Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:62–95, continued
فيقال: بل الأمر أعظم مما ذكرنا، وهو بالإطالة أجدر. فإن بلاء الإسلام ومحنته عظمت من هاتين الطائفتين: أهل المكر والمخادعة، والاحتيال في العمليات، وأهل التحريف والسفسطة والقرمطة في العلميات. وكل فساد في الدين - بل والدنيا - فمنشؤه من هاتين الطائفتين.
فبالتأويل الباطل قتل عثمان رضي الله عنه، وعاثت الأمة في دمائها، وكفر بعضها بعضا وتفرقت على بضع وسبعين فرقة، فجرى على الإسلام من تأويل هؤلاء، وخداع هؤلاء ومكرهم ما جرى، واستولت الطائفتان، وقويت شوكتهما، وعاقبوا من لم يوافقهم وأنكر عليهم، ويأبي الله إلا أن يقيم لدينه من يذب عنه، ويبين أعلامه وحقائقه، لكيلا تبطل حجج الله وبيناته على عباده.
[فَصْلٌ: اسْتِنْباطٌ مِن قِصَّةِ يُوسُفَ وتَعْقِيبٌ عَلَيْهِ].
وَقَدْ احْتَجَّ بَعْضُ الفُقَهاءِ بِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلى أنَّهُ جائِزٌ لِلْإنْسانِ التَّوَصُّلُ إلى أخْذِ حَقِّهِ مِن الغَيْرِ بِما يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ رِضا مَن عَلَيْهِ الحَقُّ.
قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وهَذِهِ الحُجَّةُ ضَعِيفَةٌ؛ فَإنَّ يُوسُفَ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ حَبْسَ أخِيهِ عِنْدَهُ بِغَيْرِ رِضاهُ، ولَمْ يَكُنْ هَذا الأخُ مِمَّنْ ظَلَمَ يُوسُفَ حَتّى يُقالُ إنّهُ قَدْ اقْتَصَّ مِنهُ، وإنَّما سائِرُ الإخْوَةِ هم الَّذِينَ كانُوا قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ، نَعَمْ تَخَلُّفُهُ عِنْدَهُ كانَ يُؤْذِيهِمْ مِن أجْلِ تَأذِّي أبِيهِمْ والمِيثاقِ الَّذِي أخَذَهُ عَلَيْهِمْ، وقَدْ اسْتَثْنى في المِيثاقِ بِقَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] وقَدْ أُحِيطَ بِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ قَصْدُ يُوسُفَ بِاحْتِباسِ أخِيهِ الِانْتِقامَ مِن إخْوَتِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ أكْرَمَ مِن هَذا، وكانَ في ذَلِكَ مِن الإيذاءِ لِأبِيهِ.
أعْظَمُ مِمّا فِيهِ مِن إيذاءِ إخْوَتِهِ، وإنَّما هو أمْرٌ أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لِيَبْلُغَ الكِتابُ أجَلَهُ ويَتِمَّ البَلاءُ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ يَعْقُوبُ ويُوسُفُ كَمالَ الجَزاءِ، وتَبْلُغُ حِكْمَةُ اللَّهِ الَّتِي قَضاها لَهم نِهايَتُها.
وَلَوْ كانَ يُوسُفُ قَصَدَ القِصاصَ مِنهم بِذَلِكَ فَلَيْسَ هَذا مَوْضِعُ الخِلافِ بَيْنَ العُلَماءِ؛ فَإنَّ الرَّجُلَ لَهُ أنْ يُعاقِبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ، وإنَّما مَوْضِعُ الخِلافِ: هَلْ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَسْرِقَ أوْ يَخُونَ مَن سَرَقَهُ أوْ خانَهُ مِثْلَ ما سَرَقَ مِنهُ أوْ خانَهُ إيّاهُ؟ وقِصَّةُ يُوسُفَ لَمْ تَكُنْ مِن هَذا الضَّرْبِ. نَعَمْ، لَوْ كانَ يُوسُفُ أخَذَ أخاهُ بِغَيْرِ أمْرِهِ لَكانَ لِهَذا المُحْتَجِّ شُبْهَةٌ، مَعَ أنَّهُ لا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ أيْضًا؛ فَإنَّ مِثْلَ هَذا لا يَجُوزُ في شَرْعِنا بِالِاتِّفاقِ، وهو أنْ يُحْبَسَ رَجُلٌ بَرِيءٌ، ويُعْتَقَلَ لِلِانْتِقامِ مِن غَيْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ لَهُ جُرْمٌ، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ ذَلِكَ وقَعَ مِن يُوسُفَ فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ بِوَحْيٍ مِن اللَّهِ ابْتِلاءً مِنهُ لِذَلِكَ المُعْتَقَلِ، كَما ابْتَلى إبْراهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ، فَيَكُونُ المُبِيحُ لَهُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ وحْيًا خاصًّا كالوَحْيِ الَّذِي جاءَ إبْراهِيمُ بِذَبْحِ ابْنِهِ، وتَكُونُ حِكْمَتُهُ في حَقِّ المُبْتَلى امْتِحانُهُ وابْتِلاؤُهُ لِيَنالَ دَرَجَةَ الصَّبْرِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ والرِّضا بِقَضائِهِ، وتَكُونُ حالُهُ في هَذا كَحالِ أبِيهِ يَعْقُوبَ في احْتِباسِ يُوسُفَ عَنْهُ، وهَذا مَعْلُومٌ مِن فِقْهِ القِصَّةِ وسِياقِها ومِن حالِ يُوسُفَ.
وَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ وفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] فَنَسَبَ اللَّهُ تَعالى هَذا الكَيْدَ إلى نَفْسِهِ كَما نَسَبَهُ إلى نَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهم يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥] ﴿وَأكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٦]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا ومَكَرْنا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠]، وفي قَوْلِهِ: ﴿وَيَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠].
وَقَدْ قِيلَ: إنّ تَسْمِيَةَ ذَلِكَ مَكْرًا وكَيْدًا واسْتِهْزاءً وخِداعًا مِن بابِ الِاسْتِعارَةِ ومَجازِ المُقابَلَةِ نَحْوُ: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠]، ونَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقِيلَ وهو أصْوَبُ: بَلْ تَسْمِيَتُهُ بِذَلِكَ حَقِيقَةً عَلى بابِهِ؛ فَإنَّ المَكْرَ إيصالُ الشَّيْءِ إلى الغَيْرِ بِطَرِيقٍ خَفِيٍّ، وكَذَلِكَ الكَيْدُ والمُخادَعَةُ، ولَكِنَّهُ نَوْعانِ: قَبِيحٌ وهو إيصالُ ذَلِكَ لِمَن لا يَسْتَحِقُّهُ، وحَسَنٌ وهو إيصالُهُ إلى مُسْتَحِقِّهِ عُقُوبَةً لَهُ؛ فالأوَّلُ مَذْمُومٌ والثّانِي مَمْدُوحٌ، والرَّبُّ تَعالى إنّما يَفْعَلُ مِن ذَلِكَ ما يُحْمَدُ عَلَيْهِ عَدْلًا مِنهُ وحِكْمَةً، وهو تَعالى يَأْخُذُ الظّالِمَ والفاجِرَ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ لا كَما يَفْعَلُ الظَّلَمَةُ بِعِبادِهِ.
وَأمّا السَّيِّئَةُ فَهي فَيْعَلَةٌ مِمّا يَسُوءُ، ولا رَيْبَ أنَّ العُقُوبَةَ تَسُوءُ صاحِبَها؛ فَهي سَيِّئَةٌ لَهُ حَسَنَةٌ مِن الحَكَمِ العَدْلِ، وإذا عَرَفْتُ ذَلِكَ فَيُوسُفُ الصِّدِّيقُ كانَ قَدْ كِيدَ غَيْرَ مَرَّةٍ: أوَّلُها أنَّ إخْوَتَهُ كادُوا بِهِ كَيْدًا حَيْثُ احْتالُوا بِهِ في التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ، ثُمَّ إنّ امْرَأةَ العَزِيزِ كادَتْهُ بِما أظْهَرَتْ أنَّهُ راوَدَها عَنْ نَفْسِها ثُمَّ أُودِعَ السِّجْنَ، ثُمَّ إنّ النِّسْوَةَ كادُوهُ حَتّى اسْتَعاذَ.
بِاللَّهِ مِن كَيْدِهِنَّ فَصَرَفَهُ عَنْهُ، وقالَ لَهُ يَعْقُوبُ: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] وقالَ الشّاهِدُ لِامْرَأةِ العَزِيزِ: ﴿إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨]. وقالَ: ﴿ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاتِي قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ إنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] فَكادَ اللَّهُ لَهُ أحْسَنَ كَيْدٍ وألْطَفَهُ وأعْدَلَهُ، بِأنْ جَمَعَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ، وأخْرَجَهُ مِن أيْدِي إخْوَتِهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِمْ كَما أخْرَجُوا يُوسُفَ مِن يَدِ أبِيهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ، وكادَ لَهُ عِوَضَ كَيْدِ المَرْأةِ بِأنْ أخْرَجَهُ مِن ضِيقِ السِّجْنِ إلى فَضاءِ المُلْكِ، ومَكَّنَهُ في الأرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنها حَيْثُ يَشاءُ، وكانَ لَهُ في تَصْدِيقِ النِّسْوَةِ اللّاتِي كَذَّبْنَهُ وراوَدْنَهُ حَتّى شَهِدْنَ بِبَراءَتِهِ وعِفَّتِهِ، وكادَ لَهُ في تَكْذِيبِ امْرَأةَ العَزِيزِ لِنَفْسِها واعْتِرافِها بِأنَّها هي الَّتِي راوَدَتْهُ وأنَّهُ مِن الصّادِقِينَ؛ فَهَذِهِ عاقِبَةُ مَن صَبَرَ عَلى كَيْدِ الكائِدِ لَهُ بَغْيًا وعُدْوانًا.
[فَصْلٌ: مَكْرُ اللَّهِ تَعالى عَلى ضَرْبَيْنِ]
وَكَيْدُ اللَّهِ تَعالى لا يَخْرُجُ عَنْ نَوْعَيْنِ؛ أحَدُهُما وهو الأغْلَبُ: أنْ يَفْعَلَ تَعالى فِعْلًا خارِجًا عَنْ قُدْرَةِ العَبْدِ الَّذِي كادَ لَهُ؛ فَيَكُونُ الكَيْدُ قَدْرًا زائِدًا مَحْضًا لَيْسَ هو مِن بابٍ لا يَسُوغُ، كَما كادَ أعْداءَ الرُّسُلِ بِانْتِقامِهِ مِنهم بِأنْواعِ العُقُوباتِ، وكَذَلِكَ كانَتْ قِصَّةُ يُوسُفَ؛ فَإنَّ أكْثَرَ ما أمْكَنَهُ أنْ يَفْعَلَ أنْ ألْقى الصُّواعَ، في رَحْلِ أخِيهِ، وأنْ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ بِسَرِقَتِهِمْ، فَلَمّا أنْكَرُوا قالَ: ﴿فَما جَزاؤُهُ إنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ [يوسف: ٧٤] أيْ جَزاءُ السّارِقِ أوْ جَزاءُ السَّرَقِ: ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ فَهو جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] أيْ جَزاؤُهُ نَفْسَ السّارِقِ، يَسْتَعْبِدُهُ المَسْرُوقُ مِنهُ إمّا مُطْلَقًا وإمّا إلى مُدَّةٍ، وهَذِهِ كانَتْ شَرِيعَةُ آلِ يَعْقُوبَ.
[إعْرابُ جُمْلَةٍ في قِصَّةِ يُوسُفَ]
ثُمَّ في إعْرابِ هَذا الكَلامِ وجْهانِ؛ أحَدُهُما: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿جَزاؤُهُ مَن وُجِدَ في رَحْلِهِ﴾ [يوسف: ٧٥] جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ قائِمَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، وقَوْلُهُ: ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٥] جُمْلَةٌ ثانِيَةٌ كَذَلِكَ مُؤَكِّدَةٌ لِلْأُولى مُقَرِّرَةٌ لَها، والفَرْقُ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ أنَّ الأُولى إخْبارٌ عَنْ اسْتِحْقاقِ المَسْرُوقِ لِرَقَبَةِ السّارِقِ، والثّانِيَةَ إخْبارٌ أنَّ هَذا جَزاؤُهُ في شَرْعِنا وحُكْمِنا؛ فالأُولى إخْبارٌ عَنْ المَحْكُومِ عَلَيْهِ، والثّانِيَةُ إخْبارٌ عَنْ الحُكْمِ، وإنْ كانا مُتَلازِمَيْنِ، وإنْ أفادَتْ الثّانِيَةُ مَعْنى الحَصْرِ فَإنَّهُ لا جَزاءَ لَهُ غَيْرُهُ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ﴿جَزاؤُهُ﴾ [يوسف: ٧٤] الأوَّلَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ، والمَعْنى جَزاءُ السّارِقِ أنَّ مَن وُجِدَ المَسْرُوقُ في رَحْلِهِ كانَ هو الجَزاءُ، كَما تَقُولُ: جَزاءُ السَّرِقَةِ مَن سَرَقَ قُطِعَتْ يَدُهُ
وَجَزاءُ الأعْمالِ مَن عَمِلَ حَسَنَةً فَبِعَشْرٍ أوْ سَيِّئَةً فَبِواحِدَةٍ، ونَظائِرُهُ.
قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وإنَّما احْتَمَلَ الوَجْهَيْنِ ` لِأنَّ الجَزاءَ قَدْ يُرادُ بِهِ نَفْسُ الحُكْمِ بِاسْتِحْقاقِ العُقُوبَةِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ نَفْسُ فِعْلِ العُقُوبَةِ، وقَدْ يُرادُ بِهِ نَفْسُ الألَمِ الواصِلِ إلى المُعاقَبِ؛ والمَقْصُودُ أنَّ إلْهامَ اللَّهِ لَهم هَذا الكَلامَ كَيْدٌ كادَهُ لِيُوسُفَ خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ؛ إذْ قَدْ كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: لا جَزاءَ عَلَيْهِ حَتّى يَثْبُتَ أنَّهُ هو الَّذِي سَرَقَ؛ فَإنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِهِ في رَحْلِهِ لا يُوجِبُ ثُبُوتَ السَّرِقَةِ، وقَدْ كانَ يُوسُفُ عادِلًا لا يَأْخُذُهم بِغَيْرِ حُجَّةٍ، وقَدْ كانَ يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا: يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالسُّرّاقِ في دِينِكُمْ، وقَدْ كانَ في دِينِ مَلِكِ مِصْرَ - كَما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ - أنْ يُضْرَبَ السّارِقُ ويُغَرَّمَ قِيمَةَ المَسْرُوقِ مَرَّتَيْنِ، ولَوْ قالُوا ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يُلْزِمَهم بِما لا يُلْزِمُ بِهِ غَيْرَهُمْ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] أيْ ما كانَ يُمْكِنُهُ أخْذُهُ في دِينِ مَلِكِ مِصْرَ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ في دِينِهِ طَرِيقٌ لَهُ إلى أخْذِهِ، وعَلى هَذا فَقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ لَكِنْ إنْ شاءَ اللَّهُ أخَذَهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ، أوْ يَكُونَ مُتَّصِلًا عَلى بابِهِ، أيْ إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذَلِكَ فَيُهَيِّئُ لَهُ سَبَبًا يُؤْخَذُ بِهِ في دِينِ المَلِكِ مِن الأسْبابِ الَّتِي كانَ الرَّجُلُ يُعْتَقَلُ بِها، فَإذا كانَ المُرادُ مِن الكَيْدِ فِعْلًا مِن اللَّهِ - بِأنْ يُيَسِّرَ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ المَظْلُومِ المُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ أُمُورًا يَحْصُلُ بِها مَقْصُودُهُ مِن الِانْتِقامِ مِن الظّالِمِ - كانَ هَذا خارِجًا عَنْ الحِيَلِ الفِقْهِيَّةِ؛ فَإنَّ كَلامَنا في الحِيَلِ الَّتِي يَفْعَلُها العَبْدُ، لا فِيما يَفْعَلُهُ اللَّهُ تَعالى، بِما في قِصَّةِ يُوسُفَ.
تَنْبِيهٌ عَلى بُطْلانِ الحِيَلِ وأنَّ مَن كادَ كَيْدًا مُحَرَّمًا؛ فَإنَّ اللَّهَ يَكِيدُهُ ويُعامِلُهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ وبِمِثْلِ عَمَلِهِ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في أرْبابِ الحِيَلِ المُحَرَّمَةِ أنَّهُ لا يُبارِكُ لَهم فِيما نالُوهُ بِهَذِهِ الحِيَلِ، ويُهَيِّئُ لَهم كَيْدًا عَلى يَدِ مَن يَشاءُ مِن خَلْقِهِ يُجْزَوْنَ بِهِ مِن جِنْسِ كَيْدِهِمْ وحِيَلِهِمْ.
[ما تَدُلُّ عَلَيْهِ قِصَّةُ يُوسُفَ]
وَفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ المُؤْمِنَ المُتَوَكِّلَ عَلى اللَّهِ إذا كادَهُ الخَلْقُ فَإنَّ اللَّهَ يَكِيدُ لَهُ ويَنْتَصِرُ لَهُ بِغَيْرِ حَوْلٍ مِنهُ ولا قُوَّةٍ.
وَفِيها دَلِيلٌ عَلى أنَّ وُجُودَ المَسْرُوقِ بِيَدِ السّارِقِ كافٍ في إقامَةِ الحَدِّ عَلَيْهِ، بَلْ هو بِمَنزِلَةِ إقْرارِهِ، وهو أقْوى مِن البَيِّنَةِ، وغايَةُ البَيِّنَةِ أنْ يُسْتَفادَ مِنها ظَنٌّ، وأمّا وُجُودُ المَسْرُوقِ بِيَدِ السّارِقِ فَيُسْتَفادُ مِنهُ اليَقِينُ وبِهَذا جاءَتْ السُّنَّةُ في وُجُوبِ الحَدِّ بِالحَبَلِ والرّائِحَةِ في الخَمْرِ كَما اتَّفَقَ عَلَيْهِ الصَّحابَةُ، والِاحْتِجاجُ بِقِصَّةِ يُوسُفَ عَلى هَذا أحْسَنُ وأوْضَحُ مِن الِاحْتِجاجِ بِها عَلى الحِيَلِ.
وَفِيها تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ العِلْمَ الخَفِيَّ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى المَقاصِدِ الحَسَنَةِ مِمّا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ دَرَجاتِ العَبْدِ؛ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ وغَيْرُهُ: بِالعِلْمِ، وقَدْ أخْبَرَ تَعالى عَنْ رَفْعِهِ دَرَجاتِ أهْلِ العِلْمِ في ثَلاثَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، أحَدُها: قَوْلُهُ: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [الأنعام: ٨٣] فَأخْبَرَ أنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن يَشاءُ بِعِلْمِ الحُجَّةِ. وقالَ في قِصَّةِ يُوسُفَ: ﴿كَذَلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أخاهُ في دِينِ المَلِكِ إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] فَأخْبَرَ أنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجاتِ مَن يَشاءُ بِالعِلْمِ الخَفِيِّ الَّذِي يَتَوَصَّلُ بِهِ صاحِبُهُ إلى المَقاصِدِ المَحْمُودَةِ، وقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ﴾ [المجادلة: ١١] فَأخْبَرَ أنَّهُ يَرْفَعُ دَرَجاتِ أهْلِ العِلْمِ والإيمانِ.
فَصْلٌ [النَّوْعُ الثّانِي مِن كَيْدِ اللَّهِ تَعالى لِعَبْدِهِ]
النَّوْعُ الثّانِي مِن كَيْدِهِ لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ: هو أنْ يُلْهِمَهُ تَعالى أمْرًا مُباحًا أوْ مُسْتَحَبًّا أوْ واجِبًا يُوَصِّلُهُ بِهِ إلى المَقْصُودِ الحَسَنِ؛ فَيَكُونُ عَلى هَذا إلْهامُهُ لِيُوسُفَ أنْ يَفْعَلَ ما فَعَلَ هو مِن كَيْدِهِ تَعالى أيْضًا، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ﴾ [يوسف: ٧٦] فَإنَّ فِيها تَنْبِيهًا عَلى أنَّ العِلْمَ الدَّقِيقَ المُوَصِّلَ إلى المَقْصُودِ الشَّرْعِيِّ صِفَةُ مَدْحٍ، كَما أنَّ العِلْمَ الَّذِي يَخْصِمُ بِهِ المُبْطِلَ صِفَةُ مَدْحٍ؛ وعَلى هَذا فَيَكُونُ مِن الكَيْدِ ما هو مَشْرُوعٌ، لَكِنْ لا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ الكَيْدُ الَّذِي تُسْتَحَلُّ بِهِ المُحَرَّماتُ أوْ تُسْقَطُ بِهِ الواجِباتُ؛ فَإنَّ هَذا كَيْدٌ لِلَّهِ، واللَّهُ هو الَّذِي يَكِيدُ الكائِدَ، ومُحالٌ أنْ يَشْرَعَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُكادَ دِينُهُ، وأيْضًا فَإنَّ هَذا الكَيْدَ لا يَتِمُّ إلّا بِفِعْلِ يُقْصَدُ بِهِ غَيْرَ مَقْصُودِهِ الشَّرْعِيِّ، ومُحالٌ أنْ يَشْرَعَ اللَّهُ لِعَبْدِهِ أنْ يَقْصِدَ بِفِعْلِهِ ما لَمْ يَشْرَعْ اللَّهُ ذَلِكَ الفِعْلَ لَهُ.
فَهَذا هو الجَوابُ عَنْ احْتِجاجِ المُتَحَيِّلِينَ بِقِصَّةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، وقَدْ تَبَيَّنَ أنَّها مِن أعْظَمِ الحُجَجِ عَلَيْهِمْ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
12:63Page 242
فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٦٣
So when they returned to their father, they said, "O our father, [further] measure has been denied to us, so send with us our brother [that] we will be given measure. And indeed, we will be his guardians."
No commentary for this ayah
12:64Page 243
قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٦٤
He said, "Should I entrust you with him except [under coercion] as I entrusted you with his brother before? But Allāh is the best guardian, and He is the most merciful of the merciful."
No commentary for this ayah
12:65Page 243
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ ٦٥
And when they opened their baggage, they found their merchandise returned to them. They said, "O our father, what [more] could we desire? This is our merchandise returned to us. And we will obtain supplies [i.e., food] for our family and protect our brother and obtain an increase of a camel's load; that is an easy measurement."1
No commentary for this ayah
12:66Page 243
قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٦٦
[Jacob] said, "Never will I send him with you until you give me a promise [i.e., oath] by Allāh that you will bring him [back] to me, unless you should be surrounded [i.e., overcome by enemies]." And when they had given their promise, he said, "Allāh, over what we say, is Entrusted."1
No commentary for this ayah
12:67Page 243
وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ ٦٧
And he said, "O my sons, do not enter from one gate but enter from different gates; and I cannot avail you against [the decree of] Allāh at all. The decision is only for Allāh; upon Him I have relied, and upon Him let those who would rely [indeed] rely."
No commentary for this ayah
12:68Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦٨
And when they entered from where their father had ordered them, it did not avail them against Allāh at all except [it was] a need [i.e., concern] within the soul of Jacob, which he satisfied. And indeed, he was a possessor of knowledge because of what We had taught him, but most of the people do not know.
No commentary for this ayah
12:69Page 243
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٦٩
And when they entered upon Joseph, he took his brother to himself; he said, "Indeed, I am your brother, so do not despair over what they used to do [to me]."
No commentary for this ayah
12:70Page 244
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ ٧٠
So when he had furnished them with their supplies, he put the [gold measuring] bowl into the bag of his brother. Then an announcer called out, "O caravan, indeed you are thieves."
No commentary for this ayah
12:71Page 244
قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ ٧١
They said while approaching them, "What is it you are missing?"
No commentary for this ayah
12:72Page 244
قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ ٧٢
They said, "We are missing the measure of the king. And for he who produces it is [the reward of] a camel's load, and I am responsible for it."
[فصل: في ضَمانُ ما لا يَجِبُ]
يَصِحُّ ضَمانُ ما لا يَجِب كَقَوْلِهِ: " ما أعْطَيْت لِفُلانٍ فَهو عَلَيَّ " عِنْدَ الأكْثَرِينَ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ في قَوْلِ مُؤَذِّنِ يُوسُفَ: ﴿وَلِمَن جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وأنا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]
والمَصْلَحَةُ تَقْتَضِي ذَلِكَ، بَلْ قَدْ تَدْعُو إلَيْهِ الحاجَةُ أوْ الضَّرُورَةُ، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ لا يَجُوزُ، وسَلِمَ جَوازُهُ إذا تَبَيَّنَ سَبَبُ وُجُوبِهِ كَدَرَكِ المَبِيعِ.
والحِيلَةُ في جَوازِهِ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّهُ إذا رَضِيَ بِأنْ يَلْتَزِمَ عَنْهُ مِقْدارًا لَهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بَعْدَ أنْ يُقِرَّ المَضْمُونُ عَنْهُ بِهِ لِلدّافِعِ ثُمَّ يَضْمَنَهُ عَنْهُ الضّامِنُ، فَإنْ خَشِيَ المُقِرُّ أنْ يُطالِبَهُ المُقَرُّ لَهُ بِذَلِكَ ولا يَدْفَعَهُ إلَيْهِ فالحِيلَةُ أنْ يَقُولَ: هو عَلَيَّ مِن ثَمَنِ مَبِيعٍ لَمْ أقْبِضْهُ، فَإنْ تَحَرَّجَ مِن الإخْبارِ بِالكَذِبِ فالحِيلَةُ أنْ يَبِيعَهُ ما يُرِيدُ أخْذَهُ مِنهُ بِالمَبْلَغِ الَّذِي التَزَمَ الضّامِنُ أداءَهُ، فَإذا صارَ في ذِمَّتِهِ ضَمِنَهُ عَنْهُ، وهَذا الحُكْمُ إذا زَوَّجَ ابْنَهُ أوْ عَبْدَهُ أوْ أجِيرَهُ وضَمِنَ لِلْمَرْأةِ نَفَقَتَها وكِسْوَتَها فالصَّحِيحُ في هَذا كُلِّهِ جَوازُ الضَّمانِ، والحاجَةُ تَدْعُو إلَيْهِ، ولا مَحْذُورَ فِيهِ، ولَيْسَ بِعَقْدِ مُعاوَضَةٍ فَتُؤَثِّرُ فِيهِ الجَهالَةُ، وعُقُودُ الِالتِزامِ لا تُؤَثِّرُ فِيها الجَهالَةُ كالنَّذْرِ، ثُمَّ يُمْكِنُ رَفْعُ الجَهالَةِ بِأنْ يَحُدَّ لَهُ حَدًّا فَيَقُولَ: مِن دِرْهَمٍ إلى كَذا وكَذا.
فَإنْ قِيلَ: ما بَيْنَ الدِّرْهَمِ والغايَةِ مَجْهُولٌ لا يَدْرِي كَمْ يَلْزَمُهُ مِنهُ.
قِيلَ: لا يَقْدَحُ ذَلِكَ في جَوازِ الِالتِزامِ؛ لِأنَّهُ يَتَبَيَّنُ في الآخَرِ كَمْ هو الواجِبُ مِنهُ، ثُمَّ لَوْ أقَرَّ بِذَلِكَ فَقالَ: " لَهُ عَلَيَّ ما بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ " صَحَّ؛ فَهَكَذا إذا قالَ: " ضَمِنت عَنْهُ ما بَيْنَ دِرْهَمٍ إلى ألْفٍ ".
فَإنْ قِيلَ: الضّامِنُ فَرْعٌ عَلى المَضْمُونِ عَنْهُ، فَإذا كانَ الأصْلُ لَمْ يَثْبُتْ في ذِمَّتِهِ شَيْءٌ فَعَلى أيِّ شَيْءٍ يَنْبَنِي الضَّمانُ ويَتَفَرَّعُ؟ قِيلَ: إنّما يَصِيرُ ضامِنًا إذا ثَبَتَ في ذِمَّةِ المَضْمُونِ عَنْهُ، وإلّا في الحالِ فَلَيْسَ هو ضامِنًا. وإنْ صَحَّ أنْ يُقالَ: " هو ضامِنٌ بِالقُوَّةِ " فَفي الحَقِيقَةِ هو ضَمانٌ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطٍ، وذَلِكَ جائِزٌ، واللَّهُ أعْلَمُ.
12:73Page 244
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ ٧٣
They said, "By Allāh, you have certainly known that we did not come to cause corruption in the land, and we have not been thieves."
No commentary for this ayah
12:74Page 244
قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ ٧٤
They [the accusers] said, "Then what would be its recompense1 if you should be liars?"
No commentary for this ayah
12:75Page 244
قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٧٥
[The brothers] said, "Its recompense is that he in whose bag it is found - he [himself] will be its recompense.1 Thus do we recompense the wrongdoers."
No commentary for this ayah
12:76Page 244
فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ ٧٦
So he began [the search] with their bags before the bag of his brother; then he extracted it from the bag of his brother. Thus did We plan for Joseph. He could not have taken his brother within the religion [i.e., law] of the king except that Allāh willed. We raise in degrees whom We will, but over every possessor of knowledge is one [more] knowing.1
No commentary for this ayah
12:77Page 244
۞ قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ٧٧
They said, "If he steals - a brother of his has stolen before." But Joseph kept it within himself and did not reveal it to them.1 He said, "You are worse in position, and Allāh is most knowing of what you describe."
[فَصْلٌ: قِياسُ الشَّبَهِ]
وَأمّا قِياسُ الشَّبَهِ فَلَمْ يَحْكِهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ إلّا عَنْ المُبْطِلِينَ؛ فَمِنهُ قَوْله تَعالى إخْبارًا عَنْ إخْوَةِ يُوسُفَ أنَّهم قالُوا لَمّا وجَدُوا الصُّواعَ في رَحْلِ أخِيهِمْ: ﴿إنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أخٌ لَهُ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ٧٧]
فَلَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ بِعِلَّةٍ ولا دَلِيلِها، وإنَّما ألْحَقُوا أحَدَهُما بِالآخَرِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ جامِعٍ سِوى مُجَرَّدِ الشَّبَهِ الجامِعِ بَيْنَهُ وبَيْنَ يُوسُفَ، فَقالُوا: هَذا مَقِيسٌ عَلى أخِيهِ، بَيْنَهُما شَبَهٌ مِن وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ، وذاكَ قَدْ سَرَقَ فَكَذَلِكَ هَذا، وهَذا هو الجَمْعُ بِالشَّبَهِ الفارِغِ، والقِياسِ بِالصُّورَةِ المُجَرَّدَةِ عَنْ العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلتَّساوِي، وهو قِياسٌ فاسِدٌ، والتَّساوِي في قَرابَةِ الأُخُوَّةِ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِلتَّساوِي في السَّرِقَةِ لَوْ كانَتْ حَقًّا، ولا دَلِيلَ عَلى التَّساوِي فِيها؛ فَيَكُونُ الجَمْعُ لِنَوْعِ شَبَهٍ خالٍ عَنْ العِلَّةِ ودَلِيلِها.
12:78Page 244
قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٧٨
They said, "O ʿAzeez,1 indeed he has a father [who is] an old man, so take one of us in place of him. Indeed, we see you as a doer of good."
No commentary for this ayah
12:79Page 245
قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ ٧٩
He said, "[I seek] the refuge of Allāh [to prevent] that we take except him with whom we found our possession. Indeed, we would then be unjust."
No commentary for this ayah
12:80Page 245
فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٠
So when they had despaired of him, they secluded themselves in private consultation. The eldest of them said, "Do you not know that your father has taken upon you an oath by Allāh and [that] before you failed in [your duty to] Joseph? So I will never leave [this] land until my father permits me or Allāh decides for me,1 and He is the best of judges.
No commentary for this ayah
12:81Page 245
ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ ٨١
Return to your father and say, 'O our father, indeed your son has stolen, and we did not testify except to what we knew. And we were not witnesses of the unseen.1
No commentary for this ayah
12:82Page 245
وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ ٨٢
And ask the city in which we were and the caravan in which we came - and indeed, we are truthful.'"
No commentary for this ayah
12:83Page 245
قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٨٣
[Jacob] said, "Rather, your souls have enticed you to something, so patience is most fitting. Perhaps Allāh will bring them to me all together. Indeed, it is He who is the Knowing, the Wise."
No commentary for this ayah
12:84Page 245
وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ ٨٤
And he turned away from them and said, "Oh, my sorrow over Joseph," and his eyes became white1 from grief, for he was [of that] a suppressor.2
وقال همام عن قتادة في قوله تعالى ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ قال كظم على حزن فلم يقل إلا خيرا.
وقال يحيى بن المختار عن الحسن الكظيم الصبور.
وقال همام عن قتادة في قوله تعالى ﴿وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم﴾ أي كميد أي كمد الحزن.
وقال الحسن ما جرعتين أحب إلى الله من جرعة مصيبة موجعة محزنة ردها صاحبها بحسن عزاء وصبر وجرعة غيظ ردها بحلم.
[فصل: حَقِيقَةُ الغَيْبَةِ]
قالَ صاحِبُ المَنازِلِ:
(بابُ الغَيْبَةِ) قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَتَوَلّى عَنْهم وقالَ ياأسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤].
وَجْهُ اسْتِدْلالِهِ بِإشارَةِ الآيَةِ أنَّ يَعْقُوبَ ﷺ لَمّا امْتَلَأ قَلْبُهُ بِحُبِّ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وذِكْرِهِ أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِ أخِيهِ، مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِ بِمُصِيبَةِ فِراقِهِ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ مَعَ ذَلِكَ ولَمْ يَتَأسَّفْ عَلَيْهِ غَيْبَةً عَنْهُ بِمَحَبَّةِ يُوسُفَ واسْتِيلائِهِ عَلى قَلْبِهِ، واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ أكْبَرْنَهُ وقَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣١] لَكانَ دَلِيلًا أيْضًا، فَإنَّ مُشاهَدَتَهُ في تِلْكَ الحالِ غَيَّبَ عَنِ النِّسْوَةِ السَّكاكِينَ وما يَقْطَعْنَ بِهِنَّ، حَتّى قَطَّعْنَ أيْدِيَهُنَّ ولا يَشْعُرْنَ، وذَلِكَ مِن قُوَّةِ الغَيْبَةِ.
12:85Page 245
قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ ٨٥
They said, "By Allāh, you will not cease remembering Joseph until you become fatally ill or become of those who perish."
No commentary for this ayah
12:86Page 245
قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٨٦
He said, "I only complain of my suffering and my grief to Allāh, and I know from Allāh that which you do not know.
(فائِدَة)
الجاهِل يشكو الله إلى النّاس وهَذا غايَة الجَهْل بالمشكو والمشكو إلَيْهِ، فَإنَّهُ لَو عرف ربه لما شكاه ولَو عرف النّاس لما شكا إلَيْهِم.
وَرَأى بعض السّلف رجلا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته فَقالَ يا هَذا والله ما زِدْت على أن شَكَوْت من يَرْحَمك.
وَفِي ذَلِك قيل
؎إذا شَكَوْت إلى ابْن آدم إنَّما ∗∗∗ تَشْكُو الرَّحِيم إلى الَّذِي لا يرحم
والعارف إنَّما يشكو إلى الله وحده وأعرف العارفين من جعل شكواه إلى الله من نَفسه لا من النّاس فَهو يشكو من مُوجبات تسليط النّاس عَلَيْهِ فَهو ناظر إلى قَوْله تَعالى ﴿وَما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَما كسبت أيْدِيكُم﴾ وقَوله ﴿وَما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفسك﴾ وقَوله ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا {قُلْ هو مِن عند أنفسكُم﴾
فالمراتب ثَلاثَة أخسها أن تَشْكُو الله إلى خلقه، وأعلاها أن تَشْكُو نَفسك إلَيْهِ، وأوسطها أن تَشْكُو خلقه إلَيْهِ.
(فصل)
الشكوى نوعان أحدهما الشكوى إلى الله فهذا لا ينافي الصبر كما قال يعقوب ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ مع قوله ﴿فصبر جميل﴾ وقال أيوب ﴿مسني الضر﴾ مع وصف الله له بالصبر.
وقال سيد الصابرين صلوات الله وسلامه عليه "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي ... الخ".
وقال موسى صلوات الله وسلامه عليه "اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة إلا بك".
والنوع الثاني شكوى المبتلى بلسان الحال والمقال فهذه لا تجامع الصبر بل تضاده وتبطله فالفرق بين شكواه والشكوى إليه وسنعود لهذه المسألة في باب اجتماع الشكوى والصبر وافتراقهما إن شاء الله تعالى.
وقيل الصبر شجاعة النفس ومن ها هنا أخذ القائل قوله الشجاعة صبر ساعة وقيل الصبر ثبات القلب عند موارد الاضطراب والصبر والجزع ضدان ولهذا يقابل أحدهما بالآخر قال تعالى عن أهل النار: ﴿سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص﴾ والجزع قرين العجز وشقيقه والصبر قرين الكيس ومادته فلو سئل الجزع من أبوك لقال العجز ولو سئل الكيس من أبوك لقال الصبر والنفس مطية العبد التي يسير عليها إلى الجنة أو النار والصبر لها بمنزلة الخطام والزمام للمطيه فإن لم يكن للمطيه خطام ولا زمام شردت في كل مذهب.
وحفظ من خطب الحجاج "اقدعوا هذه النفوس فإنها طلعة إلى كل سوء فرحم الله امرءا جعل لنفسه خطاما وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله وصرفها بزمامها عن معاصي الله فإن الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذابه".
قلت: والنفس فيها قوتان قوة الإقدام وقوة الإحجام فحقيقة الصبر أن يجعل قوة الإقدام مصروفة إلى ما ينفعه وقوة الإحجام إمساكا عما يضره ومن الناس من تكون قوة صبره على فعل ما ينتفع به وثباته عليه أقوى من صبره عما يضره فيصبر على مشقة الطاعة ولا صبر له عن داعي
هواه إلى ارتكاب ما نهى عنه، ومنهم من تكون قوة صبره عن المخالفات أقوى من صبره على مشقة الطاعات، ومنهم من لا صبر له على هذا ولا ذاك، وأفضل الناس أصبرهم على النوعين فكثير من الناس يصبر على مكابدة قيام الليل في الحر والبرد وعلى مشقة الصيام، ولا يصبر عن نظرة محرمة.
وكثير من الناس يصبر عن النظر وعن الالتفات إلى الصور، ولا صبر له على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهاد الكفار والمنافقين، بل هو أضعف شيء عن هذا وأعجزه.
وأكثرهم لا صبر له على واحد من الأمرين وأقلهم أصبرهم في الموضعين.
وقيل "الصبر ثبات باعث العقل والدين في مقابلة باعث الهوى والشهوة"
ومعنى هذا أن الطبع يتقاضى ما يحب وباعث العقل والدين يمنع منه والحرب قائمة بينهما وهو سجال ومحرك هذا الحرب قلب العبد والصبر والشجاعة والثبات.
12:87Page 246
يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨٧
O my sons, go and find out about Joseph and his brother and despair not of relief from Allāh. Indeed, no one despairs of relief from Allāh except the disbelieving people."
No commentary for this ayah
12:88Page 246
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ ٨٨
So when they entered upon him [i.e., Joseph], they said, "O ʿAzeez, adversity has touched us and our family, and we have come with goods poor in quality, but give us full measure and be charitable to us. Indeed, Allāh rewards the charitable."
No commentary for this ayah
12:89Page 246
قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ ٨٩
He said, "Do you know what you did with Joseph and his brother when you were ignorant?"
No commentary for this ayah
12:90Page 246
قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٠
They said, "Are you indeed Joseph?" He said, "I am Joseph, and this is my brother. Allāh has certainly favored us. Indeed, he who fears Allāh and is patient, then indeed, Allāh does not allow to be lost the reward of those who do good."
No commentary for this ayah
12:91Page 246
قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ ٩١
They said, "By Allāh, certainly has Allāh preferred you over us, and indeed, we have been sinners."
No commentary for this ayah
12:92Page 246
قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ٩٢
He said, "No blame will there be upon you today. May Allāh forgive you; and He is the most merciful of the merciful.
No commentary for this ayah
12:93Page 246
ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ ٩٣
Take this, my shirt, and cast it over the face of my father; he will become seeing. And bring me your family, all together."
No commentary for this ayah
12:94Page 246
وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ ٩٤
And when the caravan departed [from Egypt], their father said,1 "Indeed, I find the smell of Joseph [and would say that he was alive] if you did not think me weakened in mind."
No commentary for this ayah
12:95Page 246
قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ ٩٥
They said, "By Allāh, indeed you are in your [same] old error."
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences