Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
At-Tawbah 9:72–78
9:72Page 198
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٧٢
Allāh has promised the believing men and believing women gardens beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence; but approval from Allāh is greater. It is that which is the great attainment.
﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ ذَلِكَ هو الفَوْزُ العَظِيمُ﴾
مَوْقِعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والمُؤْمِنُونَ والمُؤْمِناتُ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]، كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ﴾ [التوبة: ٦٨] بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿المُنافِقُونَ والمُنافِقاتُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧] الآيَةَ. وهي أيْضًا كالِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ النّاشِئِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١] مِثْلُ قَوْلِهِ في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿يُبَشِّرُهم رَبُّهم بِرَحْمَةٍ مِنهُ ورِضْوانٍ وجَنّاتٍ لَهم فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٢١] الآيَةَ.
صفحة ٢٦٤
وفِعْلُ المُضِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٦٨] إمّا لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ وعْدٍ تَقَدَّمَ في آيِ القُرْآنِ قُصِدَ مِنَ الإخْبارِ بِهِ التَّذْكِيرُ بِهِ لِتَحْقِيقِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ قَدْ صِيغَ هَذا الوَعْدُ بِلَفْظِ المُضِيِّ عَلى طَرِيقَةِ صِيَغِ العُقُودِ؛ مِثْلُ بِعْتُ وتَصَدَّقْتُ، لِكَوْنِ تِلْكَ الصِّيغَةِ مَعْهُودَةً في الِالتِزامِ الَّذِي لا يَتَخَلَّفُ. وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨]
والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ دُونَ أنْ يُقالَ: وعَدَهُمُ اللَّهُ: لِتَقْرِيرِهِمْ في ذِهْنِ السّامِعِ لِيَتَمَكَّنَ تَعَلُّقُ الفِعْلِ بِهِمْ فَضْلَ تَمَكُّنٍ في ذِهْنِ السّامِعِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
وعَطْفُ ﴿ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ عَلى جَنّاتٍ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ لَهم في الجَنّاتِ قُصُورًا ومَساكِنَ طَيِّبَةً، أيْ لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن خُبْثِ المَساكِنِ مِنَ الأوْساخِ وآثارِ عِلاجِ الطَّبْخِ ونَحْوِهِ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ولَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]
والعَدْنُ الخُلْدُ والِاسْتِقْرارُ المُسْتَمِرُّ، فَجَنّاتُ عَدْنٍ هي الجَنّاتُ المَذْكُورَةُ قَبْلُ، فَذَكَرَها بِهَذا اللَّفْظِ مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ مَعَ التَّفَنُّنِ في التَّعْبِيرِ والتَّنْوِيهِ بِالجَنّاتِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: ومَساكِنَ طَيِّبَةً فِيها.
وجُمْلَةُ ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ﴾
والرِّضْوانُ - بِكَسْرِ الرّاءِ - ويَجُوزُ ضَمُّها. وكَسْرُ الرّاءِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وضَمُّها لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ - بِكَسْرِ الرّاءِ - وقَرَأهُ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِضَمِّ الرّاءِ.
ونَظِيرُهُ بِالكَسْرِ قَلِيلٌ في المَصادِرِ ذاتِ الألِفِ والنُّونِ. وهو مَصْدَرٌ كالرِّضى وزِيادَةُ الألِفِ والنُّونِ فِيهِ تَدُلُّ عَلى قُوَّتِهِ، كالغُفْرانِ والشُّكْرانِ.
والتَّنْكِيرُ في رِضْوانٍ لِلتَّنْوِيعِ، يَدُلُّ عَلى جِنْسِ الرِّضْوانِ، وإنَّما لَمْ يُقْرَنْ بِلامِ تَعْرِيفِ الجِنْسِ لِيُتَوَسَّلَ بِالتَّنْكِيرِ إلى الإشْعارِ بِالتَّعْظِيمِ فَإنَّ رِضْوانَ اللَّهِ - تَعالى - عَظِيمٌ.
صفحة ٢٦٥
و(أكْبَرُ) تَفْضِيلٌ لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ المُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ مِنَ المَقامِ، أيْ أكْبَرُ مِنَ الجَنّاتِ لِأنَّ رِضْوانَ اللَّهِ أصْلٌ لِجَمِيعِ الخَيْراتِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ السَّعاداتِ الرُّوحانِيَّةَ أعْلى وأشْرَفُ مِنَ الجُثْمانِيَّةِ.
و(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ مِنَ الجَنّاتِ والمَساكِنِ وصَفاتِهِما والرِّضْوانِ الإلَهِيِّ.
والقَصْرُ في ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ بِاعْتِبارِ وصْفِ الفَوْزِ بِعَظِيمٍ.
9:73Page 199
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٧٣
O Prophet, fight against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.
﴿يا أيُّها النَّبِيءُ جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ واغْلُظْ عَلَيْهِمْ ومَأْواهم جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾
لَمّا أشْعَرَ قَوْلُهُ - تَعالى - في الآيَةِ السّابِقَةِ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هي حَسْبُهم ولَعَنَهُمُ اللَّهُ ولَهم عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٨]، بِأنَّ لَهم عَذابَيْنِ عَذابًا أُخْرَوِيًّا وهو نارُ جَهَنَّمَ، تَعَيَّنَ أنَّ العَذابَ الثّانِيَ عَذابٌ دُنْيَوِيٌّ وهو عَذابُ القَتْلِ، فَلَمّا أعْقَبَ ذَلِكَ بِشَنائِعِ المُنافِقِينَ وبِضَرْبِ المَثَلِ لَهم بِالأُمَمِ البائِدَةِ، أمَرَ نَبِيَّهُ بِجِهادِ المُنافِقِينَ وهَذا هو الجِهادُ الَّذِي أُنْذِرُوا بِهِ في سُورَةِ الأحْزابِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١] فَبَعْدَ أنْ أنْذَرَهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَرْتَدِعُوا ومَضى عَلَيْهِمْ مِنَ المُدَّةِ ما كُشِفَتْ فِيهِ دَخِيلَتُهم بِما تَكَرَّرَ مِنهم مِن بَوادِرِ الكُفْرِ والكَيْدِ لِلْمُسْلِمِينَ، أنْجَزَ اللَّهُ ما أنْذَرَهم بِهِ بِأنْ أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ بِجِهادِهِمْ. والجِهادُ القِتالُ لِنَصْرِ الدِّينِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [المائدة: ٥٤] في سُورَةِ العُقُودِ.
وقُرِنَ المُنافِقُونَ هُنا بِالكُفّارِ: تَنْبِيهًا عَلى أنَّ سَبَبَ الأمْرِ بِجِهادِ الكُفّارِ قَدْ تَحَقَّقَ في المُنافِقِينَ، فَجِهادُهم كَجِهادِ الكُفّارِ، ولِأنَّ اللَّهَ لَمّا قَرَنَهم في الوَعِيدِ بِعَذابِ الآخِرَةِ إذْ قالَ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُنافِقِينَ والمُنافِقاتِ والكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٨] وأوْمَأ قَوْلُهُ هُنالِكَ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ، لا جَرَمَ جَمْعَهم عِنْدَ شَرْعِ هَذا العَذابِ الآخَرِ لَهم.
صفحة ٢٦٦
فالجِهادُ المَأْمُورُ لِلْفَرِيقَيْنِ مُخْتَلِفٌ، ولَفْظُ الجِهادِ مُسْتَعْمَلٌ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ. وفائِدَةُ القَرْنِ بَيْنَ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ في الجِهادِ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَخْشى أنْ يَظْهَرَ أمْرُهُ فَيُعامَلَ مُعامَلَةَ الكُفّارِ المُحارِبِينَ فَيَكُونَ ذَلِكَ خاضِدًا شَوْكَتَهم.
وأمّا جِهادُهم بِالفِعْلِ فَمُتَعَذِّرٌ؛ لِأنَّهم غَيْرُ مُظْهِرِينَ الكُفْرَ، ولِذَلِكَ تَأوَّلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ الجِهادَ بِالنِّسْبَةِ إلى المُنافِقِينَ بِالمُقاوَمَةِ بِالحُجَّةِ وإقامَةِ الحُدُودِ عِنْدَ ظُهُورِ ما يَقْتَضِيها، وكانَ غالِبُ مَن أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ في عَهْدِ النُّبُوءَةِ مِنَ المُنافِقِينَ. وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: جِهادُهم يَنْتَهِي إلى الكَشْرِ في وُجُوهِهِمْ. وحَمَلَها الزَّجّاجُ والطَّبَرِيُّ عَلى ظاهِرِ الأمْرِ بِالجِهادِ، ونَسَبَهُ الطَّبَرِيُّ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ولَكِنَّهُما لَمْ يَأْتِيا بِمَقْنَعٍ مِن تَحْقِيقِ المَعْنى.
وهَذِهِ الآيَةُ إيذانٌ لِلْمُنافِقِينَ بِأنَّ النِّفاقَ يُوجِبُ جِهادَهم قَطْعًا لِشَأْفَتِهِمْ مِن بَيْنِ المُسْلِمِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُهم ويُعَرِّفُهم لِحُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَعْرِفُونَ مِنهم مَن تَكَرَّرَتْ بَوادِرُ أحْوالِهِ، وفَلَتاتُ مَقالِهِ. وإنَّما كانَ النَّبِيءُ مُمْسِكًا عَنْ قَتْلِهِمْ سَدًّا لِذَرِيعَةِ دُخُولِ الشَّكِّ في الأمانِ عَلى الدّاخِلِينَ في الإسْلامِ كَما قالَ لِعُمَرَ «لا يَتَحَدَّثُ النّاسُ أنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أصْحابَهُ» لِأنَّ العامَّةَ والغائِبِينَ عَنِ المَدِينَةِ لا يَبْلُغُونَ بِعِلْمِهِمْ إلى مَعْرِفَةِ حَقائِقِ الأُمُورِ الجارِيَةِ بِالمَدِينَةِ، فَيَسْتَطِيعُ دُعاةُ الفِتْنَةِ أنْ يُشَوِّهُوا الأعْمالَ النّافِعَةَ بِما فِيها مِن صُورَةٍ بَشِيعَةٍ عِنْدَ مَن لا يَعْلَمُ الحَقِيقَةَ، فَلَمّا كَثُرَ الدّاخِلُونَ في الإسْلامِ واشْتَهَرَ مِن أمانِ المُسْلِمِينَ ما لا شَكَّ مَعَهُ في وفاءِ المُسْلِمِينَ، وشاعَ مِن أمْرِ المُنافِقِينَ وخِيانَتِهِمْ ما تَسامَعَتْهُ القَبائِلُ وتَحَقَّقَهُ المُسْلِمُ والكافِرُ، تَمَحَّضَتِ المَصْلَحَةُ في اسْتِئْصالِ شَأْفَتِهِمْ، وانْتَفَتْ ذَرِيعَةُ تَطَرُّقِ الشَّكِّ في أمانِ المُسْلِمِينَ، وعَلِمَ اللَّهُ أنَّ أجَلَ رَسُولِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - قَدِ اقْتَرَبَ، وأنَّهُ إنْ بَقِيَتْ بَعْدَهُ هَذِهِ الفِئَةُ ذاتُ الفِتْنَةِ تَفاقَمَ أمْرُها وعَسُرَ تَدارُكُها، واقْتَدى بِها كُلُّ مَن في قَلْبِهِ مَرَضٌ، لا جَرَمَ آذَنَهم بِحَرْبٍ لِيَرْتَدِعُوا ويُقْلِعُوا عَنِ النِّفاقِ. والَّذِي يُوجِبُ قِتالَهم أنَّهم صَرَّحُوا بِكَلِماتِ الكُفْرِ، أيْ صَرَّحَ كُلُّ واحِدٍ بِما يَدُلُّ عَلى إبْطانِهِ الكُفْرَ وسَمِعَها الآخَرُونَ فَرَضُوا بِها، وصَدَرَتْ مِن فَرِيقٍ مِنهم أقْوالٌ وأفْعالٌ تَدُلُّ عَلى أنَّهم مُسْتَخِفُّونَ بِالدِّينِ،
صفحة ٢٦٧
وقَدْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقُرْبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّ مِن حِكْمَةِ الإعْلامِ بِهَذا الجِهادِ تَهْيِئَةَ المُسْلِمِينَ لِجِهادِ كُلِّ قَوْمٍ يَنْقُضُونَ عُرى الإسْلامِ وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم مُسْلِمُونَ، كَما فَعَلَ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكاةَ وزَعَمُوا أنَّهم لَمْ يَكْفُرُوا وإنَّما الزَّكاةُ حَقُّ الرَّسُولِ في حَياتِهِ، وما ذَلِكَ إلّا نِفاقٌ مِن قادَتِهِمُ اتَّبَعَهُ دَهْماؤُهم، ولَعَلَّ هَذِهِ الآيَةَ كانَتْ سَبَبًا في انْزِجارِ مُعْظَمِ المُنافِقِينَ عَنِ النِّفارِ وإخْلاصِهِمُ الإيمانَ كَما ورَدَ في قِصَّةِ الجُلاسِ بْنِ سُوَيْدٍ. وكانَ قَدْ كَفى اللَّهُ شَرَّ مُتَوَلِّي كِبْرِ النِّفاقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ بِمَوْتِهِ فَكانَ كُلُّ ذَلِكَ كافِيًا عَنْ إعْمالِ الأمْرِ بِجِهادِهِمْ في هَذِهِ الآيَةِ. ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى التَّكْفِيرِ بِما يَدُلُّ عَلى الكُفْرِ مِن قائِلِهِ أوْ فاعِلِهِ دَلالَةً بَيِّنَةً، وإنْ لَمْ يَكُنْ أعْلَنَ الكُفْرَ.
﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ أمْرٌ بِأنْ يَكُونَ غَلِيظًا مَعَهم. والغِلْظَةُ يَأْتِي مَعْناها: عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] في هَذِهِ السُّورَةِ.
وإنَّما وُجِّهَ هَذا الأمْرُ إلى الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لِأنَّهُ جُبِلَ عَلى الرَّحْمَةِ فَأُمِرَ بِأنْ يَتَخَلّى عَنْ جِبِلَّتِهِ في حَقِّ الكُفّارِ والمُنافِقِينَ وأنْ لا يُغْضِي عَنْهم كَما كانَ شَأْنُهُ مِن قَبْلُ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي نَسْخَ إعْطاءِ الكُفّارِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهم عَلى الإسْلامِ وإنَّما يَبْقى ذَلِكَ لِلدّاخِلِينَ في الإسْلامِ حَدِيثًا.
وجُمْلَةُ ﴿وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ تَذْيِيلٌ. وتَقَدَّمَ نَظِيرُهُ مَرّاتٍ. والمَأْوى ما يَأْوِي إلَيْهِ المَرْءُ مِنَ المَكانِ، أيْ يَرْجِعُ إلَيْهِ.
والمَصِيرُ المَكانُ الَّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ المَرْءُ، أيْ يَرْجِعُ فالِاخْتِلافُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَأْوى بِالِاعْتِبارِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما هُنا تَفَنُّنٌ.
9:74Page 199
يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٧٤
They swear by Allāh that they did not say [anything against the Prophet (ﷺ)] while they had said the word of disbelief and disbelieved after their [pretense of] Islām and planned that which they were not to attain.1 And they were not resentful except [for the fact] that Allāh and His Messenger had enriched them of His bounty.2 So if they repent, it is better for them; but if they turn away, Allāh will punish them with a painful punishment in this world and the Hereafter. And there will not be for them on earth any protector or helper.
صفحة ٢٦٨
﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ وهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وما نَقَمُوا إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ لَمّا كانَ مُعْظَمُ ما أُخِذَ عَلى المُنافِقِينَ هو كَلِماتٍ دالَّةً عَلى الطَّعْنِ في الرَّسُولِ ﷺ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن دَلائِلِ الكُفْرِ وكانُوا إذا نُقِلَ ذَلِكَ عَنْهم تَنَصَّلُوا مِنهُ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، عُقِّبَتْ آيَةُ الأمْرِ بِجِهادِهِمْ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما يَتَنَصَّلُونَ بِهِ تَنَصُّلٌ كاذِبٌ وأنْ لا ثِقَةَ بِحَلِفِهِمْ، وعَلى إثْباتِ أنَّهم قالُوا ما هو صَرِيحٌ في كُفْرِهِمْ. فَجُمْلَةُ يَحْلِفُونَ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا يُثِيرُهُ الأمْرُ بِجِهادِهِمْ مَعَ مُشاهَدَةِ ظاهِرِ أحْوالِهِمْ مِنَ التَّنَصُّلِ مِمّا نُقِلَ عَنْهم، إنِ اعْتُبِرَ المَقْصُودُ مِنَ الجُمْلَةِ تَكْذِيبَهم في حَلْفِهِمْ.
وقَدْ تَكُونُ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ التَّعْلِيلِ لِلْأمْرِ بِالجِهادِ إنِ اعْتُبِرَ المَقْصُودُ مِنها قَوْلَهُ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ وما بَعْدَهُ، وأنَّ ذَلِكَ إنَّما أُخِّرَ لِلِاهْتِمامِ بِتَكْذِيبِ أيْمانِهِمُ ابْتِداءً، وأُتِيَ بِالمَقْصُودِ في صُورَةِ جُمْلَةٍ حالِيَّةٍ. ومَعْلُومٌ أنَّ القَيْدَ هو المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ المُقَيَّدِ. ويُرَجِّحُ هَذا أنَّ مُعْظَمَ ما في الجُمْلَةِ هو شَواهِدُ كُفْرِهِمْ ونَقْضِهِمْ عَهْدَ الإسْلامِ، إذْ لَوْ كانَ المَقْصُودُ خُصُوصَ تَكْذِيبِهِمْ فِيما حَلَفُوا لاقْتَصَرَ عَلى إثْباتِ مُقابِلِهِ وهو ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾، ولَمْ يَكُنْ لِما بَعْدَهُ مَزِيدُ اتِّصالٍ بِهِ.
وأيًّا ما كانَ فالجُمْلَةُ مُسْتَحِقَّةٌ الفَصْلَ دُونَ العَطْفِ.
ومَفْعُولُ (ما قالُوا) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾
وأكَّدَ صُدُورَ كَلِمَةِ الكُفْرِ مِنهم، في مُقابَلَةِ تَأْكِيدِهِمْ نَفْيَ صُدُورِها، بِصِيغَةِ القَسَمِ لِيَكُونَ تَكْذِيبُ قَوْلِهِمْ مُساوِيًا لِقَوْلِهِمْ في التَّأْكِيدِ.
و(كَلِمَةُ الكُفْرِ) الكَلامُ الدّالُّ عَلَيْهِ، وأصْلُ الكَلِمَةِ اللَّفْظُ الواحِدُ الَّذِي يَتَرَكَّبُ مِنهُ ومِن مِثْلِهِ الكَلامُ المُفِيدُ، وتُطْلَقُ الكَلِمَةُ عَلى الكَلامِ إذا كانَ كَلامًا جامِعًا مُوجَزًا كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿كَلّا إنَّها كَلِمَةٌ هو قائِلُها﴾ [المؤمنون: ١٠٠] وفي الحَدِيثِ «أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها شاعِرٌ كَلِمَةُ لَبِيَدٍ:
صفحة ٢٦٩
ألا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّهَ باطِلُ»
فَكَلِمَةُ الكُفْرِ جِنْسٌ لِكُلِّ كَلامٍ فِيهِ تَكْذِيبُ النَّبِيءِ ﷺ، كَما أُطْلِقَتْ كَلِمَةُ الإسْلامِ عَلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. فالكَلِماتُ الصّادِرَةُ عَنْهم عَلى اخْتِلافِها، ما هي إلّا أفْرادٌ مِن هَذا الجِنْسِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ إسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ جَماعَةِ المُنافِقِينَ. فَعَنْ قَتادَةَ: لا عِلْمَ لَنا بِأنَّ ذَلِكَ مِن أيٍّ إذْ كانَ لا خَبَرَ يُوجِبُ الحُجَّةَ ونَتَوَصَّلُ بِهِ إلى العِلْمِ.
وقِيلَ: المُرادُ كَلِمَةٌ صَدَرَتْ مِن بَعْضِ المُنافِقِينَ تَدُلُّ عَلى تَكْذِيبِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ إسْحاقَ «أنَّ الجُلاسَ - بِضَمِّ الجِيمِ وتَخْفِيفِ اللّامِ - بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ قالَ: لَئِنْ كانَ ما يَقُولُ مُحَمَّدٌ حَقًّا لَنَحَنُّ أشَرُّ مِن حَمِيرِنا هَذِهِ الَّتِي نَحْنُ عَلَيْها، فَأخْبَرَ عَنْهُ رَبِيبُهُ النَّبِيءَ فَدَعاهُ النَّبِيءُ وسَألَهُ عَنْ مَقالَتِهِ، فَحَلَفَ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ»، وقِيلَ: بَلْ نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ لِقَوْلِهِ الَّذِي حَكاهُ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَسَعى بِهِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ فَسَألَهُ فَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ ما قالَ ذَلِكَ.
فَعَلى هَذِهِ الرِّواياتِ يَكُونُ إسْنادُ القَوْلِ إلى ضَمِيرِ جَمْعٍ كِنايَةً عَنْ إخْفاءِ اسْمِ القائِلِ كَما يُقالُ ما بالُ أقْوامٍ يَفْعَلُونَ كَذا. وقَدْ فَعَلَهُ واحِدٌ، أوْ بِاعْتِبارِ قَوْلِ واحِدٍ وسَماعِ البَقِيَّةِ فَجُعِلُوا مُشارِكِينَ في التَّبِعَةِ كَما يُقالُ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنَ القَبِيلَةِ، وعَلى فَرْضِ صِحَّةِ وُقُوعِ كَلِمَةٍ مِن واحِدٍ مُعَيَّنٍ فَذَلِكَ لا يَقْتَضِي أنَّهُ لَمْ يُشارِكْهُ فِيها غَيْرُهُ لِأنَّهم كانُوا يَتَآمَرُونَ عَلى ما يَخْتَلِقُونَهُ. وكانَ ما يَصْدُرُ مِن واحِدٍ مِنهم يَتَلَقَّفُهُ جُلَساؤُهُ وأصْحابُهُ ويُشارِكُونَهُ فِيهِ.
وأمّا إسْنادُ الكُفْرِ إلى الجَمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفَرُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ فَكَذَلِكَ.
ومَعْنى ﴿بَعْدَ إسْلامِهِمْ﴾ بَعْدَ أنْ أظْهَرُوا الإسْلامَ في الصُّورَةِ، ولِذَلِكَ أُضِيفَ الإسْلامُ إلَيْهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦]
و(الهَمُّ) نِيَّةُ الفِعْلِ سَواءً فُعِلَ أمْ لَمْ يُفْعَلْ.
صفحة ٢٧٠
ونَوالُ الشَّيْءِ حُصُولُهُ، أيْ هَمُّوا بِشَيْءٍ لَمْ يُحَصِّلُوهُ، والَّذِي هَمُّوا بِهِ هو الفَتْكُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَرْجِعِهِ مِن تَبُوكَ تَواثَقَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنهم عَلى أنْ يَتَرَصَّدُوا لَهُ في عَقَبَةٍ بِالطَّرِيقِ تَحْتَها وادٍ فَإذا اعْتَلاها لَيْلًا يَدْفَعُونَهُ عَنْ راحِلَتِهِ إلى الوادِي وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سائِرًا وقَدْ أخَذَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ بِخِطامِ راحِلَتِهِ يَقُودُها. وكانَ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ يَسُوقُها فَأحَسَّ حُذَيْفَةُ بِهِمْ فَصاحَ بِهِمْ فَهَرَبُوا.
وجُمْلَةُ ﴿وما نَقَمُوا﴾ عَطْفٌ عَلى ولَقَدْ قالُوا أيْ والحالُ أنَّهم ما يَنْقِمُونَ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ولا عَلى دُخُولِ الإسْلامِ المَدِينَةَ شَيْئًا يَدْعُوهم إلى ما يَصْنَعُونَهُ مِن آثارِ الكَراهِيَةِ والعَداوَةِ.
والنَّقْمُ الِامْتِعاضُ مِنَ الشَّيْءِ واسْتِنْكارُهُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا﴾ [الأعراف: ١٢٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ﴾ اسْتِثْناءٌ تَهَكُّمِيٌّ. وهو مِن تَأْكِيدِ الشَّيْءِ بِما يُشْبِهُ ضِدَّهُ كَقَوْلِ النّابِغَةِ:
ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ
ونُكْتَتُهُ أنَّ المُتَكَلِّمَ يَظْهَرُ كَأنَّهُ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ يَنْقُضُ حُكْمَهُ الخَبَرِيَّ ونَحْوَهُ فَيَذْكُرُ شَيْئًا هو مِن مُؤَكِّداتِ الحُكْمِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ اسْتَقْصى فَلَمْ يَجِدْ ما يُنْقِضُهُ.
وإنَّما أغْناهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ بِما جَلَبَهُ حُلُولُ النَّبِيءِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بَيْنَهم مِن أسْبابِ الرِّزْقِ بِكَثْرَةِ عَمَلِ المُهاجِرِينَ وبِوَفْرَةِ الغَنائِمِ في الغَزَواتِ وبِالأمْنِ الَّذِي أدْخَلَهُ الإسْلامُ فِيهِمْ إذْ جَعَلَ المُؤْمِنِينَ إخْوَةً فانْتَفَتِ الضَّغائِنُ بَيْنَهم والثّاراتُ، وقَدْ كانَ الأوْسُ والخَزْرَجُ قَبْلَ الإسْلامِ أعْداءً وكانَتْ بَيْنَهم حُرُوبٌ تَفانَوْا فِيها قُبَيْلَ الهِجْرَةِ وهي حُرُوبُ بُعاثٍ.
و(الفَضْلُ) الزِّيادَةُ في البَذْلِ والسَّخاءِ. و”مِن“ ابْتِدائِيَّةٌ. وفي جَعْلِ الإغْناءِ مِنَ الفَضْلِ كِنايَةٌ عَنْ وفْرَةِ الشَّيْءِ المُغْنى بِهِ؛ لِأنَّ ذا الفَضْلِ يُعْطِي الجَزْلَ.
وعُطِفَ الرَّسُولُ عَلى اسْمِ الجَلالَةِ في فِعْلِ الإغْناءِ لِأنَّهُ السَّبَبُ الظّاهِرُ المُباشِرُ.
* * *
صفحة ٢٧١
﴿فَإنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهم وإنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذابًا ألِيمًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾
التَّفْرِيعُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿جاهِدِ الكُفّارَ والمُنافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الوَعِيدِ بِالوَعْدِ والعَكْسِ فَلَمّا أُمِرَ بِجِهادِهِمْ والغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ وتَوَعُّدِهِمْ بِالمَصِيرِ إلى النّارِ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ الإخْبارَ بِأنَّ التَّوْبَةَ مَفْتُوحَةٌ لَهم وأنَّ تَدارُكَ أمْرِهِمْ في مِكْنَتِهِمْ؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ الأمْرِ بِجِهادِهِمْ قَطْعُ شَأْفَةِ مَضَرَّتِهِمْ أوْ أنْ يَصْلُحَ حالُهم.
والتَّوْبَةُ هي إخْلاصُهُمُ الأيْمانَ. والضَّمِيرُ يَعُودُ إلى الكُفّارِ والمُنافِقِينَ، والضَّمِيرُ في (يَكُ) عائِدٌ إلى مَصْدَرِ (يَتُوبُوا) وهو التَّوْبُ.
والتَّوَلِّي الإعْراضُ والمُرادُ بِهِ الإعْراضُ عَنِ التَّوْبَةِ. والعَذابُ في الدُّنْيا عَذابُ الجِهادِ والأسْرِ، وفي الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ.
وجِيءَ بِفِعْلِ (يَكُ) في جَوابِ الشَّرْطِ دُونَ أنْ يُقالَ فَإنْ يَتُوبُوا فَهو خَيْرٌ لَهم لِتَأْكِيدِ وُقُوعِ الخَيْرِ عِنْدَ التَّوْبَةِ، والإيماءِ إلى أنَّهُ لا يَحْصُلُ الخَيْرُ إلّا عِنْدَ التَّوْبَةِ لِأنَّ فِعْلَ التَّكْوِينِ مُؤْذِنٌ بِذَلِكَ.
وحَذْفُ نُونِ (يَكُنْ) لِلتَّخْفِيفِ لِأنَّها لِسُكُونِها تَهَيَّأتْ لِلْحَذْفِ وحَسَّنَهُ وُقُوعُ حَرَكَةٍ بَعْدَها، والحَرَكَةُ ثَقِيلَةٌ؛ فَلِذَلِكَ شاعَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ في كَلامِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ [النساء: ٤٠] في سُورَةِ النِّساءِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما لَهم في الأرْضِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ﴾ عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ إلَخْ فَتَكُونُ جَوابًا ثانِيًا لِلشَّرْطِ، ولا يَرِيبُكَ أنَّها جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ لا تَصْلُحُ لِمُباشَرَةِ أداةِ الشَّرْطِ بِدُونِ فاءٍ رابِطَةٍ. لِأنَّهُ يُغْتَفَرُ في التَّوابِعِ ما لا يُغْتَفَرُ في المَتْبُوعاتِ فَإنَّ حَرْفَ العَطْفِ كافٍ في رَبْطِ الجُمْلَةِ تَبَعًا لِلْجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها.
والمَعْنى أنَّهم إنْ تَوَلَّوْا لَمْ يَجِدُوا مَن يَنْصُرُهم مِنَ القَبائِلِ إذْ لَمْ يَبْقَ مِنَ العَرَبِ مَن لَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ إلّا مَن لا يَعْبَأُ بِهِمْ عَدَدًا وعُدَدًا. والمُرادُ نَفْيُ الوَلِيِّ النّافِعِ كَما هو مَفْهُومُ الوَلِيِّ وأمّا مَن لا يَنْفَعُ فَهو حَبِيبٌ ووَدُودٌ ولَيْسَ بِالوَلِيِّ.
9:75–77Page 199
۞ وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٧٥
And among them are those who made a covenant with Allāh, [saying], "If He should give us from His bounty, we will surely spend in charity, and we will surely be among the righteous."
فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٧٦
But when He gave them from His bounty, they were stingy with it and turned away while they refused.
فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ ٧٧
So He penalized them with hypocrisy in their hearts until the Day they will meet Him - because they failed Allāh in what they promised Him and because they [habitually] used to lie.
صفحة ٢٧٢
﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ﴿فَلَمّا آتاهم مِن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهم مُعْرِضُونَ﴾ ﴿فَأعْقَبَهم نِفاقًا في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾
قِيلَ: نَزَلَتْ في ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ مِنَ المُنافِقِينَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يَدْعُوَ لَهُ بِسَعَةِ الرِّزْقِ فَدَعا لَهُ فَأثْرى إثْراءً كَثِيرًا فَلَمّا جاءَهُ المُصَّدِّقُونَ لِيُعْطِيَ زَكاةَ أنْعامِهِ امْتَنَعَ مِن ذَلِكَ ثُمَّ نَدِمَ فَجاءَ بِصَدَقَتِهِ فَأبى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَقْبَلَها مِنهُ. وذَكَرُوا مِن قِصَّتِهِ أنَّهُ تابَ ولَكِنْ لَمْ تُقْبَلْ صَدَقَتُهُ في زَمَنِ النَّبِيءِ ولا في زَمَنِ الخُلَفاءِ الثَّلاثَةِ بَعْدَهُ عُقُوبَةً لَهُ وإظْهارًا لِلِاسْتِغْناءِ عَنْهُ حَتّى ماتَ في خِلافَةِ عُثْمانَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ قائِلَ ذَلِكَ هو مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، وعَلى هَذا فَضَمائِرُ الجَمْعِ في لَنَصَدَّقَنَّ وما بَعْدَهُ مُرادٌ بِها واحِدٌ، وإنَّما نُسِبَ الفِعْلُ إلى جَماعَةِ المُنافِقِينَ عَلى طَرِيقَةِ العَرَبِ في إلْصاقِ فِعْلِ الواحِدِ بِقَبِيلَتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنَّ ثَعْلَبَةَ سَألَ ذَلِكَ فَتَبِعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ مِثْلُ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ فَأُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ ثَعْلَبَةُ وبَخِلَ مِثْلَ ما بَخِلَ وإنْ لَمْ تَجِئْ فِيهِ قِصَّةٌ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وجُمْلَةُ لَنَصَّدَّقَنَّ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿عاهَدَ اللَّهَ﴾ وفِعْلُ لَنَصَّدَّقَنَّ أصْلُهُ لَنَتَصَدَّقَنَّ فَأُدْغِمَ لِلتَّخْفِيفِ.
و(الإعْراضُ) إعْراضُهم عَنْ عَهْدِهِمْ وعَنْ شُكْرِ نِعْمَةِ رَبِّهِمْ.
و﴿أعْقَبَهم نِفاقًا﴾ جَعَلَ نِفاقًا عَقِبَ ذَلِكَ أيْ إثْرَهُ ولَمّا ضَمِنَ أعْقَبَ مَعْنى أعْطى نَصْبَ مَفْعُولَيْنِ والأصْلُ أعْقَبَهم بِنِفاقٍ.
والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في (أعْقَبَهم) لِلْمَذْكُورِ مِن أحْوالِهِمْ، أوْ لِلْبُخْلِ المَأْخُوذِ مِن بَخِلُوا، فَإسْنادُ الإعْقابِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، أوْ يَعُودُ إلى اسْمِ اللَّهِ - تَعالى - في قَوْلِهِ: ﴿مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ أيْ جَعَلَ فِعْلَهم ذَلِكَ سَبَبًا في بَقاءِ النِّفاقِ في قُلُوبِهِمْ إلى مَوْتِهِمْ،
صفحة ٢٧٣
وذَلِكَ جَزاءُ تَمَرُّدِهِمْ عَلى النِّفاقِ. وهَذا يَقْتَضِي إلى أنَّ ثَعْلَبَةَ أوْ مُعَتِّبًا ماتَ عَلى الكُفْرِ وأنَّ حِرْصَهُ عَلى دَفْعِ صَدَقَتِهِ رِياءٌ وتَقِيَّةٌ، وكَيْفَ وقَدْ عُدَّ كِلاهُما في الصَّحابَةِ وأوَّلُهُما فِيمَن شَهِدَ بَدْرًا، وقِيلَ: هُما آخَرانِ غَيْرُهُما وافَقا في الِاسْمِ. فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ أُطْلِقَ النِّفاقُ عَلى ارْتِكابِ المَعاصِي في حالَةِ الإسْلامِ وهو إطْلاقٌ مَوْجُودٌ في عَصْرِ النُّبُوَّةِ كَقَوْلِ حَنْظَلَةَ بْنِ الرَّبِيعِ لِلنَّبِيءِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ ”نافَقَ حَنْظَلَةُ“ . وذَكَرَ ارْتِكابَهُ في خاصَّتِهِ ما ظَنَّهُ مَعْصِيَةً ولَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ النَّبِيءَ ﷺ ولَكِنْ بَيَّنَ لَهُ أنَّ ما تَوَهَّمَهُ لَيْسَ كَما تَوَهَّمَهُ، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّهم أسْلَمُوا وبَقُوا يَرْتَكِبُونَ المَعاصِيَ خِلافَ حالِ أصْحابِ النَّبِيءِ ﷺ وقَدْ يُومِئُ إلى هَذا تَنْكِيرُ ”نِفاقًا“ المُفِيدُ أنَّهُ نِفاقٌ جَدِيدٌ، وإلّا فَقَدَ ذُكِرُوا مُنافِقِينَ فَكَيْفَ يَكُونُ النِّفاقُ حاصِلًا لَهم عَقِبَ فِعْلِهِمْ هَذا.
واللِّقاءُ مُصادَفَةُ الشَّيْءِ شَيْئًا في مَكانٍ واحِدٍ. فَمَعْنى إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ إلى يَوْمِ الحَشْرِ لِأنَّهُ يَوْمُ لِقاءِ اللَّهِ لِلْحِسابِ، أوْ إلى يَوْمِ المَوْتِ لِأنَّ المَوْتَ لِقاءُ اللَّهِ كَما في الحَدِيثِ «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ»، وفَسَّرَهُ بِأنَّهُ مَحَبَّةٌ تَعْرِضُ لِلْمُؤْمِنِ عِنْدَ الِاحْتِضارِ. وقالَ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ: إنَّ اللِّقاءَ يَقْتَضِي الرُّؤْيَةَ، فاسْتَدَلَّ عَلى ثُبُوتِ رُؤْيَةِ اللَّهِ - تَعالى - بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [الأحزاب: ٤٤] في سُورَةِ الأحْزابِ فَنَقَضَ عَلَيْهِمُ الجُبّائِيُّ بِقَوْلِهِ: ﴿إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ الِاتِّفاقَ عَلى أنَّ المُنافِقِينَ لا يَرَوْنَ اللَّهَ. وقَدْ تَصَدّى الفَخْرُ لِإبْطالِ النَّقْضِ بِما يُصَيِّرُ الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفًا، والحَقُّ أنَّ اللِّقاءَ لا يَسْتَلْزِمُ الرُّؤْيَةَ. وقَدْ ذَكَرَ في نَفْحِ الطِّيبِ في تَرْجَمَةِ أبِي بَكْرِ بْنِ العَرَبِيِّ قِصَّةً في الِاسْتِدْلالِ بِآيَةِ الأحْزابِ عَلى بَعْضِ مُعْتَزِلَةِ الحَنابِلَةِ ونَقَضَ الحَنْبَلِيُّ المُعْتَزِلِيُّ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّعْلِيلِ، أيْ بِسَبَبِ إخْلافِهِمْ وعْدَ رَبِّهِمْ وكَذِبِهِمْ.
وعَبَّرَ عَنْ كَذِبِهِمْ بِصِيغَةِ ﴿كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ لِدَلالَةِ ”كانَ“ عَلى أنَّ الكَذِبَ كائِنٌ فِيهِمْ ومُتَمَكِّنٌ مِنهم، ودَلالَةُ المُضارِعِ عَلى تَكَرُّرِهِ وتَجَدُّدِهِ.
وفِي هَذا دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِ الحَذَرِ مِن إحْداثِ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ فَإنَّها تُفْسِدُ الأخْلاقَ الصّالِحَةَ ويَزْدادُ الفَسادُ تَمَكُّنًّا مِنَ النَّفْسِ بِطَبِيعَةِ التَّوَلُّدِ الَّذِي هو نامُوسُ الوُجُودِ.
9:78Page 199
أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ٧٨
Did they not know that Allāh knows their secrets and their private conversations and that Allāh is the Knower of the unseen?
صفحة ٢٧٤
﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهم ونَجْواهم وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾
اسْتِئْنافٌ لِأجْلِ التَّقْرِيرِ. والكَلامُ تَقْرِيرٌ لِلْمُخاطَبِ عَنْهم لِأنَّ كَوْنَهم عالِمِينَ بِذَلِكَ مَعْرُوفٌ لَدى كُلِّ سامِعٍ. والسِّرُّ ما يُخْفِيهِ المَرْءُ مِن كَلامٍ وما يُضْمِرُ في نَفْسِهِ فَلا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ النّاسُ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ [البقرة: ٢٧٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والنَّجْوى المُحادَثَةُ بِخَفاءٍ أيْ يَعْلَمُ ما يُضْمِرُونَهُ في أنْفُسِهِمْ وما يَتَحادَثُونَ بِهِ حَدِيثَ سِرٍّ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ غَيْرُهم.
وإنَّما عُطِفَتِ النَّجْوى عَلى السِّرِّ مَعَ أنَّهُ أعَمُّ مِنها لِيُنْبِئَهم بِاطِّلاعِهِ عَلى ما يَتَناجَوْنَ بِهِ مِنَ الكَيْدِ والطَّعْنِ.
ثُمَّ عَمَّمَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾ أيْ قَوِيٌّ عِلْمُهُ لِجَمِيعِ الغُيُوبِ.
والغُيُوبُ جَمْعُ غَيْبٍ وهو ما خَفِيَ وغابَ عَنِ العِيانِ. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences