لَهم مِن قَبْلُ، إذِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ لِلْمُسْلِمِينَ وذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ إذِ انْخَزَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُنافِقِينَ بَعْدَ أنْ وصَلُوا إلى أُحُدٍ، وكانُوا ثُلُثَ الجَيْشِ قَصَدُوا إلْقاءَ الخَوْفِ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ حِينَ يَرَوْنَ انْخِزالَ بَعْضِ جَيْشِهِمْ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: الَّذِينَ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ، وقَفُوا عَلى ثَنِيَّةِ الوَداعِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ لِيَفْتِكُوا بِالنَّبِيءِ ﷺ .
وقَلَّبُوا بِتَشْدِيدِ اللّامِ مُضاعَفُ قَلَبَ المُخَفَّفِ، والمُضاعَفَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ الفِعْلِ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قَلَبَ الشَّيْءَ إذا تَأمَّلَ باطِنَهُ وظاهِرَهُ لِيَطَّلِعَ عَلى دَقائِقِ صِفاتِهِ فَتَكُونُ المُبالَغَةُ راجِعَةً إلى الكَمِّ أيْ كَثْرَةِ التَّقْلِيبِ، أيْ تَرَدَّدُوا آراءَهم وأعْمَلُوا المَكائِدَ والحِيَلَ لِلْإضْرارِ بِالنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلَّبُوا مِن قَلَبَ بِمَعْنى فَتَّشَ وبَحَثَ، اسْتُعِيرَ التَّقْلِيبُ لِلْبَحْثِ والتَّفْتِيشِ لِمُشابَهَةِ التَّفْتِيشِ لِلتَّقْلِيبِ في الإحاطَةِ بِحالِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] فَيَكُونُ المَعْنى، أنَّهم بَحَثُوا وتَجَسَّسُوا لِلِاطِّلاعِ عَلى شَأْنِ المُسْلِمِينَ وإخْبارِ العَدُوِّ بِهِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَكَ) عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ لامُ العِلَّةِ، أيْ لِأجْلِكَ وهو مُجْمَلٌ يُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الفِتْنَةَ مِن قَبْلُ﴾ . فالمَعْنى اتَّبَعُوا فِتْنَةً تَظْهَرُ مِنكَ، أيْ في أحْوالِكَ وفي أحْوالِ المُسْلِمِينَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلَّبُوا مُبالَغَةً في قَلْبِ الأمْرِ إذا أخْفى ما كانَ ظاهِرًا مِنهُ وأبْدى ما كانَ خَفِيًّا، كَقَوْلِهِمْ: قَلَبَ لَهُ ظَهْرَ المِجَنِّ. وتَعْدِيَتُهُ بِاللّامِ في قَوْلِهِ: (لَكَ) ظاهِرَةٌ.
صفحة ٢٢٠
والأُمُورُ جَمْعُ أمْرٍ، وهو اسْمٌ مُبْهَمٌ مِثْلُ شَيْءٍ كَما في قَوْلِ المَوْصِلِيِّ:
ولَكِنْ مَقادِيرُ جَرَتْ وأُمُورُ
والألِفُ واللّامُ فِيهِ لِلْجِنْسِ، أيْ أُمُورًا تَعْرِفُونَ بَعْضَها ولا تَعْرِفُونَ بَعْضًا.
وحَتّى غايَةٌ لِتَقْلِيبِهِمُ الأُمُورَ.
ومَجِيءُ الحَقِّ حُصُولُهُ واسْتِقْرارُهُ والمُرادُ بِذَلِكَ زَوالُ ضَعْفِ المُسْلِمِينَ وانْكِشافُ أمْرِ المُنافِقِينَ.
والمُرادُ بِظُهُورِ أمْرِ اللَّهِ نَصْرُ المُسْلِمِينَ بِفَتْحِ مَكَّةَ ودُخُولُ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا. وذَلِكَ يَكْرَهُهُ المُنافِقُونَ.
الظُّهُورُ والغَلَبَةُ والنَّصْرُ.
وأمْرُ اللَّهِ دِينُهُ، أيْ فَلَمّا جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ عَلِمُوا أنَّ فِتْنَتَهم لا تَضُرُّ المُسْلِمِينَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَرَوْا فائِدَةً في الخُرُوجِ مَعَهم إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ فاعْتَذَرُوا عَنِ الخُرُوجِ مِن أوَّلِ الأمْرِ.
9:49Page 195
وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٩
And among them is he who says, "Permit me [to remain at home] and do not put me to trial." Unquestionably, into trial they have fallen.1 And indeed, Hell will encompass the disbelievers.
﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي ولا تَفْتِنِّي ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ .
نَزَلَتْ في بَعْضِ المُنافِقِينَ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيءَ ﷺ في التَّخَلُّفِ عَنْ تَبُوكَ ولَمْ يُبْدُوا عُذْرًا يَمْنَعُهم مِنَ الغَزْوِ، ولَكِنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّ الخُرُوجَ إلى الغَزْوِ يَفْتِنُهم لِمَحَبَّةِ أمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ، فَفَضَحَ اللَّهُ أمْرَهم بِأنَّهم مُنافِقُونَ: لِأنَّ ضَمِيرَ الجَمْعِ المَجْرُورَ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٥]، وقِيلَ: قالَ جَماعَةٌ مِنهم: ائْذَنْ لَنا لِأنّا قاعِدُونَ أذِنْتَ لَنا أمْ لَمْ تَأْذَنْ فَأْذَنْ لَنا لِئَلّا نَقَعَ في المَعْصِيَةِ. وهَذا مِن أكْبَرِ الوَقاحَةِ لِأنَّ الإذْنَ في هَذِهِ الحالَةِ كَلا إذْنٍ، ولَعَلَّهم قالُوا ذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِرِفْقِ النَّبِيءِ ﷺ وقِيلَ: «إنَّ الجَدَّ بْنَ قَيْسٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ عَلِمَ النّاسُ
صفحة ٢٢١
أنِّي مُسْتَهْتَرٌ بِالنِّساءِ فَإنِّي إذا رَأيْتُ نِساءَ بَنِي الأصْفَرِ افْتَتَنْتُ بِهِنَّ فَأْذَنْ لِي في التَّخَلُّفِ ولا تَفْتِنِّي وأنا أُعِينُكَ بِمالِي، فَأذِنَ لَهم» . ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ كانَ.
والإتْيانُ بِأداةِ الِاسْتِفْتاحِ في جُمْلَةِ ﴿ألا في الفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى ما بَعْدَها مِن عَجِيبِ حالِهِمْ إذْ عامَلَهُمُ اللَّهُ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِمْ فَهُمُ احْتَرَزُوا عَنْ فِتْنَةٍ فَوَقَعُوا في الفِتْنَةِ. فالتَّعْرِيفُ في الفِتْنَةِ لَيْسَ تَعْرِيفَ العَهْدِ إذْ لا مَعْهُودَ هُنا، ولَكِنَّهُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ المُؤْذِنُ بِكَمالِ المُعَرَّفِ في جِنْسِهِ، أيْ في الفِتْنَةِ العَظِيمَةِ سَقَطُوا، فَأيُّ وجْهٍ فُرِضَ في المُرادِ مِنَ الفِتْنَةِ حِينَ قالَ قائِلُهم: ولا تَفْتِنِّي كانَ ما وقَعَ فِيهِ أشَدَّ مِمّا تَفَصّى مِنهُ، فَإنْ أرادَ فِتْنَةَ الدِّينِ فَهو واقِعٌ في أعْظَمِ الفِتْنَةِ بِالشِّرْكِ والنِّفاقِ، وإنْ أرادَ فِتْنَةَ سُوءِ السُّمْعَةِ بِالتَّخَلُّفِ فَقَدْ وقَعَ في أعْظَمَ بِافْتِضاحِ أمْرِ نِفاقِهِمْ، وإنْ أرادَ فِتْنَةَ النَّكَدِ بِفِراقِ الأهْلِ والمالِ فَقَدْ وقَعَ في أعْظَمِ نَكَدٍ بِكَوْنِهِ مَلْعُونًا مَبْغُوضًا لِلنّاسِ. وتَقَدَّمَ بَيانُ الفِتْنَةِ قَرِيبًا.
والسُّقُوطُ مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في الكَوْنِ فَجْأةً عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ: شُبِّهَ ذَلِكَ الكَوْنُ بِالسُّقُوطِ في عَدَمِ التَّهَيُّؤِ لَهُ وفي المُفاجَأةِ بِاعْتِبارِ أنَّهم حَصَلُوا في الفِتْنَةِ في حالِ أمْنِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ فِيها، فَهم كالسّاقِطِ في هُوَّةٍ عَلى حِينِ ظَنَّ أنَّهُ ماشٍ في طَرِيقٍ سَهْلٍ ومِن كَلامِ العَرَبِ ”عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ“ .
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ عَلى عامِلِهِ، لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَسِيرُ مَسْرى المَثَلِ.
وجُمْلَةُ ﴿وإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ وقَعُوا في الفِتْنَةِ المُفْضِيَةِ إلى الكُفْرِ. والكُفْرُ يَسْتَحِقُّ جَهَنَّمَ.
وإحاطَةُ جَهَنَّمَ مُرادٌ مِنها عَدَمُ إفْلاتِهِمْ مِنها، فالإحاطَةُ كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ الإفْلاتِ. والمُرادُ بِالكافِرِينَ: جَمِيعُ الكافِرِينَ فَيَشْمَلُ المُتَحَدِّثَ عَنْهم لِثُبُوتِ كُفْرِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٤٥]
ووَجْهُ العُدُولِ عَنِ الإتْيانِ بِضَمِيرِهِمْ إلى الإتْيانِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ في قَوْلِهِ: (لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ) إثْباتُ إحاطَةِ جَهَنَّمَ بِهِمْ بِطَرِيقٍ شَبِيهٍ بِالِاسْتِدْلالِ؛ لِأنَّ شُمُولَ الِاسْمِ الكُلِّيِّ لِبَعْضِ جُزْئِيّاتِهِ أشْهَرُ أنْواعِ الِاسْتِدْلالِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences