Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:79–84

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:79–84

9:79Page 199

ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٩

Those who criticize the contributors among the believers concerning [their] charities and [criticize] the ones who find nothing [to spend] except their effort, so they ridicule them - Allāh will ridicule them, and they will have a painful punishment.

﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهم سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، نَزَلَتْ بِسَبَبِ حادِثٍ حَدَثَ في مُدَّةِ نُزُولِ السُّورَةِ، ذَلِكَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ حَثَّ النّاسَ عَلى الصَّدَقَةِ فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وجاءَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ بِأوْسُقٍ كَثِيرَةٍ مِن تَمْرٍ، وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، فَقالَ المُنافِقُونَ: ما أعْطى عَبْدُ الرَّحْمَنِ وعاصِمٌ إلّا رِياءً، وأحَبَّ أبُو عَقِيلٍ أنْ يُذَكِّرَ بِنَفْسِهِ لِيُعْطى مِنَ الصَّدَقاتِ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ.

صفحة ٢٧٥

فالَّذِينَ يَلْمِزُونَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ جُمْلَةُ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾

و(اللَّمْزُ) الطَّعْنُ. وتَقَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] . وقَرَأهُ يَعْقُوبُ - بِضَمِّ المِيمِ - كَما قَرَأ قَوْلَهُ: ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]

و(المُطَّوِّعِينَ) أصْلُهُ المُتَطَوِّعِينَ، أُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِما.

و(في) لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ بِجَعْلِ سَبَبِ اللَّمْزِ كالظَّرْفِ لِلْمُسَبَّبِ.

وعُطِفَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلّا جُهْدَهم عَلى المُطَّوِّعِينَ وهم مِنهُمُ، اهْتِمامًا بِشَأْنِهِمْ. و(الجُهْدُ) - بِضَمِّ الجِيمِ - الطّاقَةُ. وأُطْلِقَتِ الطّاقَةُ عَلى مُسَبَّبِها النّاشِئِ عَنْها.

وحُذِفَ مَفْعُولُ يَجِدُونَ لِظُهُورِهِ مِن قَوْلِهِ: الصَّدَقاتُ أيْ لا يَجِدُونَ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إلّا جُهْدَهم.

والمُرادُ لا يَجِدُونَ سَبِيلًا إلى إيجادِ ما يَتَصَدَّقُونَ بِهِ إلّا طاقَتَهم، أيْ جُهْدَ أبْدانِهِمْ. أوْ يَكُونُ (وجَدَ) هُنا هو الَّذِي بِمَعْنى كانَ ذا جِدَّةٍ، أيْ غِنًى فَلا يُقَدَّرُ لَهُ مَفْعُولٌ، أيِ الَّذِينَ لا مالَ لَهم إلّا جُهْدَهم وهَذا أحْسَنُ.

وفِيهِ ثَناءٌ عَلى قُوَّةِ البَدَنِ والعَمَلِ وأنَّها تَقُومُ مَقامَ المالِ.

وهَذا أصْلٌ عَظِيمٌ في اعْتِبارِ أُصُولِ الثَّرْوَةِ العامَّةِ والتَّنْوِيهِ بِشَأْنِ العامِلِ.

و(السُّخْرِيَةُ) الِاسْتِهْزاءُ. يُقالُ: سَخِرَ مِنهُ، أيْ حَصَلَتِ السُّخْرِيَةُ لَهُ مِن كَذا، فَـ (مِن) اتِّصالِيَّةٌ.

واخْتِيرَ المُضارِعُ في يَلْمِزُونَ ويَسْخَرُونَ لِلدَّلالَةِ عَلى التَّكَرُّرِ.

وإسْنادُ سَخِرَ إلى اللَّهِ - تَعالى - عَلى سَبِيلِ المَجازِ الَّذِي حَسَّنَتْهُ المُشاكَلَةُ لِفِعْلِهِمْ، والمَعْنى أنَّ اللَّهَ عامَلَهم مُعامَلَةً تُشْبِهُ سُخْرِيَةَ السّاخِرِ، عَلى طَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ، وذَلِكَ في أنْ أمَرَ نَبِيَّهُ بِإجْراءِ أحْكامِ المُسْلِمِينَ عَلى ظاهِرِهِمْ زَمَنًا ثُمَّ أمْرِهِ بِفَضْحِهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ إطْلاقُ ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ، أيِ احْتَقَرَهم ولَعَنَهم ولَمّا كانَ كُلُّ ذَلِكَ حاصِلًا مِن قَبْلُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالماضِي في ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهُمْ﴾

صفحة ٢٧٦

وجُمْلَةُ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى الخَبَرِ، أيْ سَخِرَ مِنهم وقَضى عَلَيْهِمْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ.

9:80Page 200

ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٨٠

Ask forgiveness for them, [O Muḥammad], or do not ask forgiveness for them. If you should ask forgiveness for them seventy times - never will Allāh forgive them. That is because they disbelieved in Allāh and His Messenger, and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.

﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾

هَذا اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِالكَلامِ السّابِقِ، وإنَّما كانَ نُزُولُهُ لِسَبَبٍ حَدَثَ في أحْوالِ المُنافِقِينَ المَحْكِيَّةِ بِالآياتِ السّالِفَةِ، فَكانَ مِن جُمْلَةِ شَرْحِ أحْوالِهِمْ وأحْكامِهِمْ، وفي الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ يَسْتَغْفِرُ لَهم.

رَوى المُفَسِّرُونَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ بَعْضُ الآياتِ السّابِقَةِ في أحْوالِهِمْ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنهم ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [التوبة: ٧٩] . قالَ فَرِيقٌ مِنهم: اسْتَغْفِرْ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْ مِمَّنْ صَدَرَ مِنهُ عَمَلٌ وُبِّخُوا عَلَيْهِ في القُرْآنِ دُونَ تَصْرِيحٍ بِأنَّ فاعِلَهُ مُنافِقٌ فَوَعَدَهُمُ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِأنْ يَسْتَغْفِرَ لِلَّذِينَ سَألُوهُ» . وقالَ الحَسَنُ: كانُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ فَيَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ، ويَقُولُونَ: إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى. وذَلِكَ في مَعْنى الِاسْتِغْفارِ، أيْ طَلَبِ مَحْوِ ما عُدَّ عَلَيْهِمْ أنَّهُ ذَنْبٌ، يُرِيدُونَ أنَّهُ اسْتِغْفارٌ مِن ظاهِرِ إيهامِ أفْعالِهِمْ. وعَنِ الأصَمِّ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ لَمّا ظَهَرَ ما ظَهَرَ مِن نِفاقِهِ وتَنَكَّرَ النّاسُ لَهُ مِن كُلِّ جِهَةٍ لَقِيَهُ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ إلى رَسُولِ اللَّهِ يَسْتَغْفِرْ لَكَ، فَقالَ: ما أُبالِي اسْتَغْفَرَ لِي أمْ لَمْ يَسْتَغْفِرْ لِي. فَنَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ - تَعالى - في سُورَةِ المُنافِقِينَ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكم رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهم ورَأيْتَهم يَصُدُّونَ وهم مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [المنافقون: ٥] ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] يَعْنِي فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ مُؤَكِّدَةً لِآيَةِ سُورَةِ المُنافِقِينَ عِنْدَ حُدُوثِ مِثْلِ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ آيَةُ سُورَةِ المُنافِقِينَ جَمْعًا بَيْنَ الرِّواياتِ.

صفحة ٢٧٧

وعَنِ الشَّعْبِيِّ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وابْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ مَرِضَ فَسَألَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَفَعَلَ. فَنَزَلَتْ، فَقالَ النَّبِيءُ ﷺ «إنَّ اللَّهَ قَدْ رَخَّصَ لِي فَسَأزِيدُ عَلى السَبْعِينَ» فَنَزَلَتْ ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمُ أسْتَغْفَرَتْ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]

والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا أُوحِيَ إلَيْهِ بِآيَةِ سُورَةِ المُنافِقِينَ، وفِيها أنَّ اسْتِغْفارَهُ وعَدَمَهُ سَواءٌ في حَقِّهِمْ. تَأوَّلَ ذَلِكَ عَلى الِاسْتِغْفارِ غَيْرِ المُؤَكَّدِ، وبَعَثَتْهُ رَحْمَتُهُ بِالنّاسِ وحِرْصُهُ عَلى هُداهم وتَكَدُّرُهُ مِنَ اعْتِراضِهِمْ عَنِ الإيمانِ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِلْمُنافِقِينَ اسْتِغْفارًا مُكَرَّرًا مُؤَكَّدًا عَسى أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم ويَزُولَ عَنْهم غَضَبُهُ - تَعالى - فَيَهْدِيَهم إلى الإيمانِ الحَقِّ. بِما أنَّ مُخالَطَتَهم لِأحْوالِ الإيمانِ ولَوْ في ظاهِرِ الحالِ قَدْ يَجُرُّ إلى تَعَلُّقِ هَدْيِهِ بِقُلُوبِهِمْ بِأقَلِّ سَبَبٍ، فَيَكُونُ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ تَأْيِيسًا مِن رِضى اللَّهِ عَنْهم، أيْ عَنِ البَقِيَّةِ الباقِيَةِ مِنهم تَأْيِيسًا لَهم ولِمَن كانَ عَلى شاكِلَتِهِمْ مِمَّنِ اطَّلَعَ عَلى دَخائِلِهِمْ فاغْتَبَطَ بِحالِهِمْ بِأنَّهُمُ انْتَفَعُوا بِصُحْبَةِ المُسْلِمِينَ والكُفّارِ، فالآيَةُ تَأْيِيسٌ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ.

وصِيغَةُ الأمْرِ في قَوْلِهِ: (اسْتَغْفِرْ) مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى التَّسْوِيَةِ، المُرادُ مِنها (لازِمُها) وهو عَدَمُ الحَذَرِ مِنَ الأمْرِ المُباحِ، والمَقْصُودُ مِن ذَلِكَ إفادَةُ مَعْنى التَّسْوِيَةِ الَّتِي تَرُدُّ صِيغَةَ الأمْرِ لِإفادَتِها كَثِيرًا، وعَدَّ عُلَماءُ أُصُولِ الفِقْهِ في مَعانِي صِيغَةِ الأمْرِ مَعْنى التَّسْوِيَةِ ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿اصْلَوْها فاصْبِرُوا أوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]

فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَمَوْقِعُهُ غَرِيبٌ ولَمْ يُعْنَ المُفَسِّرُونَ والمُعْرِبُونَ بِبَيانِهِ، فَإنَّ كَوْنَهُ بَعْدَ لا مَجْزُومًا يَجْعَلُهُ في صُورَةِ النَّهْيِ، ومَعْنى النَّهْيِ لا يَسْتَقِيمُ في هَذا المَقامِ إذْ لا يُسْتَعْمَلُ النَّهْيُ في مَعْنى التَّخْيِيرِ والإباحَةِ. فَلا يَتَأتّى مِنهُ مَعْنًى يُعادِلُ مَعْنى التَّسْوِيَةِ الَّتِي اسْتُعْمِلَ فِيها الأمْرُ. ولِذَلِكَ لَمْ نَرَ عُلَماءَ الأُصُولِ يَذْكُرُونَ التَّسْوِيَةَ في مَعانِي صِيغَةِ النَّهْيِ كَما ذَكَرُوها في مَعانِي صِيغَةِ الأمْرِ.

وتَأْوِيلُ الآيَةِ: إمّا أنْ تَكُونَ لا نافِيَةً ويَكُونَ جَزْمُ الفِعْلِ بَعْدَها لِكَوْنِهِ مَعْطُوفًا عَلى فِعْلِ الأمْرِ، فَإنَّ فِعْلَ الأمْرِ مَجْزُومٌ بِلامِ الأمْرِ المُقَدَّرَةِ عَلى التَّحْقِيقِ وهو مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ واخْتارَهُ

صفحة ٢٧٨

الأخْفَشُ مِنَ البَصْرِيِّينَ، وابْنُ هِشامٍ الأنْصارِيُّ وأبُو عَلِيِّ بْنُ الأحْوَصِ، شَيْخُ أبِي حَيّانَ، وهو الحَقُّ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَبْنِيًّا لَلَزِمَ حالَةً واحِدَةً، ولِأنَّ أحْوالَ آخِرِهِ جارِيَةٌ عَلى أحْوالِ عَلاماتِ الجَزْمِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ التَّقْدِيرُ مُلاحَظًا في كَلامِهِمْ فَيُعْطَفُ عَلَيْهِ بِالجَزْمِ عَلى التَّوَهُّمِ.

ولا يَصِحُّ كَوْنُ هَذا مِن عَطْفِ الجُمَلِ لِأنَّهُ لا وجْهَ لِجَزْمِ الفِعْلِ لَوْ كانَ كَذَلِكَ، لاسِيَّما والأمْرُ مُؤَوَّلٌ بِالخَبَرِ، ثُمَّ إنَّ ما أفادَهُ حَرْفُ التَّخْيِيرِ قَدْ دَلَّ عَلى تَخْيِيرِ المُخاطَبِ في أحَدِ الأمْرَيْنِ مَعَ انْتِفاءِ الفائِدَةِ عَلى كِلَيْهِما.

وإمّا أنْ تَكُونَ صِيغَةُ النَّهْيِ اسْتُعْمِلَتْ لِمَعْنى التَّسْوِيَةِ لِأنَّها قارَنَتِ الأمْرَ الدّالَّ عَلى إرادَةِ التَّسْوِيَةِ ويَكُونَ المَعْنى: أمْرُكَ بِالِاسْتِغْفارِ لَهم ونَهْيُكَ عَنْهُ سَواءٌ، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ الآمِرِ والنّاهِي لَيْسَ بِمُغَيِّرٍ مُرادَهُ فِيهِمْ، سَواءٌ فُعِلَ المَأْمُورُ أوْ فُعِلَ المَنهِيُّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الفِعْلانِ مَعْمُولَيْنِ لِفِعْلِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ. والتَّقْدِيرُ: نَقُولُ لَكَ: اسْتَغْفِرْ لَهم، أوْ نَقُولُ: لا تَسْتَغْفِرْ لَهم.

و﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ غَيْرُ مُرادٍ بِهِ المِقْدارُ مِنَ العَدَدِ بَلْ هَذا الِاسْمُ مِن أسْماءِ العَدَدِ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ في مَعْنى الكَثْرَةِ. قالَ الكَشّافُ ”السَبْعُونَ جارٍ مَجْرى المَثَلِ في كَلامِهِمْ لِلتَّكَثُّرِ“ . ويَدُلُّ لَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «لَوْ أعْلَمُ أنِّي لَوْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ» . وهو ما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ. وأمّا ما رَواهُ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ عِياضٍ وأبِي أُسامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «وسَأزِيدُ عَلى السَبْعِينَ» فَهو تَوَهُّمٌ مِنَ الرّاوِي لِمُنافاتِهِ رِوايَةَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، ورِوايَةُ عُمَرَ أرْجَحُ لِأنَّهُ صاحِبُ القِصَّةِ، ولِأنَّ تِلْكَ الزِّيادَةَ لَمْ تُرْوَ مِن حَدِيثِ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وابْنِ ماجَهْ والنَّسائِيِّ.

وانْتَصَبَ ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ عَلى المَفْعُولِيَّةِ المُطْلَقَةِ لِبَيانِ العَدَدِ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى لَفْظِ (مَرَّةٍ) عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] في هَذِهِ السُّورَةِ.

وضَمائِرُ الغَيْبَةِ راجِعَةٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ نِفاقَهم وأعْلَمَ نَبِيئَهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - بِهِمْ. وكانَ المُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَهم مُسْلِمِينَ اغْتِرارًا بِظاهِرِ حالِهِمْ.

صفحة ٢٧٩

وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُجْرِي عَلَيْهِمْ أحْكامَ ظاهِرِ حالِهِمْ بَيْنَ عامَّةِ المُسْلِمِينَ، والقُرْآنُ يَنْعَتُهم بِسِيماهم كَيْلا يَطْمَئِنَّ لَهُمُ المُسْلِمُونَ ولِيَأْخُذُوا الحِذْرَ مِنهم، فَبِذَلِكَ قُضِيَ حَقُّ المَصالِحِ كُلِّها.

ومِن أجْلِ هَذا الجَرْيِ عَلى ظاهِرِ الحالِ اخْتَلَفَ أُسْلُوبُ التَّأْيِيسِ مِنَ المَغْفِرَةِ بَيْنَ ما في هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ ما في آيَةِ ﴿ما كانَ لِلنَّبِيءِ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] لِأنَّ المُشْرِكِينَ كُفْرُهم ظاهِرٌ فَجاءَ النَّهْيُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم صَرِيحًا، وكُفْرُ المُنافِقِينَ خَفِيٌّ فَجاءَ التَّأْيِيسُ مِنَ المَغْفِرَةِ لَهم مَنُوطًا بِوَصْفٍ يَعْلَمُونَهُ في أنْفُسِهِمْ ويَعْلَمُهُ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ولِأجْلِ هَذا كانَ يَسْتَغْفِرُ لِمَن يَسْألُهُ الِاسْتِغْفارَ مِنَ المُنافِقِينَ لِئَلّا يَكُونَ امْتِناعُهُ مِنَ الِاسْتِغْفارِ لَهُ إعْلامًا بِباطِنِ حالِهِ الَّذِي اقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرِيعَةِ عَدَمَ كَشْفِهِ. وقالَ في أبِي طالِبٍ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ. فَلَمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ أمْسَكَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهُ.

وكانَ النَّبِيءُ ﷺ يُصَلِّي صَلاةَ الجِنازَةِ عَلى مَن ماتَ مِنَ المُنافِقِينَ لِأنَّ صَلاةَ الجِنازَةِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ «ولَمّا ماتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ وسَألَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّبِيءَ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَصَلّى عَلَيْهِ كَرامَةً لِابْنِهِ وقالَ عُمَرُ لِلنَّبِيءِ ﷺ قَدْ نَهاكَ رَبُّكَ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ، قالَ لَهُ عَلى سَبِيلِ الرَّدِّ إنَّما خَيَّرَنِي اللَّهُ»، أيْ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ نَهْيٌ عَنِ الِاسْتِغْفارِ، فَكانَ لِصَلاتِهِ عَلَيْهِمْ واسْتِغْفارِهِ لَهم حِكْمَةٌ غَيْرُ حُصُولِ المَغْفِرَةِ بَلْ لِمَصالِحَ أُخْرى، ولَعَلَّ النَّبِيءَ ﷺ أخَذَ بِأضْعَفِ الِاحْتِمالَيْنِ في صِيغَةِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وكَذَلِكَ في لَفْظِ عَدَدِ ﴿سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ اسْتِقْصاءً لِمَظِنَّةِ الرَّحْمَةِ عَلى نَحْوِ ما أصَّلْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ مِن مُقَدِّماتِ هَذا التَّفْسِيرِ.

والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَفَرُوا﴾ لِانْتِفاءِ الغُفْرانِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، وكُفْرُهم بِاللَّهِ هو الشِّرْكُ. وكُفْرُهم بِرَسُولِهِ جَحْدُهم رِسالَتَهُ ﷺ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ جاحِدَ نُبُوءَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كافِرٌ.

صفحة ٢٨٠

ومَعْنى ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ أنَّ اللَّهَ لا يُقَدِّرُ لَهُمُ الهَدْيَ إلى الإيمانِ لِأجْلِ فِسْقِهِمْ، أيْ بُعْدِهِمْ عَنِ التَّأمُّلِ في أدِلَّةِ النُّبُوءَةِ، وعَنِ الإنْصافِ في الِاعْتِرافِ بِالحَقِّ فَمَن كانَ ذَلِكَ دَيْدَنُهُ طُبِعَ عَلى قَلْبِهِ فَلا يَقْبَلُ الهُدى فَمَعْنى لا يَهْدِي لا يَخْلُقُ الهُدى في قُلُوبِهِمْ.

9:81Page 200

فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ ٨١

Those who remained behind1 rejoiced in their staying [at home] after [the departure of] the Messenger of Allāh and disliked to strive with their wealth and their lives in the cause of Allāh and said, "Do not go forth in the heat." Say, "The fire of Hell is more intense in heat" - if they would but understand.

﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وكَرِهُوا أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ وقالُوا لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وهَذِهِ الآيَةُ تُشِيرُ إلى ما حَصَلَ لِلْمُنافِقِينَ عِنْدَ الِاسْتِنْفارِ لِغَزْوَةِ تَبُوكَ، فَيَكُونُ المُرادُ بِالمُخَلَّفِينَ خُصُوصُ مَن تَخَلَّفَ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ مِنَ المُنافِقِينَ.

ومُناسَبَةُ وُقُوعِها في هَذا المَوْضِعِ أنَّ فَرَحَهم بِتَخَلُّفِهِمْ قَدْ قَوِيَ لَمّا اسْتَغْفَرَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ وظَنُّوا أنَّهُمُ اسْتَغْفَلُوهُ فَقَضَوْا مَأْرَبَهم ثُمَّ حَصَّلُوا الِاسْتِغْفارَ ظَنًّا مِنهم بِأنَّ مُعامَلَةَ اللَّهِ إيّاهم تَجْرِي عَلى ظَواهِرِ الأُمُورِ.

فالمُخَلَّفُونَ هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ اسْتَأْذَنُوا النَّبِيءَ ﷺ فَأذِنَ لَهم وكانُوا مِنَ المُنافِقِينَ، فَلِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ في الآيَةِ وصْفُ المُخَلَّفِينَ بِصِيغَةِ اسْمِ المَفْعُولِ لِأنَّ النَّبِيءَ خَلَّفَهم، وفِيهِ إيماءٌ إلى أنَّهُ ما أذِنَ لَهم في التَّخَلُّفِ إلّا لِعِلْمِهِ بِفَسادِ قُلُوبِهِمْ وأنَّهم لا يُغْنُونَ عَنِ المُسْلِمِينَ شَيْئًا كَما قالَ ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكم ما زادُوكم إلّا خَبالًا﴾ [التوبة: ٤٧]

وذِكْرُ فَرَحِهِمْ دَلالَةٌ عَلى نِفاقِهِمْ لِأنَّهم لَوْ كانُوا مُؤْمِنِينَ لَكانَ التَّخَلُّفُ نَكَدًا عَلَيْهِمْ ونَغْصًا كَما وقَعَ لِلثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

والمَقْعَدُ هُنا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أيْ بِقُعُودِهِمْ.

و(خِلافَ) لُغَةٌ في (خَلْفَ) . يُقالُ: أقامَ خِلافَ الحَيِّ بِمَعْنى بَعْدَهم، أيْ ظَعَنُوا ولَمْ يَظْعَنْ. ومِن نُكْتَةِ اخْتِيارِ لَفْظِ خِلافٍ دُونَ خَلْفَ أنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّ قُعُودَهم كانَ

صفحة ٢٨١

مُخالَفَةً لِإرادَةِ رَسُولِ اللَّهِ حِينَ اسْتَنْفَرَ النّاسَ كُلَّهم لِلْغَزْوِ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ مَنصُوبًا عَلى المَفْعُولِ لَهُ، أيْ بِمَقْعَدِهِمْ لِمُخالَفَةِ أمْرِ الرَّسُولِ.

وكَراهِيَتُهُمُ الجِهادَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ اللَّهِ خَصْلَةٌ أُخْرى مِن خِصالِ النِّفاقِ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ ﴿وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٤١] الآيَةَ، ولِكَوْنِها خَصْلَةً أُخْرى جُعِلَتْ جُمْلَتُها مَعْطُوفَةً ولَمْ تُجْعَلْ مُقْتَرِنَةً بِلامِ التَّعْلِيلِ مَعَ أنَّ فَرَحَهم بِالقُعُودِ سَبَبُهُ هو الكَراهِيَةُ لِلْجِهادِ.

وقَوْلُهم ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ خِطابُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا وكانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ في وقْتِ الحَرِّ حِينَ طابَتِ الظِّلالُ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ خِطابٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ قَرْعُ أسْماعِهِمْ بِهَذا الكَلامِ.

وكَوْنُ نارِ جَهَنَّمَ أشَدَّ حَرًّا مِن حَرِّ القَيْظِ أمْرٌ مَعْلُومٌ لا يَتَعَلَّقُ الغَرَضُ بِالإخْبارِ عَنْهُ. فَتَعَيَّنَ أنَّ الخَبَرَ مُسْتَعْمَلٌ في التَّذْكِيرِ بِما هو مَعْلُومٌ تَعْرِيضًا بِتَجْهِيلِهِمْ لِأنَّهم حَذِرُوا مِن حَرٍّ قَلِيلٍ، وأقْحَمُوا أنْفُسَهم فِيما يَصِيرُ بِهِمْ إلى حَرٍّ أشَدَّ. فَيَكُونُ هَذا التَّذْكِيرُ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِمْ واقِعِينَ في نارِ جَهَنَّمَ لِأجْلِ قُعُودِهِمْ عَنِ الغَزْوِ في الحَرِّ، وفِيهِ كِنايَةٌ عُرْضِيَّةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ صائِرِينَ إلى نارِ جَهَنَّمَ.

وجُمْلَةُ ﴿لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ تَتْمِيمٌ، لِلتَّجْهِيلِ والتَّذْكِيرِ، أيْ يُقالُ لَهم ذَلِكَ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ الذِّكْرى، ولَكِنَّهم لا يَفْقَهُونَ، فَلا تُجْدِي فِيهِمُ الذِّكْرى والمَوْعِظَةُ، إذْ لَيْسَ المُرادُ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّ نارَ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لِأنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ ولَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ أنَّهم صائِرُونَ إلى النّارِ ولَكِنَّهم لا يَفْقَهُونَ ذَلِكَ.

9:82Page 200

فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٨٢

So let them laugh a little and [then] weep much as recompense for what they used to earn.

﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

تَفْرِيعُ كَلامٍ عَلى الكَلامِ السّابِقِ مِن ذِكْرِ فَرَحِهِمْ، ومِن إفادَةِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] مِنَ التَّعْرِيضِ بِأنَّهم أهْلُها وصائِرُونَ إلَيْها.

صفحة ٢٨٢

والضَّحِكُ هُنا كِنايَةٌ عَنِ الفَرَحِ أوْ أُرِيدَ ضَحِكُهم فَرَحًا لِاعْتِقادِهِمْ تَرْوِيجَ حِيلَتِهِمْ عَلى النَّبِيءِ ﷺ إذْ أذِنَ لَهم بِالتَّخَلُّفِ.

والبُكاءُ كِنايَةٌ عَنْ حُزْنِهِمْ في الآخِرَةِ فالأمْرُ بِالضَّحِكِ وبِالبُكاءِ مُسْتَعْمَلٌ في الإخْبارِ بِحُصُولِهِما قَطْعًا إذْ جُعِلا مِن أمْرِ اللَّهِ أوْ هو أمْرُ تَكْوِينٍ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] والمَعْنى أنَّ فَرَحَهم زائِلٌ وأنَّ بُكاءَهم دائِمٌ.

والضَّحِكُ كَيْفِيَّةٌ في الفَمِ تَتَمَدَّدَ مِنها الشَّفَتانِ ورُبَّما أسْفَرَتا عَنِ الأسْنانِ، وهي كَيْفِيَّةٌ تَعْرِضُ عِنْدَ السُّرُورِ والتَّعَجُّبِ مِنَ الحُسْنِ.

والبُكاءُ كَيْفِيَّةٌ في الوَجْهِ والعَيْنَيْنِ تَنْقَبِضُ بِها الوَجْنَتانِ والأسارِيرُ والأنْفُ ويَسِيلُ الدَّمْعُ مِنَ العَيْنَيْنِ، وذَلِكَ يَعْرِضُ عِنْدَ الحُزْنِ والعَجْزِ عَنْ مُقاوَمَةِ الغَلَبِ.

وقَوْلُهُ: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِهِمْ، أيْ جَزاءً لَهم، والمَجْعُولُ جَزاءً هو البُكاءُ المُعاقِبُ لِلضَّحِكِ القَلِيلِ لِأنَّهُ سَلَبَ نِعْمَةً بِنِقْمَةٍ عَظِيمَةٍ.

وما كانُوا يَكْسِبُونَ هو أعْمالُ نِفاقِهِمْ، واخْتِيرَ المَوْصُولُ في التَّعْبِيرِ عَنْهُ لِأنَّهُ أشْمَلُ مَعَ الإيجازِ.

وفِي ذِكْرِ فِعْلِ الكَوْنِ وصِيغَةِ المُضارِعِ في يَكْسِبُونَ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [التوبة: ٧٠] .

9:83Page 200

فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ ٨٣

If Allāh should return you to a faction of them [after the expedition] and then they ask your permission to go out [to battle], say, "You will not go out with me, ever, and you will never fight with me an enemy. Indeed, you were satisfied with sitting [at home] the first time, so sit [now] with those who stay behind."

﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهم فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِي عَدُوًّا إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾

الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ما آذَنَ بِهِ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ [التوبة: ٨١] إذْ فُرِّعَ عَلى الغَضَبِ عَلَيْهِمْ وتَهْدِيدِهِمْ عِقابٌ آخَرُ لَهم، بِإبْعادِهِمْ عَنْ مُشارَكَةِ المُسْلِمِينَ في غَزَواتِهِمْ.

وفِعْلُ رَجَعَ يَكُونُ قاصِرًا ومُتَعَدِّيًا مُرادِفًا لِـ (أرْجَعَ) . وهو هُنا مُتَعَدٍّ، أيْ أرْجَعَكَ اللَّهُ.

صفحة ٢٨٣

وجُعِلَ الإرْجاعُ إلى طائِفَةٍ مِنَ المُنافِقِينَ المُخَلَّفِينَ عَلى وجْهِ الإيجازِ لِأنَّ المَقْصُودَ الإرْجاعُ إلى الحَدِيثِ مَعَهم في مِثْلِ القِصَّةِ المُتَحَدَّثُ عَنْها بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ ولَمّا كانَ المَقْصُودُ بَيانَ مُعامَلَتِهِ مَعَ طائِفَةٍ، اخْتُصِرَ الكَلامُ، فَقِيلَ ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾، ولَيْسَ المُرادُ الإرْجاعَ الحَقِيقِيَّ كَما جَرَتْ عَلَيْهِ عِباراتُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ وجَعَلُوهُ الإرْجاعَ مِن سَفَرِ تَبُوكَ مَعَ أنَّ السُّورَةَ كُلَّها نَزَلَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ تَبُوكَ بَلِ المُرادُ المَجازِيُّ، أيْ تَكَرَّرَ الخَوْضُ مَعَهم مَرَّةً أُخْرى.

والطّائِفَةُ الجَماعَةُ وتَقَدَّمَتْ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. أوْ قَوْلِهِ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] في سُورَةِ النِّساءِ.

والمُرادُ بِالطّائِفَةِ هُنا جَماعَةٌ مِنَ المُخَلَّفِينَ دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿فاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ أيْ إلى طائِفَةٍ مِنهم يَبْتَغُونَ الخُرُوجَ لِلْغَزْوِ، فَيَجُوزُ أنَّ تَكُونَ هَذِهِ الطّائِفَةُ مِنَ المُنافِقِينَ أرادُوا الخُرُوجَ لِلْغَزْوِ طَمَعًا في الغَنِيمَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ طائِفَةٌ مِنَ المُخَلَّفِينَ تابُوا وأسْلَمُوا فاسْتَأْذَنُوا لِلْخُرُوجِ لِلْغَزْوِ. وعَلى الوَجْهَيْنِ يُحْتَمَلُ أنَّ مَنعَهم مِنَ الخُرُوجِ لِلْخَوْفِ مِن غَدْرِهِمْ إنْ كانُوا مُنافِقِينَ أوْ لِمُجَرَّدِ التَّأْدِيبِ لَهم إنْ كانُوا قَدْ تابُوا وآمَنُوا.

وما أُمِرَ النَّبِيءُ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ لَهم صالِحٌ لِلْوَجْهَيْنِ.

والجَمْعُ بَيْنَ النَّفْيِ بِـ (لَنْ) وبَيْنَ كَلِمَةِ أبَدًا تَأْكِيدٌ لِمَعْنى لَنْ لِانْتِفاءِ خُرُوجِهِمْ في المُسْتَقْبَلِ إلى الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتِّعْدادِ عَلَيْهِمْ والتَّوْبِيخِ، أيْ إنَّكم تُحِبُّونَ القُعُودَ وتَرْضَوْنَ بِهِ فَقَدْ زِدْتُكم مِنهُ.

وفِعْلُ (رَضِيتُمْ) يَدُلُّ عَلى أنَّ ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ القُعُودِ عَمَلٌ مِن شَأْنِهِ أنْ يَأْباهُ النّاسُ حَتّى أُطْلِقَ عَلى ارْتِكابِهِ فِعْلُ (رَضِيَ) المُشْعِرُ بِالمُحاوَلَةِ والمُراوَضَةِ. جُعِلُوا كالَّذِي يُحاوِلُ نَفْسَهُ عَلى عَمَلٍ وتَأْبى حَتّى يُرْضِيَها كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

وانْتَصَبَ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هُنا عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِأنَّ المَرَّةَ هُنا لَمّا كانَتْ في زَمَنٍ مَعْرُوفٍ لَهم وهو زَمَنُ الخُرُوجِ إلى تَبُوكَ ضَمِنَتْ مَعْنى الزَّمانِ. وانْتِصابُ المَصْدَرِ بِالنِّيابَةِ عَنِ

صفحة ٢٨٤

اسْمِ الزَّمانِ شائِعٌ في كَلامِهِمْ، بِخِلافِ انْتِصابِها في قَوْلِهِ: ﴿وهم بَدَءُوكم أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ١٣] وفي قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ [التوبة: ٨٠] كَما تَقَدَّمَ. و﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ هي غَزْوَةُ تَبُوكَ الَّتِي تَخَلَّفُوا عَنْها.

وأفْعَلُ التَّفْضِيلِ إذا أُضِيفَ إلى نَكِرَةٍ اقْتَصَرَ عَلى الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ ولَوْ كانَ المُضافُ إلَيْهِ غَيْرَ مُفْرَدٍ ولا مُذَكَّرٍ لِأنَّ في المُضافِ إلَيْهِ دَلالَةً عَلى المَقْصُودِ كافِيَةً.

والفاءُ في فاقْعُدُوا تَفْرِيعٌ عَلى ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ﴾، أيْ لَمّا اخْتَرْتُمُ القُعُودَ لِأنْفُسِكم فاقْعُدُوا الآنَ لِأنَّكم تُحِبُّونَ التَّخَلُّفَ.

و(الخالِفِينَ) جَمْعُ خالِفٍ وهو الَّذِي يَخْلُفُ الغازِيَ في أهْلِهِ وكانُوا يَتْرُكُونَ لِذَلِكَ مَن لا غَناءَ لَهُ في الحَرْبِ. فَكَوْنُهم مَعَ الخالِفِينَ تَعْيِيرٌ لَهم.

9:84Page 200

وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨٤

And do not pray [the funeral prayer, O Muḥammad], over any of them who has died - ever - or stand at his grave. Indeed, they disbelieved in Allāh and His Messenger and died while they were defiantly disobedient.

﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وماتُوا وهم فاسِقُونَ﴾

لَمّا انْقَضى الكَلامُ عَلى الِاسْتِغْفارِ لِلْمُنافِقِينَ النّاشِئِ عَنِ الِاعْتِذارِ والحَلِفِ الكاذِبَيْنِ، وكانَ الإعْلامُ بِأنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهم مَشُوبًا بِصُورَةِ التَّخْيِيرِ في الِاسْتِغْفارِ لَهم، وكانَ ذَلِكَ يُبْقِي شَيْئًا مِن طَمَعِهِمْ في الِانْتِفاعِ بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّهم يَحْسَبُونَ المُعامَلَةَ الرَّبّانِيَّةَ تَجْرِي عَلى ظَواهِرِ الأعْمالِ والألْفاظِ كَما قَدَّمْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ [التوبة: ٨١]، تَهَيَّأ الحالُ لِلتَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لَهم والصَّلاةِ عَلى مَوْتاهم، فَإنَّ الصَّلاةَ عَلى المَيِّتِ اسْتِغْفارٌ.

فَجُمْلَةُ ولا تُصَلِّ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] عَطْفُ كَلامٍ مُرادٍ إلْحاقُهُ بِكَلامٍ آخَرَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ يَنْزِلُ مُراعًى فِيهِ مَواقِعُ وضْعِ الآيِ.

وضَمِيرُ مِنهم عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ الَّذِينَ عُرِفُوا بِسِيماهم وأعْمالِهِمُ الماضِيَةِ الذِّكْرِ.

وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ ما رَواهُ البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا ماتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ دُعِيَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ

صفحة ٢٨٥

لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَلَمّا قامَ رَسُولُ اللَّهِ وثَبْتُ إلَيْهِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُصَلِّي عَلى ابْنِ أُبَيٍّ وقَدْ قالَ يَوْمَ كَذا وكَذا: كَذا وكَذا ! أُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وقالَ: أخِّرْ عَنِّي يا عُمَرُ، فَلَمّا أكْثَرْتُ عَلَيْهِ قالَ: إنِّي خُيِّرْتُ فاخْتَرْتُ، لَوْ أعْلَمُ أنِّي لَوْ زِدْتُ عَلى السَبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها. قالَ: فَصَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ انْصَرَفَ فَلَمْ يَمْكُثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتِ الآيَتانِ مِن ”بَراءَةٌ“ ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم فاسِقُونَ﴾ قالَ: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِن جُرْأتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ، واللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ» اهـ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى «فَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ عَلى أحَدٍ مِنهم بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى قُبِضَ ﷺ وإنَّما صَلّى عَلَيْهِ وأعْطاهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهِ إكْرامًا لِابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وتَأْلِيفًا لِلْخَزْرَجِ» .

وقَوْلُهُ: (مِنهم) صِفَةُ (أحَدٍ) . وجُمْلَةُ ماتَ صِفَةٌ ثانِيَةٌ لِـ (أحَدٍ)

ومَعْنى ﴿ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ لا تَقِفْ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْنِهِ لِأنَّ المُشارَكَةَ في دَفْنِ المُسْلِمِ حَقٌّ عَلى المُسْلِمِ عَلى الكِفايَةِ كالصَّلاةِ عَلَيْهِ فَتَرْكُ النَّبِيءِ ﷺ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ وحُضُورَ دَفْنِهِمْ إعْلانٌ بِكُفْرِ مَن تُرِكَ ذَلِكَ لَهُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم كَفَرُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ وقَدْ أغْنى وُجُودُ (إنَّ) في أوَّلِها عَنْ فاءِ التَّفْرِيعِ كَما هو الِاسْتِعْمالُ.

والفِسْقُ مُرادٌ بِهِ الكُفْرُ، فالتَّعْبِيرُ بِـ (فاسِقُونَ) عِوَضَ (كافِرُونَ) مُجَرَّدُ تَفَنُّنٍ. والأحْسَنُ أنْ يُفَسَّرَ الفِسْقُ هُنا بِالخُرُوجِ عَنِ الإيمانِ بَعْدَ التَّلَبُّسِ بِهِ، أيْ بِصُورَةِ الإيمانِ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الفِسْقِ مَعْنًى أشْنَعَ مِنَ الكُفْرِ.

وضَمائِرُ إنَّهم كَفَرُوا - وماتُوا - وهم فاسِقُونَ عائِدَةٌ إلى (أحَدٍ) لِأنَّهُ عامٌّ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً في سِياقِ النَّهْيِ والنَّهْيُ كالنَّفْيِ. وأمّا وصْفُهُ بِالإفْرادِ في قَوْلِهِ: ماتَ فَجَرى عَلى لَفْظِ المَوْصُوفِ لِأنَّ أصْلَ الصِّفَةِ مُطابَقَةُ المَوْصُوفِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском