Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:61–65
9:61Page 196
وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦١
And among them are those who abuse the Prophet and say, "He is an ear."1 Say, "[It is] an ear of goodness for you that believes in Allāh and believes the believers and [is] a mercy to those who believe among you." And those who abuse the Messenger of Allāh - for them is a painful punishment.
صفحة ٢٤١
﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ ويَقُولُونَ هو أُذْنٌ قُلْ أُذْنُ خَيْرٍ لَكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾
عَطْفٌ ذُكِرَ فِيهِ خُلُقٌ آخَرُ مِن أخْلاقِ المُنافِقِينَ: وهو تَعَلُّلُهم عَلى ما يُعامِلُهم بِهِ النَّبِيءُ والمُسْلِمُونَ مِنَ الحَذَرِ، وما يَطَّلِعُونَ عَلَيْهِ مِن فَلَتاتِ نِفاقِهِمْ، يَزْعُمُونَ أنَّ ذَلِكَ إرْجافٌ مِنَ المُرْجِفِينَ بِهِمْ إلى النَّبِيءِ ﷺ وأنَّهُ يُصَدِّقُ القالَةَ فِيهِمْ، ويَتَّهِمُهم بِما يَبْلُغُهُ عَنْهم مِمّا هم مِنهُ بُرَآءُ يَعْتَذِرُونَ بِذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، وفِيهِ زِيادَةٌ في الأذى لِلرَّسُولِ ﷺ وإلْقاءُ الشَّكِّ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ في كَمالاتِ نَبِيِّهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والتَّعْبِيرُ بِالنَّبِيءِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ قَبْلَهُ ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُقالَ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَكَ فَعَدَلَ عَنِ الإضْمارِ إلى إظْهارِ وصْفِ النَّبِيءِ لِلْإيذانِ بِشَناعَةِ قَوْلِهِمْ ولِزِيادَةِ تَنْزِيهِ النَّبِيءِ بِالثَّناءِ عَلَيْهِ بِوَصْفِ النُّبُوءَةِ بِحَيْثُ لا تُحْكى مَقالَتُهم فِيهِ إلّا بَعْدَ تَقْدِيمِ ما يُشِيرُ إلى تَنْزِيهِهِ والتَّعْرِيضِ بِجُرْمِهِمْ فِيما قالُوهُ.
وهَؤُلاءِ فَرِيقٌ كانُوا يَقُولُونَ في حَقِّ النَّبِيءِ ﷺ ما يُؤْذِيهِ إذا بَلَغَهُ. وقَدْ عُدَّ مِن هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، القائِلِينَ ذَلِكَ: الجُلاسُ بْنُ سُوِيدٍ، قَبْلَ تَوْبَتِهِ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وعَتّابُ بْنُ قُشَيْرٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ. فَمِنهم مَن قالَ: إنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا فَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الحَمِيرِ، وقالَ بَعْضُهم: نَقُولُ فِيهِ ما شِئْنا ثُمَّ نَذْهَبُ إلَيْهِ ونَحْلِفُ لَهُ أنّا ما قُلْنا فَيَقْبَلُ قَوْلَنا.
والأذى الإضْرارُ الخَفِيفُ، وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الضُّرِّ بِالقَوْلِ والدَّسائِسِ، ومِنهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ، وعِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
ومَضْمُونُ جُمْلَةِ ﴿ويَقُولُونَ هو أُذْنٌ﴾ عَطْفٌ خاصٌّ عَلى عامٍّ؛ لِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ هو مِنَ الأذى.
صفحة ٢٤٢
والأُذُنُ الجارِحَةُ الَّتِي بِها حاسَّةُ السَّمْعِ. ومَعْنى ﴿هُوَ أُذْنٌ﴾ الإخْبارُ عَنْهُ بِأنَّهُ آلَةُ سَمْعٍ.
والإخْبارُ بِـ ﴿هُوَ أُذْنٌ﴾ مِن صِيغِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كالأُذُنِ في تَلَقِّي المَسْمُوعاتِ لا يَرُدُّ مِنها شَيْئًا، وهو كِنايَةٌ عَنْ تَصْدِيقِهِ بِكُلِّ ما يَسْمَعُ مِن دُونِ تَمْيِيزٍ بَيْنَ المَقْبُولِ والمَرْدُودِ. رُوِيَ أنَّ قائِلَ هَذا هو نَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ أحَدُ المُنافِقِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿قُلْ أُذْنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ جُمْلَةُ قُلْ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، عَلى طَرِيقَةِ المُقاوَلَةِ والمُحاوَرَةِ، لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ بِقَلْبِ مَقْصِدِهِمْ إغاظَةً لَهم، وكَمْدًا لِمَقاصِدِهِمْ، وهو مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ الَّذِي يَحْمِلُ فِيهِ المُخاطَبُ كَلامَ المُتَكَلِّمِ عَلى غَيْرِ ما يُرِيدُهُ، تَنْبِيهًا لَهُ عَلى أنَّهُ الأوْلى بِأنْ يُرادَ، وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] ومِنهُ ما جَرى بَيْنَ الحَجّاجِ والقَبَعْثَرِيِّ إذْ قالَ لَهُ الحَجّاجُ مُتَوَعِّدًا إيّاهُ ”لَأحْمِلَنَّكَ عَلى الأدْهَمِ (أرادَ لَألْزِمْنَكَ القَيْدَ لا تُفارِقُهُ) فَقالَ القَبَعْثَرى: مِثْلُ الأمِيرِ يُحْمِلُ عَلى الأدْهَمِ والأشْهَبِ“ فَصَرَفَ مُرادَهُ إلى أنَّهُ أرادَ بِالحَمْلِ مَعْنى الرُّكُوبِ وإلى إرادَةِ الفَرَسِ الَّذِي هو أدْهَمُ اللَّوْنِ مِن كَلِمَةِ الأدْهَمِ. وهَذا مِن غَيْرَةِ اللَّهِ عَلى رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، ولِذَلِكَ لَمْ يُعْقِبُهُ بِالرَّدِّ والزَّجْرِ، كَما أعْقَبَ ما قَبْلَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَقُولُ ائْذَنْ لِي﴾ [التوبة: ٤٩] . إلى هُنا بَلْ أعْقَبَهُ بِبَيانِ بُطْلانِهِ فَأمَرَ النَّبِيءَ ﷺ بِأنْ يُبَلِّغَهم ما هو إبْطالٌ لِزَعْمِهِمْ مِن أصْلِهِ بِصَرْفِ مَقالَتِهِمْ إلى مَعْنًى لائِقٍ بِالرَّسُولِ، حَتّى لا يَبْقى لِلْمَحْكِيِّ أثَرٌ، وهَذا مِن لَطائِفِ القُرْآنِ.
ومَعْنى ﴿أُذْنُ خَيْرٍ﴾ أنَّهُ يَسْمَعُ ما يَبْلُغُهُ عَنْكم ولا يُؤاخِذُكم؛ ويَسْمَعُ مَعاذِيرَكم ويَقْبَلُها مِنكم، فَقَبُولُهُ ما يَسْمَعُهُ يَنْفَعُكم ولا يَضُرُّكم فَهَذا أُذُنٌ في الخَيْرِ، أيْ في سَماعِهِ والمُعامَلَةِ بِهِ ولَيْسَ أُذُنًا في الشَّرِّ.
وهَذا الكَلامُ إبْطالٌ لِأنْ يَكُونَ ”أُذُنٌ“ بِالمَعْنى الَّذِي أرادُوهُ مِنَ الذَّمِّ فَإنَّ الوَصْفَ بِالأُذُنِ لا يَخْتَصُّ بِمَن يَقْبَلُ الكَلامَ المُفْضِي إلى شَرٍّ بَلْ هو أعَمُّ، فَلِذَلِكَ صَحَّ تَخْصِيصُهُ هُنا بِما فِيهِ خَيْرٌ. وهَذا إعْمالٌ في غَيْرِ المُرادِ مِنهُ. وهو ضَرْبٌ مِنَ المَجازِ المُرْسَلِ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ والتَّقْيِيدِ في أحَدِ الجانِبَيْنِ، فَلا يُشْكِلُ عَلَيْكَ بِأنَّ وصْفَ أُذُنٍ إذا كانَ مَقْصُودًا بِهِ الذَّمُّ كَيْفَ يُضافُ إلى الخَيْرِ؛ لِأنَّ مَحَلَّ الذَّمِّ في هَذا الوَصْفِ هو قَبُولُ كُلِّ ما يَسْمَعُ
صفحة ٢٤٣
مِمّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَرٌّ أوْ خَيْرٌ، بِدُونِ تَمْيِيزٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ صاحِبَهُ في اضْطِرابِ أعْمالِهِ ومُعامَلاتِهِ، فَأمّا إذا كانَ صاحِبُهُ لا يَقْبَلُ إلّا الخَيْرَ، ويَرْفُضُ ما هو شَرٌّ مِنَ القَوْلِ، فَقَدْ صارَ الوَصْفُ نافِعًا؛ لِأنَّ صاحِبَهُ التَزَمَ أنْ لا يَقْبَلَ إلّا الخَيْرَ، وأنْ يَحْمِلَ النّاسَ عَلَيْهِ.
هَذا تَحْقِيقُ مَعْنى المُقابَلَةِ، وتَصْحِيحُ إضافَةِ هَذا الوَصْفِ إلى الخَيْرِ، فَأمّا حَمْلُهُ عَلى غَيْرِ هَذا المَعْنى فَيُصَيِّرُهُ إلى أنَّهُ مِن طَرِيقَةِ القَوْلِ بِالمُوجِبِ عَلى وجْهِ التَّنازُلِ وإرْخاءِ العِنانِ، أيْ هو أُذُنٌ كَما قُلْتُمْ وقَدِ انْتَفَعْتُمْ بِوَصْفِهِ ذَلِكَ إذْ قَبِلَ مِنكم مَعاذِيرَكم وتَبَرُّؤَكم مِمّا يَبْلُغُهُ عَنْكم، وهَذا لَيْسَ بِالرَّشِيقِ لِأنَّ ما كانَ خَيْرًا لَهم قَدْ يَكُونُ شَرًّا لِغَيْرِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ أُذْنٌ - بِسُكُونِ الذّالِ فِيهِما - وقَرَأ الباقُونَ - بِضَمِّ الذّالِ فِيهِما - .
وجُمْلَةُ ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ تَمْهِيدٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إذْ هو المَقْصُودُ مِنَ الجَوابِ لِتَمَحُّضِهِ لِلْخَيْرِ وبُعْدِهِ عَنِ الشَّرِّ بِأنَّهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ فَهو يُعامِلُ النّاسَ بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ المُعامَلَةِ بِالعَفْوِ، والصَّفْحِ، والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، والإعْراضِ عَنِ الجاهِلِينَ، وبِأنْ لا يُؤاخِذَ أحَدًا إلّا بِبَيِّنَةٍ، فالنّاسُ في أمْنٍ مِن جانِبِهِ فِيما يَبْلُغُ إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يُعامِلُ إلّا بِالوَجْهِ المَعْرُوفِ فَكَوْنُهُ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وازِعٌ لَهُ عَنِ المُؤاخَذَةِ بِالظِّنَّةِ والتُّهْمَةِ.
والإيمانُ لِلْمُؤْمِنِينَ تَصْدِيقُهم في ما يُخْبِرُونَهُ، يُقالُ: آمَنَ لِفُلانٍ بِمَعْنى صَدَّقَهُ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِاللّامِ دُونَ الباءِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] فَتَصْدِيقُهُ إيّاهم لِأنَّهم صادِقُونَ لا يَكْذِبُونَ؛ لِأنَّ الإيمانَ وازِعٌ لَهم عَنْ أنْ يُخْبِرُوهُ الكَذِبَ، فَكَما أنَّ الرَّسُولَ لا يُؤاخِذُ أحَدًا بِخَبَرِ الكاذِبِ فَهو يُعامِلُ النّاسَ بِشَهادَةِ المُؤْمِنِينَ، فَقَوْلُهُ: ﴿ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ثَناءٌ عَلَيْهِ بِذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ بِهِ، فَهو ضِدُّ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] .
وعَطْفُ جُمْلَةِ ورَحْمَةٌ عَلى جُمْلَتِي ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لِأنَّ كَوْنَهُ رَحْمَةً لِلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِنِفاقِهِمْ أثَرٌ لِإغْضائِهِ عَنْ إجْرامِهِمْ ولِإمْهالِهِمْ حَتّى يَتَمَكَّنَ مِنَ الإيمانِ مَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإيمانِ مِنهم، ولَوْ آخَذَهم بِحالِهِمْ دُونَ مَهَلٍ لَكانَ مِن سَبْقِ السَّيْفِ العَذَلَ، فالمُرادُ مِنَ الإيمانِ في قَوْلِهِ: ”آمَنُوا“ الإيمانَ بِالفِعْلِ، لا التَّظاهُرَ
صفحة ٢٤٤
بِالإيمانِ، كَما فَسَّرَ بِهِ المُفَسِّرُونَ، يَعْنُونَ بِالمُؤْمِنِينَ المُتَظاهِرِينَ بِالإيمانِ المُبْطِنِينَ لِلْكُفْرِ، وهُمُ المُنافِقُونَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ بِجَرِّ (ورَحْمَةٍ) عَطْفًا عَلى خَيْرٍ، أيْ أُذُنُ رَحْمَةٍ، والمَآلُ واحِدٌ.
وقَدْ جاءَ ذِكْرُ هَذِهِ الخَصْلَةِ مَعَ الخَصْلَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في انْتِهازِ فُرْصَةِ الإرْشادِ إلى الخَيْرِ، بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَرَغَّبَهم في الإيمانِ لِيُكَفِّرُوا عَنْ سَيِّئاتِهِمُ الفارِطَةِ، ثُمَّ أعْقَبَ التَّرْغِيبَ بِالتَّرْهِيبِ مِن عَواقِبِ إيذاءِ الرَّسُولِ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ وهو إنْذارٌ بِعَذابِ الآخِرَةِ وعَذابِ الدُّنْيا. وفي ذِكْرِ النَّبِيءِ بِوَصْفِ رَسُولِ اللَّهِ إيماءٌ إلى اسْتِحْقاقِ مُؤْذِيهِ العَذابَ الألِيمَ، فَهو مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالمُشْتَقِّ المُؤْذِنِ بِالعَلِيَّةِ.
وفِي المَوْصُولِ إيماءٌ إلى أنَّ عِلَّةَ العَذابِ هي الإيذاءُ، فالعِلَّةُ مُرَكَّبَةٌ.
9:62Page 197
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ ٦٢
They swear by Allāh to you [Muslims] to satisfy you. But Allāh and His Messenger are more worthy for them to satisfy,1 if they were to be believers.
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكم واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾
عَدَلَ عَنْ أُسْلُوبِ الحِكايَةِ عَنْهم بِكَلِمَةِ ومِنهم؛ لِأنَّ ما حُكِيَ هُنا حالٌ مِن أحْوالِ جَمِيعِهِمْ.
فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا، لِإعْلامِ الرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنَّ المُنافِقِينَ يَحْلِفُونَ الأيْمانَ الكاذِبَةَ، فَلا تَغُرُّهم أيْمانُهم، فَضَمِيرُ يَحْلِفُونَ عائِدٌ إلى الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ.
والمُرادُ: الحَلِفُ الكاذِبُ، بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾، أيْ بِتَرْكِهِمُ الأُمُورَ الَّتِي حَلَفُوا لِأجْلِها، عَلى أنَّهُ قَدْ عَلِمَ أنَّ أيْمانَهم كاذِبَةٌ مِمّا تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ [التوبة: ٤٢]
صفحة ٢٤٥
فَكافُ الخِطابِ لِلْمُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ يَحْلِفُونَ عَلى التَّبَرُّؤِ، مِمّا يَبْلُغُ المُسْلِمِينَ مِن أقْوالِهِمُ المُؤْذِيَةِ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذَلِكَ يَغِيظُ المُسْلِمِينَ ويُنْكِرُهم عَلَيْهِمْ والنَّبِيءُ ﷺ يُغْضِي عَنْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ - تَعالى: ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ أيْ أحَقُّ مِنكم بِأنْ يُرْضُوهُما، وسَيَأْتِي تَعْلِيلُ أحَقِّيَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ بِأنْ يُرْضُوهُما في الآيَةِ الَّتِي بَعْدَها فَإرْضاءُ اللَّهِ بِالإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ وتَعْظِيمِ رَسُولِهِ، وإرْضاءُ الرَّسُولِ بِتَصْدِيقِهِ ومَحَبَّتِهِ وإكْرامِهِ.
وإنَّما أفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُرْضُوهُ﴾ مَعَ أنَّ المُعادَ اثْنانِ لِأنَّهُ أُرِيدَ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلى أوَّلِ الِاسْمَيْنِ، واعْتِبارُ العَطْفِ مِن عَطْفِ الجُمَلِ بِتَقْدِيرِ: واللَّهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ ورَسُولُهُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ الكَلامُ جُمْلَتَيْنِ ثانِيَتُهُما كالِاحْتِراسِ وحَذْفُ الخَبَرِ إيجازٌ. ومِن نُكْتَةِ ذَلِكَ الإشارَةُ إلى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الإرْضاءَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُ ضابِئِ بْنِ الحارِثِ:
ومَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ
التَّقْدِيرُ: فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ بِها غَرِيبٌ أيْضًا. لِأنَّ إحْدى الغُرْبَتَيْنِ مُخالِفَةٌ لِأُخْراهُما.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في يُرْضُوهُ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ؛ لِأنَّهُ الأهَمُّ في الخَبَرِ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ بِهِ، ألا تَرى أنَّ بَيْتَ ضابِئٍ قَدْ جاءَ في خَبَرِهِ المَذْكُورِ لامُ الِابْتِداءِ الَّذِي هو مِن عَلائِقِ إنَّ الكائِنَةِ في الجُمْلَةِ الأُولى، دُونَ الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ، وهَذا الِاسْتِعْمالُ هو الغالِبُ.
وشَرْطُ ﴿إنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾، مُسْتَعْمَلٌ لِلْحَثِّ والتَّوَقُّعِ لِإيمانِهِمْ؛ لِأنَّ ما حُكِيَ عَنْهم مِنَ الأحْوالِ لا يَبْقى مَعَهُ احْتِمالٌ في إيمانِهِمْ، فاسْتُعْمِلَ الشَّرْطُ لِلتَّوَقُّعِ ولِلْحَثِّ عَلى الإيمانِ. وفِيهِ أيْضًا تَسْجِيلٌ عَلَيْهِمْ، إنْ أعادُوا مِثْلَ صَنِيعِهِمْ، بِأنَّهم كافِرُونَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، وفِيهِ تَعْلِيمٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَحْذِيرٌ مِن غَضَبِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
9:63Page 197
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٣
Do they not know that whoever opposes Allāh and His Messenger - that for him is the fire of Hell, wherein he will abide eternally? That is the great disgrace.
صفحة ٢٤٦
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها ذَلِكَ الخِزْيُ العَظِيمُ﴾
هَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِن جُمْلَةِ ﴿واللَّهُ ورَسُولُهُ أحَقُّ أنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ العاقِلَ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ عَمَلًا يَئُولُ بِهِ إلى مِثْلِ هَذا العَذابِ، فَلا يُقْدِمُ عَلى ذَلِكَ إلّا مَن لا يَعْلَمُ أنَّ مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ يَصِيرُ إلى هَذا المَصِيرِ السَّيِّئِ.
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والتَّشْنِيعِ؛ لِأنَّ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ مُحَقَّقٌ بِضَرُورَةِ أنَّهم كافِرُونَ بِالرَّسُولِ، وبِأنَّ رِضى اللَّهِ عِنْدَ رِضاهُ ولَكِنْ لَمّا كانَ عَدَمُ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ غَرِيبًا لِوُجُودِ الدَّلائِلِ المُقْتَضِيَةِ أنَّهُ مِمّا يَحِقُّ أنْ يَعْلَمُوهُ، كانَ حالُ عَدَمِ العِلْمِ بِهِ حالًا مُنْكَرًا. وقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذا ونَحْوِهِ في الإعْلامِ بِأمْرٍ مُهِمٍّ، كَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [التوبة: ١٠٤] وقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] وقَوْلِ مَوْيالِ بْنِ جَهْمٍ المَذْحِجِيِّ، أوْ مُبَشِّرِ بْنِ هُذَيْلٍ الفَزارِيِّ:
ألَمْ تَعْلَمِي يا عَمْرَكِ اللَّهَ أنَّنِي كَرِيمٌ عَلى حِينِ الكِرامُ قَلِيلُ
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَلْيَعْلَمُوا أنَّهُ مَن يُحادِدِ اللَّهَ إلَخْ.
والضَّمِيرُ المَنصُوبُ بِـ ”أنَّهُ“ ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وفُسِّرَ الضَّمِيرُ بِجُمْلَةِ ﴿مَن يُحادِدِ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِها.
والمَعْنى: ألَمْ يَعْلَمُوا شَأْنًا عَظِيمًا هو مَن يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَهُ نارُ جَهَنَّمَ.
وفَكُّ الدّالانِ مِن (يُحادِدْ) ولَمْ يُدْغَما لِأنَّهُ وقَعَ مَجْزُومًا فَجازَ فِيهِ الفَكُّ والإدْغامُ، والفَكُّ أشْهَرُ وأكْثَرُ في القُرْآنِ، وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وقَدْ ورَدَ فِيهِ الإدْغامُ نَحْوَ قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُشاقِّ اللَّهَ﴾ [الحشر: ٤] في سُورَةِ الحَشْرِ في قِراءَةِ جَمِيعِ العَشَرَةِ وهو لُغَةُ تَمِيمٍ.
و(المُحادَّةُ) المُعاداةُ والمُخالَفَةُ.
والفاءُ في ﴿فَأنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ﴾ لِرَبْطِ جَوابِ شَرْطِ (مَن) .
صفحة ٢٤٧
وأُعِيدَتْ (أنَّ) في الجَوابِ لِتَوْكِيدِ ”أنَّ“ المَذْكُورَةِ قَبْلَ الشَّرْطِ تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا، فَإنَّها لَمّا دَخَلَتْ عَلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ وكانَتْ جُمْلَةُ الشَّرْطِ وجَوابُهُ تَفْسِيرًا لِضَمِيرِ الشَّأْنِ، كانَ حُكْمُ (أنَّ) سارِيًا في الجُمْلَتَيْنِ، بِحَيْثُ لَوْ لَمْ تُذْكَرْ في الجَوابِ لَعُلِمَ أنَّ فِيهِ مَعْناها، فَلَمّا ذُكِرَتْ كانَ ذِكْرُها تَوْكِيدًا لَها، ولا ضَيْرَ في الفَصْلِ بَيْنَ التَّأْكِيدِ والمُؤَكَّدِ بِجُمْلَةِ الشَّرْطِ، والفَصْلِ بَيْنَ فاءِ الجَوابِ ومَدْخُولِها بِحَرْفٍ، إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وأصْلَحُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٩] وقَوْلُ الحَماسِيِّ، وهو أحَدُ الأعْرابِ:
وإنَّ امْرَءًا دامَتْ مَواثِيقُ عَهْدِهِ ∗∗∗ عَلى مِثْلِ هَذا إنَّهُ لَكَرِيمُ
وجَهَنَّمُ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ولَبِئْسَ المِهادُ﴾ [البقرة: ٢٠٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِنَ العَذابِ أوْ إلى ضَمِيرِ الشَّأْنِ بِاعْتِبارِ تَفْسِيرِهِ. والمَقْصُودُ مِنَ الإشارَةِ: تَمْيِيزُهُ لِيَتَقَرَّرَ مَعْناهُ في ذِهْنِ السّامِعِ.
والخِزْيُ الذُّلُّ والهَوانُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَما جَزاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكم إلّا خِزْيٌ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [البقرة: ٨٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
9:64Page 197
يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ ٦٤
The hypocrites are apprehensive lest a sūrah be revealed about them, informing them of1 what is in their hearts. Say, "Mock [as you wish]; indeed, Allāh will expose that which you fear."
﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ أنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِءُوا إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِذِكْرِ حالٍ مِن أحْوالِ جَمِيعِ المُنافِقِينَ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] وهو إظْهارُهُمُ الإيمانَ بِالمُعْجِزاتِ وإخْبارُ اللَّهِ رَسُولَهُ ﷺ بِالمُغَيَّباتِ.
وظاهِرُ الكَلامِ أنَّ الحَذَرَ صادِرٌ مِنهم وهَذا الظّاهِرُ يُنافِي كَوْنَهم لا يُصَدِّقُونَ بِأنَّ نُزُولَ القُرْآنِ مِنَ اللَّهِ وأنَّ خَبَرَهُ صِدْقٌ فَلِذَلِكَ تَرَدَّدَ المُفَسِّرُونَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ. وأحْسَنُ ما قِيلَ في ذَلِكَ قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيِّ: (هو حَذَرٌ يُظْهِرُهُ المُنافِقُونَ عَلى
صفحة ٢٤٨
وجْهِ الِاسْتِهْزاءِ. فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وأمَرَهُ أنْ يُعْلِمَهم بِأنَّهُ يُظْهِرُ سِرَّهُمُ الَّذِي حَذِرُوا ظُهُورَهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَهْزِئُوا﴾ دَلالَةٌ عَلى ما ذَكَرْناهُ، أيْ هم يُظْهِرُونَ ذَلِكَ يُرِيدُونَ بِهِ إيهامَ المُسْلِمِينَ بِصِدْقِ إيمانِهِمْ وما هم إلّا مُسْتَهْزِئُونَ بِالمُسْلِمِينَ فِيما بَيْنَهم، ولَيْسَ المُرادُ بِما في قُلُوبِهِمُ الكُفْرَ؛ لِأنَّهم لا يُظْهِرُونَ أنَّ ذَلِكَ مَفْرُوضٌ فَفِعْلُ ( يَحْذَرُ) فَأُطْلِقَ عَلى التَّظاهُرِ بِالحَذَرِ، أيْ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِعَلاقَةِ الصُّورَةِ، والقَرِينَةُ قَوْلُهُ: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ إذْ لا مُناسَبَةَ بَيْنَ الحَذَرِ الحَقِّ وبَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ لَوْلا ذَلِكَ، فَإنَّ المُنافِقِينَ لَمّا كانُوا مُبْطِنِينَ الكُفْرَ لَمْ يَكُنْ مِن شَأْنِهِمُ الحَذَرُ مِن نُزُولِ القُرْآنِ بِكَشْفِ ما في ضَمائِرِهِمْ؛ لِأنَّهم لا يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ فَتَعَيَّنَ صَرْفُ فِعْلِ (يَحْذَرُ) إلى مَعْنى: يَتَظاهَرُونَ بِالحَذَرِ وعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ إطْلاقُ الفِعْلِ عَلى التَّظاهُرِ بِمَدْلُولِهِ مِن غَرائِبِ المَجازِ. وتَأوَّلَ الزَّجّاجُ الآيَةَ بِأنَّ ”يَحْذَرُ“ خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الأمْرِ، أيْ لِيَحْذَرَ. وعَلى تَأْوِيلِهِ تَكُونُ جُمْلَةُ ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لا عَلاقَةَ لَها بِجُمْلَةِ ﴿يَحْذَرُ المُنافِقُونَ﴾ . ولَهم وُجُوهٌ أُخْرى في تَفْسِيرِ الآيَةِ بَعِيدَةٌ عَنْ مَهْيَعِها، ذَكَرَها الفَخْرُ.
وضَمِيرا (عَلَيْهِمْ) و(تُنَبِّئُهم) يَجُوزُ أنْ يَعُودا إلى المُنافِقِينَ، وهو ظاهِرُ تَناسُقِ الضَّمائِرِ ومَعادِها. وتَكُونُ (عَلى) بِمَعْنى لامِ التَّعْلِيلِ أيْ تَنْزِلُ لِأجْلِ أحْوالِهِمْ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]
وهُوَ كَثِيرٌ في الكَلامِ، وتَكُونُ تَعْدِيَةُ تُنَبِّئُهم إلى ضَمِيرِ المُنافِقِينَ: عَلى نَزْعِ الخافِضِ، أيْ تُنْبِئُ عَنْهم، أيْ تُنْبِئُ الرَّسُولَ بِما في قُلُوبِهِمْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تاءُ تُنَبِّئُهم تاءَ الخِطابِ، والخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ، أيْ: تُنَبِّئُهم أنْتَ بِما في قُلُوبِهِمْ، فَيَكُونُ جُمْلَةُ ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ في مَحَلِّ الصِّفَةِ لِـ (سُورَةٌ) والرّابِطُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: تُنَبِّئُهم بِها، وهَذا وصْفٌ لِلسُّورَةِ في نَفْسِ الأمْرِ، لا في اعْتِقادِ المُنافِقِينَ، فَمَوْقِعُ جُمْلَةِ ﴿تُنَبِّئُهم بِما في قُلُوبِهِمْ﴾ اسْتِطْرادٌ.
ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرانِ لِلْمُسْلِمِينَ، ولا يَضُرُّ تَخالُفُ الضَّمِيرَيْنِ مَعَ ضَمِيرِ قُلُوبِهِمِ الَّذِي هو لِلْمُنافِقِينَ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ المَعْنى يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى ما يَلِيقُ بِأنْ يَعُودَ إلَيْهِ.
صفحة ٢٤٩
واخْتِيرَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في (يَحْذَرُ) لِما تُشْعِرُ بِهِ مِنِ اسْتِحْضارِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَتُثِيرُ سَحابًا﴾ [الروم: ٤٨] وقَوْلِهِ: ﴿يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤]
والسُّورَةُ طائِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ ذاتُ مَبْدَأٍ ونِهايَةٍ وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ تَفْسِيرِ طالِعَةِ سُورَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ.
والتَّنْبِئَةُ الإخْبارُ والإعْلامُ مَصْدَرُ نَبَّأ الخَبَرَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَإ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والِاسْتِهْزاءُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] في أوَّلِ البَقَرَةِ.
والإخْراجُ مُسْتَعْمَلٌ في الإظْهارِ مَجازًا، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ مُظْهِرُ ما في قُلُوبِكم بِإنْزالِ السُّوَرِ: مِثْلَ سُورَةِ المُنافِقِينَ، وهَذِهِ السُّورَةِ سُورَةِ ”بَراءَةٌ“، حَتّى سُمِّيَتِ الفاضِحَةَ لِما فِيها مِن تَعْدادِ أحْوالِهِمْ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ”ومِنهم، ومِنهم، ومِنهم“
والعُدُولُ إلى التَّعْبِيرِ بِالمَوْصُولِ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَحْذَرُونَ﴾ دُونَ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ سُورَةً تُنَبِّئُكم بِما في قُلُوبِكم: لِأنَّ الأهَمَّ مِن تَهْدِيدِهِمْ هو إظْهارُ سَرائِرِهِمْ لا إنْزالُ السُّورَةِ، فَذِكْرُ الصِّلَةِ وافٍ بِالأمْرَيْنِ: إظْهارِ سَرائِرِهِمْ، وكَوْنِهِ في سُورَةٍ تَنْزِلُ، وهو أنَكى لَهم، فَفِيهِ إيجازٌ بَدِيعٌ كَقَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ كهيعص ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] أيْ نَرِثُهُ مالَهُ ووَلَدَهُ.
9:65Page 197
وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ ٦٥
And if you ask them, they will surely say, "We were only conversing and playing." Say, "Is it Allāh and His verses and His Messenger that you were mocking?"
﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾
الظّاهِرُ أنَّها مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم لِيُرْضُوكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] أوْ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيءَ﴾ [التوبة: ٦١] . فَيَكُونُ المُرادُ بِجُمْلَةِ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦٢] أنَّهم يَحْلِفُونَ إنْ لَمْ تَسْألْهم. فالحَلِفُ الصّادِرُ مِنهم حَلِفٌ عَلى الأعَمِّ مِن بَراءَتِهِمْ مِنَ النِّفاقِ والطَّعْنِ، وجَوابُ السُّؤالِ عَنْ أُمُورٍ خاصَّةٍ يُتَّهَمُونَ بِها جَوابٌ يُرادُ مِنهُ أنَّ ما صَدَرَ مِنهم لَيْسَ مِن جِنْسِ
صفحة ٢٥٠
ما يُتَّهَمُونَ بِهِ، فَإذا سُئِلُوا عَنْ حَدِيثٍ يَجْرِي بَيْنَهم يُسْتَرابُ مِنهم أجابُوا بِأنَّهُ خَوْضٌ ولَعِبٌ، يُرِيدُونَ أنَّهُ اسْتِجْمامٌ لِلرّاحَةِ بَيْنَ أتْعابِ السَّفَرِ لِما يَحْتاجُهُ الكادُّ عَمَلًا شاقًّا مِنَ الرّاحَةِ بِالمَزْحِ واللَّعِبِ. ورُوِيَ أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ الآيَةِ: «أنَّ رَكْبًا مِنَ المُنافِقِينَ الَّذِينَ خَرَجُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ نِفاقًا، مِنهم: ودِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ العَوْفِيُّ، ومَخْشِيُّ بْنُ حُمَيِّرٍ الأشْجَعِيُّ، حَلِيفُ بَنِيَ سَلَمَةَ، وقَفُوا عَلى عَقَبَةٍ في الطَّرِيقِ يَنْظُرُونَ جَيْشَ المُسْلِمِينَ فَقالُوا: انْظُرُوا إلى هَذا الرَّجُلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَتِحَ حُصُونَ الشّامِ هَيْهاتَ هَيْهاتَ فَسَألَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ عَنْ مُناجاتِهِمْ فَأجابُوا ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ»﴾ .
وعِنْدِي أنَّ هَذا لا يَتَّجِهُ لِأنَّ صِيغَةَ الشَّرْطِ مُسْتَقْبَلَةٌ فالآيَةُ نَزَلَتْ فِيما هو أعَمُّ، مِمّا يُسْألُونَ عَنْهُ في المُسْتَقْبَلِ، إخْبارًا بِما سَيُجِيبُونَ، فَهم يُسْألُونَ عَمّا يَتَحَدَّثُونَ في مَجالِسِهِمْ ونَوادِيهِمْ، الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ - تَعالى - في قَوْلِهِ: ﴿وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] لِأنَّهم كانُوا كَثِيرِي الِانْفِرادِ عَنْ مَجالِسِ المُسْلِمِينَ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ السُّؤالِ لِظُهُورِهِ مِن قَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ . والتَّقْدِيرُ: ولَئِنْ سَألْتَهم عَنْ حَدِيثِهِمْ في خَلَواتِهِمْ، أعْلَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِذَلِكَ وفِيهِ شَيْءٌ مِن دَلائِلِ النُّبُوءَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ أنْ يَسْألَهُمُ الرَّسُولُ، وأنَّهُ لَمّا سَألَهم بَعْدَها أجابُوا بِما أخْبَرَتْ بِهِ الآيَةُ.
والقَصْرُ لِلتَّعْيِينِ: أيْ ما تَحَدَّثْنا إلّا في خَوْضٍ ولَعِبٍ دُونَ ما ظَنَنْتَهُ بِنا مِنَ الطَّعْنِ والأذى.
والخَوْضُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا﴾ [الأنعام: ٦٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.
واللَّعِبُ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا لَعِبٌ ولَهْوٌ﴾ [الأنعام: ٣٢] في الأنْعامِ، ولَمّا كانَ اللَّعِبُ يَشْمَلُ الِاسْتِهْزاءَ بِالغَيْرِ جاءَ الجَوابُ عَنِ اعْتِذارِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ فَلَمّا كانَ اعْتِذارُهم مُبْهَمًا رُدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ إذْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يُجِيبَهم جَوابَ المُوقِنِ بِحالِهِمْ بَعْدَ أنْ أعْلَمَهُ بِما سَيَعْتَذِرُونَ بِهِ فَقالَ لَهم
صفحة ٢٥١
﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾، عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنا قُلِ الَّذِي فَطَرَكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الإسراء: ٥١] .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ تَوْبِيخِيٌّ. وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ وهو أبِاللَّهِ عَلى فِعْلِهِ العامِلِ فِيهِ لِقَصْدِ قَصْرِ التَّعْيِينِ لِأنَّهم لَمّا أتَوْا في اعْتِذارِهِمْ بِصِيغَةِ قَصْرِ تَعْيِينٍ جِيءَ في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِصِيغَةِ قَصْرِ تَعْيِينٍ لِإبْطالِ مُغالَطَتِهِمْ في الجَوابِ، فَأعْلَمَهم بِأنَّ لَعِبَهُمُ الَّذِي اعْتَرَفُوا بِهِ ما كانَ إلّا اسْتِهْزاءً بِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ لا بِغَيْرِ أُولَئِكَ، فَقَصْرُ الِاسْتِهْزاءِ عَلى تَعَلُّقِهِ بِمَن ذُكِرَ اقْتَضى أنَّ الِاسْتِهْزاءَ واقِعٌ لا مَحالَةَ لِأنَّ القَصْرَ قَيْدٌ في الخَبَرِ الفِعْلِيِّ، فَيَقْتَضِي وُقُوعَ الفِعْلِ، عَلى ما قَرَّرَهُ عَبْدُ القاهِرِ في مَعْنى القَصْرِ الواقِعِ في قَوْلِ القائِلِ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ وأنَّهُ يُؤَكَّدُ بِنَحْوِ: وحْدِي، أوْ لا غَيْرِي، وأنَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الفِعْلِ فَلا يُقالُ: ما أنا قُلْتُ هَذا ولا غَيْرِي، أيْ ولا يُقالُ: أنا سَعَيْتُ في حاجَتِكَ وغَيْرِي، وكَذَلِكَ هُنا لا يَصِحُّ أنْ يُفْهَمَ أبِاللَّهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ أمْ لَمْ تَكُونُوا مُسْتَهْزِئِينَ.
والِاسْتِهْزاءُ بِاللَّهِ وبِآياتِهِ إلْزامٌ لَهم: لِأنَّهُمُ اسْتَهْزَءُوا بِرَسُولِهِ وبِدِينِهِ، فَلَزِمَهُمُ الِاسْتِهْزاءُ بِالَّذِي أرْسَلَهُ بِآياتِ صِدْقِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences