Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Bayyinah 98:4–8
98:4Page 598
وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ ٤
Nor did those who were given the Scripture become divided1 until after there had come to them clear evidence.
﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ .
ارْتِقاءً في الإبْطالِ وهو إبْطالٌ ثانٍ لِدَعْواهم بِطَرِيقِ النَّقْضِ الجَدَلِيِّ المُسَمّى بِالمُعارَضَةِ وهو تَسْلِيمُ الدَّلِيلِ والِاسْتِدْلالِ لِما يُنافِي ثُبُوتَ المَدْلُولِ؛ وهَذا إبْطالٌ خاصٌّ بِأهْلِ الكِتابِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ ولِذَلِكَ أظْهَرَ فاعِلَ تَفَرَّقَ ولَمْ يَقُلْ: وما تَفَرَّقُوا إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ، إذْ لَوْ أضْمَرَ لَتُوُهِّمَتْ إرادَةُ المُشْرِكِينَ مِن جُمْلَةِ مَعادِ الضَّمِيرِ، بَعْدَ أنْ أبْطَلَ زَعْمَهم بِقَوْلِهِ: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً﴾ [البينة: ٢] ارْتَقى إلى إبْطالِ مَزاعِمِهِمْ إبْطالًا مَشُوبًا بِالتَّكْذِيبِ وبِشَهادَةِ ما حَصَلَ في الأزْمانِ الماضِيَةِ.
فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْعَطْفِ عاطِفَةً إبْطالًا عَلى إبْطالٍ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ واوَ الحالِ.
والمَعْنى: كَيْفَ يَزْعُمُونَ أنَّ تَمَسُّكَهم بِما هم عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ مُغَيًّى بِوَقْتِ أنْ تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ؛ والحالُ أنَّهم جاءَتْهم بَيِّنَةٌ مِن قَبْلِ ظُهُورِ الإسْلامِ وهي بَيِّنَةُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَتَفَرَّقُوا في الإيمانِ بِهِ، فَنَشَأ مِن تَفَرُّقِهِمْ حُدُوثُ مِلَّتَيْنِ: اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ.
والمُرادُ بِهَذِهِ البَيِّنَةِ الثّانِيَةِ مَجِيءُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فَإنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ كَما وعَدَهم أنْبِياؤُهم أمْثالَ إلْياسَ واليَسَعَ وأشْعِياءَ. وقَدْ أجْمَعَ اليَهُودُ عَلى النَّبِيءِ المَوْعُودِ بِهِ تَجْدِيدُ الدِّينِ الحَقِّ وكانُوا مُنْتَظِرِينَ المُخَلِّصَ، فَلَمّا جاءَهم عِيسى كَذَّبُوهُ؛ أيْ: فَلا يَطْمَعُ في صِدْقِهِمْ فِيما زَعَمُوا مِنِ انْتِظارِ البَيِّنَةِ بَعْدَ عِيسى وهم قَدْ كَذَّبُوا بِبَيِّنَةِ عِيسى؛ فَتَبَيَّنَ أنَّ الجُحُودَ والعِنادَ شَنْشَنَةٌ فِيهِمْ مَعْرُوفَةٌ.
والمُرادُ بِالتَّفَرُّقِ: تَفَرُّقٌ بَيْنَ إسْرائِيلَ بَيْنَ مُكَذِّبٍ لِعِيسى ومُؤْمِنٍ بِهِ، وما آمَنَ بِهِ إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ مِنَ اليَهُودِ.
صفحة ٤٧٩
وجُعِلَ التَّفَرُّقُ كِنايَةً عَنْ إنْكارِ البَيِّنَةِ؛ لِأنَّ تَفَرُّقَهم كانَ اخْتِلافًا في تَصْدِيقِ بَيِّنَةِ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، فاسْتُعْمِلَ التَّفَرُّقُ في صَرِيحِهِ وكِنايَتِهِ لِقَصْدِ إدْماجِ مَذَمَّتِهِمْ بِالِاخْتِلافِ بَعْدَ ظُهُورِ الحَقِّ كَقَوْلِهِ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩] .
فالتَّعْرِيفُ في البَيِّنَةِ المَذْكُورَةِ ثانِيًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، أوْ لِلْمَعْهُودِ بَيْنَ المُتَحَدِّثِ عَنْهم، وهي بَيِّنَةٌ أُخْرى غَيْرُ الأُولى، وإعادَتُها مِن إعادَةِ النَّكِرَةِ نَكِرَةً مِثْلَها؛ إذِ المَعْرُوفُ بِلامِ العَهْدِ الذِّهْنِيِّ بِمَنزِلَةِ النَّكِرَةِ، أوْ مِن إعادَةِ المَعْرِفَةِ المَعْهُودَةِ مَعْرِفَةً مِثْلَها، وعَلى كِلا الوَجْهَيْنِ لا تَكُونُ المُعادَةُ عَيْنَ الَّتِي قَبْلَها.
وقَدْ أطْبَقَتْ كَلِماتُ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ﴾ أنَّهم ما تَفَرَّقُوا عَنِ اتِّباعِ الإسْلامِ، أيْ: تَباعَدُوا عَنْهُ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ . وهَذا تَأْوِيلٌ لِلَفْظِ التَّفَرُّقِ وهو صَرْفٌ عَنْ ظاهِرِهِ بَعِيدٌ، فَأشْكَلَ عَلَيْهِمْ وجْهُ تَخْصِيصِ أهْلِ الكِتابِ بِالذِّكْرِ مَعَ أنَّ التَّباعُدَ عَنِ الإسْلامِ حاصِلٌ مِنهم ومِنَ المُشْرِكِينَ، وجَعَلُوا المُرادَ بِـ ”البَيِّنَةُ“ الثّانِيَةِ عَيْنَ المُرادِ بِالأُولى وهي بَيِّنَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ؛ سِوى أنَّ الفَخْرَ ذَكَرَ كَلِماتٍ تُنْبِئُ عَنْ مُخالَفَةِ المُفَسِّرِينَ في مَحْمَلِ تَفَرُّقِ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ، فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ قَرَّرَ المَعْنى بِما يُوافِقُ كَلامَ بَقِيَّةِ المُفَسِّرِينَ أتى بِما يَقْتَضِي حَمْلَ التَّفَرُّقِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وحَمْلَ البَيِّنَةِ الثّانِيَةِ عَلى مَعْنًى مُغايِرٍ لِمَحْمَلِ البَيِّنَةِ الأُولى؛ إذْ قالَ: المَقْصُودُ مِن هَذِهِ الآيَةِ تَسْلِيَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ: لا يَغُمَّنَّكَ تَفَرُّقُهم، فَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ في الحُجَّةِ، بَلْ لِعِنادِهِمْ؛ فَسَلَفُهم هَكَذا كانُوا لَمْ يَتَفَرَّقُوا في السَّبَبِ وعِبادَةِ العِجْلِ إلّا بَعْدَ ما جاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ؛ فَهي عادَةٌ قَدِيمَةٌ لَهم، وهو مُعارِضٌ لِأوَّلِ كَلامِهِ، ولَعَلَّهُ بَدا لَهُ هَذا الوَجْهُ وشَغَلَهُ عَنْ تَحْرِيرِهِ شاغِلٌ وهَذا مِمّا تَرَكَهُ الفَخْرُ في المُسَوَّدَةِ.
98:5Page 598
وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ ٥
And they were not commanded except to worship Allāh, [being] sincere to Him in religion, inclining to truth, and to establish prayer and to give zakāh. And that is the correct religion.
﴿وما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ ويُقِيمُوا الصَّلاةَ ويُؤْتُوا الزَّكاةَ وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾
هَذا إبْطالٌ ثالِثٌ لِتَنَصُّلِهِمْ مِن مُتابَعَةِ الإسْلامِ بِعِلَّةِ أنَّهم لا يَتْرُكُونَ ما هم عَلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ، وزَعْمِهِمْ أنَّ البَيِّنَةَ لَمْ تَأْتِهِمْ.
صفحة ٤٨٠
وهُوَ إبْطالٌ بِطْرِيقِ القَوْلِ بِالمُوجَبِ في الجَدَلِ، أيْ: إذا سَلَّمْنا أنَّكم مُوصُونَ بِالتَّمَسُّكِ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ لا تَنْفَكُّونَ عَنْهُ حَتّى تَأْتِيَكُمُ البَيِّنَةُ؛ فَلَيْسَ في الإسْلامِ ما يُنافِي ما جاءَ بِهِ كِتابُكم يَأْمُرُ بِما أمَرَ بِهِ القُرْآنُ، وهو عِبادَةُ اللَّهِ وحْدَهُ دُونَ إشْراكٍ، وذَلِكَ هو الحَنِيفِيَّةُ وهي دِينُ إبْراهِيمَ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمُ العَهْدَ بِهِ؛ فَذَلِكَ دِينُ الإسْلامِ وذَلِكَ ما أُمِرْتُمْ بِهِ في دِينِكم.
فَلَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ عاطِفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] إلَخْ.
ولَكَ أنْ تَجْعَلَ الواوَ لِلْحالِ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَأْتِيَهُمُ البَيِّنَةُ﴾ [البينة: ١] . والمَعْنى: والحالُ أنَّ البَيِّنَةَ قَدْ أتَتْهم إذْ جاءَ الإسْلامُ بِما صَدَّقَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ”أُقِيمُ لَهم نَبِيئًا مِن وسَطِ إخْوَتِهِمْ، وأجْعَلُ كَلامِي في فَمِهِ“، وقَوْلُ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -: ”فَهو يُعَلِّمُكم كُلَّ شَيْءٍ ويُذَكِّرُكم بِكُلِّ ما قُلْتُهُ لَكم“ .
والتَّعْبِيرُ بِالفِعْلِ المُسْنَدِ لِلْمَجْهُولِ مُفِيدٌ مَعْنَيَيْنِ؛ أيْ: ما أُمِرُوا في كِتابِهِمْ إلّا بِما جاءَ بِهِ الإسْلامُ؛ فالمَعْنى: وما أُمِرُوا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ إلّا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ إلى آخِرِهِ، فَإنَّ التَّوْراةَ أكَّدَتْ عَلى اليَهُودِ تَجَنُّبَ عِبادَةِ الأصْنامِ، وأمَرَتْ بِالصَّلاةِ، وأمَرَتْ بِالزَّكاةِ أمْرًا مُؤَكَّدًا مُكَرَّرًا. وتِلْكَ هي أُصُولُ دِينِ الإسْلامِ قَبْلَ أنْ يُفْرَضَ صَوْمُ رَمَضانَ والحَجُّ. والإنْجِيلُ لَمْ يُخالِفِ التَّوْراةَ أوِ المَعْنى وما أُمِرُوا في الإسْلامِ إلّا بِمَثَلِ ما أمَرَهم بِهِ كِتابُهم، فَلا مَعْذِرَةَ لَهم في الإعْراضِ عَنِ الإسْلامِ عَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ.
ونائِبُ فاعِلِ أُمِرُوا مَحْذُوفٌ لِلْعُمُومِ، أيْ: ما أُمِرُوا بِشَيْءٍ إلّا بِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هي اللّامُ الَّتِي تَكْثُرُ زِيادَتُها بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ وفِعْلِ الأمْرِ وتَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] في سُورَةِ النِّساءِ. وقَوْلِهِ: ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] في سُورَةِ الأنْعامِ، وسَمّاها بَعْضُ النُّحاةِ لامَ (أنْ) .
والإخْلاصُ: التَّصْفِيَةُ والإنْقاءُ، أيْ: غَيْرَ مُشارِكِينَ في عِبادَتِهِ مَعَهُ غَيْرَهُ.
صفحة ٤٨١
والدِّينُ: الطّاعَةُ، قالَ تَعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر: ١٤] .
وحُنَفاءُ: جَمْعُ حَنِيفٍ، وهو لَقَبٌ لِلَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ. قالَ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّنِي هَدانِي رَبِّي إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١] .
وهَذا الوَصْفُ تَأْكِيدٌ لِمَعْنى ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ مَعَ التَّذْكِيرِ بِأنَّ ذَلِكَ هو دِينُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - الَّذِي مُلِئَتِ التَّوْراةُ بِتَمْجِيدِهِ واتِّباعِ هَدْيِهِ.
وإقامَةُ الصَّلاةِ مِن أُصُولِ شَرِيعَةِ التَّوْراةِ كُلَّ صَباحٍ ومَساءٍ.
وإيتاءُ الزَّكاةِ: مَفْرُوضٌ في التَّوْراةِ فَرْضًا مُؤَكَّدًا.
واسْمُ الإشارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ مُتَوَجِّهٌ إلى ما بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، فَإنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِاللّامِ المُسَمّاةِ (لامَ) (أنِ) المَصْدَرِيَّةِ، فَهو في تَأْوِيلِ مُفْرَدٍ، أيْ: إلّا بِعِبادَةِ اللَّهِ وإقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، أيْ: والمَذْكُورُ دِينُ القَيِّمَةِ.
ودِينُ القَيِّمَةِ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ إضافَةً عَلى بابِها، فَتَكُونَ (القَيِّمَةُ) مُرادًا بِهِ غَيْرَ المُرادِ بِـ (دِينُ) مِمّا هو مُؤَنَّثُ اللَّفْظِ مِمّا يُضافُ إلَيْهِ (دِينُ)، أيْ: دِينُ الأُمَّةِ القَيِّمَةِ أوْ دِينُ الكُتُبِ القَيِّمَةِ. ويُرَجِّحُ هَذا التَّقْدِيرَ أنَّ دَلِيلَ المُقَدَّرِ مَوْجُودٌ في اللَّفْظِ قَبْلَهُ. وهَذا إلْزامٌ لَهم بِأحَقِّيَّةِ الإسْلامِ، وأنَّهُ الدِّينُ القَيِّمُ. قالَ تَعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠] ﴿مُنِيبِينَ إلَيْهِ واتَّقُوهُ وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الروم: ٣١] .
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ صُورِيَّةً مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ، وهي كَثِيرَةُ الِاسْتِعْمالِ، وأصْلُهُ الدِّينُ القَيِّمُ، فَأنَّثَ الوَصْفَ عَلى تَأْوِيلِ دِينٍ بِمِلَّةٍ أوْ شَرِيعَةٍ، أوْ عَلى أنَّ التّاءَ لِلْمُبالَغَةِ في الوَصْفِ مِثْلَ تاءِ عَلّامَةِ، والمَآلُ واحِدٌ، وعَلى كِلا التَّقْدِيرَيْنِ، فالمُرادُ بِدِينِ القَيِّمَةِ دِينُ الإسْلامِ.
والقَيِّمَةُ: الشَّدِيدَةُ الِاسْتِقامَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا.
فالمَعْنى: وذَلِكَ المَذْكُورُ هو دِينُ أهْلِ الحَقِّ مِنَ الأنْبِياءِ وصالِحِيِ الأُمَمِ، وهو عَيْنُ ما جاءَ بِهِ الإسْلامُ، قالَ تَعالى في إبْراهِيمَ: ﴿ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]، وقالَ
صفحة ٤٨٢
عَنْهُ وعَنْ إسْماعِيلَ: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] . وحَكى عَنْهُ وعَنْ يَعْقُوبَ قَوْلَهُما: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]، وقالَ سُلَيْمانُ: ﴿وكُنّا مُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٤٢] .
وقَدْ مَضى القَوْلُ في ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الَّذِي أُمِرُوا بِهِ أيْ: مَجْمُوعُ ما ذُكِرَ هو دِينُ الإسْلامِ، أيْ: هو الَّذِي دَعاهم إلَيْهِ الإسْلامُ، فَحَسِبُوهُ نَقْضًا لِدِينِهِمْ، فَيَكُونُ مَهْيَعُ الآيَةِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم ألّا نَعْبُدَ إلّا اللَّهَ ولا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ولا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أرْبابًا مِن دُونِ اللَّهِ فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٣] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ مِن قَبْلُ﴾ [المائدة: ٥٩] .
والمَقْصُودُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلى أهْلِ الكِتابِ وعَلى المُشْرِكِينَ تَبَعًا لَهم بِأنَّهم أعْرَضُوا عَمّا هم يَتَطَلَّبُونَهُ، فَإنَّهم جَمِيعًا مُقِرُّونَ بِأنَّ الحَنِيفِيَّةَ هي الحَقُّ الَّذِي أُقِيمَتْ عَلَيْهِ المُوسَوِيَّةُ والعِيسَوِيَّةُ، والمُشْرِكُونَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يَطْلُبُونَ الحَنِيفِيَّةَ، ويَأْخُذُونَ بِما أدْرَكُوهُ مِن بَقاياها ويَزْعُمُونَ أنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ تَحْرِيفٌ لِلْحَنِيفِيَّةِ، فَلِذَلِكَ كانَ عامَّةُ العَرَبِ غَيْرَ مُتَهَوِّدِينَ ولا مُتَنَصِّرِينَ، ويَتَمَسَّكُونَ بِما وجَدُوا آباءَهم مُتَمَسِّكِينَ بِهِ، وقَلَّ مِنهم مَن تَهَوَّدُوا أوْ تَنَصَّرُوا، وذَهَبَ نَفَرٌ مِنهم يَتَطَلَّبُونَ آثارَ الحَنِيفِيَّةِ مِثْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ.
وخَصَّ الضَّمِيرَ بِـ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ المُشْرِكِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ قَبْلَ الإسْلامِ. قالَ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ [القصص: ٤٦] .
98:6Page 598
إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ ٦
Indeed, they who disbelieved among the People of the Scripture and the polytheists will be in the fire of Hell, abiding eternally therein. Those are the worst of creatures.
( ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيئَةِ﴾
بَعْدَ أنْ أنَحى عَلى أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مَعًا، ثُمَّ خَصَّ أهْلَ الكِتابِ بِالطَّعْنِ في تَعَلُّلاتِهِمْ، والإبْطالِ لِشُبُهاتِهِمُ الَّتِي يُتابِعُهُمُ المُشْرِكُونَ عَلَيْها، أعْقَبَهُ بِوَعِيدِ الفَرِيقَيْنِ
صفحة ٤٨٣
جَمْعًا بَيْنَهُما كَما ابْتَدَأ الجَمْعُ بَيْنَهُما في أوَّلِ السُّورَةِ؛ لِأنَّ ما سَبَقَ مِنَ المَوْعِظَةِ والدَّلالَةِ كافٍ في تَدْلِيلِ أنْفُسِهِمْ لِلْمَوْعِظَةِ.
فالجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ، وقَدَّمَ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ في الوَعِيدِ؛ اسْتِتْباعًا لِتَقْدِيمِهِمْ عَلَيْهِمْ في سَبَبِهِ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِ السُّورَةِ، ولِأنَّ مُعْظَمَ الرَّدِّ كانَ مُوَجَّهًا إلى أحْوالِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [البينة: ٤] إلى قَوْلِهِ: دِينُ القَيِّمَةِ، ولِأنَّهُ لَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَقامَتِ الحُجَّةُ عَلى أهْلِ الشِّرْكِ.
و(مِن) بَيانِيَّةٌ مِثْلَ الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١] .
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) لِلرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم لا تَمَسُّهُمُ النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَإنَّ الظَّرْفِيَّةَ الَّتِي اقْتَضَتْها (في) تُفِيدُ أنَّهم غَيْرُ خارِجِينَ مِنها، وتَأكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: خالِدِينَ فِيها، وأمّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ أنْكَرُوا الجَزاءَ رَأْسًا.
والإخْبارُ عَنْهم بِالكَوْنِ في نارِ جَهَنَّمَ إخْبارٌ بِما يَحْصُلُ في المُسْتَقْبَلِ بِقَرِينَةِ مَقامِ الوَعِيدِ، فَإنَّ الوَعِيدَ كالوَعْدِ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ وإنْ كانَ شَأْنُ الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ غَيْرِ المُقَيَّدَةِ بِما يُعَيِّنُ زَمانَ وُقُوعِها أنْ تُفِيدَ حُصُولَ مَضْمُونِها في الحالِ كَما تَقُولُ: زَيْدٌ في نِعْمَةٍ.
وجُمْلَةُ (﴿أُولَئِكَ هم شَرُّ البَرِيئَةِ﴾)، كالنَّتِيجَةِ لِكَوْنِهِمْ في نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها، فَلِذَلِكَ فُصِلَتْ عَنِ الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها. وهو إخْبارٌ بِسُوءِ عاقِبَتِهِمْ في الآخِرَةِ وأُرِيدَ بِالبَرِيئَةِ هُنا البَرِيئَةُ المَشْهُورَةُ في الِاسْتِعْمالِ وهُمُ البَشَرُ، فَلا اعْتِبارَ لِلشَّياطِينِ في هَذا الِاسْمِ، وهَذا يُشْبِهُ الِاسْتِغْراقَ العُرْفِيَّ.
والبَرِيئَةُ: فَعِيلَةُ مِن بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ، أيْ: صَوَّرَهم.
ومَعْنى كَوْنِهِمْ (﴿شَرُّ البَرِيئَةِ﴾) أنَّهم أشَدُّ النّاسِ شَرًّا، فَـ (شَرُّ) هُنا أفْعَلُ تَفْضِيلٍ أصْلُهُ أشَرُّ، مِثْلَ خَيْرٍ الَّذِي هو بِمَعْنى أخْيَرَ، فَإضافَةُ (شَرٍّ) إلى (البَرِيئَةِ) عَلى نِيَّةِ (مِنَ) التَّفْضِيلِيَّةِ.
وإنَّما كانُوا كَذَلِكَ لِأنَّهم ضَلُّوا بَعْدَ تَلَبُّسِهِمْ بِأسْبابِ الهُدى، فَأمّا أهْلُ الكِتابِ فَلِأنَّ لَدَيْهِمْ كِتابًا فِيهِ هُدًى ونُورٌ فَعَدَلُوا عَنْهُ، وأمّا المُشْرِكُونَ فَلِأنَّهم كانُوا
صفحة ٤٨٤
عَلى الحَنِيفِيَّةِ فَأدْخَلُوا فِيها عِبادَةَ الأصْنامِ، ثُمَّ إنَّهم أصَرُّوا عَلى دِينِهِمْ بَعْدَ ما شاهَدُوا مِن دَلائِلِ صِدْقِ مُحَمَّدٍ ﷺ وما جاءَ بِهِ القُرْآنُ مِنَ الإعْجازِ والإنْباءِ بِما في كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، وذَلِكَ مِمّا لَمْ يُشارِكْهم فِيهِ غَيْرُهم فَقَدِ اجْتَنَوْا لِأنْفُسِهِمُ الشَّرَّ مِن حَيْثُ كانُوا أهْلًا لِنَوالِ الخَيْرِ، فَحَسْرَتُهم عَلى أنْفُسِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ أشَدُّ مِن حَسْرَةِ مَن عَداهم، فَكانَ الفَرِيقانِ شَرًّا مِنَ الوَثَنِيِّينَ والزَّنادِقَةِ في اسْتِحْقاقِ العِقابِ، لا فِيما يُرْجى مِنهم مِنَ الِاقْتِرابِ.
وأُقْحِمَ اسْمُ الإشارَةِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهم أحْرِياءُ بِالحُكْمِ الوارِدِ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ مِن أجْلِ الأوْصافِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الإشارَةِ، كَما في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] . وتَوْسِيطُ ضَمِيرِ الفَصْلِ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِمْ بِكَوْنِهِمْ شَرَّ البَرِيئَةِ لا يُشارِكُهم في ذَلِكَ غَيْرُهم مِن فِرَقِ أهْلِ الكُفْرِ لِما عَلِمْتَ آنِفًا. ولا يَرِدُ أنَّ الشَّياطِينَ أشَدُّ شَرًّا مِنهم لِما عَلِمْتَ أنَّ اسْمَ البَرِيئَةِ اعْتُبِرَ إطْلاقُهُ عَلى البَشَرِ.
و(البَرِيئَةِ) قَرَأهُ نافِعٌ وحْدَهُ وابْنُ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ بِهَمْزٍ بَعْدَ الياءِ. فَعِيلَةٌ مِن بَرَأ اللَّهُ، إذا خَلَقَ.
وقَرَأهُ بَقِيَّةُ العَشَرَةِ بِياءٍ تَحْتِيَّةٍ مُشَدَّدَةٍ دُونَ هَمْزٍ عَلى تَسْهِيلِ الهَمْزَةِ بَعْدَ الكَسْرَةِ ياءً، وإدْغامِ الياءِ الأُولى في الياءِ الثّانِيَةِ تَخْفِيفًا.
وإثْباتُ الهَمْزَةِ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّخْفِيفُ لُغَةُ بَقِيَّةِ العَرَبِ، كَما تَرَكُوا الهَمْزَ في الدَّرِيَّةِ والنَّبِيِّ. قالَ سِيبَوَيْهِ: لَيْسَ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ إلّا ويَقُولُ: تَنَبَّأ مُسَيْلِمَةُ بِالهَمْزِ. غَيْرَ أنَّهم تَرَكُوا الهَمْزَ في النَّبِيءِ، كَما تَرَكُوهُ في: الدَّرِيَّةِ والبَرِيَّةِ إلّا أهْلَ مَكَّةَ، فَإنَّهم يَهْمِزُونَها ويُخالِفُونَ العَرَبَ في ذَلِكَ.
98:7Page 598
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧
Indeed, they who have believed and done righteous deeds - those are the best of creatures.
صفحة ٤٨٥
( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ﴾ ﴿جَزَآؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] .
قُوبِلَ حالُ الكَفَرَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ وحالُ المُشْرِكِينَ بِحالِ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]، اسْتِيعابًا لِأحْوالِ الفِرَقِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَرْيًا عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ نِذارَةِ المُنْذَرِينَ بِبِشارَةِ المُطْمَئِنِّينَ، وما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ مِنَ الثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وقَدَّمَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ عَلى بِشارَتِهِمْ عَلى عَكْسِ نَظْمِ الكَلامِ المُتَقَدِّمِ في ضِدِّهِمْ؛ لِيَكُونَ ذِكْرُ وعْدِهِمْ كالشُّكْرِ لَهم عَلى إيمانِهِمْ وأعْمالِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ شَكُورٌ.
والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ تَكَرُّرِ ذِكْرِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ، فَإنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ في نُفُوسِ الَّذِينَ آمَنُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ تَساؤُلًا عَنْ حالِهِمْ، لَعَلَّ تَأخُّرَ إيمانِهِمْ إلى ما بَعْدَ نُزُولِ الآياتِ في التَّنْدِيدِ عَلَيْهِمْ يَجْعَلُهم في انْحِطاطِ دَرَجَةٍ، فَجاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبَيِّنَةً أنَّ مَن آمَنَ مِنهم هو مَعْدُودٌ في خَيْرِ البَرِيئَةِ.
والقَوْلُ في اسْمِ الإشارَةِ، وضَمِيرِ الفَصْلِ والقَصْرِ وهَمْزَةِ البَرِيئَةِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ المُتَقَدِّمِ.
واسْمُ الإشارَةِ والجُمْلَةُ المُخْبَرُ بِها عَنْهُ جَمِيعُها خَبَرٌ عَنِ اسْمِ (إنَّ) .
وجُمْلَةُ ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ [البينة: ٨] إلى آخِرِها، مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ (﴿أُولَئِكَ هم خَيْرُ البَرِيئَةِ﴾) .
وعِنْدَ رَبِّهِمْ ظَرْفٌ وقَعَ اعْتِراضًا بَيْنَ (جَزاؤُهم)، وبَيْنَ جَنّاتِ عَدْنٍ؛ لِلتَّنْوِيهِ بِعِظَمِ الجَزاءِ بِأنَّهُ مُدَّخَرٌ لَهم عِنْدَ رَبِّهِمْ تَكْرُمَةً لَهم لِما في (عِنْدَ) مِنَ الإيماءِ إلى الحُظْوَةِ والعِنايَةِ، وما في لَفْظِ رَبِّهِمْ مِن الإيماءِ إلى إجْزالِ الجَزاءِ بِما يُناسِبُ عِظَمَ المُضافِ إلَيْهِ (عِنْدَ)، وما يُناسِبُ شَأْنَ مَن يَرُبُّ أنْ يَبْلُغَ بِمَرْبُوبِهِ عَظِيمَ الإحْسانِ.
وإضافَةُ: (جَنّاتُ) إلى (عَدْنٍ) لِإفادَةِ أنَّها مَسْكَنُهم؛ لِأنَّ العَدْنَ الإقامَةُ، أيْ: لَيْسَ جَزاؤُهم تَنَزُّهًا في الجَنّاتِ، بَلْ أقْوى مِن ذَلِكَ بِالإقامَةِ فِيها.
صفحة ٤٨٦
وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ [البينة: ٨] بِشارَةٌ بِأنَّها مَسْكَنُهم الخالِدُ.
ووَصْفُ الجَنّاتِ بِـ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [البينة: ٨]؛ لِبَيانِ مُنْتَهى حُسْنِها.
وجَرْيُ النَّهْرِ مُسْتَعارٌ لِانْتِقالِ السَّيْلِ تَشْبِيهًا لِسُرْعَةِ انْتِقالِ الماءِ بِسُرْعَةِ المَشْيِ.
والنَّهْرُ: أُخْدُودٌ عَظِيمٌ في الأرْضِ يَسِيلُ فِيهِ الماءُ فَلا يُطْلَقُ إلّا عَلى مَجْمُوعِ الأُخْدُودِ ومائِهِ. وإسْنادُ الجَرْيِ إلى الأنْهارِ تَوَسُّعٌ في الكَلامِ؛ لِأنَّ الَّذِي يَجْرِي هو ماؤُها وهو المُعْتَبَرُ في ماهِيَّةِ النَّهْرِ.
وجُعِلَ جَزاءُ الجَماعَةِ جَمْعَ الجَنّاتِ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ التَّوْزِيعِ، أيْ: لِكُلِّ واحِدٍ جَنَّةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] وقَوْلِكَ: رَكِبَ القَوْمُ دَوابَّهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ أحَدٍ جَنّاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ والفَضْلُ لا يَنْحَسِرُ. قالَ تَعالى: ﴿ولِمَن خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] .
وجُمْلَةُ ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [البينة: ٨] حالٌ مِن ضَمِيرِ (خالِدِينَ)، أيْ: خالِدِينَ خُلُودًا مُقارِنًا لِرِضى اللَّهِ عَنْهم، فَهم في مُدَّةِ خُلُودِهِمْ فِيها مَحْفُوفُونَ بِآثارِ رِضى اللَّهِ عَنْهم، وذَلِكَ أعْظَمُ مَراتِبِ الكَرامَةِ. قالَ تَعالى: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ورِضى اللَّهِ تَعَلُّقُ إحْسانِهِ وإكْرامِهِ لِعَبْدِهِ.
وأمّا الرِّضى في قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] فَهو كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِهِمْ نالَهم مِن إحْسانِ اللَّهِ ما لا مَطْلَبَ لَهم فَوْقَهُ، كَقَوْلِ أبِي بَكْرٍ في حَدِيثِ الغارِ: ”«فَشَرِبَ حَتّى رَضِيتُ» “ . وقَوْلُ مَخْرَمَةَ حِينَ أعْطاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَباءً ”«رَضِيَ مَخْرَمَةُ» “ . وزادَهُ حُسْنَ وقْعٍ هُنا ما فِيهِ مِنَ المُشاكَلَةِ.
98:8Page 599
جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ ٨
Their reward with their Lord will be gardens of perpetual residence beneath which rivers flow, wherein they will abide forever, Allāh being pleased with them and they with Him. That is for whoever has feared his Lord.
﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾
تَذْيِيلٌ آتٍ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ لِلَّذِينِ آمَنُوا والوَعِيدِ لِلَّذِينِ كَفَرُوا بَيَّنَ بِهِ سَبَبَ العَطاءِ وسَبَبَ الحِرْمانِ، وهو خَشْيَةُ اللَّهِ تَعالى بِمَنطُوقِ الصِّلَةِ ومَفْهُومِها.
والإشارَةُ إلى الجَزاءِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يَعْنِي: أنَّ السَّبَبَ الَّذِي أنالَهم ذَلِكَ الجَزاءَ هو خَشْيَتُهُمُ اللَّهَ، فَإنَّهم لَمّا خَشُوا اللَّهَ تَوَقَّعُوا غَضَبَهُ إذا لَمْ
صفحة ٤٨٧
يُصْغُوا إلى مَن يَقُولُ لَهم: إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، فَأقْبَلُوا عَلى النَّظَرِ في دَلائِلِ صِدْقِ الرَّسُولِ فاهْتَدَوْا وآمَنُوا، وأمّا الَّذِينَ آثَرُوا حُظُوظَ الدُّنْيا، فَأعْرَضُوا عَنْ دَعْوَةِ رَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ولَمْ يَتَوَقَّعُوا غَضَبَ مُرْسِلِهِ فَبَقُوا في ضَلالِهِمْ.
فَما صَدَقَ ﴿مَن خَشِيَ رَبَّهُ﴾ هُمُ المُؤْمِنُونَ، واللّامُ لِلْمِلْكِ، أيْ: ذَلِكَ الجَزاءُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ خَشُوا رَبَّهم، فَإذا كانَ ذَلِكَ مِلْكًا لَهم لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنهُ مِلْكًا لِغَيْرِهِمْ، فَأفادَ حِرْمانَ الكَفَرَةِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وتَمَّ التَّذْيِيلُ.
وفِي ذِكْرِ الرَّبِّ هُنا دُونَ أنْ يُقالَ: ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ اللَّهَ - تَعْرِيضٌ بِأنَّ الكُفّارَ لَمْ يَرْعَوْا حَقَّ الرُّبُوبِيَّةِ إذا لَمْ يَخْشَوْا رَبَّهم فَهم عَبِيدُ سُوءٍ.
* * *
صفحة ٤٨٨
صفحة ٤٨٩
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الزَّلْزَلَةِ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ في كَلامِ الصَّحابَةِ سُورَةَ (﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]) رَوى الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو نَزَلَتْ إذا زُلْزِلَتْ وأبُو بَكْرٍ قاعِدٌ فَبَكى الحَدِيثَ (١) . وفي حَدِيثِ أنَسٍ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: «(﴿إذا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]) تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ» . وكَذَلِكَ عَنْوَنَها البُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ.
وسُمِّيَتْ في كَثِيرٍ مِن المَصاحِفِ، ومِن كُتُبِ التَّفْسِيرِ (سُورَةَ الزِّلْزالِ) .
وسُمِّيَتْ في مُصْحَفٍ بِخَطٍّ كُوفِيٍّ قَدِيمٍ مِن مَصاحِفِ القَيْرَوانِ (زُلْزِلَتْ)، وكَذَلِكَ سَمّاها في الإتْقانِ في السُّوَرِ المُخْتَلِفِ في مَكانِ نُزُولِها، وكَذَلِكَ تَسْمِيَتُها في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ، ولَمْ يَعُدَّها في الإتْقانِ في عِدادِ السُّوَرِ ذَواتِ أكْثَرَ مِنِ اسْمٍ، فَكَأنَّهُ لَمْ يَرَ هَذِهِ ألْقابًا لَها، بَلْ جَعَلَها حِكايَةَ بَعْضِ ألْفاظِها، ولَكِنَّ تَسْمِيَتَها سُورَةَ الزَّلْزَلَةِ تَسْمِيَةٌ بِالمَعْنى لا بِحِكايَةِ بَعْضِ كَلِماتِها.
واخْتُلِفَ فِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والضَّحاكُ: هي مَكِّيَّةٌ. وقالَ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ: مَدَنِيَّةٌ ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والأصَحُّ أنَّها مَكِّيَّةٌ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ البَغَوِيُّ وابْنُ كَثِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ النَّيْسابُورِيُّ في تَفاسِيرِهِمْ. وذَكَرَ القُرْطُبِيُّ عَنْ جابِرٍ أنَّها مَكِّيَّةٌ، ولَعَلَّهُ يَعْنِي: جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحابِيَّ؛ لِأنَّ المَعْرُوفَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ أنَّها مَدَنِيَّةٌ، فَإنَّها مَعْدُودَةٌ في نَوْلِ السُّوَرِ المَدَنِيَّةِ فِيما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: آخِرُها وهو ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] الآيَةَ. نَزَلَ في رَجُلَيْنِ كانا بِالمَدِينَةِ اهـ. وسَتَعْلَمُ أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ.
صفحة ٤٩٠
وقَدْ عُدَّتِ الرّابِعَةَ والتِّسْعِينَ في عِدادِ نُزُولِ السُّوَرِ فِيما رُوِيَ عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ ونَظَمَهُ الجَعْبَرِيُّ وهو بِناءٌ عَلى أنَّها مَدَنِيَّةٌ جَعَلَها بَعْدَ سُورَةِ النِّساءِ وقَبْلَ سُورَةِ الحَدِيدِ.
وعَدَدُ آيِها تِسْعٌ عِنْدَ جُمْهُورِ أهْلِ العَدَدِ، وعَدَّها أهْلُ الكُوفَةِ ثَمانِيَ لِلِاخْتِلافِ في أنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النّاسُ أشْتاتًا لِيُرَوْا أعْمالَهُمْ﴾ [الزلزلة: ٦] آيَتانِ أوْ آيَةٌ واحِدَةٌ.
* * *
إثْباتُ البَعْثِ وذِكْرُ أشْراطِهِ وما يَعْتَرِيِ النّاسَ عِنْدَ حُدُوثِها مِنَ الفَزَعِ.
وحُضُورُ النّاسِ لِلْحَشْرِ وجَزائِهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وهو تَحْرِيضٌ عَلى فِعْلِ الخَيْرِ واجْتِنابِ الشَّرِّ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences