Ibn 'AshurAsh‑Shams · 91:1–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

الشمس

Ash-Shams

The Sun · Meccan · 15 ayahs

91:1–8Page 595

وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا ١

By the sun and its brightness

وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا ٢

And [by] the moon when it follows it

وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا ٣

And [by] the day when it displays it1

وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا ٤

And [by] the night when it covers [i.e., conceals] it

وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا ٥

And [by] the sky and He who constructed it

وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا ٦

And [by] the earth and He who spread it

وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧

And [by] the soul and He who proportioned it1

فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا ٨

And inspired it [with discernment of] its wickedness and its righteousness,

﴿والشَّمْسِ وضُحاها﴾ ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ ﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾ ﴿واللَّيْلِ إذا يَغْشاها﴾ ﴿والسَّماءِ وما بَناها﴾ ﴿والأرْضِ وما طَحاها﴾ ﴿ونَفْسٍ وما سَوّاها﴾ ﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾ .

القَسَمُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ، والمَقْصُودُ بِالتَّأْكِيدِ هو ما في سَوْقِ الخَبَرِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِالتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ بِالِاسْتِئْصالِ.

والواواتُ الواقِعَةُ بَعْدَ الفَواصِلِ واواتُ قَسَمٍ.

وكُلٌّ مِنَ الشَّمْسِ والقَمَرِ والسَّماءِ والأرْضِ ونَفْسِ الإنْسانِ مِن أعْظَمِ مَخْلُوقاتِ اللَّهِ ذاتًا ومَعْنًى، الدّالَّةِ عَلى بَدِيعِ حِكْمَتِهِ وقَوِيِّ قُدْرَتِهِ.

وكَذَلِكَ كُلٌّ مِنَ الضُّحى، وتُلُوِّ القَمَرِ الشَّمْسَ، والنَّهارِ واللَّيْلِ، مِن أدَقِّ النِّظامِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى.

والضُّحى: وقْتُ ارْتِفاعِ الشَّمْسِ عَنْ أُفُقِ مَشْرِقِها وظُهُورِ شُعاعِها، وهو الوَقْتُ الَّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الشَّمْسُ مُتَجاوِزَةً مَشْرِقَها بِمِقْدارِ ما يُخَيَّلُ لِلنّاظِرِ أنَّهُ طُولُ رُمْحٍ.

ومَهَّدَ لِذَلِكَ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ تَزْكِيَةَ النَّفْسِ سَبَبُ الفَلاحِ، وأنَّ التَّقْصِيرَ في إصْلاحِها سَبَبُ الفُجُورِ والخُسْرانِ.

والتُّلُوُّ: التَّبَعُ، وأُرِيدَ بِهِ خَلْفُ ضَوْئِهِ في اللَّيْلِ ضَوْءَ الشَّمْسِ أيْ: إذا ظَهَرَ بَعْدَ مَغِيبِها فَكَأنَّهُ يَتْبَعُها في مَكانِها، وهَذا تُلُوٌّ مَجازِيٌّ. والقَمَرُ يَتْبَعُ الشَّمْسَ في أحْوالٍ كَثِيرَةٍ مِنها اسْتِهْلالُهُ، فالهِلالُ يَظْهَرُ لِلنّاظِرِينَ عَقِبَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ثُمَّ يَبْقى كَذَلِكَ ثَلاثَ لَيالٍ، وهو أيْضًا يَتْلُو الشَّمْسَ حِينَ يُقارِبُ الِابْتِدارَ وحِينَ يَصِيرُ

صفحة ٣٦٧

بَدْرًا، فَإذا صارَ بَدْرًا صارَ تُلُوُّهُ الشَّمْسَ حَقِيقَةً؛ لِأنَّهُ يَظْهَرُ عِنْدَما تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وقَرِيبًا مِن غُرُوبِها قَبْلَهُ أوْ بَعْدَهُ، وهو أيْضًا يُضِيءُ في أكْثَرِ لَيالِي الشَّهْرِ، جَعَلَهُ اللَّهُ عِوَضًا عَنِ الشَّمْسِ في عِدَّةِ لَيالٍ في الإنارَةِ، ولِذَلِكَ قُيِّدَ القَسَمُ بِحِينِ تُلُوِّهِ؛ لِأنَّ تُلُوَّهُ لِلشَّمْسِ حِينَئِذٍ تَظْهَرُ مِنهُ مَظاهِرُ التُّلُوِّ لِلنّاظِرِينَ، فَهَذا الزَّمانُ مِثْلُ زَمانِ الضُّحى في القَسَمِ بِهِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَسَمٍ بِوَقْتِ تُلُوِّهِ الشَّمْسَ، فَحَصَلَ القَسَمُ بِذاتِ القَمَرِ وبِتُلُوِّهِ الشَّمْسَ.

وفِي الآيَةِ إشارَةٌ إلى أنَّ نُورَ القَمَرِ مُسْتَفادٌ مِن نُورِ الشَّمْسِ، أيْ: مِن تَوَجُّهِ أشِعَّةِ الشَّمْسِ إلى ما يُقابِلُ الأرْضَ مِنَ القَمَرِ، ولَيْسَ نَيِّرًا بِذاتِهِ، وهَذا إعْجازٌ عِلْمِيٌّ مِن إعْجازِ القُرْآنِ، وهو مِمّا أشَرْتُ إلَيْهِ في المُقَدِّمَةِ العاشِرَةِ.

وابْتُدِئَ بِالشَّمْسِ لِمُناسَبَةِ المَقامِ إيماءً لِلتَّنْوِيهِ بِالإسْلامِ؛ لِأنَّ هَدْيَهُ كَنُورِ الشَّمْسِ لا يَتْرُكُ لِلضَّلالِ مَسْلَكًا، وفِيهِ إشارَةٌ إلى الوَعْدِ بِانْتِشارِهِ في العالَمِ كانْتِشارِ نُورِ الشَّمْسِ في الأُفُقِ، وأُتْبِعَ بِالقَمَرِ لِأنَّهُ يُنِيرُ في الظَّلامِ كَما أنارَ الإسْلامُ في ابْتِداءِ ظُهُورِهِ في ظُلْمَةِ الشِّرْكِ، ثُمَّ ذُكِرَ النَّهارُ واللَّيْلُ مَعَهُ لِأنَّهُما مَثَلٌ لِوُضُوحِ الإسْلامِ بَعْدَ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وذَلِكَ عَكْسُ ما في سُورَةِ اللَّيْلِ؛ لِما يَأْتِي.

ومُناسَبَةُ اسْتِحْضارِ السَّماءِ عَقِبَ ذِكْرِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، واسْتِحْضارِ الأرْضِ عَقِبَ ذِكْرِ النَّهارِ واللَّيْلِ، واضِحَةٌ، ثُمَّ ذُكِرَتِ النَّفْسُ الإنْسانِيَّةُ لِأنَّها مَظْهَرُ الهُدى والضَّلالِ وهو المَقْصُودُ.

والضَّمِيرُ المُؤَنَّثُ في قَوْلِهِ: (جَلّاها) ظاهِرُهُ أنَّهُ عائِدٌ إلى الشَّمْسِ، فَمَعْنى تَجْلِيَةِ النَّهارِ الشَّمْسَ: وقْتُ ظُهُورِ الشَّمْسِ.

فَإسْنادُ التَّجْلِيَةِ إلى النَّهارِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، والقَسَمُ إنَّما هو بِالنَّهارِ لِأنَّهُ حالَةٌ دالَّةٌ عَلى دَقِيقِ نِظامِ العالَمِ الأرْضِيِّ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الأرْضِ، أيْ: أضاءَ الأرْضَ فَتَجَلَّتْ لِلنّاظِرِينَ لِظُهُورِ المَقْصُودِ، كَما يُقالُ عِنْدَ نُزُولِ المَطَرِ: أرْسَلَتْ. يَعْنُونَ: أرْسَلَتِ السَّماءُ ماءَها.

وقُيِّدَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِقَيْدِ وقْتِ التَّجْلِيَةِ إدْماجًا لِلْمِنَّةِ في القَسَمِ.

وابْتُدِئَ القَسَمُ بِالشَّمْسِ وأضْوائِها الثَّلاثَةِ الأصْلِيَّةِ والمُنْعَكِسَةِ؛ لِأنَّ الشَّمْسَ

صفحة ٣٦٨

أعْظَمُ النَّيِّراتِ الَّتِي يَصِلُ نُورٌ شَدِيدٌ مِنها لِلْأرْضِ، ولِما في حالِها وحالِ أضْوائِها مِنَ الإيماءِ إلى أنَّها مَثَلٌ لِظُهُورِ الإيمانِ بَعْدَ الكُفْرِ وبَثِّ التَّقْوى بَعْدَ الفُجُورِ، فَإنَّ الكُفْرَ والمَعاصِيَ تُمَثَّلُ بِالظُّلْمَةِ، والإيمانَ والطّاعاتِ تُمَثَّلُ بِالضِّياءِ، قالَ تَعالى: (﴿ويُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِإذْنِهِ﴾ [المائدة: ١٦]) .

وأُعْقِبَ القَسَمُ بِالنَّهارِ بِالقَسَمِ بِاللَّيْلِ؛ لِأنَّ اللَّيْلَ مُقابِلُ وقْتِ النَّهارِ فَهو وقْتُ الإظْلامِ.

والغَشْيُ: التَّغْطِيَةُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمُغَطٍّ لِلشَّمْسِ عَلى الحَقِيقَةِ ولَكِنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْ غَشْيِ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ لِقُرْصِ الشَّمْسِ ابْتِداءً مِن وقْتِ الغُرُوبِ، وهو زَمَنٌ لِذَلِكَ الغَشْيِ، فَإسْنادُ الغَشْيِ إلى اللَّيْلِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَمَنِهِ أوْ إلى مُسَبَّبِهِ (بِفَتْحِ الباءِ) .

والغاشِي في الحَقِيقَةِ هو تَكْوِيرُ الأرْضِ ودَوَرانُها تُجاهَ مَظْهَرِ الشَّمْسِ وهي الدَّوْرَةُ اليَوْمِيَّةُ، وقِيلَ: ضَمِيرُ المُؤَنَّثِ في (﴿يَغْشاها﴾) عائِدٌ إلى الأرْضِ عَلى نَحْوِ ما قِيلَ في (﴿والنَّهارِ إذا جَلّاها﴾) .

و(إذا) في قَوْلِهِ: (﴿إذا تَلاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا جَلّاها﴾) وقَوْلِهِ: (﴿إذا يَغْشاها﴾) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِكَوْنٍ هو حالٌ مِنَ القَمَرِ ومِنَ النَّهارِ ومِنَ اللَّيْلِ فَهو ظَرْفٌ مُسْتَقِرٌّ، أيْ: مُقْسِمًا بِكُلٍّ واحِدٍ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ في الحالَةِ الدّالَّةِ عَلى أعْظَمِ أحْوالِهِ وأشَدِّها دَلالَةً عَلى عَظِيمِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى.

وبِناءُ السَّماءِ تَشْبِيهٌ لِرَفْعِها فَوْقَ الأرْضِ بِالبِناءِ. والسَّماءُ آفاقُ الكَواكِبِ، قالَ تَعالى: (﴿ولَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكم سَبْعَ طَرائِقَ﴾ [المؤمنون: ١٧]) وتَقْيِيدُ القَسَمِ بِاللَّيْلِ بِوَقْتِ تَغْشِيَتِهِ تَذْكِيرًا بِالعِبْرَةِ بِحُدُوثِ حالَةِ الظُّلْمَةِ بَعْدَ حالَةِ النُّورِ.

وطَحْوُ الأرْضِ: بَسْطُها وتَوْطِئَتُها لِلسَّيْرِ والجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، يُقالُ: طَحا يَطْحُو ويَطْحِي طَحْوًا وطَحْيًا، وهو مُرادِفُ (دَحا) في سُورَةِ النّازِعاتِ.

والنَّفْسُ: ذاتُ الإنْسانِ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر: ٢٧]) وتَنْكِيرُ (نَفْسٍ) لِلنَّوْعِيَّةِ أيْ: جِنْسُ النَّفْسِ فَيَعُمُّ كُلَّ نَفْسٍ عُمُومًا بِالقَرِينَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥]) .

صفحة ٣٦٩

وتَسْوِيَةُ النَّفْسِ: خَلْقُها سَواءً، أيْ: غَيْرُ مُتَفاوِتَةِ الخَلْقِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الِانْفِطارِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ﴾ [الإنفطار: ٧]) .

و(ما) في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿وما بَناها﴾)، أوْ (﴿ما طَحاها﴾)، (﴿وما سَوّاها﴾)، إمّا مَصْدَرِيَّةٌ يُؤَوَّلُ الفِعْلُ بَعْدَها بِمَصْدَرٍ، فالقَسَمُ بِأُمُورٍ مِن آثارِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وهي صِفاتُ الفِعْلِ الإلَهِيَّةُ وهي رَفْعُهُ السَّماءَ وطَحْوُهُ الأرْضَ وتَسْوِيَتُهُ الإنْسانَ.

وعُطِفَ (﴿فَألْهَمَها فُجُورَها وتَقْواها﴾) عَلى (سَوّاها)، فَهو مُقْسَمٌ بِهِ، وفِعْلُ (ألْهَمَها) في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى صِلَةِ (ما) المَصْدَرِيَّةِ، وعُطِفَ بِالفاءِ؛ لِأنَّ الإلْهامَ ناشِئٌ عَنِ التَّسْوِيَةِ، فَضَمِيرُ الرَّفْعِ في (ألْهَمَها) عائِدٌ إلى التَّسْوِيَةِ وهي المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن (سَوّاها) . ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (ما) مَوْصُولَةً صادِقَةً عَلى فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وجُمْلَةُ (بَناها) صِلَةُ المَوْصُولِ، أيْ: والبِناءِ الَّذِي بَنى السَّماءَ، والطَّحْوِ الَّذِي طَحا الأرْضَ، والتَّسْوِيَةِ الَّتِي سَوَّتِ النَّفْسَ.

فالتَّسْوِيَةُ حاصِلَةٌ مِن وقْتِ تَمامِ خِلْقَةِ الجَنِينِ مِن أوَّلِ أطْوارِ الصِّبا، إذِ التَّسْوِيَةُ تَعْدِيلُ الخِلْقَةِ وإيجادُ القُوى الجَسَدِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، ثُمَّ تَزْدادُ كَيْفِيَّةُ القُوى فَيَحْصُلُ الإلْهامُ.

والإلْهامُ: مَصْدَرُ (ألْهَمَ)، وهو فِعْلٌ مُتَعَدٍّ بِالهَمْزَةِ، ولَكِنَّ المُجَرَّدَ مِنهُ مُماتٌ، والإلْهامُ اسْمٌ قَلِيلُ الوُرُودِ في كَلامِ العَرَبِ ولَمْ يَذْكُرْ أهْلُ اللُّغَةِ شاهِدًا لَهُ مِن كَلامِ العَرَبِ.

ويُطْلَقُ الإلْهامُ إطْلاقًا خاصًّا عَلى حُدُوثِ عِلْمٍ في النَّفْسِ بِدُونِ تَعْلِيمٍ ولا تَجْرِبَةٍ ولا تَفْكِيرٍ، فَهو عِلْمٌ يَحْصُلُ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ سَواءٌ ما كانَ مِنهُ وِجْدانِيًّا كالِانْسِياقِ إلى المَعْلُوماتِ الضَّرُورِيَّةِ والوِجْدانِيَّةِ، وما كانَ مِنهُ عَنْ دَلِيلٍ كالتَّجْرِيبِيّاتِ والأُمُورِ الفِكْرِيَّةِ النَّظَرِيَّةِ.

وإيثارُ الفِعْلِ هُنا لِيَشْمَلَ جَمِيعَ عُلُومِ الإنْسانِ، قالَ الرّاغِبُ: ”الإلْهامُ: إيقاعُ الشَّيْءِ في الرُّوعِ ويَخْتَصُّ ذَلِكَ بِما كانَ مِن جِهَةِ اللَّهِ تَعالى وجِهَةِ المَلَأِ الأعْلى“ اهـ. ولِذَلِكَ فَهَذا اللَّفْظُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِن مُبْتَكَراتِ القُرْآنِ يَكُنْ مِمّا أحْياهُ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ دَقِيقُ الدَّلالَةِ عَلى المَعانِي النَّفْسِيَّةِ وقَلِيلٌ رَواجُ أمْثالِ ذَلِكَ في اللُّغَةِ

صفحة ٣٧٠

قَبْلَ الإسْلامِ لِقِلَّةِ خُطُورِ مِثْلِ تِلْكَ المَعانِي في مُخاطَباتِ عامَّةِ العَرَبِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّهْمِ وهو البَلْعُ دَفْعَةً، يُقالُ: لَهِمَ - كَفَرِحَ -، وأمّا إطْلاقُ الإلْهامِ عَلى عِلْمٍ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ بِدُونِ مُسْتَنَدٍ، فَهو إطْلاقٌ اصْطِلاحِيٌّ لِلصُّوفِيَّةِ.

والمَعْنى هُنا: أنَّ مِن آثارِ تَسْوِيَةِ النَّفْسِ إدْراكَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ، والإدْراكُ الضَّرُورِيُّ المُدَرَّجُ ابْتِداءً مِنَ الِانْسِياقِ الجِبِلِيِّ نَحْوَ الأُمُورِ النّافِعَةِ، كَطَلَبِ الرَّضِيعِ الثَّدْيَ أوَّلَ مَرَّةٍ، ومِنهُ اتِّقاءُ الضّارِّ كالفِرارِ مِمّا يُكْرَهُ إلى أنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ إلى أوَّلِ مَراتِبِ الِاكْتِسابِ بِالنَّظَرِ العَقْلِيِّ، وكُلُّ ذَلِكَ إلْهامٌ.

وتَعْدِيَةُ الإلْهامِ إلى الفُجُورِ والتَّقْوى في هَذِهِ الآيَةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ أعْلَمَ النّاسَ بِما هو فُجُورٌ وما هو تَقْوى بِواسِطَةِ الرُّسُلِ، بِاعْتِبارِ أنَّهُ لَوْلا ما أوْدَعَ اللَّهُ في النُّفُوسِ مِن إدْراكِ المَعْلُوماتِ عَلى اخْتِلافِ مَراتِبِها لَما فَهِمُوا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ الشَّرائِعُ الإلَهِيَّةُ، فَلَوْلا العُقُولُ لَما تَيَسَّرَ إفْهامُ الإنْسانِ الفُجُورَ والتَّقْوى، والعِقابَ والثَّوابَ.

وتَقْدِيمُ الفُجُورِ عَلى التَّقْوى مُراعًى فِيهِ أحْوالُ المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ السُّورَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ، وأكْثَرُ أعْمالِهِمْ فُجُورٌ ولا تَقْوى لَهم، والتَّقْوى صِفَةُ أعْمالِ المُسْلِمِينَ وهم قَلِيلٌ يَوْمَئِذٍ.

ومَجِيءُ فِعْلِ (ألْهَمَها) بِصِيغَةِ الإسْنادِ إلى ضَمِيرٍ مُذَكَّرٍ بِاعْتِبارِ أنَّ تَأْنِيثَ مَصْدَرِ التَّسْوِيَةِ تَأْنِيثٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، أوْ لِمُراعاةِ لِفَظِ (ما) إنْ جَعَلْتَها مَوْصُولَةً.

91:9–10Page 595

قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩

He has succeeded who purifies it,

وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ١٠

And he has failed who instills it [with corruption].

﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ ﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾ .

يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ جَوابَ القَسَمِ، وأنَّ المَعْنى تَحْقِيقُ فَلاحِ المُؤْمِنِينَ وخَيْبَةِ المُشْرِكِينَ كَما جُعِلَ في سُورَةِ اللَّيْلِ جَوابَ القَسَمِ قَوْلُهُ: (﴿إنَّ سَعْيَكم لَشَتّى﴾ [الليل: ٤] ﴿فَأمّا مَن أعْطى﴾ [الليل: ٥]) . . . إلَخْ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةً مُعْتَرِضَةً بَيْنَ القَسَمِ والجَوابِ لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ إلْهامِ الفُجُورِ والتَّقْوى، أيْ: أفْلَحَ مَن زَكّى نَفْسَهُ واتَّبَعَ ما ألْهَمَهُ اللَّهُ مِنَ التَّقْوى، وخابَ مَنِ اخْتارَ الفُجُورَ بَعْدَ أنْ أُلْهِمَ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الأمْرَيْنِ بِالإدْراكِ والإرْشادِ الإلَهِيِّ.

صفحة ٣٧١

وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَوْطِئَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]) فَإنَّ ما أصابَ ثَمُودًا كانَ مِن خَيْبَتِهِمْ؛ لِأنَّهم دَسَّوْا أنْفُسَهم بِالطَّغْوى.

وقُدِّمَ الفَلاحُ عَلى الخَيْبَةِ لِمُناسَبَتِهِ لِلتَّقْوى، وأُرْدِفَ بِخَيْبَةِ مَن دَسّى نَفْسَهُ لِتَهْيِئَةِ الِانْتِقالِ إلى المَوْعِظَةِ بِما حَصَلَ لِثَمُودَ مِن عِقابٍ عَلى ما هو أثَرُ التَّدْسِيَةِ.

و(مَن) صادِقَةٌ عَلى الإنْسانِ، أيِ: الَّذِي زَكّى نَفْسَهُ بِأنِ اخْتارَ لَها ما بِهِ كَمالُها ودَفْعُ الرَّذائِلِ عَنْها، فالإنْسانُ والنَّفْسُ شَيْءٌ واحِدٌ، ونُزِّلا مَنزِلَةَ شَيْئَيْنِ بِاخْتِلافِ الإرادَةِ والِاكْتِسابِ.

والتَّزْكِيَةُ: الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ.

ومَعْنى (دَسّاها): حالَ بَيْنَها وبَيْنَ فِعْلِ الخَيْرِ. وأصْلُ فِعْلِ (دَسّى): دَسَّ، إذا أدْخَلَ شَيْئًا تَحْتَ شَيْءٍ فَأخْفاهُ، فَأبْدَلُوا الحَرْفَ المُضاعَفَ ياءً طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ كَما قالُوا: تَقَضّى البازِيُّ، أيْ: تَقَضَّضَ، وقالُوا: تَظَنَّيْتُ، أيْ: مِنَ الظَّنِّ.

وإنْ كانَتْ جُمْلَةُ (﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾) جَوابَ القَسَمِ، فَجُمْلَةُ (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ [الشمس: ١١]) في مَوْقِعِ الدَّلِيلِ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ (﴿وقَدْ خابَ مَن دَسّاها﴾) أيْ: خابَ كَخَيْبَةِ ثَمُودَ.

والفَلاحُ: النَّجاحُ بِحُصُولِ المَطْلُوبِ، والخَيْبَةُ ضِدُّهُ، أيْ أنْ يُحْرَمَ الطّالِبُ مِمّا طَلَبَهُ.

فالإنْسانُ يَرْغَبُ في المُلائِمِ النّافِعِ، فَمِنَ النّاسِ مَن يَطْلُبُ ما بِهِ النَّفْعُ والكَمالُ الدّائِمانِ، ومِنَ النّاسِ مَن يَطْلُبُ ما فِيهِ عاجِلُ النَّفْعِ والكَمالُ الزّائِفُ، فالأوَّلُ قَدْ نَجَحَ فِيما طَلَبَهُ فَهو مُفْلِحٌ، والثّانِي يُحَصِّلُ نَفْعًا عارِضًا زائِلًا وكَمالًا مُوَقَّتًا يَنْقَلِبُ انْحِطاطًا، فَذَلِكَ لَمْ يَنْجَحْ فِيما طَلَبَهُ فَهو خائِبٌ، وقَدْ عُبِّرَ عَنْ ذَلِكَ هُنا بِالفَلاحِ والخَيْبَةِ كَما عُبِّرَ عَنْهُ في مَواضِعَ أُخَرَ بِالرِّبْحِ والخَسارَةِ.

والمَقْصُودُ هُنا الفَلاحُ في الآخِرَةِ والخَيْبَةُ فِيها.

وفِي هَذِهِ الآياتِ مُحَسِّنُ الطِّباقِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَقَدْ ذُكِرَتْ أشْياءُ مُتَقابِلَةٌ مُتَضادَّةٌ مِثْلُ الشَّمْسِ والقَمَرِ لِاخْتِلافِ وقْتِ ظُهُورِهِما، ومِثْلُ: النَّهارِ واللَّيْلِ، والتَّجْلِيَةِ

صفحة ٣٧٢

والغَشْيِ، والسَّماءِ والأرْضِ، والبِناءِ والطَّحْوِ، والفُجُورِ والتَّقْوى، والفَلاحِ والخَيْبَةِ، والتَّزْكِيَةِ والتَّدْسِيَةِ.

91:11–13Page 595

كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِطَغۡوَىٰهَآ ١١

Thamūd denied [their prophet] by reason of their transgression,

إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشۡقَىٰهَا ١٢

When the most wretched of them was sent forth.1

فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا ١٣

And the messenger of Allāh [i.e., Ṣāliḥ] said to them, "[Do not harm] the she-camel of Allāh or [prevent her from] her drink."

﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾ ﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ وسُقْياها﴾ ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤] .

إنْ كانَتْ جُمْلَةُ (﴿قَدْ أفْلَحَ مَن زَكّاها﴾ [الشمس: ٩]) . . . إلَخْ مُعْتَرِضَةً، كانَتْ هَذِهِ جَوابًا لِلْقَسَمِ بِاعْتِبارِ ما فُرِّعَ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ﴾ [الشمس: ١٤]) أيْ: حَقًّا لَقَدْ كانَ ذَلِكَ لِذَلِكَ، ولامُ الجَوابِ مَحْذُوفٌ تَخْفِيفًا لِاسْتِطالَةِ القَسَمِ، وقَدْ مَثَّلُوا لِحَذْفِ اللّامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿قُتِلَ أصْحابُ الأُخْدُودِ﴾ [البروج: ٤]) .

والمَقْصُودُ: التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرَّسُولَ طُغْيانًا هم يَعْلَمُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ كَما كَذَّبَتْ ثَمُودُ رَسُولَهم طُغْيانًا، وذَلِكَ هو المُحْتاجُ إلى التَّأْكِيدِ بِالقَسَمِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يَهْتَدُوا إلى أنَّ ما حَلَّ بِثَمُودَ مِنَ الِاسْتِئْصالِ كانَ لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ، فَنَبَّهَهُمُ اللَّهُ بِهَذا لِيَتَدَبَّرُوا أوْ لِتَنْزِيلِ عِلْمِ مَن عَلِمَ ذَلِكَ مِنهم مَنزِلَةَ الإنْكارِ لِعَدَمِ جَرْيِ أمْرِهِمْ عَلى مُوجَبِ العِلْمِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أُقْسِمُ لَيُصِيبَنَّكم عَذابٌ كَما أصابَ ثَمُودَ، ولَقَدْ أصابَ المُشْرِكِينَ عَذابُ السَّيْفِ بِأيْدِي الَّذِينَ عادَوْهم وآذَوْهم وأخْرَجُوهم، وذَلِكَ أقْسى عَلَيْهِمْ وأنْكى.

فَمَفْعُولُ (كَذَّبَتْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) والتَّقْدِيرُ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ثَمُودَ ورَسُولِهِمْ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في سُورَةِ الأعْرافِ.

وباءُ (بِطَغْواها) لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ: كانَتْ طَغْواها سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.

والطَّغْوى: اسْمُ مَصْدَرٍ، يُقالُ: طَغا طَغْوًا وطُغْيانًا، والطُّغْيانُ: فَرْطُ الكِبْرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ويَمُدُّهم في طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥]) في سُورَةِ البَقَرَةِ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِتَنْظِيرِ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ في تَكْذِيبِهِمْ بِثَمُودَ في أنَّ سَبَبَ تَكْذِيبِهِمْ هو

صفحة ٣٧٣

الطُّغْيانُ والتَّكَبُّرُ عَنِ اتِّباعِ مَن لا يَرَوْنَ لَهُ فَضْلًا عَلَيْهِمْ (﴿وقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١]) .

و(إذْ) ظَرْفٌ لِلزَّمَنِ الماضِي يَتَعَلَّقُ بِـ (طَغْواها) لِأنَّ وقْتَ انْبِعاثِ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ هو الوَقْتُ الَّذِي بَدَتْ فِيهِ شِدَّةُ طَغْواها فَبَعَثُوا أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ الَّتِي جُعِلَتْ لَهم آيَةً، وذَلِكَ مُنْتَهى الجُرْأةِ.

و(انْبَعَثَ): مُطاوِعُ بَعَثَ، فالمَعْنى: إذْ بَعَثُوا أشْقاهم فانْبَعَثَ وانْتَدَبَ لِذَلِكَ. و(إذْ) مُضافٌ إلى جُمْلَةِ (انْبَعَثَ) أشْقاها.

وقُدِّمَ ذِكْرُ هَذا الظَّرْفِ عَنْ مَوْقِعِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ناقَةَ اللَّهِ﴾) لِأنَّ انْبِعاثَ أشْقاها لِعَقْرِ النّاقَةِ جُزْئِيٌّ مِن جُزْئِيّاتِ طَغْواهم، فَهو أشَدُّ تَعَلُّقًا بِالتَّكْذِيبِ المُسَبَّبِ عَنِ الطَّغْوى، فَفي تَقْدِيمِهِ قَضاءٌ لِحَقِّ هَذا الِاتِّصالِ، ولِإفادَةِ أنَّ انْبِعاثَ أشْقاهم لِعَقْرِ النّاقَةِ كانَ عَنْ إغْراءٍ مِنهم إيّاهُ، ولا يَفُوتُ مَعَ ذَلِكَ أنَّهُ وقَعَ بَعْدَ أنْ قالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ: ناقَةَ اللَّهِ، ويُسْتَفادُ أيْضًا مِن قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) .

و(﴿أشْقاها﴾): أشَدُّها شِقْوَةً، وعُنِيَ بِهِ رَجُلٌ مِنهم سَمّاهُ المُفَسِّرُونَ قُدارَ (بِضَمِّ القافِ وتَخْفِيفِ الدّالِ المُهْمِلَةِ) بْنَ سالِفٍ، وزِيادَتُهُ عَلَيْهِمْ في الشَّقاوَةِ بِأنَّهُ الَّذِي باشَرَ الجَرِيمَةَ وإنْ كانَ عَنْ مَلَأٍ مِنهم وإغْراءٍ.

والفاءُ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) عاطِفَةٌ عَلى (كَذَّبَتْ) فَتُفِيدُ التَّرْتِيبَ والتَّعْقِيبَ كَما هو الغالِبُ فِيها. ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: كَذَّبُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَدّاهم بِآيَةِ النّاقَةِ وحَذَّرَهم مِنَ التَّعَرُّضِ لَها بِسُوءٍ ومِن مَنعِها شُرْبَها في نَوْبَتِها مِنَ السُّقْيا، وعُطِفَ عَلى (فَكَذَّبُوهُ) أيْ: فِيما أنْذَرَهم بِهِ فَعَقَرُوها بِالتَّكْذِيبِ المَذْكُورِ أوَّلَ مَرَّةٍ غَيْرَ التَّكْذِيبِ المَذْكُورِ ثانِيًا، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ آيَةَ النّاقَةِ أُرْسِلَتْ لَهم بَعْدَ أنْ كَذَّبُوا، وهو الشَّأْنُ في آياتِ الرُّسُلِ، وهو ظاهِرُ ما جاءَ في سُورَةِ هُودٍ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ المُجَرَّدِ وهي تُفِيدُ عَطْفَ مُفَصَّلٍ عَلى مُجْمَلٍ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿فَأزَلَّهُما الشَّيْطانُ عَنْها فَأخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]) فَإنَّ إزْلالَهُما إبْعادُهُما وهو يَحْصُلُ بَعْدَ الإخْراجِ لا قَبْلُهُ. وقَوْلِهِ: (﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا﴾ [الأعراف: ٤])

صفحة ٣٧٤

فَيَكُونُ المَعْنى: (﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها﴾ ﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) . ثُمَّ فُصِّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: (﴿فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ﴾) إلى قَوْلِهِ: (﴿فَعَقَرُوها﴾ [الشمس: ١٤]) والعَقْرُ عِنْدَ انْبِعاثِ أشْقاها، وعَلَيْهِ فَلا ضَرُورَةَ إلى اعْتِبارِ الظَّرْفِ وهو (﴿إذِ انْبَعَثَ أشْقاها﴾) مُقَدَّمًا مِن تَأْخِيرٍ.

وأُعِيدَتْ عَلَيْهِمْ ضَمائِرُ الجَمْعِ بِاعْتِبارِ أنَّهم جَمْعٌ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ قَبْلَهُ مُراعًى فِيها أنَّ ثَمُودَ اسْمُ قَبِيلَةٍ.

وانْتَصَبَ (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) عَلى التَّحْذِيرِ، والتَّقْدِيرُ: احْذَرُوا ناقَةَ اللَّهِ. والمُرادُ: التَّحْذِيرُ مِن أنْ يُؤْذُوها، فالكَلامُ مِن تَعْلِيقِ الحُكْمِ بِالذَّواتِ، والمُرادُ: أحْوالُها.

وإضافَةُ (ناقَةَ) إلى اسْمِ الجَلالَةِ لِأنَّها آيَةٌ جَعَلَها اللَّهُ عَلى صِدْقِ رِسالَةِ صالِحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولِأنَّ خُرُوجَها لَهم كانَ خارِقًا لِلْعادَةِ.

والسُّقْيا: اسْمُ مَصْدَرِ سَقى، وهو مَعْطُوفٌ عَلى التَّحْذِيرِ، أيِ: احْذَرُوا سَقْيَها، أيِ: احْذَرُوا غَصْبَ سَقْيِها، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أوْ أُطْلِقَ السُّقْيا عَلى الماءِ الَّذِي تُسْقى مِنهُ إطْلاقًا لِلْمَصْدَرِ عَلى المَفْعُولِ، فَيَرْجِعُ إلى إضافَةِ الحُكْمِ إلى الذّاتِ. والمُرادُ: حالَةٌ تُعْرَفُ مِنَ المَقامِ، فَإنَّ مادَّةَ سُقْيا تُؤْذِنُ بِأنَّ المُرادَ التَّحْذِيرُ مِن أنْ يَسْقُوا إبِلَهم مِنَ الماءِ الَّذِي في يَوْمِ نَوْبَتِها.

والتَّكْذِيبُ المُعَقَّبُ بِهِ تَحْذِيرُهُ إيّاهم بِقَوْلِهِ: (﴿ناقَةَ اللَّهِ﴾) تَكْذِيبٌ ثانٍ وهو تَكْذِيبُهم بِما اقْتَضاهُ التَّحْذِيرُ مِنَ الوَعِيدِ والإنْذارِ بِالعَذابِ إنْ لَمْ يَحْذَرُوا الِاعْتِداءَ عَلى تِلْكَ النّاقَةِ، وهو المُصَرَّحُ بِهِ في آيَةِ سُورَةِ الأعْرافِ في قَوْلِهِ: (﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [الأعراف: ٧٣]) .

وبِهَذا الِاعْتِبارِ اسْتَقامَ التَّعْبِيرُ عَنْ مُقابَلَةِ التَّحْذِيرِ بِالتَّكْذِيبِ مَعَ أنَّ التَّحْذِيرَ إنْشاءٌ، فالتَّكْذِيبُ إنَّما يَتَوَجَّهُ إلى ما في التَّحْذِيرِ مِنَ الإنْذارِ بِالعَذابِ.

والعَقْرُ: جَرْحُ البَعِيرِ في يَدَيْهِ لِيَبْرُكَ عَلى الأرْضِ مِنَ الألَمِ فَيُنْحَرَ في لَبَّتِهِ، فالعَقْرُ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ النَّحْرِ لِتَلازُمِهِما.

91:14–15Page 595

فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا ١٤

But they denied him and hamstrung1 her. So their Lord brought down upon them destruction for their sin and made it equal [upon all of them].

وَلَا يَخَافُ عُقۡبَٰهَا ١٥

And He does not fear the consequence thereof.1

صفحة ٣٧٥

﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم بِذَنْبِهِمْ فَسَوّاها﴾ ﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾ .

أيْ: صاحَ عَلَيْهِمْ رَبُّهم صَيْحَةَ غَضَبٍ. والمُرادُ بِهَذِهِ الدَّمْدَمَةِ صَوْتُ الصّاعِقَةِ والرَّجْفَةِ الَّتِي أُهْلِكُوا بِها، قالَ تَعالى: (﴿فَأخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ﴾ [المؤمنون: ٤١]) وإسْنادُ ذَلِكَ إلى اللَّهِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ؛ لِأنَّ اللَّهَ هو خالِقُ الصَّيْحَةِ وكَيْفِيّاتِها. فَوَزْنُ (دَمْدَمَ) فَعْلَلَ، وقالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ الأرْضَ، يُقالُ: دَمَّمَ عَلَيْهِ القَبْرَ، إذا أطْبَقَهُ ودَمْدَمَ مُكَرَّرُ دَمَّمَ لِلْمُبالَغَةِ مِثْلُ كَبْكَبَ، وعَلَيْهِ فَوَزْنُ دَمْدَمَ: فَعْفَلَ.

وفُرِّعَ عَلى (﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾) (﴿فَسَوّاها﴾) أيْ: فاسْتَوَوْا في إصابَتِها لَهم، فَضَمِيرُ النَّصْبِ عائِدٌ إلى الدَّمْدَمَةِ المَأْخُوذَةِ مِن (﴿دَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾) .

ومَن فَسَّرُوا (دَمْدَمَ) بِمَعْنى: أطْبَقَ عَلَيْهِمُ الأرْضَ قالُوا: مَعْنى (﴿سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]): جَعَلَ الأرْضَ مُسْتَوِيَةً عَلَيْهِمْ لا تَظْهَرُ فِيها أجْسادُهم ولا بِلادُهم، وجَعَلُوا ضَمِيرَ المُؤَنَّثِ عائِدًا إلى الأرْضِ المَفْهُومَةِ مَن فِعْلِ (دَمْدَمَ) فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ [النساء: ٤٢]) .

وبَيْنَ (فَسَوّاها) هُنا وقَوْلِهِ: (﴿وما سَوّاها﴾ [الشمس: ٧]) قَبْلَهُ مُحَسِّنُ الجِناسِ التّامِّ.

والعُقْبى: ما يَحْصُلُ عَقِبَ فِعْلٍ مِنَ الأفْعالِ مِن تَبِعَةٍ لِفاعِلِهِ أوْ مَثُوبَةٍ، ولَمّا كانَ المَذْكُورُ عِقابًا وغَلَبَةً وكانَ العُرْفُ أنَّ المَغْلُوبَ يُكَنّى في نَفْسِهِ الأخْذُ بِالثَّأْرِ مِن غالِبِهِ فَلا يَهْدَأُ لَهُ بالٌ حَتّى يَثْأرَ لِنَفْسِهِ، ولِذَلِكَ يَقُولُونَ: الثّارُ المُنِيمُ، أيِ: الَّذِي يُزِيلُ النَّوْمَ عَنْ صاحِبِهِ، فَكانَ الَّذِي يَغْلِبُ غَيْرَهُ يَتَّقِي حَذَرًا مِن أنْ يَتَمَكَّنَ مَغْلُوبُهُ مِنَ الثَّأْرِ، أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ الغالِبُ الَّذِي لا يَقْدِرُ مَغْلُوبُهُ عَلى أخْذِ الثَّأْرِ مِنهُ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ تَمَكُّنِ اللَّهِ مِن عِقابِ المُشْرِكِينَ وأنَّ تَأْخِيرَ العَذابِ عَنْهم إمْهالٌ لَهم ولَيْسَ عَنْ عَجْزٍ، فَجُمْلَةُ (﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾) تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ وإيذانٌ بِالخِتامِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: (﴿فَلا يَخافُ عُقْباها﴾) تَمْثِيلًا لِحالِهِمْ في الِاسْتِئْصالِ بِحالِ مَن لَمْ يَتْرُكْ مَن يَثْأرُ لَهُ فَيَكُونُ المَثَلُ كِنايَةً عَنْ هَلاكِهِمْ عَنْ بَكْرَةِ أبِيهِمْ لَمْ يَبْقَ مِنهم أحَدٌ.

صفحة ٣٧٦

وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ (فَلا يَخافُ عُقْباها) بِفاءِ العَطْفِ تَفْرِيعًا عَلى (﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾) وهو مَكْتُوبٌ بِالفاءِ في مَصاحِفِ المَدِينَةِ ومُصْحَفِ الشّامِ. . . ومَعْنى التَّفْرِيعِ بِالفاءِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَفْرِيعُ العِلْمِ بِانْتِفاءِ خَوْفِ اللَّهِ مِنهم مَعَ قُوَّتِهِمْ لِيَرْتَدِعَ بِهَذا العِلْمِ أمْثالُهم مِنَ المُشْرِكِينَ.

وقَرَأ الباقُونَ مِنَ العَشَرَةِ (﴿ولا يَخافُ عُقْباها﴾) بِواوِ العَطْفِ أوِ الحالِ، وهي كَذَلِكَ في مَصاحِفَ أهْلِ مَكَّةَ وأهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ، وهي رِوايَةُ قُرّائِها. وقالَ ابْنُ القاسِمِ وابْنُ وهْبٍ: أخْرَجَ لَنا مالِكٌ مُصْحَفًا لِجَدِّهِ وزَعَمَ أنَّهُ كَتَبَهُ في أيّامِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ حِينَ كَتَبَ المَصاحِفَ وفِيهِ (﴿ولا يَخافُ﴾) بِالواوِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ بَعْضَ مَصاحِفِ المَدِينَةِ بِالواوِ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْرَءُوا بِذَلِكَ؛ لِمُخالَفَتِهِ رِوايَتَهم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском