Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:66–71

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:66–71

9:66Page 197

لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ ٦٦

Make no excuse; you have disbelieved [i.e., rejected faith] after your belief. If We pardon one faction of you - We will punish another faction because they were criminals.

﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾

لَمّا كانَ قَوْلُهم ﴿إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] اعْتِذارًا عَنْ مُناجاتِهِمْ، أيْ إظْهارًا لِلْعُذْرِ الَّذِي تَناجَوْا مِن أجْلِهِ، وأنَّهُ ما يَحْتاجُهُ المُتْعَبُ: مِنَ الِارْتِياحِ إلى المَزْحِ والحَدِيثِ في غَيْرِ الجِدِّ، فَلَمّا كَشَفَ اللَّهُ أمْرَ اسْتِهْزائِهِمْ، أرْدَفَهُ بِإظْهارِ قِلَّةِ جَدْوى اعْتِذارِهِمْ إذْ قَدْ تَلَبَّسُوا بِما هو أشْنَعُ وأكْبَرُ مِمّا اعْتَذَرُوا عَنْهُ، وهو التِباسُهم بِالكُفْرِ بَعْدَ إظْهارِ الإيمانِ. فَإنَّ اللَّهَ لَمّا أظْهَرَ نِفاقَهم كانَ ما يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ أهْوَنَ فَجُمْلَةُ ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ مِن جُمْلَةِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ الرَّسُولَ أنْ يَقُولَهُ، وهي ارْتِقاءٌ في تَوْبِيخِهِمْ، فَهي مُتَضَمِّنَةٌ تَوْكِيدًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥]، مَعَ زِيادَةِ ارْتِقاءٍ في التَّوْبِيخِ وارْتِقاءٍ في مَثالِبِهِمْ بِأنَّهم تَلَبَّسُوا بِما هو أشَدُّ وهو الكُفْرُ، فَلِذَلِكَ قُطِعَتِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها، عَلى أنَّ شَأْنَ الجُمَلِ الواقِعَةِ في مَقامِ التَّوْبِيخِ أنْ

صفحة ٢٥٢

تُقْطَعَ ولا تُعْطَفَ لِأنَّ التَّوْبِيخَ يَقْتَضِي التَّعْدادَ، فَتَقَعُ الجُمَلُ المُوَبَّخُ بِها مَوْقِعَ الأعْدادِ المَحْسُوبَةِ نَحْوَ واحِدٌ، اثْنانِ، فالمَعْنى لا حاجَةَ بِكم لِلِاعْتِذارِ عَنِ التَّناجِي فَإنَّكم قَدْ عُرِفْتُمْ بِما هو أعْظَمُ وأشْنَعُ.

والنَّهْيُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّسْوِيَةِ وعَدَمِ الجَدْوى.

وجُمْلَةُ ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ في مَوْضِعِ العِلَّةِ مِن جُمْلَةِ ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ تَعْلِيلًا لِلنَّهْيِ المُسْتَعْمَلِ في التَّسْوِيَةِ وعَدَمِ الجَدْوى.

وقَوْلُهُ: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ﴾ يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ الكُفْرِ في الماضِي، أيْ قَبْلَ الِاسْتِهْزاءِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ عُرِفَ كُفْرُهم مِن قَبْلُ. والمُرادُ بِإسْنادِ الإيمانِ إلَيْهِمْ: إظْهارُ الإيمانِ، وإلّا فَهم لَمْ يُؤْمِنُوا إيمانًا صادِقًا. والمُرادُ بِإيمانِهِمْ: إظْهارُهُمُ الإيمانَ، لا وُقُوعُ حَقِيقَتِهِ. وقَدْ أنْبَأ عَنْ ذَلِكَ إضافَةُ الإيمانِ إلى ضَمِيرِهِمْ دُونَ تَعْرِيفِ الإيمانِ بِاللّامِ المُفِيدَةِ لِلْحَقِيقَةِ، أيْ بَعْدَ إيمانٍ هو مِن شَأْنِكم، وهَذا تَعْرِيضٌ بِأنَّهُ الإيمانُ الصُّورِيُّ غَيْرُ الحَقِّ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى - الآتِي ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤] وهَذا مِن لَطائِفِ القُرْآنِ.

* * *

﴿إنْ يُعْفَ عَنْ طائِفَةٍ مِنكم تُعَذَّبْ طائِفَةٌ بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾

جاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ النِّذارَةِ بِالتَّبْشِيرِ لِلرّاغِبِ في التَّوْبَةِ تَذْكِيرًا لَهُ بِإمْكانِ تَدارُكِ حالِهِ.

ولَمّا كانَ حالُ المُنافِقِينَ عَجِيبًا كانَتِ البِشارَةُ لَهم مَخْلُوطَةً بِبَقِيَّةِ النِّذارَةِ، فَأنْبَأهم أنَّ طائِفَةً مِنهم قَدْ يُعْفى عَنْها إذا طَلَبَتْ سَبَبَ العَفْوِ: بِإخْلاصِ الإيمانِ، وأنَّ طائِفَةً تَبْقى في حالَةِ العَذابِ، والمَقامُ دالٌّ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ عَبَثًا ولا تَرْجِيحًا بِدُونِ مُرَجِّحٍ، فَما هو إلّا أنَّ طائِفَةً مَرْجُوَّةُ الإيمانِ، فَيُغْفَرُ عَمّا قَدَّمَتْهُ مِنَ النِّفاقِ، وأُخْرى تُصِرُّ عَلى النِّفاقِ حَتّى المَوْتِ، فَتَصِيرُ إلى العَذابِ. والآياتُ الوارِدَةُ بَعْدَ هَذِهِ تَزِيدُ ما دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ وُضُوحًا مِن قَوْلِهِ: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨] . وقَوْلُهُ

صفحة ٢٥٣

بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٧٤]

وقَدْ آمَنَ بَعْضُ المُنافِقِينَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ مَخْشِيَّ بْنَ حُمَيِّرٍ الأشْجَعِيَّ لَمّا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ تابَ مِنَ النِّفاقِ، وحَسُنَ إسْلامُهُ، فَعُدَّ مِنَ الصَّحابَةِ، وقَدْ جاهَدَ يَوْمَ اليَمامَةِ واسْتُشْهِدَ فِيهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ المَقْصُودُ ”بِالطّائِفَةِ“ دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ مِن بابِ إطْلاقِ لَفْظِ الجَماعَةِ عَلى الواحِدِ في مَقامِ الإخْفاءِ والتَّعْمِيَةِ كَقَوْلِهِ ﷺ «ما بالُ أقْوامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ في كِتابِ اللَّهِ» . وقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وفي المَدِينَةِ بَقِيَّةٌ مِنَ المُنافِقِينَ وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ في خِلافَتِهِ يَتَوَسَّمُهم.

والباءُ في ﴿بِأنَّهم كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والمُجْرِمُ الكافِرُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (يُعْفَ) و(تُعَذَّبْ) بِبِناءِ الفِعْلَيْنِ إلى النّائِبِ، وقَرَأهُ عاصِمٌ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وبِنُونِ العَظَمَةِ في الفِعْلَيْنِ ونَصَبَ (طائِفَةً) الثّانِي.

9:67Page 197

ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٦٧

The hypocrite men and hypocrite women are of one another. They enjoin what is wrong and forbid what is right and close their hands.1 They have forgotten Allāh, so He has forgotten them [accordingly]. Indeed, the hypocrites - it is they who are the defiantly disobedient.

﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهم نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾

يَظْهَرُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ احْتِراسًا عَنْ أنْ يَظُنَّ المُنافِقُونَ أنَّ العَفْوَ المَفْرُوضَ لِطائِفَةٍ مِنهم هو عَفْوٌ يَنالُ فَرِيقًا مِنهم باقِينَ عَلى نِفاقِهِمْ، فَعَقَّبَ ذَلِكَ بِبَيانِ أنَّ النِّفاقَ حالَةٌ واحِدَةٌ وأنَّ أصْحابَهُ سَواءٌ، لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ أنَّ افْتِراقَ أحْوالِهِمْ بَيْنَ عَفْوٍ وعَذابٍ لا يَكُونُ إلّا إذا اخْتَلَفَتْ أحْوالُهم بِالإيمانِ والبَقاءِ عَلى النِّفاقِ، إلى ما أفادَتْهُ الآيَةُ أيْضًا مِن إيضاحِ بَعْضِ

صفحة ٢٥٤

أحْوالِ النِّفاقِ وآثارِهِ الدّالَّةِ عَلى اسْتِحْقاقِ العَذابِ، فَفَصَلَ هاتِهِ الجُمْلَةَ عَنِ الَّتِي قَبْلَها: إمّا لِأنَّها كالبَيانِ لِلطّائِفَةِ المُسْتَحِقَّةِ العَذابَ، وإمّا أنْ تَكُونَ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا في حُكْمِ الِاعْتِراضِ كَما سَيَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٩] وإمّا أنْ تَكُونَ اعْتِراضًا هي والَّتِي بَعْدَها بَيْنَ الجُمْلَةِ المُتَقَدِّمَةِ وبَيْنَ جُمْلَةِ ﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً﴾ [التوبة: ٦٩] كَما سَيَأْتِي هُنالِكَ.

وزِيدَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرُ المُنافِقاتِ تَنْصِيصًا عَلى تَسْوِيَةِ الأحْكامِ لِجَمِيعِ المُتَّصِفِينَ بِالنِّفاقِ: ذُكُورِهِمْ وإناثِهِمْ، كَيْلا يَخْطُرَ بِالبالِ أنَّ العَفْوَ يُصادِفُ نِساءَهم، والمُؤاخَذَةَ خاصَّةٌ بِذُكْرانِهِمْ، لِيَعْلَمَ النّاسُ أنَّ لِنِساءِ المُنافِقِينَ حَظًّا مِن مُشارَكَةِ رِجالِهِنَّ في النِّفاقِ فَيَحْذَرُوهُنَّ.

و(مِن) في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ اتِّصالِيَّةٌ دالَّةٌ عَلى مَعْنى اتِّصالِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ وهو تَبْعِيضٌ مَجازَيٌّ مَعْناهُ الوَصْلَةُ والوِلايَةُ، ولَمْ يُطْلَقْ عَلى ذَلِكَ اسْمُ الوِلايَةِ كَما أُطْلِقَ عَلى اتِّصالِ المُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١] لِما سَيَأْتِي هُنالِكَ.

وقَدْ شَمِلَ قَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ جَمِيعَ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ؛ لِأنَّ كُلَّ فَرْدٍ هو بَعْضٌ مِنَ الجَمِيعِ، فَإذا كانَ كُلُّ بَعْضٍ مُتَّصِلًا بِبَعْضٍ آخَرَ، عُلِمَ أنَّهم سَواءٌ في الأحْوالِ.

وجُمْلَةُ ﴿يَأْمُرُونَ بِالمُنْكَرِ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى الِاتِّصالِ والِاسْتِواءِ في الأحْوالِ.

والمُنْكِرُ المَعاصِي لِأنَّها يُنْكِرُها الإسْلامُ.

والمَعْرُوفُ ضِدُّها؛ لِأنَّ الدِّينَ يَعْرِفُهُ، أيْ يَرْضاهُ، وقَدْ تَقَدَّما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وقَبْضُ الأيْدِي: كِنايَةٌ عَنِ الشُّحِّ، وهو وصْفُ ذَمٍّ لِدَلالَتِهِ عَلى القَسْوَةِ؛ لِأنَّ المُرادَ الشُّحُّ عَلى الفُقَراءِ.

صفحة ٢٥٥

والنِّسْيانُ مِنهم مُسْتَعارٌ لِلْإشْراكِ بِاللَّهِ، أوْ لِلْإعْراضِ عَنِ ابْتِغاءِ مَرْضاتِهِ وامْتِثالِ ما أمَرَ بِهِ؛ لِأنَّ الإهْمالَ والإعْراضَ يُشْبِهُ نِسْيانَ المُعْرَضِ عَنْهُ.

ونِسْيانُ اللَّهِ إيّاهم مُشاكَلَةٌ أيْ حِرْمانُهُ إيّاهم مِمّا أعَدَّ لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ النِّسْيانَ عِنْدَ قِسْمَةِ الحُظُوظِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ فَذْلَكَةٌ لِلَّتِي قَبْلَها فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ لِأنَّها كالبَيانِ الجامِعِ.

وصِيغَةُ القَصْرِ في ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ لِأنَّهم لَمّا بَلَغُوا النِّهايَةَ في الفُسُوقِ جُعِلَ غَيْرُهم كَمَن لَيْسَ بِفاسِقٍ.

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ﴾ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِمْ في الذِّهْنِ لِهَذا الحُكْمِ. ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً حَتّى تَكُونَ كالمَثَلِ.

9:68Page 197

وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ٦٨

Allāh has promised the hypocrite men and hypocrite women and the disbelievers the fire of Hell, wherein they will abide eternally. It is sufficient for them. And Allāh has cursed them, and for them is an enduring punishment.

﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ إمّا اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]، وإمّا مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ فَنَسِيَهم لِأنَّ الخُلُودَ في جَهَنَّمَ واللَّعْنَ بَيانٌ لِلْمُرادِ مِن نِسْيانِ اللَّهِ إيّاهم.

والوَعْدُ أعَمُّ مِنَ الوَعِيدِ، فَهو يُطْلَقُ عَلى الإخْبارِ بِالتِزامِ المُخْبِرِ لِلْمُخْبَرِ بِشَيْءٍ في المُسْتَقْبَلِ نافِعٍ أوْ ضارٍّ أوْ لا نَفْعَ فِيهِ ولا ضُرَّ ﴿هَذا ما وعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ [يس: ٥٢] . والوَعِيدُ خاصٌّ بِالضّارِّ.

وفَعَلُ المُضِيِّ هُنا: إمّا لِلْإخْبارِ عَنْ وعِيدٍ تَقَدَّمَ وعَدَهُ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ تَذْكِيرًا بِهِ لِزِيادَةِ تَحْقِيقِهِ وإمّا لِصَوْغِ الوَعِيدِ في الصِّيغَةِ الَّتِي تَنْشَأُ بِها العُقُودُ مِثْلَ بِعْتُ ووَهَبْتُ إشْعارًا بِأنَّهُ وعِيدٌ لا يَتَخَلَّفُ مِثْلَ العَقْدِ والِالتِزامِ.

صفحة ٢٥٦

والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَقْرِيرِ المَحْكُومِ عَلَيْهِ في ذِهْنِ السّامِعِ حَتّى يَتَمَكَّنَ اتِّصافُهم بِالحُكْمِ.

وزِيادَةُ ذِكْرِ الكُفّارِ هُنا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ لَيْسُوا بِأهْوَنَ حالًا مِنَ المُشْرِكِينَ إذْ قَدْ جَمَعَ الكُفْرُ الفَرِيقَيْنِ.

ومَعْنى هي حَسْبُهم أنَّها مُلازِمَةٌ لَهم. وأصْلُ ”حَسْبُ“ أنَّهُ بِمَعْنى الكافِي، ولَمّا كانَ الكافِي يُلازِمُهُ المُكَفِّي كُنِّيَ بِهِ هُنا عَنِ المُلازَمَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (حَسْبُ) عَلى أصْلِهِ ويَكُونُ ذِكْرُهُ في هَذا المَقامِ تَهَكُّمًا بِهِمْ، كَأنَّهم طَلَبُوا النَّعِيمَ، فَقِيلَ: حَسْبُهم نارُ جَهَنَّمَ.

واللَّعْنُ: الإبْعادُ عَنِ الرَّحْمَةِ والتَّحْقِيرُ والغَضَبُ.

والعَذابُ المُقِيمُ: إنْ كانَ المُرادُ بِهِ عَذابَ جَهَنَّمَ فَهو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهُمْ﴾ لِدَفْعِ احْتِمالِ إطْلاقِ الخُلُودِ عَلى طُولِ المُدَّةِ، وتَأْكِيدٌ لِلْكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ وإنْ كانَ المُرادُ بِهِ عَذابًا آخَرَ تَعَيَّنَ أنَّهُ عَذابٌ في الدُّنْيا وهو عَذابُ الخِزْيِ والمَذَلَّةِ بَيْنَ النّاسِ.

وفِي هَذِهِ الآيَةِ زِيادَةُ تَقْرِيرٍ لِاسْتِحْقاقِ المُنافِقِينَ العَذابَ، وأنَّهُمُ الطّائِفَةُ الَّتِي تُعَذَّبُ إذا بَقُوا عَلى نِفاقِهِمْ، فَتَعَيَّنَ أنَّ الطّائِفَةَ المَعْفُوَّ عَنْها هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ مِنهم.

9:69Page 198

كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٩

[You disbelievers are] like those before you; they were stronger than you in power and more abundant in wealth and children. They enjoyed their portion [of worldly enjoyment], and you have enjoyed your portion as those before you enjoyed their portion, and you have engaged [in vanities] like that in which they engaged. [It is] those whose deeds have become worthless in this world and in the Hereafter, and it is they who are the losers.

﴿كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم كانُوا أشَدَّ مِنكم قُوَّةً وأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْكَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾

قِيلَ هَذا الخِطابُ التِفاتٌ، عَنْ ضَمائِرِ الغَيْبَةِ الرّاجِعَةِ إلى المُنافِقِينَ، إلى خِطابِهِمْ لِقَصْدِ التَّفْرِيعِ والتَّهْدِيدِ بِالمَوْعِظَةِ، والتَّذْكِيرِ عَنِ الغُرُورِ بِما هم فِيهِ مِن نِعْمَةِ الإمْهالِ بِأنَّ آخِرَ ذَلِكَ حَبْطُ الأعْمالِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأنْ يَحِقَّ عَلَيْهِمُ الخُسْرانُ.

صفحة ٢٥٧

فَكافُ التَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ الخَبَرِ عَنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ الخِطابِ، تَقْدِيرُهُ: أنْتُمْ كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم، أوِ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ: فَعَلْتُمْ كَفِعْلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ المُطْلَقِ الدّالِّ عَلى فِعْلِهِ، ومِثْلُهُ في حَذْفِ الفِعْلِ والإتْيانِ بِما هو مَفْعُولُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:

حَتّى إذا الكَلّابُ قالَ لَها كاليَوْمِ مَطْلُوبًا ولا طالِبا

أرادَ: لَمْ أرَ كاليَوْمِ، إلّا أنَّ عامِلَ النَّصْبِ مُخْتَلِفٌ بَيْنَ الآيَةِ والبَيْتِ.

وقِيلَ هَذا مِن بَقِيَّةِ المَقُولِ المَأْمُورِ بِأنْ يُبَلِّغَهُ النَّبِيءُ ﷺ إيّاهم مِن قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أبِاللَّهِ وآياتِهِ ورَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: ٦٥] الآيَةَ. فَيَكُونُ ما بَيْنَهُما اعْتِراضًا بِقَوْلِهِ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] إلَخْ فَضَمِيرُ الخِطابِ لَهم جارٍ عَلى مُقْتَضى الظّاهِرِ بِدُونِ التِفاتِ والكَلامُ مَسُوقٌ لِتَشْبِيهِ حالِهِمْ في مَصِيرِهِمْ إلى النّارِ.

والإتْيانُ بِالمَوْصُولِ لِأنَّهُ أشْمَلُ وأجْمَعُ لِلْأُمَمِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ مِثْلَ عادٍ وثَمُودَ مِمَّنْ ضَرَبَ العَرَبُ بِهِمُ المَثَلَ في القُوَّةِ.

و”أشَدَّ“ مَعْناهُ أقْوى، والقُوَّةُ هُنا القُدْرَةُ عَلى الأعْمالِ الصَّعْبَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهم هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] أوْ يُرادُ بِها العِزَّةُ وعُدَّةُ الغَلَبِ بِاسْتِكْمالِ العَدَدِ والعُدَدِ، وبِهَذا المَعْنى أُوقِعَتِ القُوَّةُ تَمْيِيزَ الـ (أشَدَّ) كَما أُوقِعَتْ مُضافًا إلَيْهِ (شَدِيدُ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ [النجم: ٥]

وكَثْرَةُ الأمْوالِ لَها أسْبابٌ كَثِيرَةٌ: مِنها طِيبُ الأرْضِ لِلزَّرْعِ والغَرْسِ ورَعْيُ الأنْعامِ والنَّحْلِ، ومِنها وفْرَةُ التِّجارَةِ بِحُسْنِ مَوْقِعِ المَوْطِنِ بَيْنَ مَواطِنِ الأُمَمِ، ومِنها الِاقْتِرابُ مِنَ البِحارِ لِلسَّفَرِ إلى الأقْطارِ وصَيْدِ البَحْرِ، ومِنها اشْتِمالُ الأرْضِ عَلى المَعادِنِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ والحَدِيدِ والمَوادِّ الصِّناعِيَّةِ والغِذائِيَّةِ مِنَ النَّباتِ، كَأشْجارِ التَّوابِلِ ولِحاءِ الدَّبْغِ والصَّبْغِ والأدْوِيَةِ والزَّرارِيعِ والزُّيُوتِ.

وكَثْرَةُ الأوْلادِ تَأْتِي مِنَ الأمْنِ بِسَبَبِ بَقاءِ الأنْفُسِ، ومِنَ الخِصْبِ المُؤَثِّرِ قُوَّةُ الأبْدانِ والسَّلامَةُ مِنَ المَجاعاتِ المُعَقِّبَةِ لَلْمُوتانِ، ومِن حُسْنِ المُناخِ بِالسَّلامَةِ مِنَ الأوْبِئَةِ المُهْلِكَةِ، ومِنَ الثَّرْوَةِ بِكَثْرَةِ الأزْواجِ والسَّرارِي والمَراضِعِ.

صفحة ٢٥٨

والِاسْتِمْتاعُ: التَّمَتُّعُ، وهو نَوالُ أحَدِ المَتاعِ الَّذِي بِهِ التِذاذُ الإنْسانِ ومُلائِمُهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى:﴿ولَكم في الأرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومَتاعٌ إلى حِينٍ﴾ [الأعراف: ٢٤] في سُورَةِ الأعْرافِ.

والسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في قُوَّةِ التَّمَتُّعِ.

والخَلاقُ: الحَظُّ مِنَ الخَيْرِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ [البقرة: ٢٠٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وتَفَرَّعَ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ عَلى ﴿كانُوا أشَدَّ﴾: لِأنَّ المَقْصُودَ إدْخالُهُ في الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها كَما سَيَأْتِي.

وتَفَرَّعَ ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ عَلى ما أفادَهُ حَرْفُ الكافِ بِقَوْلِهِ: كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم مِن مَعْنى التَّشْبِيهِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ جُمْلَةُ فاسْتَمْتَعْتُمْ بِواوِ العَطْفِ، فَإنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ هي المَقْصِدُ مِنَ التَّشْبِيهِ وما تَفَرَّعَ عَلَيْهِ، وقَدْ كانَ ذِكْرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ يُغْنِي عَنْ ذِكْرِ جُمْلَةِ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ لَوْلا قَصْدُ المَوْعِظَةِ بِالفَرِيقَيْنِ: المُشَبَّهِ بِهِمْ، والمُشَبَّهِينَ، في إعْراضِ كِلَيْهِما عَنْ أخْذِ العُدَّةِ لِلْحَياةِ الدّائِمَةِ وفي انْصِبابِهِما عَلى التَّمَتُّعِ العاجِلِ فَلَمْ يَكْتَفِ في الكَلامِ بِالِاقْتِصارِ عَلى حالِ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ، قَصْدًا لِلِاعْتِناءِ بِكِلَيْهِما فَذَلِكَ الَّذِي اقْتَضى هَذا الإطْنابَ ولَوِ اقْتَصَرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ ولَمْ يَذْكُرْ قَبْلَهُ ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ لَحَصَلَ أصْلُ المَعْنى ولَمْ يُسْتَفَدْ قَصْدُ الِاهْتِمامِ بِكِلا الفَرِيقَيْنِ.

ولِذَلِكَ لَمّا تَقَرَّرَ هَذا المَقْصِدُ في أنْفُسِ السّامِعِينَ لَمْ يُحْتَجَّ إلى نَسْجِ مِثْلِ هَذا النَّظْمِ في قَوْلِهِ: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾

وقَوْلُهُ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ تَأْكِيدٌ لِلتَّشْبِيهِ الواقِعِ في قَوْلِهِ: كالَّذِينَ مِن قَبْلِكم إلى قَوْلِهِ ﴿فاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ﴾ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ الجُزْءَ بِخُصُوصِهِ، مِن بَيْنِ الحالَةِ المُشَبَّهَةِ والحالَةِ المُشَبَّهِ بِها، هو مَحَلُّ المَوْعِظَةِ والتَّذْكِيرِ، فَلا يَغُرُّهم ما هم فِيهِ مِن نِعْمَةِ الإمْهالِ والِاسْتِدْراجِ، فَقَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿فاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ وأتى بِقَوْلِهِ: ﴿كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم بِخَلاقِهِمْ﴾ مُؤَكِّدًا لَهُ دُونَ أنْ يَقْتَصِرَ عَلى هَذا التَّشْبِيهِ الأخِيرِ، لِيَتَأتّى التَّأْكِيدُ، ولِأنَّ تَقْدِيمَ ما يُتَمِّمُ تَصْوِيرَ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها المُرَكَّبَةِ، قَبْلَ إيقاعِ التَّشْبِيهِ، أشَدُّ تَمْكِينًا لِمَعْنى المُشابَهَةِ عِنْدَ السّامِعِ.

صفحة ٢٥٩

وقَوْلُهُ: ﴿كالَّذِي خاضُوا﴾ تَشْبِيهٌ لِخَوْضِ المُنافِقِينَ بِخَوْضِ أُولَئِكَ، وهو الخَوْضُ الَّذِي حُكِيَ عَنْهم في قَوْلِهِ: ﴿لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥] ولِبَساطَةِ هَذا التَّشْبِيهِ لَمْ يُؤْتَ فِيهِ بِمِثْلِ الأُسْلُوبِ الَّذِي أُتِيَ بِهِ في التَّشْبِيهِ السّابِقِ لَهُ. أيْ: وخُضْتُمْ في الكُفْرِ والِاسْتِهْزاءِ بِآياتِ اللَّهِ ورَسُولِهِ كالخَوْضِ الَّذِي خاضُوهُ في ذَلِكَ، فَأنْتُمْ وهَمَ سَواءٌ، فَيُوشِكُ أنْ يَحِيقَ بِكم ما حاقَ بِهِمْ، وكَلامُنا في هَذَيْنِ التَّشْبِيهَيْنِ أدَقُّ ما كُتِبَ فِيهِما.

والَّذِي اسْمٌ مَوْصُولٌ، مُفْرَدٌ، وإذْ كانَ عائِدُ الصِّلَةِ هُنا ضَمِيرَ جَمْعٍ تَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِـ (الَّذِي): تَأْوِيلُهُ بِالفَرِيقِ أوِ الجَمْعِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الَّذِي هُنا أصْلُهُ الَّذِينَ فَخُفِّفَ بِحَذْفِ النُّونِ عَلى لُغَةِ هُذَيْلٍ وتَمِيمٍ كَقَوْلِ الأشْهَبِ بْنِ رُمَيْلَةَ النَّهْشَلِيِّ:

وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدِ

ونُحاةُ البَصْرَةِ يَرَوْنَ هَذا الِاسْتِعْمالَ خاصًّا بِحالَةِ أنْ تَطُولَ الصِّلَةُ كالبَيْتِ فَلا يَنْطَبِقُ عِنْدَهم عَلى الآيَةِ، ونُحاةُ الكُوفَةِ يُجَوِّزُونَهُ ولَوْ لَمْ تَطُلِ الصِّلَةُ، كَما في الآيَةِ، وقَدِ ادَّعى الفَرّاءُ: أنَّ ”الَّذِي“ يَكُونُ مَوْصُولًا حَرْفِيًّا مُؤَوَّلًا بِالمَصْدَرِ، واسْتَشْهَدَ لَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو ضَعِيفٌ.

ولَمّا وُصِفَتْ حالَةُ المُشَبَّهِ بِهِمْ مِنَ الأُمَمِ البائِدَةِ أعْقَبَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلَيْهِمْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم بِسَبَبِ ذَلِكَ كانُوا جَدِيرِينَ بِما سَيُخْبَرُ بِهِ عَنْهم، فَقالَ - تَعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ شابَهُوهم في أحْوالِهِمْ أحْرِياءُ بِأنْ يَحِلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ، وفي هَذا التَّعْرِيضِ مِنَ التَّهْدِيدِ والنِّذارَةِ مَعْنًى عَظِيمٌ.

والخَوْضُ تَقَدَّمَتِ الحَوالَةُ عَلى مَعْرِفَتِهِ آنِفًا.

والحَبْطُ: الزَّوالُ والبُطْلانُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ [البقرة: ٢١٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمُرادُ بِأعْمالِهِمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَهُ ويَكْدَحُونَ فِيهِ: مِن مُعالَجَةِ الأمْوالِ والعِيالِ والِانْكِبابِ عَلَيْهِما، ومَعْنى حَبْطِها في الدُّنْيا اسْتِئْصالُها وإتْلافُها بِحُلُولِ مُخْتَلِفِ العَذابِ

صفحة ٢٦٠

بِأُولَئِكَ الأُمَمِ، وفي الآخِرَةِ بِعَدَمِ تَعْوِيضِها لَهم، كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ في الدُّنْيا ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] أيْ في الآخِرَةِ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ما أغْنى عَنِّي مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٩]

وفِي هَذا كُلِّهِ تَذْكِرَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ بِأنْ لا يَظُنُّوا أنَّ اللَّهَ لَمّا أمْهَلَ المُنافِقِينَ قَدْ عَفا عَنْهم.

ولَمّا كانَتْ خَسارَتُهم جَسِيمَةً جُعِلَ غَيْرُهم مِنَ الخاسِرِينَ كَلا خاسِرِينَ فَحُصِرَتِ الخَسارَةُ في هَؤُلاءِ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ قَصْرًا مَقْصُودًا بِهِ المُبالَغَةُ.

وإعادَةُ اسْمِ الإشارَةِ لِلِاهْتِمامِ بِتَمْيِيزِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ أحْوالِهِمْ في ذِهْنِ السّامِعِ.

9:70Page 198

أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٧٠

Has there not reached them the news of those before them - the people of Noah and [the tribes of] ʿAad and Thamūd and the people of Abraham and the companions [i.e., dwellers] of Madyan and the towns overturned?1 Their messengers came to them with clear proofs. And Allāh would never have wronged them, but they were wronging themselves.

﴿ألَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وقَوْمِ إبْراهِيمَ وأصْحابِ مَدْيَنَ والمُؤْتَفِكاتِ أتَتْهم رُسُلُهم بِالبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهم ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ عادَ الكَلامُ عَلى المُنافِقِينَ: فَضَمِيرُ (ألَمْ يَأْتِهِمْ) و(مِن قَبْلِهِمْ) عائِدانِ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ عادَ عَلَيْهِمُ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم لَيَقُولُنَّ إنَّما كُنّا نَخُوضُ ونَلْعَبُ﴾ [التوبة: ٦٥]، أوِ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]

والِاسْتِفْهامُ مُوَجَّهٌ لِلْمُخاطَبِ تَقْرِيرًا عَنْهم، بِحَيْثُ يَكُونُ كالِاسْتِشْهادِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم أتاهم نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.

والإتْيانُ مُسْتَعْمَلٌ في بُلُوغِ الخَبَرِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١] وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ العُقُودِ، شُبِّهَ حُصُولُ الخَبَرِ عِنْدَ المُخْبَرِ بِإتْيانِ الشَّخْصِ، بِجامِعِ الحُصُولِ بَعْدَ عَدَمِهِ، ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُهم: بَلَغَهُ الخَبَرُ، قالَ - تَعالى: ﴿لِأُنْذِرَكم بِهِ ومَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٦١

والنَّبَأُ الخَبَرُ وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْمُ نُوحٍ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] في سُورَةِ الأعْرافِ.

ونُوحٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا﴾ [آل عمران: ٣٣] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

وعادٌ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] في سُورَةِ الأعْرافِ.

وكَذَلِكَ ثَمُودُ، وقَوْمُ إبْراهِيمَ هُمُ الكَلْدانِيُّونَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى إبْراهِيمَ وعَلَيْهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإضافَةُ (أصْحابِ) إلى مَدْيَنَ بِاعْتِبارِ إطْلاقِ اسْمِ مَدْيَنَ عَلى الأرْضِ الَّتِي كانَ يَقْطُنُها بَنُو مَدْيَنَ، فَكَما أنَّ مَدْيَنَ اسْمٌ لِلْقَبِيلَةِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] كَذَلِكَ هو اسْمٌ لِمَوْطِنِ تِلْكَ القَبِيلَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ مَدْيَنَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] في الأعْرافِ.

والمُؤْتَفِكاتُ عُطِفَ عَلى أصْحابِ مَدْيَنَ، أيْ نَبَأِ المُؤْتَفِكاتِ، وهو جَمْعُ مُؤْتَفِكَةٍ: اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الِائْتِفاكِ وهو الِانْقِلابُ. أيِ القُرى الَّتِي انْقَلَبَتْ والمُرادُ بِها: قُرًى صَغِيرَةٌ كانَتْ مَساكِنَ قَوْمِ لُوطٍ وهي: سَدُومُ، وعَمُورَةُ، وأدَمَةُ، وصِبْوِيمُ، وكانَتْ قُرًى مُتَجاوِرَةً فَخُسِفَ بِها وصارَ عالِيها سافِلَها. وكانَتْ في جِهاتِ الأُرْدُنِّ حَوْلَ البَحْرِ المَيِّتِ، ونَبَأُ هَؤُلاءِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ، وهو خَبَرُ هَلاكِهِمْ واسْتِئْصالِهِمْ بِحَوادِثَ مَهُولَةٍ.

وجُمْلَةُ ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ تَعْلِيلٌ أوِ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ أتَتْهم رُسُلُهم بِدَلائِلَ الصِّدْقِ والحَقِّ.

وجُمْلَةُ ﴿فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿أتَتْهم رُسُلُهُمْ﴾، والمُفَرَّعُ هو مَجْمُوعُ الجُمْلَةِ إلى قَوْلِهِ: (يَظْلِمُونَ) لِأنَّ الَّذِي تَفَرَّعَ عَلى إتْيانِ الرُّسُلِ أنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالعِنادِ، والمُكابَرَةِ، والتَّكْذِيبِ لِلرُّسُلِ، وصَمِّ الآذانِ عَنِ الحَقِّ، فَأخَذَهُمُ

صفحة ٢٦٢

اللَّهُ بِذَلِكَ، ولَكِنْ نُظِمَ الكَلامُ عَلى هَذا الأُسْلُوبِ البَدِيعِ إذِ ابْتُدِئَ فِيهِ بِنَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ ظَلَمَهُمُ اهْتِمامًا بِذَلِكَ لِفَرْطِ التَّسْجِيلِ عَلَيْهِمْ بِسُوءِ صُنْعِهِمْ حَتّى جَعَلَ ذَلِكَ كَأنَّهُ هو المُفَرَّعُ وجَعَلَ المُفَرَّعَ بِحَسَبِ المَعْنى في صُورَةِ الِاسْتِدْراكِ.

ونُفِيَ الظُّلْمُ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - بِأبْلَغِ وجْهٍ، وهو النَّفْيُ المُقْتَرِنُ بِلامِ الجُحُودِ بَعْدَ فِعْلِ الكَوْنِ المَنفِيِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكم مِن حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦] في سُورَةِ العُقُودِ.

وأُثْبِتَ ظُلْمُهم أنْفُسَهم لَهم بِأبْلَغِ وجْهٍ؛ إذْ أُسْنِدَ إلَيْهِمْ بِصِيغَةِ الكَوْنِ الماضِي، الدّالِّ عَلى تَمَكُّنِ الظُّلْمِ مِنهم مُنْذُ زَمانٍ مَضى، وصِيغَ الظُّلْمُ الكائِنُ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّجَدُّدِ والتَّكَرُّرِ، أيْ عَلى تَكْرِيرِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم في الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ.

9:71Page 198

وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٧١

The believing men and believing women are allies of one another. They enjoin what is right and forbid what is wrong and establish prayer and give zakāh and obey Allāh and His Messenger. Those - Allāh will have mercy upon them. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .

هَذِهِ تُقابِلُ قَوْلَهُ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] لِبَيانِ أنَّ الطّائِفَةَ الَّتِي يَنالُها العَفْوُ هي المُلْتَحِقَةُ بِالمُؤْمِنِينَ.

فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] وما بَيْنَهُما جُمَلٌ تَسَلْسَلَ بَعْضُها عَنْ بَعْضٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ: في المُنافِقِينَ ﴿بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]

وعَبَّرَ في جانِبِ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ بِأنَّهم أوْلِياءُ بَعْضٍ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اللُّحْمَةَ الجامِعَةَ بَيْنَهم هي ولايَةُ الإسْلامِ، فَهم فِيها عَلى السَّواءِ لَيْسَ واحِدٌ مِنهم مُقَلِّدًا لِلْآخَرِ ولا تابِعًا لَهُ عَلى غَيْرِ بَصِيرَةٍ لِما في مَعْنى الوَلايَةِ مِنَ الإشْعارِ بِالإخْلاصِ والتَّناصُرِ بِخِلافِ المُنافِقِينَ، فَكَأنَّ بَعْضَهم ناشِئٌ مِن بَعْضٍ في مَذامِّهِمْ.

صفحة ٢٦٣

وزِيدَ في وصْفِ المُؤْمِنِينَ هُنا يُقِيمُونَ الصَّلاةَ تَنْوِيهًا بِأنَّ الصَّلاةَ هي أعْظَمُ المَعْرُوفِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ في المُنافِقِينَ ﴿ويَقْبِضُونَ أيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]

وقَوْلُهُ: ﴿ويُطِيعُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ في المُنافِقِينَ ﴿نَسُوا اللَّهَ﴾ [التوبة: ٦٧] لِأنَّ الطّاعَةَ تَقْتَضِي مُراقَبَةَ المُطاعِ فَهي ضِدُّ النِّسْيانِ.

وقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ مُقابِلٌ قَوْلَهُ في المُنافِقِينَ فَنَسِيَهُمْ

والسِّينُ لِتَأْكِيدِ حُصُولِ الرَّحْمَةِ في المُسْتَقْبَلِ، فَحَرْفُ الِاسْتِقْبالِ يُفِيدُ مَعَ المُضارِعِ ما تُفِيدُ قَدْ مَعَ الماضِي كَقَوْلِهِ: ﴿ولَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى﴾ [الضحى: ٥]

والإشارَةُ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ ما سَيَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ صارُوا أحْرِياءَ بِهِ مِن أجْلِ الأوْصافِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: أنَّهُ - تَعالى - لِعِزَّتِهِ يَنْفَعُ أوْلِياءَهُ وأنَّهُ لِحِكْمَتِهِ يَضَعُ الجَزاءَ لِمُسْتَحِقِّهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском