Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-'Alaq 96:6–18
96:6–10Page 597
كـَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ ٦
No! [But] indeed, man transgresses
أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ ٧
Because he sees himself self-sufficient.
إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ ٨
Indeed, to your Lord is the return.
أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ ٩
Have you seen the one who forbids
عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ ١٠
A servant when he prays?
﴿كَلّا إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ ﴿أراَيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾
اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ لِظُهُورِ أنَّهُ في غَرَضٍ لا اتِّصالَ لَهُ بِالكَلامِ الَّذِي قَبْلَهُ.
وحَرْفُ (كَلّا) رَدْعٌ وإبْطالٌ، ولَيْسَ في الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ما يَحْتَمِلُ الإبْطالَ والرَّدْعَ، فَوُجُودُ (كَلّا) في أوَّلِ الجُمْلَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَقْصُودَ بِالرَّدْعِ هو ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) الآيَةَ.
وحَقُّ (كَلّا) أنْ تَقَعَ بَعْدَ كَلامٍ لِإبْطالِهِ والزَّجْرِ عَنْ مَضْمُونِهِ، فَوُقُوعُها هُنا في أوَّلِ الكَلامِ يَقْتَضِي أنَّ مَعْنى الكَلامِ الآتِي بَعْدَها حَقِيقٌ بِالإبْطالِ وبِرَدْعِ قائِلِهِ، فابْتُدِئَ الكَلامُ بِحَرْفِ الرَّدْعِ لِلْإبْطالِ، ومِن هَذا القَبِيلِ أنْ يُفْتَتَحَ الكَلامُ بِحَرْفِ نَفْيٍ لَيْسَ بَعْدَهُ ما يَصْلُحُ لِأنْ يَلِيَ الحَرْفَ كَما في قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:
فَلا وأبِيكِ ابْنَةَ العامِرِيِّ لا يَدَّعِي القَوْمُ أنِّي أفِرّ
رَوى مُسْلِمٌ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: " «قالَ أبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ ؟ - أيْ يَسْجُدُ في الصَّلاةِ - بَيْنَ أظْهُرِكم ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقالَ: واللّاتِ والعُزّى لَئِنْ رَأيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأطَأنَّ عَلى رَقَبَتِهِ. فَأتى رَسُولَ اللَّهِ وهو يُصَلِّي زَعَمَ لِيَطَأ عَلى رَقَبَتِهِ، فَما فَجَأهم مِنهُ إلّا وهو يَنْكُصُ عَلى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بِيَدِهِ. فَقِيلَ لَهُ: ما لَكَ يا أبا الحَكَمِ ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِن نارٍ وهَوْلًا وأجْنِحَةً. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، لا نَدْرِي في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أوْ شَيْءٍ بَلَغَهُ (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) الآياتِ اهـ» .
صفحة ٤٤٣
وقالَ الطَّبَرِيُّ: ذُكِرَ أنَّ آيَةَ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) وما بَعْدَها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلِ بْنِ هِشامٍ، وذَلِكَ أنَّهُ قالَ فِيما بَلَغْنا: «لَئِنْ رَأيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي لَأطَأنَّ رَقَبَتَهُ» . فَجَعَلَ الطَّبَرِيُّ ما أُنْزِلَ في أبِي جَهْلٍ مَبْدُوءًا بِقَوْلِهِ: (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾) .
ووَجْهُ الجَمْعِ بَيْنَ الرِّوايَتَيْنِ: أنَّ النّازِلَ في أبِي جَهْلٍ بَعْضُهُ مَقْصُودٌ وهو ما أوَّلُهُ (﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾) إلَخْ، وبَعْضُهُ تَمْهِيدٌ وتَوْطِئَةٌ وهو (﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾) إلى (﴿الرُّجْعى﴾) .
واخْتَلَفُوا في أنَّ هَذِهِ الآياتِ إلى آخَرِ السُّورَةِ نَزَلَتْ عَقِبَ الخَمْسِ الآياتِ الماضِيَةِ وجَعَلُوا مِمّا يُناكِدُهُ ذِكْرُ الصَّلاةِ فِيها وفِيما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِها مِن قَوْلِ أبِي جَهْلٍ؛ بِناءً عَلى أنَّ الصَّلاةَ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإسْراءِ، وكانَ الإسْراءُ بَعْدَ البَعْثَةِ بِسِنِينَ، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ الآياتِ الخَمْسِ الأُولى مِن هَذِهِ السُّورَةِ، ونَزَلَ بَيْنَهُنَّ قُرْآنٌ آخَرُ ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ، فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإلْحاقِها، وقالَ بَعْضٌ آخَرُ: لَيْسَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أوَّلَ ما أُنْزِلَ مِنَ القُرْآنِ.
وأنا لا أرى مُناكَدَةً تُفْضِي إلى هَذِهِ الحَيْرَةِ، والَّذِي يُسْتَخْلَصُ مِن مُخْتَلِفِ الرِّواياتِ في بَدْءِ الوَحْيِ وما عَقِبَهُ مِنَ الحَوادِثِ أنَّ الوَحْيَ فَتَرَ بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأوائِلِ مِن هَذِهِ السُّورَةِ وتِلْكَ الفَتْرَةِ الأُولى الَّتِي ذَكَرْناها في أوَّلِ سُورَةِ الضُّحى، وهُناكَ فَتْرَةٌ لِلْوَحْيِ هَذِهِ ذَكَرَها ابْنُ إسْحاقَ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ابْتِداءَ نُزُولِ القُرْآنِ وذَلِكَ يُؤْذِنُ بِأنَّها حَصَلَتْ عَقِبَ نُزُولِ الآياتِ الخَمْسِ الأُوَلِ، ولَكِنَّ أقْوالَهُمُ اخْتَلَفَتْ في مُدَّةِ الفَتْرَةِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: كانَتِ المُدَّةُ سَنَتَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ. ولَيْسَ تَحْدِيدُ مُدَّتِها بِالأمْرِ المُهِمِّ، ولَكِنَّ الَّذِي يُهِمُّ هو أنّا نُوقِنُ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ في مُدَّةِ فَتْرَةِ الوَحْيِ يَرى جِبْرائِيلَ ويَتَلَقّى مِنهُ وحْيًا لَيْسَ مِنَ القُرْآنِ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ الأُنُفِ: ذَكَرَ الحَرْبِيُّ أنَّ الصَّلاةَ قَبْلَ الإسْراءِ كانَتْ صَلاةً قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ (أيِ العَصْرُ) وصَلاةً قَبْلَ طُلُوعِها (أيِ الصُّبْحُ)، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ مِثْلَهُ، وقالَ: كانَ الإسْراءُ وفَرْضُ الصَّلَواتِ الخَمْسِ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِعامٍ اهـ. فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ الصَّلاةُ الَّتِي كانَ يُصَلِّيها النَّبِيءُ ﷺ غَيْرَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ، بَلْ كانَتْ هَيْئَةً غَيْرَ مَضْبُوطَةٍ بِكَيْفِيَّةٍ وفِيها سُجُودٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿واسْجُدْ واقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]
صفحة ٤٤٤
يُؤَدِّيها في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ غَيْرِهِ بِمَرْأًى مِنَ المُشْرِكِينَ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلى أبِي جَهْلٍ ونَهاهُ عَنْها.
فالوَجْهُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ إلى بَقِيَّةِ السُّورَةِ قَدْ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ مِن نُزُولِ أوَّلِ السُّورَةِ حَدَثَتْ فِيها صَلاةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفَشا فِيها خَبَرُ بَدْءِ الوَحْيِ ونُزُولِ القُرْآنِ، جَرْيًا عَلى أنَّ الأصْلَ في الآياتِ المُتَعاقِبَةِ في القِراءَةِ أنْ تَكُونَ قَدْ تَعاقَبَتْ في النُّزُولِ إلّا ما ثَبَتَ تَأخُّرُهُ بِدَلِيلٍ بَيِّنٍ، وجَرْيًا عَلى الصَّحِيحِ الَّذِي لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلى خِلافِهِ مِن أنَّ هَذِهِ السُّورَةَ هي أوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ.
فَمَوْقِعُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ ﴿أنْ رَآهُ اسْتَغْنى﴾ مَوْقِعُ المُقَدِّمَةِ لِما يَرِدُ بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا تُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]؛ لِأنَّ مَضْمُونَهُ كَلِمَةٌ شامِلَةٌ لِمَضْمُونِ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧] .
والمَعْنى: أنَّ ما قالَهُ أبُو جَهْلٍ ناشِئٌ عَنْ طُغْيانِهِ بِسَبَبِ غِناهُ كَشَأْنِ الإنْسانِ.
والتَّعْرِيفُ في الإنْسانِ لِلْجِنْسِ، أيْ: مِن طَبْعِ الإنْسانِ أنْ يَطْغى إذا أحَسَّ مِن نَفْسِهِ الِاسْتِغْناءَ، واللّامُ مُفِيدَةٌ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ، أيْ: أغْلَبُ النّاسِ في ذَلِكَ الزَّمانِ إلّا مَن عَصَمَهُ خُلُقُهُ أوْ دِينُهُ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّأْكِيدِ ولامِ الِابْتِداءِ لِقَصْدِ زِيادَةِ تَحْقِيقِهِ لِغَرابَتِهِ حَتّى كَأنَّهُ مِمّا يُتَوَقَّعُ أنْ يَشُكَّ السّامِعُ فِيهِ.
والطُّغْيانُ: التَّعاظُمُ والكِبْرُ.
والِاسْتِغْناءُ: شِدَّةُ الغِنى، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ في حُصُولِ الفِعْلِ، مِثْلَ اسْتَجابَ واسْتَقَرَّ.
وأنْ راءَهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَطْغى بِحَذْفِ لامِ التَّعْلِيلِ؛ لِأنَّ حَذْفَ الجارِّ مَعَ أنَّهُ كَثِيرٌ وشائِعٌ؛ والتَّقْدِيرُ: إنَّ الإنْسانَ لِيَطْغى لِرُويَتِهِ نَفْسِهِ مُسْتَغْنِيًا.
وعِلَّةُ هَذا الخَلْقِ أنَّ الِاسْتِغْناءَ تُحَدِّثُ صاحِبَهُ نَفْسُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى غَيْرِهِ،
صفحة ٤٤٥
وأنَّ غَيْرَهُ مُحْتاجٌ فَيَرى نَفْسَهُ أعْظَمَ مِن أهْلِ الحاجَةِ، ولا يَزالُ ذَلِكَ التَّوَهُّمُ يَرْبُو في نَفْسِهِ حَتّى يَصْبُوَ خُلُقًا، حَيْثُ لا وازِعَ يَزَعُهُ مِن دِينٍ أوْ تَفْكِيرٍ صَحِيحٍ؛ فَيَطْغى عَلى النّاسِ لِشُعُورِهِ بِأنَّهُ لا يَخافُ بَأْسَهم؛ لِأنَّ لَهُ ما يَدْفَعُ بِهِ الِاعْتِداءَ مِن لامَةِ سِلاحٍ وخَدَمٍ وأعْوانٍ وعُفاةٍ ومُنْتَفِعِينَ بِمالِهِ مِن شُرَكاءَ وعُمّالٍ وأُجَراءَ فَهو في عِزَّةٍ عِنْدَ نَفْسِهِ.
فَقَدْ بَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَقِيقَةً نَفْسِيَّةً عَظِيمَةً مِنَ الأخْلاقِ وعِلْمِ النَّفْسِ، ونَبَّهَتْ عَلى الحَذَرِ مِن تَغَلْغُلِها في النَّفْسِ.
ولا يَجْتَمِعُ ضَمِيرانِ مُتَّحِدا المَعادِ: أحَدُهُما فاعِلٌ، والآخَرُ مَفْعُولٌ في كَلامِ العَرَبِ، إلّا إذا كانَ العامِلُ مِن بابِ ظَنَّ وأخَواتِها كَما في الآيَةِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ أرَأيْتَكَ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] في سُورَةِ الإسْراءِ. قالَ الفَرّاءُ: والعَرَبُ تَطْرَحُ النَّفْسَ مِن هَذا الجِنْسِ (أيْ جِنْسِ أفْعالِ الظَّنِّ والحُسْبانِ) تَقُولُ: رَأيْتُنِي وحَسِبْتُنِي، ومَتى تُراكَ خارِجًا، ومَتى تَظُنُّكَ خارِجًا. وأُلْحِقَتْ (رَأى) البَصَرِيَّةُ بِـ (رَأى) القَلْبِيَّةِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النُّحاةِ كَما في قَوْلِ قُطْرِيِّ بْنِ الفُجاءَةِ:
فَلَقَدْ أرانِي لِلرِّماحِ دَرِيئَةً ∗∗∗ مِن عَنْ يَمِينِي مَرَّةً وأمامِي
ومِنَ النّادِرِ قَوْلُ النَّمِرِ بْنِ تَوْلَبٍ:
قَدْ بِتُّ أحْرُسُنِي وحْدِي ويَمْنَعُنِي ∗∗∗ صَوْتُ السِّباعِ بِهِ يَضْبَحْنَ والهامِ
وقَرَأ الجَمِيعُ (أنْ رَآهُ) بِألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ. ورَوى ابْنُ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ أنَّهُ قَرَأهُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ (رَأْهُ) بِدُونِ ألْفٍ بَعْدِ الهَمْزَةِ، قالَ ابْنُ مُجاهِدٍ: هَذا غَلَطٌ. ولا يَعْبَأُ بِكَلامِ ابْنِ مُجاهِدٍ بَعْدَ أنْ جَزَمَ بِأنَّهُ رَواهُ عَنْ قُنْبُلٍ، لَكِنَّ هَذا لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ ابْنِ مُجاهِدٍ عَنْ قُنْبُلٍ، فَيَكُونُ وجْهًا غَرِيبًا عَنْ قُنْبُلٍ.
وألْحَقُ بِهَذِهِ الأفْعالِ: فِعْلُ فَقَدَ وفِعْلُ عَدِمَ، إذا اسْتُعْمِلا في الدُّعاءِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: فَقَدْتُنِي وعَدِمْتُنِي.
صفحة ٤٤٦
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ إلى رَبِّكَ الرُّجْعى﴾ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ المُقَدِّمَةِ والمَقْصِدِ والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، أيْ: مَرْجِعُ الطّاغِي إلى اللَّهِ، وهَذا مَوْعِظَةٌ وتَهْدِيدٌ عَلى سَبِيلِ التَّعْرِيضِ لِمَن يَسْمَعُهُ مِنَ الطُّغاةِ، وتَعْلِيمٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ وتَثْبِيتٌ لَهُ، أيْ: لا يَحْزُنْكَ طُغْيانُ الطّاغِي فَإنَّ مَرْجِعَهُ إلَيَّ، ومَرْجِعُ الطّاغِي إلى العَذابِ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصادًا﴾ [النبإ: ٢١] ﴿لِلطّاغِينَ مَآبًا﴾ [النبإ: ٢٢] وهو مَوْعِظَةٌ لِلطّاغِي بِأنَّ غِناهُ لا يَدْفَعُ عَنْهُ المَوْتَ، والمَوْتُ: رُجُوعٌ إلى اللَّهِ كَقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الإنْسانُ إنَّكَ كادِحٌ إلى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ﴾ [الإنشقاق: ٦] .
وفِيهِ مَعْنًى آخَرَ وهو أنَّ اسْتِغْناءَهُ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ؛ لِأنَّهُ مُفْتَقِرٌ إلى اللَّهِ في أهَمِّ أُمُورِهِ ولا يَدْرِي ماذا يُصَيِّرُهُ إلَيْهِ رَبُّهُ مِنَ العَواقِبِ فَلا يَزِدْهُ بِغِنًى زائِفٍ في هَذِهِ الحَياةِ فَيَكُونُ الرُّجْعى مُسْتَعْمَلًا في مَجازِهِ، وهو الِاحْتِياجُ إلى المَرْجُوعِ إلَيْهِ، وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مُراعًى فِيهِ المَعْنى التَّعْرِيضِيُّ؛ لِأنَّ مُعْظَمَ الطُّغاةِ يَنْسُبُونَ هَذِهِ الحَقِيقَةَ بِحَيْثُ يُنْزِلُونَ مَنزِلَةَ مَن يُنْكِرُها.
والرُّجْعى: بِضَمِّ الرّاءِ مَصْدَرُ رَجَعَ عَلى زِنَةِ فُعْلى، مِثْلُ البُشْرى.
وتَقْدِيمُ إلى رَبِّكَ عَلى الرُّجْعى لِلِاهْتِمامِ بِذَلِكَ.
وجُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ الَّذِي يَنْهى﴾ ﴿عَبْدًا إذا صَلّى﴾ إلى آخِرِها هي المَقْصُودُ مِنَ الرَّدْعِ الَّذِي أفادَهُ حَرْفُ كَلّا؛ فَهَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا مُتَّصِلًا بِاسْتِئْنافِ جُمْلَةِ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَيَطْغى﴾ .
و﴿الَّذِي يَنْهى﴾ اتَّفَقُوا عَلى أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ أبُو جَهْلٍ، إذْ قالَ قَوْلًا يُرِيدُ بِهِ نَهْيَ النَّبِيءِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ في نادِيهِ: لَئِنْ رَأيْتَ مُحَمَّدًا يُصَلِّي في الكَعْبَةِ لَأطَأنَّ عَلى عُنُقِهِ. فَإنَّهُ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ أنْ يَبْلُغَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَهو تَهْدِيدٌ يَتَضَمَّنُ النَّهْيَ عَنْ أنْ يُصَلِّيَ في المَسْجِدِ الحَرامِ. ولَمْ يُرْوَ أنَّهُ نَهاهُ مُشافَهَةً.
و(أرَأيْتَ) كَلِمَةُ تَعْجِيبٍ مِن حالٍ، تُقالُ لِلَّذِي يَعْلَمُ أنَّهُ رَأى حالًا عَجِيبَةً. والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ؛ أيْ: أعَلِمْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا والمُسْتَفْهَمُ عَنْهُ هو ذَلِكَ العِلْمُ، والمَفْعُولُ الثّانِي لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في آخِرِ الجُمَلِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] .
صفحة ٤٤٧
والِاسْتِفْهامُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيبِ؛ لِأنَّ الحالَةَ العَجِيبَةَ مِن شَأْنِها أنْ يُسْتَفْهَمَ عَنْ وُقُوعِها اسْتِفْهامَ تَحْقِيقٍ وتَثْبِيتٍ لِنَبَئِها؛ إذْ لا يَكادُ يُصَدِّقُ بِهِ؛ فاسْتِعْمالُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ مَجازٌ مُرْسَلٌ في التَّرْكِيبِ. ومَجِيءُ الِاسْتِفْهامِ في التَّعْجِيبِ كَثِيرٌ نَحْوُ ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] .
والرُّؤْيَةُ عِلْمِيَّةٌ، والمَعْنى: أعْجَبُ ما حَصَلَ لَكَ مِنَ العِلْمِ، قالَ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةً لِأنَّها حِكايَةُ أمْرٍ وقَعَ في الخارِجِ.
والخِطابُ في أرَأيْتَ لِغَيْرٍ مُعَيَّنٍ.
والمُرادُ بِالعَبْدِ النَّبِيءُ ﷺ . وإطْلاقُ العَبْدِ هُنا عَلى مَعْنًى واحِدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أيْ: شَخْصٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الإسراء: ٥] أيْ: رِجالًا. وعَدَلَ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِضَمِيرِ الخِطابِ؛ لِأنَّ التَّعْجِيبَ مِن نَفْسِ النَّهْيِ عَنِ الصَّلاةِ بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ خُصُوصِيَّةِ المُصَلِّي. فَشُمُولُهُ لِنَهْيِهِ عَنْ صَلاةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْقَعُ، وصِيغَةُ المُضارِعِ في قَوْلِهِ: يَنْهى لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ العَجِيبَةِ وإلّا فَإنَّ نَهْيَهُ قَدْ مَضى.
والمَنهِيُّ عَنْهُ مَحْذُوفٌ يُغْنِي عَنْهُ تَعْلِيقُ الظَّرْفِ بِفِعْلِ يَنْهى أيْ: يَنْهاهُ عَنْ صِلاتِهِ.
96:11–12Page 597
أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ ١١
Have you seen if he is upon guidance
أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ ١٢
Or enjoins righteousness?
﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ .
تَعْجِيبٌ آخَرُ مِن حالِ المَفْرُوضِ وُقُوعُهُ، أيْ: أتَظُنُّهُ يَنْهى أيْضًا عَبْدًا مُتَمَكِّنًا مِنَ الهُدى فَتَعْجَبُ مِن نَهْيِهِ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ إنْ كانَ العَبْدُ عَلى الهُدى أيَنْهاهُ عَنِ الهُدى، أوْ إنْ كانَ العَبْدُ آمِرًا بِالتَّقْوى أيَنْهاهُ عَنْ ذَلِكَ.
والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ هو الظَّنُّ بِهِ فَيَعْجَبُ المُخاطَبُ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَن يَنْهى عَنِ الصَّلاةِ وهي قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ فَقَدْ نَهى عَنِ الهُدى، ويُوشِكُ أنْ يَنْهى عَنْ أنْ يَأْمُرَ أحَدًا بِالتَّقْوى.
وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ وأتى بِحَرْفِ الشَّرْطِ الَّذِي الغالِبُ فِيهِ عَدَمُ الجَزْمِ بِوُقُوعِ فِعْلِ الشَّرْطِ مُجاراةً لِحالِ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا.
صفحة ٤٤٨
والرُّؤْيَةُ هُنا عِلْمِيَّةٌ، وحُذِفَ مَفْعُولا فِعْلِ الرُّؤْيَةِ اخْتِصارًا لِدَلالَةِ ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] عَلى المَفْعُولِ الأوَّلِ ودَلالَةِ يَنْهى عَلى المَفْعُولِ الثّانِي في الجُمْلَةِ قَبْلَها.
وعَلى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ وهو شِدَّةُ التَّمَكُّنِ مِنَ الهُدى بِحَيْثُ يُشْبِهُ تَمَكُّنُ المُسْتَعْلِي عَلى المَكانِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .
فالضَّمِيرانِ المُسْتَتِرانِ في فِعْلَيْ ﴿كانَ عَلى الهُدى أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ عائِدانِ إلى ”عَبْدًا“ وإنْ كانَتِ الضَّمائِرُ الحافَّةُ بِهِ عائِدَةٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] .
فَإنَّ السِّياقَ يَرُدُّ كُلَّ ضَمِيرٍ إلى مَعادِهِ كَما في قَوْلِ عَبّاسِ بْنِ مِرْداسٍ:
عُدْنا ولَوْلا نَحْنُ أحْدَقَ جَمْعُهم بِالمُسْلِمِينَ وأحْرَزُوا ما جَمَّعُوا
والمَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ [العلق: ١٤] أوْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يَنْهى المُتَقَدِّمَ. والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ.
وجَوابُ ﴿إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ ﴿أوْ أمَرَ بِالتَّقْوى﴾ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَنْهاهُ أيْضًا.
وفُصِلَتْ جُمْلَةُ ﴿أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلى الهُدى﴾ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ التَّكْرِيرِ؛ لِأنَّ فِيها تَكْرِيرَ التَّعْجِيبِ مِن أحْوالٍ عَدِيدَةٍ لِشَخْصٍ واحِدٍ.
96:13–14Page 597
أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ ١٣
Have you seen if he denies and turns away -
أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ ١٤
Does he not know that Allāh sees?
﴿أرَأيْتَ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ .
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ عَلى التَّكْذِيبِ والتَّوَلِّي؛ أيْ: إذا كَذَّبَ بِما يُدْعى إلَيْهِ وتَوَلّى أتَظُنُّهُ غَيْرَ عالِمٍ بِأنَّ اللَّهَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ.
فالمَفْعُولُ الأوَّلُ لِـ (رَأيْتَ) مَحْذُوفٌ وهو ضَمِيرٌ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى﴾ [العلق: ٩] والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَهُ إنْ كَذَّبَ. . . إلى آخِرِهِ.
وجَوابُ ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ هو ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ كَذا قَدَّرَ صاحِبُ الكَشّافِ، ولَمْ يَعْتَبِرْ وُجُوبَ اقْتِرانِ جُمْلَةِ جَوابِ الشَّرْطِ بِالفاءِ إذا كانَتِ الجُمْلَةُ اسْتِفْهامِيَّةً. وصَرَّحَ الرَّضِيُّ بِاخْتِيارِ عَدَمِ اشْتِراطِ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ ونَظَرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً أوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إلّا القَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧] فَأمّا قَوْلُ جُمْهُورِ النُّحاةِ والزَّمَخْشَرِيِّ في المُفَصَّلِ فَهو وُجُوبُ الِاقْتِرانِ بِالفاءِ، وعَلى قَوْلِهِمْ
صفحة ٤٤٩
يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ جَوابِ الشَّرْطِ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾، والتَّقْدِيرُ إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى فاللَّهُ عالِمٌ بِهِ، كِنايَةٌ عَنْ تَوَعُّدِهِ. وتَكُونُ جُمْلَةُ ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ لِإنْكارِ جَهْلِ المُكَذِّبِ بِأنَّ اللَّهَ سَيُعاقِبُهُ، والشَّرْطُ وجَوابُهُ سادّانِ مَسَدَّ المَفْعُولِ الثّانِي.
وكُنِّيَ بِأنَّ اللَّهَ يَرى عَنِ الوَعِيدِ بِالعِقابِ.
وضُمِّنَ فِعْلُ (يَعْلَمْ) مَعْنى يُوقِنُ فَلِذَلِكَ عُدِّيَ بِالباءِ.
وعُلِّقَ فِعْلُ أرَأيْتَ هُنا عَنِ العَمَلِ لِوُجُودِ الِاسْتِفْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ﴾ .
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، أيْ: كانَ حَقُّهُ أنْ يَعْلَمَ ذَلِكَ ويَقِيَ نَفْسَهُ العِقابَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ إيذانٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِأنْ أبا جَهْلٍ سَيُكَذِّبُهُ حِينَ يَدْعُوهُ إلى الإسْلامِ وسَيَتَوَلّى، ووَعْدٌ بِأنَّ اللَّهَ سَيَنْتَصِفُ لَهُ مِنهُ.
وضَمِيرُ ﴿كَذَّبَ وتَوَلّى﴾ عائِدٌ إلى ﴿الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى﴾ [العلق: ٩] وقَرِينَةُ المَقامِ تُرْجِعُ الضَّمائِرَ إلى مَراجِعِها المُخْتَلِفَةِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ كَذَّبَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: إنْ كَذَّبَهُ، أيِ: العَبْدُ الَّذِي صَلّى، وبِذَلِكَ انْتَظَمَتِ الجُمَلُ الثَّلاثُ في نِسْبَةِ مَعانِيها إلى الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى وإلى العَبْدِ الَّذِي صَلّى، وانْدَفَعَتْ عَنْكَ تَرَدُّداتٌ عَرَضَتْ في التَّفاسِيرِ.
وحُذِفَ مَفْعُولُ يَرى لِيَعُمَّ كُلَّ مَوْجُودٍ؛ والمُرادُ بِالرُّؤْيَةِ المُسْنَدَةِ إلى اللَّهِ تَعالى تَعَلُّقُ عِلْمِهِ بِالمَحْسُوساتِ.
كَلّا.
أكَّدَ الرَّدْعَ الأوَّلَ بِحَرْفِ الرَّدْعِ الثّانِي وفي آخِرِ الجُمْلَةِ وهو المَوْقِعُ الحَقِيقُ لِحَرْفِ الرَّدْعِ، إذْ كانَ تَقْدِيمُ نَظِيرِهِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ، لِما دَعا إلَيْهِ لِمَقامٍ مِنَ التَّشْوِيقِ.
96:15–16Page 597
كـَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ ١٥
No! If he does not desist, We will surely drag him by the forelock1 –
نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ ١٦
A lying, sinning forelock.
صفحة ٤٥٠
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ﴾ ﴿ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ﴾
أعْقَبَ الرَّدْعَ بِالوَعِيدِ عَلى فِعْلِهِ إذا لَمْ يَرْتَدِعْ ويَنْتَهِ عَنْهُ.
واللّامُ مُوَطِّئَةٌ لِلْقِسْمِ؛ وجُمْلَةُ لَنَسْفَعَنْ جَوابُ القَسَمِ وأمّا جَوابُ الشَّرْطِ فَمَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ جَوابُ القَسَمِ.
والسَّفْعُ: القَبْضُ الشَّدِيدُ بِجَذْبٍ.
والنّاصِيَةُ مُقَدَّمُ شَعَرِ الرَّأْسِ، والأخْذُ مِنَ النّاصِيَةِ أخْذُ مَن لا يَتْرُكُ لَهُ تَمَكُّنٌ مِنَ الِانْفِلاتِ فَهو كِنايَةٌ عَنْ أخْذِهِ إلى العَذابِ وفِيهِ إذْلالٌ؛ لِأنَّهم كانُوا لا يَقْبِضُونَ عَلى شَعَرِ رَأْسِ أحَدٍ إلّا لِضَرْبِهِ أوْ لِجَرِّهِ. وأكَّدَ ذَلِكَ السَّفْعَ بِالباءِ المَزِيدَةِ الدّاخِلَةِ عَلى المَفْعُولِ لِتَأْكِيدِ اللُّصُوقِ.
والنُّونُ نُونُ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ الَّتِي يَكْثُرُ دُخُولُها في القَسَمِ المُثْبَتِ، وكُتِبَتْ في المُصْحَفِ ألِفًا رَعْيًا لِلنُّطْقِ لَها في الوَقْفِ؛ لِأنَّ أواخِرَ الكَلِمِ أكْثَرُ ما تُرْسَمُ عَلى مُراعاةِ النُّطْقِ في الوَقْفِ.
والتَّعْرِيفُ في النّاصِيَةِ لِلْعَهْدِ التَّقْدِيرِيِّ، أيْ: بِناصِيَتِهِ، أيْ ناصِيَةِ الَّذِي يَنْهى عَبْدًا إذا صَلّى، وهَذِهِ اللّامُ هي الَّتِي يُسَمِّيها نُحاةُ الكُوفَةِ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهي تَسْمِيَةٌ حَسَنَةٌ وإنْ أباها البَصْرِيُّونَ فَقَدَّرُوا في مَثَلِهِ مُتَعَلِّقًا لِمَدْخُولِ اللّامِ.
و(ناصِيَةٍ) بَدَلٌ مِنَ النّاصِيَةِ وتَنْكِيرُها لِاعْتِبارِ الجِنْسِ، أيْ: هي مِن جِنْسِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ.
و(خاطِئَةٍ) اسْمُ فاعِلٍ مِن خَطِئَ مِن بابِ عَلِمَ، إذا فَعَلَ خَطِيئَةً، أيْ: ذَنْبًا. ووَصْفُ النّاصِيَةِ بِالكاذِبَةِ والخاطِئَةِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ. والمُرادُ: كاذِبٌ صاحِبُها خاطِئٌ صاحِبُها، أيْ: آثِمٌ. ومُحَسِّنُ هَذا المَجازِ أنَّ فِيهِ تَخْيِيلًا بِأنَّ الكَذِبَ والخَطَأ بادِيانِ مِن ناصِيَتِهِ فَكانَتِ النّاصِيَةُ جَدِيرَةً بِالسَّفْعِ.
96:17–18Page 597
فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ ١٧
Then let him call his associates;
سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ ١٨
We will call the angels of Hell.1
صفحة ٤٥١
﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ ﴿كَلّا﴾ [العلق: ١٩] .
تَفْرِيعٌ عَلى الوَعْدِ. ومُناسَبَةُ ذَلِكَ ما رَواهُ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي عِنْدَ المَقامِ فَمَرَّ بِهِ أبُو جَهْلٍ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ألَمْ أنْهَكَ عَنْ هَذا ؟ وتَوَعَّدَهُ، فَأغْلَظَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ؛ فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا مُحَمَّدُ، بِأيِّ شَيْءٍ تُهَدِّدُنِي ؟ أما واللَّهِ إنِّي لَأكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ»﴾ يَعْنِي أنَّ أبا جَهْلٍ أرادَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ تَهْدِيدَ النَّبِيءِ ﷺ بِأنَّهُ يُغْرِي عَلَيْهِ أهْلَ نادِيهِ.
والنّادِي: اسْمٌ لِلْمَكانِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ القَوْمُ، يُقالُ: نَدا القَوْمُ نَدْوًا، إذا اجْتَمَعُوا. والنَّدْوَةُ بِفَتْحِ النُّونِ الجَماعَةُ، ويُقالُ: نادٍ ونَدِيٌّ، ولا يُطْلِقُ هَذا الِاسْمُ عَلى المَكانِ إلّا إذا كانَ القَوْمُ مُجْتَمِعِينَ فِيهِ فَإذا تَفَرَّقُوا عَنْهُ فَلَيْسَ بِنادٍ، ويُقالُ النّادِي لِمَجْلِسِ القَوْمِ نَهارًا؛ فَأمّا مَجْلِسُهم في اللَّيْلِ فَيُسَمّى المُسامَرَ قالَ تَعالى: ﴿سامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] .
واتَّخَذَ قُصَيٌّ لِنَدْوَةِ قُرَيْشٍ دارًا تُسَمّى دارَ النَّدْوَةِ حَوْلَ المَسْجِدِ الحَرامِ، وجَعَلَها لِتَشاوُرِهِمْ ومُهِمّاتِهِمْ وفِيها يُعْقَدُ عَلى الأزْواجِ، وفِيها تَتَدَرَّعُ الجَوارِي، أيْ: يُلْبِسُوهُنَّ الدُّرُوعَ، أيِ: الأقْمِصَةَ إعْلانًا بِأنَّهُنَّ قارَبْنَ سِنَّ البُلُوغِ، وهَذِهِ الدّارُ كانَتِ اشْتَرَتْها الخَيْزُرانُ زَوْجَةُ المَنصُورِ أبِي جَعْفَرٍ وأدْخَلَتْها في ساحَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأُدْخِلَ بَعْضُها في المَسْجِدِ الحَرامِ في زِيادَةِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وبَعْضُها في زِيادَةِ أبِي جَعْفَرٍ المَنصُورِ، وبَقِيَتْ بَقِيَّتُها بَيْتًا مُسْتَقِلًّا ونَزَلَ بِهِ المَهْدِيُّ سَنَةَ ١٦٠ في مُدَّةِ خِلافَةِ المُعْتَضِدِ بِاللَّهِ العَبّاسِيِّ لَمّا زادَ في المَسْجِدِ الحَرامِ جُعِلَ مَكانَ دارِ النَّدْوَةِ مَسْجِدًا مُتَّصِلًا بِالمَسْجِدِ الحَرامِ فاسْتَمَرَّ كَذَلِكَ، ثُمَّ هُدِمَ وأُدْخِلَتْ مِساحَتُهُ في مِساحَةِ المَسْجِدِ الحَرامِ في الزِّيادَةِ الَّتِي زادَها المَلِكُ سُعُودُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مَلِكُ الحِجازِ ونَجْدٍ سَنَةَ ١٣٧٩ .
ويُطْلَقُ النّادِي عَلى الَّذِينَ يَنْتَدُونَ فِيهِ وهو مَعْنى قَوْلِ أبِي جَهْلٍ: إنِّي لَأكْثَرُ أهْلِ هَذا الوادِي نادِيًا، أيْ: ناسًا يَجْلِسُونَ إلَيَّ يُرِيدُ أنَّهُ رَئِيسٌ يُصْمَدُ إلَيْهِ، وهو المَعْنِيُّ هُنا.
صفحة ٤٥٢
وإطْلاقُ النّادِي عَلى أهْلِهِ نَظِيرُ إطْلاقِ القَرْيَةِ عَلى أهْلِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ونَظِيرُ إطْلاقِ المَجْلِسِ عَلى أهْلِهِ في قَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:
لَهم مَجْلِسٌ صُهْبُ السِّبالِ أذِلَّةٌ سَوّاسِيَةٌ أحْرارُها وعَبِيدُها
وإطْلاقُ المُقامَةِ عَلى أهْلِها في قَوْلِ زُهَيْرٍ:
وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُهم ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
أيْ: أصْحابُ مَقاماتٍ حِسانٌ وُجُوهُهم.
وإطْلاقُ المَجْمَعِ عَلى أهْلِهِ في قَوْلِ لَبِيدٍ:
إنّا إذا التَقَتِ المَجامِعُ لَمْ يَزَلْ ∗∗∗ مِنّا لِزازٌ عَظِيمَةٌ جِسامُها
الأبْياتِ الأرْبَعَةِ.
ولامُ الأمْرِ في ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾ لِلتَّعْجِيزِ؛ لِأنَّ أبا جَهْلٍ هَدَّدَ النَّبِيءَ ﷺ بِكَثْرَةِ أنْصارِهِ وهم أهْلُ نادِيهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِأنَّ أمْرَهُ بِدَعْوَةِ نادِيهِ؛ فَإنَّهُ إنْ دَعاهم لِيَسْطُوا عَلى النَّبِيءِ ﷺ دَعا اللَّهُ مَلائِكَةً فَأهْلَكُوهُ، وهَذِهِ الآيَةُ مُعْجِزَةٌ خاصَّةٌ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ فَإنَّهُ تَحَدّى أبا جَهْلٍ بِهَذا، وقَدْ سَمِعَ أبُو جَهْلٍ القُرْآنَ وسَمِعَهُ أنْصارُهُ فَلَمْ يُقْدِمْ أحَدٌ مِنهم عَلى السَّطْوِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَ أنَّ الكَلامَ يُلْهِبُ حَمِيَّتَهُ.
وإضافَةُ النّادِي إلى ضَمِيرِهِ لِأنَّهُ رَئِيسُهم ويَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ قالَتْ إعْرابِيَّةٌ ”سَيِّدُ نادِيهْ، وثِمالُ عافِيهْ“ .
وقَوْلُهُ: ﴿سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ﴾ جَوابُ الأمْرِ التَّعْجِيزِيِّ، أيْ: فَإنْ دَعا نادِيَهُ دَعَوْنا لَهُمُ الزَّبانِيَةَ؛ فَفِعْلُ سَنَدْعُ مَجْزُومٌ في جَوابِ الأمْرِ، ولِذَلِكَ كُتِبَ في المُصْحَفِ بِدُونِ واوِ وحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ لِتَأْكِيدِ الفِعْلِ.
والزَّبانِيَةُ: بِفَتْحِ الزّايِ وتَخْفِيفِ التَّحْتِيَّةِ جَمْعُ زَبّانِي بِفَتْحِ الزّايِ وبِتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، أوْ جَمْعُ زِبْنِيَةٍ بِكَسْرِ الزّايِ فَمُوَحِّدَةٍ ساكِنَةٍ فَنُونٌ مَكْسُورَةٌ فَتَحْتِيَّةٌ مُخَفَّفَةٌ، أوْ جَمْعُ زِبْنِيٍّ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ فَتَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ، وقِيلَ: هو اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ، مِثْلَ أبابِيلَ وعَبادِيدَ. وهَذا الِاسْمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الزَّبْنِ وهو الدَّفْعُ بِشِدَّةٍ، يُقالُ: ناقَةٌ زَبُونٌ إذا كانَتْ تَرْكُلُ مَن يَحْلِبُها، وحَرْبٌ زَبُونٌ يَدْفَعُ بَعْضُها بَعْضًا بِتَكَرُّرِ القِتالِ.
صفحة ٤٥٣
فالزَّبانِيَةُ الَّذِينَ يَزْبِنُونَ النّاسَ، أيْ: يَدْفَعُونَهم بِشِدَّةٍ. والمُرادُ بِهِمْ مَلائِكَةُ العَذابِ ويُطْلَقُ الزَّبانِيَةُ عَلى أعْوانِ الشُّرْطَةِ.
و﴿كَلّا﴾ [العلق: ١٩] رَدْعٌ لِإبْطالِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلْيَدْعُ نادِيَهُ﴾، أيْ: ولَيْسَ بِفاعِلٍ، وهَذا تَأْكِيدٌ لِلتَّحَدِّي والتَّعْجِيزِ.
وكُتِبَ (سَنَدْعُ) في المُصْحَفِ بِدُونِ واوٍ بَعْدَ العَيْنِ مُراعاةً لِحالَةِ الوَصْلِ؛ لِأنَّها لَيْسَتْ مَحَلَّ وقْفٍ ولا فاصِلَةٍ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences