Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:85–92

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:85–92

9:85Page 200

وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ٨٥

And let not their wealth and their children impress you. Allāh only intends to punish them through them in this world and that their souls should depart [at death] while they are disbelievers.

صفحة ٢٨٦

﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا وتَزْهَقَ أنْفُسُهم وهم كافِرُونَ﴾

الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمَقْصُودُ بِهِ المُسْلِمُونَ، أيْ لا تُعْجِبْكم. والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ عَلَيْهِمْ.

ومُناسَبَةُ ذِكْرِ هَذا الكَلامِ هُنا أنَّهُ لَمّا ذُكِرَ ما يَدُلُّ عَلى شَقاوَتِهِمْ في الحَياةِ الآخِرَةِ كانَ ذَلِكَ قَدْ يُثِيرُ في نُفُوسِ النّاسِ أنَّ المُنافِقِينَ حَصَّلُوا سَعادَةَ الحَياةِ الدُّنْيا بِكَثْرَةِ الأمْوالِ والأوْلادِ وخَسِرُوا الآخِرَةَ. ورُبَّما كانَ في ذَلِكَ حَيْرَةٌ لِبَعْضِ المُسْلِمِينَ أنْ يَقُولُوا: كَيْفَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالأمْوالِ والأوْلادِ وهم أعْداؤُهُ وبُغَضاءُ نَبِيِّهِ. ورُبَّما كانَ في ذَلِكَ أيْضًا مَسْلاةٌ لَهم بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَأعْلَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنَّ تِلْكَ الأمْوالَ والأوْلادَ وإنْ كانَتْ في صُورَةِ النِّعْمَةِ فَهي لَهم نِقْمَةٌ وعَذابٌ، وأنَّ اللَّهَ عَذَّبَهم بِها في الدُّنْيا بِأنْ سَلَبَهم طُمَأْنِينَةَ البالِ عَلَيْها؛ لِأنَّهم لَمّا اكْتَسَبُوا عَداوَةَ الرَّسُولِ والمُسْلِمِينَ كانُوا يَحْذَرُونَ أنْ يُغْرِيَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهِمْ فَيَسْتَأْصِلَهم، كَما قالَ ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ والمُرْجِفُونَ في المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠] ﴿مَلْعُونِينَ أيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦١]، ثُمَّ جَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَمِرًّا إلى مَوْتِهِمْ عَلى الكُفْرِ الَّذِي يَصِيرُونَ بِهِ إلى العَذابِ الأبَدِيِّ.

وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ ذِكْرِ شُحِّهِمْ بِالنَّفَقَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أنْفِقُوا طَوْعًا أوْ كَرْهًا﴾ [التوبة: ٥٣] الآيَتَيْنِ، فَأُفِيدَ هُنالِكَ عَدَمُ انْتِفاعِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأنَّها عَذابٌ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا، ثُمَّ أُعِيدَتِ الآيَةُ بِغالِبِ ألْفاظِها هُنا تَأْكِيدًا لِلْمَعْنى الَّذِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ إبْلاغًا في نَفْيِ الفِتْنَةِ والحَيْرَةِ عَنِ النّاسِ.

ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ خالَفَتِ السّابِقَةَ بِأُمُورٍ: أحَدُها أنَّ هَذِهِ جاءَ العَطْفُ في أوَّلِها بِالواوِ والأُخْرى عُطِفَتْ بِالفاءِ. ومُناسَبَةُ التَّفْرِيعِ هُنالِكَ تَقَدَّمَ بَيانُها، ومُناسَبَةُ عَدَمِ التَّفْرِيعِ هُنا أنَّ مَعْنى الآيَةِ هَذِهِ لَيْسَ مُفَرَّعًا عَلى مَعْنى الجُمْلَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْها ولَكِنْ بَيْنَهُما مُناسَبَةٌ فَقَطْ.

صفحة ٢٨٧

ثانِيها أنَّ هَذِهِ الآيَةَ عُطِفَ فِيها الأوْلادُ عَلى الأمْوالِ بِدُونِ إعادَةِ حَرْفِ النَّفْيِ، وفي الآيَةِ السّالِفَةِ أُعِيدَتْ لا النّافِيَةُ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ ذِكْرَ الأوْلادِ في الآيَةِ السّالِفَةِ لِمُجَرَّدِ التَّكْمِلَةِ والِاسْتِطْرادِ إذِ المَقامُ مَقامُ ذَمِّ أمْوالِهِمْ إذْ لَمْ يَنْتَفِعُوا بِها فَلَمّا كانَ ذِكْرُ الأوْلادِ تَكْمِلَةً كانَ شَبِيهًا بِالأمْرِ المُسْتَقِلِّ فَأُعِيدَ حَرْفُ النَّفْيِ في عَطْفِهِ، بِخِلافِ مَقامِ هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّ أمْوالَهم وأوْلادَهم مَعًا مَقْصُودٌ تَحْقِيرُهُما في نَظَرِ المُسْلِمِينَ.

ثالِثُها أنَّهُ جاءَ هُنا قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ بِإظْهارِ (أنْ) دُونَ لامٍ، وفي الآيَةِ السّالِفَةِ ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [التوبة: ٥٥] بِذِكْرِ لامِ التَّعْلِيلِ وحَذْفِ (أنْ) بَعْدَها وقَدِ اجْتَمَعَ الِاسْتِعْمالانِ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٧] في سُورَةِ النِّساءِ. وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنْ) كَثِيرٌ. وهُنالِكَ قُدِّرَتْ (أنْ) بَعْدَ اللّامِ وتَقْدِيرُ (أنْ) بَعْدَ اللّامِ كَثِيرٌ. ومِن مَحاسِنِ التَّأْكِيدِ الِاخْتِلافُ في اللَّفْظِ وهو تَفَنُّنٌ عَلى أنَّ تِلْكَ اللّامَ ونَحْوَها قَدِ اخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ هي زائِدَةٌ، وقِيلَ: تُفِيدُ التَّعْلِيلَ. وسَمّاها بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ (لامَ أنْ)، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ.

رابِعُها أنَّهُ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ ”أنْ يُعَذِّبَهم بِها في الدُّنْيا“ وجاءَ في الآيَةِ السّالِفَةِ ”في الحَياةِ الدُّنْيا“، ونُكْتَةُ ذَلِكَ أنَّ الآيَةَ السّالِفَةَ ذَكَرَتْ حالَةَ أمْوالِهِمْ في حَياتِهِمْ فَلَمْ تَكُنْ حاجَةٌ إلى ذِكْرِ الحَياةِ. وهُنا ذُكِرَتْ حالَةُ أمْوالِهِمْ بَعْدَ مَماتِهِمْ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] فَقَدْ صارُوا إلى حَياةٍ أُخْرى وانْقَطَعَتْ حَياتُهُمُ الدُّنْيا وأصْبَحَتْ حَدِيثًا.

وبَقِيَّةُ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ كَتَفْسِيرِ سالِفَتِها.

9:86Page 200

وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٨٦

And when a sūrah was revealed [enjoining them] to believe in Allāh and to fight with His Messenger, those of wealth among them asked your permission [to stay back] and said, "Leave us to be with them who sit [at home]."

﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهم وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾

هَذا عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ قُصِدَ بِهِ الِانْتِقالُ إلى تَقْسِيمِ فِرَقِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ مِنَ المُنافِقِينَ وغَيْرِهِمْ وأنْواعِ مَعاذِيرِهِمْ ومَراتِبِها في القَبُولِ. دَعا إلَيْهِ الإغْلاظُ

صفحة ٢٨٨

فِي تَقْرِيعِ المُتَخَلِّفِينَ عَنِ الجِهادِ نِفاقًا وتَخْذِيلًا لِلْمُسْلِمِينَ، ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨] ثُمَّ قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا﴾ [التوبة: ٤٢] وكُلُّ ذَلِكَ مَقْصُودٌ بِهِ المُنافِقُونَ.

ولِأجْلِ كَوْنِ هَذِهِ الآيَةِ غَرَضًا جَدِيدًا ابْتُدِئَتْ بِذِكْرِ نُزُولِ سُورَةٍ داعِيَةٍ إلى الإيمانِ والجِهادِ. والمُرادُ بِها هَذِهِ السُّورَةُ، أيْ سُورَةُ (بَراءَةٌ)، وإطْلاقُ اسْمِ السُّورَةِ عَلَيْها في أثْنائِها قَبْلَ إكْمالِها مَجازٌ مُتَّسَعٌ فِيهِ كَإطْلاقِ الكِتابِ عَلى القُرْآنِ في أثْناءِ نُزُولِهِ في نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] فَهَذا الوَصْفُ وصْفٌ مُقَدَّرٌ شَبِيهٌ بِالحالِ المُقَدَّرَةِ.

وابْتُدِئَ بِذِكْرِ المُتَخَلِّفِينَ مِنَ المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّولِ مِنهُمْ﴾

والسُّورَةُ طائِفَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن آياتِ القُرْآنِ لَها مَبْدَأٌ ونِهايَةٌ وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها آنِفًا وقُبَيْلَ هَذا.

ولَمّا كانَتِ السُّورَةُ ألْفاظًا وأقْوالًا صَحَّ بَيانُها بِبَعْضِ ما حَوَتْهُ وهو الأمْرُ بِالإيمانِ والجِهادِ فَقَوْلُهُ: ﴿أنْ آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ تَفْسِيرٌ لِلسُّورَةِ و(أنْ) فِيهِ تَفْسِيرِيَّةٌ كالَّتِي في قَوْلِهِ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ عِيسى ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧] ويَجُوزُ تَفْسِيرُ الشَّيْءِ بِبَعْضِهِ شَبَهُ بَدَلِ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ.

ولَيْسَ المُرادُ لَفْظُ آمَنُوا وما عُطِفَ عَلَيْهِ بَلْ ما يُرادُ، فَهُما مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٨] الآياتِ، وقَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يُجاهِدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٤٤]

و(الطَّولِ) السِّعَةُ في المالِ قالَ - تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وقَدْ تَقَدَّمَ. والِاقْتِصارُ عَلى الطَّوْلِ يَدُلُّ عَلى أنَّ أُولِي الطَّوْلِ مُرادٌ بِهِمْ مَن لَهُ قُدْرَةٌ عَلى الجِهادِ بِصِحَّةِ البَدَنِ. فَبِوُجُودِ الطَّوْلِ انْتَفى عُذْرُهم إذْ مَن لَمْ يَكُنْ قادِرًا بِبَدَنِهِ لا يَنْظُرُ إلى كَوْنِهِ ذا طَوْلٍ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ﴿ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١]

صفحة ٢٨٩

والمُرادُ بِأُولِي الطَّولِ أمْثالُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، ومُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ، والجَدِّ بْنِ قَيْسٍ.

وعَطْفُ ﴿وقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ القاعِدِينَ﴾ عَلى (اسْتَأْذَنَكَ) لِما بَيْنَهُما مِنَ المُغايَرَةِ في الجُمْلَةِ بِزِيادَةٍ في المَعْطُوفِ لِأنَّ الِاسْتِئْذانَ مُجْمَلٌ، وقَوْلُهُمُ المَحْكِيُّ فِيهِ بَيانُ ما اسْتَأْذَنُوا فِيهِ وهو القُعُودُ. وفي نَظْمِهِ إيذانٌ بِتَلْفِيقِ مَعْذِرَتِهِمْ وأنَّ الحَقِيقَةَ هي رَغْبَتُهم في القُعُودِ ولِذَلِكَ حُكِيَ قَوْلُهم بِأنِ ابْتُدِئَ بِـ (ذَرْنا) المُقْتَضِي الرَّغْبَةَ في تَرْكِهِمْ بِالمَدِينَةِ. وبِأنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِلْقاعِدِينَ الَّذِينَ فِيهِمُ العُجَّزُ والضُّعَفاءُ والجُبَناءُ، لِما تُؤْذِنُ بِهِ كَلِمَةُ (مَعَ) مِنَ الإلْحاقِ والتَّبَعِيَّةِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ (ذَرْ) أمْرٌ مِن فِعْلٍ مُماتٍ وهو (وذَرَ) اسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمُرادِفِهِ وهو (تَرَكَ) في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهم لَعِبًا ولَهْوًا﴾ [الأنعام: ٧٠] في سُورَةِ الأنْعامِ.

9:87Page 201

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ ٨٧

They were satisfied to be with those who stay behind, and their hearts were sealed over, so they do not understand.

﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ قُصِدَ مِنهُ التَّعْجِيبُ مِن دَناءَةِ نُفُوسِهِمْ وقِلَّةِ رُجْلَتِهِمْ بِأنَّهم رَضُوا لِأنْفُسِهِمْ بِأنْ يَكُونُوا تَبَعًا لِلنِّساءِ. وفي اخْتِيارِ فِعْلِ (رَضُوا) إشْعارٌ بِأنَّ ما تَلَبَّسُوا بِهِ مِنَ الحالِ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَرَدَّدَ العاقِلُ في قَبُولِهِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿أرَضِيتُمْ بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨] وقَوْلِهِ: ﴿إنَّكم رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [التوبة: ٨٣]

والخَوالِفُ جَمْعُ خالِفَةٍ وهي المَرْأةُ الَّتِي تَتَخَلَّفُ في البَيْتِ بَعْدَ سَفَرِ زَوْجِها فَإنْ سافَرَتْ مَعَهُ فَهي الظَّعِينَةُ، أيْ رَضُوا بِالبَقاءِ مَعَ النِّساءِ.

والطَّبْعُ تَمْثِيلٌ لِحالِ قُلُوبِهِمْ في عَدَمِ قَبُولِ الهُدى بِالإناءِ أوِ الكِتابِ المَخْتُومِ. والطَّبْعُ مُرادِفُ الخَتْمِ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ. وأُسْنِدَ الطَّبْعُ إلى المَجْهُولِ إمّا لِلْعِلْمِ بِفاعِلِهِ وهو اللَّهُ، وإمّا لِلْإشارَةِ إلى أنَّهم خُلِقُوا كَذَلِكَ وجُبِلُوا عَلَيْهِ وفُرِّعَ عَلى الطَّبْعِ انْعِدامُ عِلْمِهِمْ بِالأُمُورِ الَّتِي يَخْتَصُّ بِعِلْمِها أهْلُ

صفحة ٢٩٠

الأفْهامِ، وهو العِلْمُ المُعَبَّرُ عَنْهُ بِالفِقْهِ، أيْ إدْراكِ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ، أيْ فَآثَرُوا نِعْمَةَ الدَّعَةِ عَلى سُمْعَةِ الشُّجاعَةِ وعَلى ثَوابِ الجِهادِ إذْ لَمْ يُدْرِكُوا إلّا المَحْسُوساتِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا فاقِهِينَ وذَلِكَ أصْلُ جَمِيعِ المَضارِّ في الدّارَيْنِ.

وجِيءَ في إسْنادِ نَفْيِ الفَقاهَةِ عَنْهم بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلدَّلالَةِ عَلى تَقَوِّي الخَبَرِ وتَحْقِيقِ نِسْبَتِهِ إلى المُخْبَرِ عَنْهم وتَمَكُّنِهِ مِنهم.

9:88Page 201

لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨٨

But the Messenger and those who believed with him fought with their wealth and their lives. Those will have [all that is] good and it is those who are the successful.

﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .

افْتِتاحُ الكَلامِ بِحَرْفِ الِاسْتِدْراكِ يُؤْذِنُ بِأنَّ مَضْمُونَ هَذا الكَلامِ نَقِيضُ مَضْمُونِ الكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ أصْلًا وتَفْرِيعًا. فَلَمّا كانَ قُعُودُ المُنافِقِينَ عَنِ الجِهادِ مُسَبَّبًا عَلى كُفْرِهِمْ بِالرَّسُولِ ﷺ، كانَ المُؤْمِنُونَ عَلى الضِّدِّ مِن ذَلِكَ. وابْتُدِئَ وصْفُ أحْوالِهِمْ بِوَصْفِ حالِ الرَّسُولِ لِأنَّ تَعَلُّقَهم بِهِ واتِّباعَهم إيّاهُ هو أصْلُ كَمالِهِمْ وخَيْرِهِمْ، فَقِيلَ ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا﴾

وقَوْلُهُ: ﴿بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ﴾ [التوبة: ٨١] مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦]

وقَوْلُهُ: ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ مُقابِلُ قَوْلِهِ: ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهم لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ٨٧] كَما تَقَدَّمَ.

وفِي حَرْفِ الِاسْتِدْراكِ إشارَةٌ إلى الِاسْتِغْناءِ عَنْ نُصْرَةِ المُنافِقِينَ بِنُصْرَةِ المُؤْمِنِينَ الرَّسُولَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ يَكْفُرْ بِها هَؤُلاءِ فَقَدْ وكَّلْنا بِها قَوْمًا لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]

وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلى الجِهادِ بِالأمْوالِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]

وفِي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ تَعْرِيضٌ بِأنَّ الَّذِينَ لَمْ يُجاهِدُوا دُونَ عُذْرٍ لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ.

صفحة ٢٩١

و(مَعَهُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ (الَّذِينَ) لِتَدُلَّ عَلى أنَّهم أتْباعٌ لَهُ في كُلِّ حالٍ وفي كُلِّ أمْرٍ، فَإيمانُهم مَعَهُ لِأنَّهم آمَنُوا بِهِ عِنْدَ دَعْوَتِهِ إيّاهم، وجِهادِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ مَعَهُ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الخَيْراتِ المَبْثُوثَةَ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ تابِعَةٌ لِخَيْراتِهِ ومَقاماتِهِ.

وعُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ عَلى جُمْلَةِ (جاهَدُوا) ولَمْ تُفْصَلْ مَعَ جَوازِ الفَصْلِ لِيَدُلَّ بِالعَطْفِ عَلى أنَّها خَبَرٌ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا، أيْ عَلى أنَّها مِن أوْصافِهِمْ وأحْوالِهِمْ لِأنَّ تِلْكَ أدَلُّ عَلى تَمَكُّنِ مَضْمُونِها فِيهِمْ مِن أنْ يُؤْتى بِها مُسْتَأْنَفَةً كَأنَّها إخْبارٌ مُسْتَأْنَفٌ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِإفادَةِ أنَّ اسْتِحْقاقَهُمُ الخَيْراتِ والفَلاحَ كانَ لِأجْلِ جِهادِهِمْ.

والخَيْراتُ جَمْعُ خَيْرٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ. فَهو مِمّا جاءَ عَلى صِيغَةِ جَمْعِ التَّأْنِيثِ مَعَ عَدَمِ التَّأْنِيثِ ولا عَلامَتِهِ مِثْلَ سُرادِقاتِ وحَمّاماتِ.

وجَعَلَهُ كَثِيرٌ مِنَ اللُّغَوِيِّينَ جَمْعَ (خَيْرَةٍ) بِتَخْفِيفِ الياءِ مُخَفَّفِ (خَيِّرَةَ) المُشَدَّدِ الياءِ الَّتِي هي أُنْثى (خَيِّرٍ)، أوْ هي مُؤَنَّثُ (خَيْرٍ) المُخَفَّفِ الياءِ الَّذِي هو بِمَعْنى أخْيَرَ. وإنَّما أنَّثُوا وصْفَ المَرْأةِ مِنهُ لِأنَّهم لَمْ يُرِيدُوا بِهِ التَّفْضِيلَ، وعَلى هَذا كُلِّهِ يَكُونُ خَيْراتٌ هُنا مُؤَوَّلًا بِالخِصالِ الخَيِّرَةِ، وكُلُّ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ لا داعِيَ إلَيْهِ مَعَ اسْتِقامَةِ الحَمْلِ عَلى الظّاهِرِ. والمُرادُ مَنافِعُ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فاللّامُ فِيهِ لِلِاسْتِغْراقِ. والقَوْلُ في ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ في أوَّلِ سُورَةِ البَقَرَةِ.

9:89Page 201

أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٨٩

Allāh has prepared for them gardens beneath which rivers flow, wherein they will abide eternally. That is the great attainment.

﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذَلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجَوابِ سُؤالٍ يَنْشَأُ عَنِ الإخْبارِ بِـ ﴿وأُولَئِكَ لَهُمُ الخَيْراتُ﴾ [التوبة: ٨٨]

والإعْدادُ التَّهْيِئَةُ. وفِيهِ إشْعارٌ بِالعِنايَةِ والتَّهَمُّمِ بِشَأْنِهِمْ. وتَقَدَّمَ القَوْلُ في نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في قَوْلِهِ قَبْلُ ﴿وعَدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها ومَساكِنَ طَيِّبَةً﴾ [التوبة: ٧٢] الآيَةَ.

9:90Page 201

وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٠

And those with excuses among the bedouins came to be permitted [to remain], and they who had lied1 to Allāh and His Messenger sat [at home]. There will strike those who disbelieved among them a painful punishment.

صفحة ٢٩٢

﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهم وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ عَلى جُمْلَةِ ﴿اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنهُمْ﴾ [التوبة: ٨٦]، وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، فالمُرادُ بِالمُعَذِّرِينَ فَرِيقٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ مِنَ الأعْرابِ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ المُقابَلَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ . وعَلى هَذا المَعْنى فَسَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وكَثِيرٌ. وجَعَلُوا مِن هَؤُلاءِ غِفارًا، وخالَفَهم قَتادَةُ فَجَعَلَهُمُ المُعْتَذِرِينَ كَذِبًا وهم بَنُو عامِرٍ رَهْطُ عامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، قالُوا لِلنَّبِيءِ ﷺ إنْ خَرَجْنا مَعَكَ أغارَتْ أعْرابُ طَيِّءٍ عَلى بُيُوتِنا. ومِنَ المُعَذِّرِينَ الكاذِبِينَ أسَدٌ، وغَطَفانُ.

وعَلى الوَجْهَيْنِ في التَّفْسِيرِ يَخْتَلِفُ التَّقْدِيرُ في قَوْلِهِ: (المُعَذِّرُونَ) فَإنْ كانُوا المُحِقِّينَ في العُذْرِ فَتَقْدِيرُ المُعَذِّرُونَ أنَّ أصْلَهُ المُعْتَذِرُونَ، مِنِ (اعْتَذَرَ) أُدْغِمَتِ التّاءُ في الذّالِ لِتَقارُبِ المَخْرَجَيْنِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ، كَما أُدْغِمَتِ التّاءُ في الصّادِ في قَوْلِهِ: ﴿وهم يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: ٤٩]، أيْ يَخْتَصِمُونَ.

وإنْ كانُوا الكاذِبِينَ في عُذْرِهِمْ فَتَقْدِيرُ المُعَذِّرُونَ: أنَّهُ اسْمُ فاعِلٍ مِن (عَذَّرَ) بِمَعْنى تَكَلَّفَ العُذْرَ، فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ”لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ“ . قالَ الأزْهَرِيُّ: ذَهَبَ إلى أنَّهُمُ الَّذِينَ يَعْتَذِرُونَ بِلا عُذْرٍ فَكَأنَّ الأمْرَ عِنْدَهُ أنَّ المُعَذِّرَ بِالتَّشْدِيدِ هو المَظْهِرُ لِلْعُذْرِ اعْتِلالًا وهو لا عُذْرَ لَهُ اهـ. وقالَ شارِحُ دِيوانِ النّابِغَةِ عِنْدَ قَوْلِ النّابِغَةِ:

ودِّعْ أُمامَةَ والتَّوْدِيعُ تَعْذِيرُ

أيْ لا يَجِدُ عُذْرًا غَيْرَ التَّوْدِيعِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اخْتِيارُ صِيغَةِ المُعَذِّرِينَ مِن لَطائِفَ القُرْآنِ لِتَشْمَلَ الَّذِينَ صَدَقُوا في العُذْرِ والَّذِينَ كَذَبُوا فِيهِ.

والِاعْتِذارُ افْتِعالٌ مِن بابِ ما اسْتُعْمِلَ فِيهِ مادَّةُ الِافْتِعالِ لِلتَّكَلُّفِ في الفِعْلِ والتَّصَرُّفِ مِثْلُ الِاكْتِسابِ والِاخْتِلاقِ. ولَيْسَ لِهَذا المَزِيدِ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ بِمَعْناهُ وإنَّما المُجَرَّدُ هو (عَذَرَ)

صفحة ٢٩٣

بِمَعْنى قَبِلَ العُذْرَ. والعُذْرُ البَيِّنَةُ والحالَةُ الَّتِي يَتَنَصَّلُ المُحْتَجُّ بِها مِن تَبِعَةٍ أوْ مَلامٍ عِنْدَ مَن يَعْتَذِرُ إلَيْهِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ (المُعْذِرُونَ) - بِسُكُونِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ الذّالِ -، مِن (أعْذَرَ) إذا بالَغَ في الِاعْتِذارِ.

والأعْرابُ اسْمُ جَمْعٍ يُقالُ في الواحِدِ: أعْرابِيٌّ - بِياءِ النَّسَبِ - نِسْبَةً إلى اسْمِ الجَمْعِ كَما يُقالُ مَجُوسِيٌّ لِواحِدِ المَجُوسِ. وصِيغَةُ الأعْرابِ مِن صِيَغِ الجُمُوعِ ولَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَمْعًا لِأنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِ جَمْعِهِ فَلِذَلِكَ جُعِلَ اسْمَ جَمْعٍ. وهم سُكّانُ البادِيَةِ.

وأمّا قَوْلُهُ: ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ فَهُمُ الَّذِينَ أعْلَنُوا بِالعِصْيانِ في أمْرِ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ مِنَ الأعْرابِ أيْضًا كَما يُنْبِئُ عَنْهُ السِّياقُ، أيْ قَعَدُوا دُونَ اعْتِذارٍ. فالقُعُودُ هو عَدَمُ الخُرُوجِ إلى الغَزْوِ. وعُلِمَ أنَّ المُرادَ القُعُودُ دُونَ اعْتِذارٍ مِن مُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾

وجُمْلَةُ ﴿وقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ وهَذا فَرِيقٌ آخَرُ مِنَ الأعْرابِ خَلِيطٌ مِن مُسْلِمِينَ ومُنافِقِينَ كَذَبُوا بِالتَّخْفِيفِ، أيْ كانُوا كاذِبِينَ. والمُرادُ أنَّهم كَذَبُوا في الإيمانِ الَّذِي أظْهَرُوهُ مِن قَبْلُ، ويَحْتَمِلُ أنَّهم كَذَبُوا في وعْدِهِمُ النَّصْرَ ثُمَّ قَعَدُوا دُونَ اعْتِذارٍ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ تَخَلُّفُهم مُتَرَقَّبًا لِأنَّ الَّذِينَ اعْتَذَرُوا قَدْ عَلِمَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - أنَّهم غَيْرُ خارِجِينَ مَعَهُ بِخِلافِ الآخَرِينَ فَكانُوا مَحْسُوبِينَ في جُمْلَةِ الجَيْشِ. وتَخَلُّفُهم أشَدُّ إضْرارًا لِأنَّهُ قَدْ يَفُلُّ مِن حِدَّةِ كَثِيرٍ مِنَ الغُزاةِ.

وجُمْلَةُ ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ وعِيدٍ.

وضَمِيرُ (مِنهم) يَعُودُ إلى المَذْكُورِينَ فَهو شامِلٌ لِلَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ ورَسُولَهَ ولِمَن كانَ عُذْرُهُ ناشِئًا عَنْ نِفاقٍ وكَذِبٍ.

وتَنْكِيرُ (عَذابٍ) لِلتَّهْوِيلِ والمُرادُ بِهِ عَذابُ جَهَنَّمَ.

9:91Page 201

لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١

There is not upon the weak or upon the ill or upon those who do not find anything to spend any discomfort [i.e., guilt] when they are sincere to Allāh and His Messenger. There is not upon the doers of good any cause [for blame]. And Allāh is Forgiving and Merciful.

صفحة ٢٩٤

﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ يَنْشَأُ عَنْ تَهْوِيلِ القُعُودِ عَنِ الغَزْوِ وما تَوَجَّهَ إلى المُخَلَّفِينَ مِنَ الوَعِيدِ. اسْتِيفاءً لِأقْسامِ المُخَلَّفِينَ مِن مَلُومٍ ومَعْذُورٍ مِنَ الأعْرابِ أوْ مِن غَيْرِهِمْ.

وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ في عَطْفِ الضُّعَفاءِ والمَرْضى لِتَوْكِيدِ نَفْيِ المُؤاخَذَةِ عَنْ كُلِّ فَرِيقٍ بِخُصُوصِهِ.

والضُّعَفاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ وهو الَّذِي بِهِ الضَّعْفُ وهو وهْنُ القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ مِن غَيْرِ مَرَضٍ.

والمَرْضى جَمْعُ مَرِيضٍ وهو الَّذِي بِهِ مَرَضٌ. والمَرَضُ تَغَيُّرُ النِّظامِ المُعْتادِ بِالبَدَنِ بِسَبَبِ اخْتِلالٍ يَطْرَأُ في بَعْضِ أجْزاءِ المِزاجِ، ومِنَ المَرَضِ المُزْمِنِ كالعَمى والزَّمانَةِ وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] في سُورَةِ النِّساءِ.

والحَرَجُ الضِّيقُ ويُرادُ بِهِ ضِيقُ التَّكْلِيفِ، أيِ النَّهْيِ.

والنُّصْحُ العَمَلُ النّافِعُ لِلْمَنصُوحِ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿لَقَدْ أبْلَغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي ونَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ وتَقَدَّمَ وجْهُ تَعْدِيَتِهِ بِاللّامِ وأُطْلِقَ هُنا عَلى الإيمانِ والسَّعْيِ في مَرْضاةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ والِامْتِثالِ والسَّعْيِ لِما يَنْفَعُ المُسْلِمِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يُشْبِهُ فِعْلَ المُوالِي النّاصِحِ لِمَنصُوحِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ واقِعَةٌ مَوْقِعَ التَّعْلِيلِ لِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم وهَذِهِ الجُمْلَةُ نُظِمَتْ نَظْمَ الأمْثالِ. فَقَوْلُهُ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ دَلِيلٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ. والمَعْنى لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى مَن عُطِفَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ لِأنَّهم مُحْسِنُونَ غَيْرُ مُسِيئِينَ و”ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ“ أيْ مُؤاخَذَةٍ أوْ مُعاقَبَةٍ. والمُحْسِنُونَ الَّذِينَ فَعَلُوا الإحْسانَ، وهو ما فِيهِ النَّفْعُ التّامُّ.

صفحة ٢٩٥

والسَّبِيلُ أصْلُهُ الطَّرِيقُ ويُطْلَقُ عَلى وسائِلِ وأسْبابِ المُؤاخَذَةِ بِاللَّوْمِ والعِقابِ لِأنَّ تِلْكَ الوَسائِلَ تُشْبِهُ الطَّرِيقَ الَّذِي يَصِلُ مِنهُ طالِبُ الحَقِّ إلى مَكانِ المَحْقُوقِ ولِمُراعاةِ هَذا الإطْلاقِ جُعِلَ حَرْفُ الِاسْتِعْلاءِ في الخَبَرِ عَنِ السَّبِيلِ دُونَ حَرْفِ الغايَةِ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ - تَعالى -: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤] وقَوْلُهُ: ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٩٠] كِلاهُما في سُورَةِ النِّساءِ. فَدَخَلَ في المُحْسِنِينَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ. ولَيْسَ ذَلِكَ مِن وضْعِ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِأنَّ هَذا مَرْمًى آخَرُ هو أسْمى وأبْعَدُ غايَةً.

و(مِن) مُؤَكِّدَةٌ لِشُمُولِ النَّفْيِ لِكُلِّ سَبِيلٍ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ، والواوُ اعْتِراضِيَّةٌ، أيْ شَدِيدُ المَغْفِرَةِ ومِن مَغْفِرَتِهِ أنْ لَمْ يُؤْاخَذْ أهْلُ الأعْذارِ بِالقُعُودِ عَنِ الجِهادِ. شَدِيدُ الرَّحْمَةِ بِالنّاسِ ومِن رَحْمَتِهِ أنْ لَمْ يُكَلِّفْ أهْلَ الإعْذارِ ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ.

9:92Page 201

وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ ٩٢

Nor [is there blame] upon those who, when they came to you for you to take them along, you said, "I can find nothing upon which to carry you."1 They turned back while their eyes overflowed with tears out of grief that they could not find something to spend [for the cause of Allāh].

﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهم قُلْتَ لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا ألّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾

عَطْفٌ عَلى الضُّعَفاءِ والمَرْضى. وإعادَةُ حَرْفِ النَّفْيِ بَعْدَ العاطِفِ لِلنُّكْتَةِ المُتَقَدِّمَةِ هُنالِكَ.

والحَمْلُ يُطْلَقُ عَلى إعْطاءِ ما يُحْمَلُ عَلَيْهِ، أيْ إذا أتَوْكَ لِتُعْطِيَهُمُ الحَمُولَةَ، أيْ ما يَرْكَبُونَهُ ويَحْمِلُونَ عَلَيْهِ سِلاحَهم ومُؤَنَهم مِنَ الإبِلِ.

وجُمْلَةُ ﴿قُلْتَ لا أجِدُ﴾ إلَخْ إمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِ في أتَوْكَ وإمّا بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن فِعْلِ أتَوْكَ لِأنَّ إتْيانَهم لِأجْلِ الحَمْلِ يَشْتَمِلُ عَلى إجابَةٍ، وعَلى مَنعٍ.

وجُمْلَةُ ”تَوَلَّوْا“ جَوابُ إذا، والمَجْمُوعُ صِلَةُ الَّذِينَ.

والتَّوَلِّي الرُّجُوعُ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: ١٤٢] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٠٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

صفحة ٢٩٦

والفَيْضُ والفَيَضانُ خُرُوجُ الماءِ ونَحْوِهِ مِن قَرارِهِ ووِعائِهِ، ويُسْنَدُ إلى المائِعِ حَقِيقَةً. وكَثِيرًا ما يُسْنَدُ إلى وِعاءِ المائِعِ، فَيُقالُ: فاضَ الوادِي، وفاضَ الإناءُ. ومِنهُ فاضَتِ العَيْنُ دَمْعًا وهو أبْلَغُ مِن فاضَ دَمْعُها؛ لِأنَّ العَيْنَ جُعِلَتْ كَأنَّها كُلَّها دَمْعٌ فائِضٌ، فَقَوْلُهُ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ جَرى عَلى هَذا الأُسْلُوبِ.

و(مِنَ) لِبَيانِ ما مِنهُ الفَيْضُ. والمَجْرُورُ بِها في مَعْنى التَّمْيِيزِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ [المائدة: ٨٣] في سُورَةِ المائِدَةِ.

و(حَزَنًا) نُصِبَ عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، و﴿أنْ لا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ مَجْرُورٌ بِلامِ جَرٍّ مَحْذُوفٍ أيْ حَزِنُوا لِأنَّهم لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ.

والآيَةُ نَزَلَتْ في نَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ سَبْعَةٍ وقِيلَ: فِيهِمْ مِن غَيْرِ الأنْصارِ واخْتُلِفَ أيْضًا في أسْمائِهِمْ بِما لا حاجَةَ إلى ذِكْرِهِ ولُقِّبُوا بِالبَكّائِينَ لِأنَّهم بَكَوْا لَمّا لَمْ يَجِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الحُمْلانِ حَزَنًا عَلى حِرْمانِهِمْ مِنَ الجِهادِ. وقِيلَ: «نَزَلَتْ في أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ ورَهْطٍ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ يَسْتَحْمِلُونَهُ فَلَمْ يَجِدْ لَهم حَمُولَةً وصادَفُوا ساعَةَ غَضَبٍ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ فَحَلَفَ أنْ لا يَحْمِلَهم ثُمَّ جاءَهُ نَهْبُ إبِلٍ فَدَعاهم وحَمَلَهم وقالُوا: اسْتَغْفَلْنا رَسُولَ اللَّهِ يَمِينَهُ لا نُفْلِحُ أبَدًا، فَرَجَعُوا وأخْبَرُوهُ فَقالَ ما أنا حَمَلْتُكم ولَكِنَّ اللَّهَ حَمَلَكم وإنِّي واللَّهِ لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا كَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي وفَعَلْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ» والظّاهِرُ أنَّ هَؤُلاءِ غَيْرُ المَعْنِيِّينَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الأشْعَرِيِّينَ قَدْ حَمَلَهُمُ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ: إنَّهُ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] الآيَةَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском