Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:185–197
2:185Page 28
شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥
The month of Ramaḍān [is that] in which was revealed the Qur’ān, a guidance for the people and clear proofs of guidance and criterion. So whoever sights [the crescent of] the month,1 let him fast it; and whoever is ill or on a journey - then an equal number of other days. Allāh intends for you ease and does not intend for you hardship and [wants] for you to complete the period and to glorify Allāh for that [to] which He has guided you; and perhaps you will be grateful.
قول الله سبحانه: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ فيه فائدتان أو أكثر إحداهما أنه لو قال رمضان الذي أنزل فيه القرآن لاقتضى اللفظ وقوع الإنزال على جميعه كما تقدم من قول سيبويه وهذا خلاف المعنى لأن الإنزال كان في ليلة واحدة منه في ساعة منها فكيف يتناول جميع الشهر وكان ذكر الشهر الذي هو غير علم موافقا للمعنى كما تقول سرت في شهر كذا فلا يكون السير متناولا لجميع الشهر.
الفائدة الأخرى: أنه لو قال: رمضان الذي أنزل فيه القرآن الكريم لكان حكم المدح والتعظيم مقصورا على شهر بعينه إذ قد تقدم أن هذا الاسم وما هو مثله إذا لم تقترن به قرينة تدل على توالي الأعوام التي هو فيها
لم يكن محله إلا العام الذي أنت فيه أو العام المذكور قبله فكان ذكر الشهر الذي هو الهلال في الحقيقة كما قال الشاعر:
والشهر مثل قلامة الظفر يريد الهلال مقتضيا لتعليق الحكم الذي هو التعظيم بالهلال والشهر المسمى بهذا الاسم متى كان في أي عام كان مع أن رمضان وما كان مثله لا يكون معرفة في مثل هذا الموطن لأنه لم يرد لعام بعينه ألا ترى أن الآية في سورة البقرة وهي من آخر ما نزل وقد كان القرآن أنزل قبل ذلك بسنين ولو قلت رمضان حج فيه زيد تريد فيما سلف لقيل لك أي رمضان كان ولزمك أن تقول حج في رمضان من الرمضانيات حتى تريد عاما بعينه كما سبق وفائدة ثالثة: في ذكر الشهر وهو التبيين في الأيام المعدودات لأن الأيام تبين بالأيام وبالشهر ونحوه ولا تبين بلفظ رمضان لأن لفظه مأخوذ من مادة أخرى وهو أيضا علم فلا ينبغي أن يبين به الأيام المعدودات حتى يذكر الشهر الذي هو في معناها ثم تضاف إليه.
وأما قوله ﷺ: "من صام رمضان" ففي حذف الشهر فائدة أيضا وهي: تناول الصيام لجميع الشهر فلو قال: من صام أو قام شهر رمضان لصار ظرفا مقدرا بفي ولم يتناول القيام والصيام جميعه فرمضان في الحديث مفعول على السعة نحو قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ لأنه لو كان ظرفا لم يحتج إلى قوله: ﴿إلا قَلِيلًا﴾.
فإن قيل: فينبغي أن يكون قوله من قام رمضان مقصورا على العام الذي هو فيه لما تقدم من قولكم أنه إنما يكون معرفة علما إذا أردته لعامك أو لعام بعينه؟
قيل قوله من صام رمضان على العموم خطاب لكل فرد ولأهل كل عام فصار بمنزلة قولك من صام كل عام رمضان كما تقول إن جئتني كل يوم سحر أعطيتك فقد مر قرينة تدل على التمادي تنوب مناب ذكر كل عام وقد اتضح الفرق بين الحديثين والآية "فإذا" فهمت فرق ما بينهما بعد تأمل هذه الفصول وتدبرها ثم لم تعدل عندك هذه الفائدة جميع الدنيا بأسرها فما قدرتها حق قدرها والله المستعان على واجب شكرها هذا نص كلام السهيلي بحروفه.
(فائدة)
معاني لفظ (شهد)
(شهد) في لسانهم لها معان أحدها الحضور ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾
وفيه قولان أحدهما: من شهد المصر في الشهر والثاني: من شهد الشهر في المصر وهما متلازمان والثاني: الخبر ومنه شهد عندي رجال مرضيون وأرضاهم عندي عمر أن رسول الله "نهى عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح " رواه مسلم وأحمد وأبو داود وغيرهم والثالث: الإطلاع على الشيء ومنه: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ وإذا كان كل خبر شهادة فليس مع من اشترط لفظ الشهادة فيها دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح وعن أحمد فيها ثلاث روايات إحداهن: اشتراط لفظ الشهادة والثانية: الاكتفاء بمجرد الإخبار اختارها شيخنا والثالثة: الفرق بين الشهادة على الأقوال وبين الشهادة على الأفعال فالشهادة على الأقوال لا يشترط فيها لفظ الشهادة وعلى الأفعال يشترط لأنه إذا قال سمعته يقول فهو بمنزلة الشاهد على رسول الله فيما يخبر عنه.
[فَصْلٌ: الحِكْمَةُ في الفَرْقِ بَيْنَ بَعْضِ الأيّامِ وبَعْضِها الآخَرِ]
وَأمّا قَوْلُهُ: " وحَرَّمَ صَوْمَ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَوّالٍ، وفَرَضَ صَوْمَ آخِرِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ مَعَ تَساوِيهِما " فالمُقَدِّمَةُ الأُولى صَحِيحَةٌ، والثّانِيَةُ كاذِبَةٌ؛ فَلَيْسَ اليَوْمانِ مُتَساوِيَيْنِ وإنْ اشْتَرَكا في طُلُوعِ الشَّمْسِ وغُرُوبِها؛ فَهَذا يَوْمٌ مِن شَهْرِ الصِّيامِ الَّذِي فَرَضَهُ اللَّهُ عَلى عِبادِهِ، وهَذا يَوْمُ عِيدِهِمْ وسُرُورِهِمْ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى شُكْرانَ صَوْمِهِمْ وإتْمامِهِ، فَهم فِيهِ أضْيافُهُ سُبْحانَهُ، والجَوادُ الكَرِيمُ يُحِبُّ مِن ضَيْفِهِ أنْ يَقْبَلَ قِراهُ، ويُكْرَهُ أنْ يَمْتَنِعَ مِن قَبُولِ ضِيافَتِهِ بِصَوْمٍ أوْ غَيْرِهِ، ويُكْرَهُ لِلضَّيْفِ أنْ يَصُومَ إلّا بِإذْنِ صاحِبِ المَنزِلِ؛ فَمِن أعْظَمِ مَحاسِنِ الشَّرِيعَةِ فَرْضُ صَوْمِ آخِرِ يَوْمٍ مِن رَمَضانَ فَإنَّهُ إتْمامٌ لِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ وخاتِمَةُ العَمَلِ، وتَحْرِيمُ صَوْمِ أوَّلِ يَوْمٍ مِن شَوّالٍ فَإنَّهُ يَوْمٌ يَكُونُ فِيهِ المُسْلِمُونَ أضْيافُ رَبِّهِمْ تَبارَكَ وتَعالى، وهم في شُكْرانِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَأيُّ شَيْءٍ أبْلَغُ وأحْسَنُ مِن هَذا الإيجابِ والتَّحْرِيمِ؟
(فائدة)
وَرَخَّصَ ﷺ لِمَن شَهِدَ العِيدَ أنْ يَجْلِسَ لِلْخُطْبَةِ، وأنْ يَذْهَبَ، ورَخَّصَ لَهم إذا وقَعَ العِيدُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنْ يَجْتَزِئُوا بِصَلاةِ العِيدِ عَنْ حُضُورِ الجُمُعَةِ.
وَكانَ ﷺ يُخالِفُ الطَّرِيقَ يَوْمَ العِيدِ، فَيَذْهَبُ في طَرِيقٍ، ويَرْجِعُ في آخَرَ.
فَقِيلَ: لِيُسَلِّمَ عَلى أهْلِ الطَّرِيقَيْنِ.
وَقِيلَ: لِيَنالَ بَرَكَتَهُ الفَرِيقانِ.
وَقِيلَ: لِيَقْضِيَ حاجَةَ مَن لَهُ حاجَةٌ مِنهُما.
وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعائِرَ الإسْلامِ في سائِرِ الفِجاجِ والطُّرُقِ.
وَقِيلَ: لِيَغِيظَ المُنافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزَّةَ الإسْلامِ وأهْلَهُ وقِيامَ شَعائِرِهِ.
وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهادَةُ البِقاعِ، فَإنَّ الذّاهِبَ إلى المَسْجِدِ والمُصَلّى إحْدى خُطْوَتَيْهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً، والأُخْرى تَحُطُّ خَطِيئَةً حَتّى يَرْجِعَ إلى مَنزِلِهِ.
وَقِيلَ: وهو الأصَحُّ: إنَّهُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، ولِغَيْرِهِ مِنَ الحِكَمِ الَّتِي لا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْها.
وَرُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ «اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ»
2:186Page 28
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦
And when My servants ask you, [O Muḥammad], concerning Me - indeed I am near. I respond to the invocation of the supplicant when he calls upon Me. So let them respond to Me [by obedience] and believe in Me that they may be [rightly] guided.
وقد جاء أن سبب نزولها أن الصحابة قالوا: يا رسول الله ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾، وهذا يدل على إرشادهم للمناجاة في الدعاء لا للنداء الذي هو رفع الصوت فإنهم عن هذا سألوا فأجيبوا بأن ربهم تبارك وتعالى قريب لا يحتاج في دعائه وسؤاله إلى النداء وإنما يسأل مسألة القريب المناجي لا مسألة البعيد المنادي وهذا القرب من الداعي هو قرب خاص ليس قربا عاما من كل أحد فهو قريب من داعيه وقريب من عابده، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وهو أخص من قرب الإنابة وقرب الإجابة الذي لم يثبت أكثر المتكلمين سواه بل هو قرب خاص من الداعي والعابد كما قال النبي ﷺ راويا عن ربه تبارك وتعالى "من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا" رواه البخاري ومسلم، فهذا قربه من عابده وأما قربه من داعيه وسائله فكما قال تعالى: ﴿وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ﴾ وقوله: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً﴾
فيه الإشارة والإعلام بهذا القرب، وأما قربه تبارك وتعالى من محبه فنوع آخر وبناء آخر وشأن آخر كما قد ذكرناه في كتاب التحف المكية على أن العبارة تنبو عنه ولا تحصل في القلب حقيقة معناه أبدا لكن بحسب قوة المحبة وضعفها يكون تصديق العبد بهذا القرب وإياك ثم إياك أن تعبر عنه بغير العبارة النبوية أو يقع في قلبك غير معناها ومرادها فتزل قدم بعد ثبوتها وقد ضعف تمييز خلائق في هذا المقام وساء تعبيرهم فوقعوا في أنواع من الطامات والشطح وقابلهم من غلط حجابه فأنكر محبة العبد لربه جملة وقربه منه وأعاد ذلك إلى مجرد الثواب المخلوف فهو عنده المحبوب القريب ليس إلا، وقد ذكرنا من طرق الرد على هؤلاء وهؤلاء في كتاب التحفة أكثر من مائة طريق. والمقصود هاهنا الكلام علي هذه الآية.
2:187Page 29
أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ١٨٧
It has been made permissible for you the night preceding fasting to go to your wives [for sexual relations]. They are a clothing for you and you are a clothing1 for them. Allāh knows that you used to deceive yourselves,2 so He accepted your repentance and forgave you. So now, have relations with them and seek that which Allāh has decreed for you [i.e., offspring]. And eat and drink until the white thread of dawn becomes distinct to you from the black thread [of night]. Then complete the fast until the night [i.e., sunset]. And do not have relations with them as long as you are staying for worship in the mosques. These are the limits [set by] Allāh, so do not approach them. Thus does Allāh make clear His verses [i.e., ordinances] to the people that they may become righteous.
روى شعبة عن الحكم عن مجاهد قال: هو الولد. وقاله الحكم، وعكرمة، والحسن البصري، والسدي، والضحاك.
وأرفع ما فيه: ما رواه محمد بن حر عن أبيه حدثني عمي عن أبيه حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «هو الولد»
وقال ابن زيد: هو الجماع. وقال قتادة: ابتغوا الرخصة التي كتب الله لكم.
وعن ابن عباس رواية أخرى: قال: ليلة القدر.
والتحقيق أن يقال: لما خفف الله عن الأمة بإباحة الجماع ليلة الصوم إلى طلوع الفجر، وكان المجامع يغلب عليه حكم الشهوة وقضاء الوطر، حتى لا يكاد يخطر بقلبه غير ذلك، أرشدهم سبحانه إلى أن يطلبوا رضاه في مثل هذه اللذة. ولا يباشروهن بحكم مجرد الشهوة، بل يبتغوا ما كتب الله لهم من الأجر والولد الذي يخرج من أصلابهم يعبد الله ولا يشرك به شيئا، ويبتغون ما أباح لهم من الرخصة بحكم محبته بقبول رخصه. فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يكره أن تؤتي معصيته. ومما كتب الله لهم: ليلة القدر، فأمروا أن يبتغوها.
لكن يبقى أن يقال: فما تعلق ذلك بإباحة مباشرة أزواجهم؟
فيقال: فيه إرشاد إلى أن يشغلهم ما أبيح لهم من المباشرة عن طلب هذه الليلة التي هي خير من ألف شهر. فكأنه سبحانه يقول: اقضوا وطركم من نسائكم ليلة الصيام، ولا يشغلكم ذلك عن ابتغاء ما كتب الله لكم من هذه الليلة التي فضلكم بها. والله أعلم.
(فائدة)
العدوان: هو تعدي حدود الله التي قال فيها: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها ومَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾.
وقال في موضع آخر: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ فنهى عن تعديها في آية وعن قربانها في آية وهذا لأن حدوده سبحانه هي النهايات الفاصلة بين الحلال والحرام ونهاية الشيء تارة تدخل فيه فتكون منه وتارة لا تكون داخلة فيه فتكون لها حكم المقابلة فالاعتبار الأول نهى عن تعديها، وبالاعتبار الثاني نهى عن قربانها.
(فائدة في إضافة ظروف الزمان للأحداث)
إنما أضيف ظروف الزمان إلى الأحداث الواقعة فيها نحو يوم يقوم زيد لأنها أوقات لها وواقعة فيها فهي لاختصاصها بها أضيف إليها وهذا بخلاف ظروف المكان لأنها لا تختص بتلك الأحداث فإن اختصت غالبا حسنت الإضافة نحو هذا مكان يجلس القاضي ويكون بمنزلة يوم يجلس القاضي سواء وربما أضيفت أسماء الزمان إلى أحداث لا تقع فيها لاتصالها بها كقوله تعالى: ﴿لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ فالليلة من ظروف الزمان وقد أضيف إلى الصيام وليس بواقع فيها فلما جاز في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث وإن لم يكن واقعا فيه أضافوه إلى الفعل لفظا وهو مضاف إلى الحدث معنى وأقحم لفظ الفعل إقرارا للمعنى وتخصيصا للغرض ورفعا لشوائب الاحتمال حتى إذا سمع المخاطب قولك يوم قام زيد علم أنك تريد اليوم الذي قام فيه زيد ولو قلت مكان قولك ﴿ليلة الصيام﴾ ليلة صيام زيد ما كان له معنى إلا وقوع الصيام في الليل فهو الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم إضافة الظروف إلى الأحداث وقس على ذلك المبتدأ والخبر.
(فصل: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ حِفْظُ الحُدُودِ عِنْدَ ما لا بَأْسَ بِهِ)
إبْقاءً عَلى الصِّيانَةِ والتَّقْوى. وصُعُودًا عَنِ الدَّناءَةِ. وتَخَلُّصًا عَنِ اقْتِحامِ الحُدُودِ.
يَقُولُ: إنَّ مَن صَعَدَ عَنِ الدَّرَجَةِ الأُولى إلى هَذِهِ الدَّرَجَةِ مِنَ الوَرَعِ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِمّا لا بَأْسَ بِهِ مِنَ المُباحِ، إبْقاءً عَلى صِيانَتِهِ، وخَوْفًا عَلَيْها أنْ يَتَكَدَّرَ صَفْوُها. ويُطْفَأ نُورُها. فَإنَّ كَثِيرًا مِنَ المُباحِ يُكَدِّرُ صَفْوَ الصِّيانَةِ، ويُذْهِبُ بَهْجَتَها، ويُطْفِئُ نُورَها، ويُخْلِقُ حُسْنَها وبَهْجَتَها.
وَقالَ لِي يَوْمًا شَيْخُ الإسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ - قَدَّسَ اللَّهُ رَوْحَهُ - في شَيْءٍ مِنَ المُباحِ: هَذا يُنافِي المَراتِبَ العالِيَةَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ تَرْكُهُ شَرْطًا في النَّجاةِ. أوْ نَحْوَ هَذا مِنَ الكَلامِ.
فالعارِفُ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِنَ المُباحِ إبْقاءً عَلى صِيانَتِهِ. ولا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ المُباحُ بَرْزَخًا بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ، فَإنَّ بَيْنَهُما بَرْزَخًا - كَما تَقَدَّمَ - فَتَرْكُهُ لِصاحِبِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ كالمُتَعَيِّنِ الَّذِي لابُدَّ مِنهُ لِمُنافاتِهِ لِدَرَجَتِهِ.
والفَرْقُ بَيْنَ صاحِبِ الدَّرَجَةِ الأُولى وصاحِبِ هَذِهِ: أنَّ ذَلِكَ يَسْعى في تَحْصِيلِ الصِّيانَةِ. وهَذا يَسْعى في حِفْظِ صَفْوِها أنْ يَتَكَدَّرَ، ونُورِها أنْ يُطْفَأ ويَذْهَبَ. وهو مَعْنى قَوْلِهِ: إبْقاءً عَلى الصِّيانَةِ.
وَأمّا الصُّعُودُ عَنِ الدَّناءَةِ فَهو الرَّفْعُ عَنْ طُرُقاتِها وأفْعالِها.
وَأمّا التَّخَلُّصُ عَنِ اقْتِحامِ الحُدُودِ، فالحُدُودُ هي النِّهاياتُ. وهي مَقاطِعُ الحَلالِ والحَرامِ. فَحَيْثُ يَنْقَطِعُ ويَنْتَهِي، فَذَلِكَ حَدُّهُ. فَمَنِ اقْتَحَمَهُ وقَعَ في المَعْصِيَةِ. وقَدْ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ تَعَدِّي حُدُودِهِ وقُرْبانِهِ. فَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها﴾ [البقرة: ١٨٧].
وَقالَ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها﴾ [البقرة: ٢٢٩]. فَإنَّ الحُدُودَ يُرادُ بِها أواخِرُ الحَلالِ. وحَيْثُ نَهى عَنِ القُرْبانِ فالحُدُودُ هُناكَ: أوائِلُ الحَرامِ.
يَقُولُ سُبْحانَهُ: لا تَتَعَدُّوا ما أبَحْتُ لَكُمْ، ولا تَقْرُبُوا ما حَرَّمْتُ عَلَيْكم.
فالوَرِعُ يُخَلِّصُ العَبْدَ مِن قُرْبانِ هَذِهِ وتَعَدِّي هَذِهِ. وهو اقْتِحامُ الحُدُودِ.
2:188Page 29
وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٨
And do not consume one another's wealth unjustly or send it [in bribery] to the rulers in order that [they might aid] you [to] consume a portion of the wealth of the people in sin, while you know [it is unlawful].
أيْ تُضِيفُوا ذَلِكَ إلى الحُكّامِ وتَتَوَصَّلُوا بِحُكْمِهِمْ إلى أكْلِها.
فَإنْ قِيلَ: لَوْ أرادَ هَذا المَعْنى لَقِيلَ: " وتُدْلُوا بِالحُكّامِ إلَيْها " وأمّا الإدْلاءُ بِها إلى الحُكّامِ فَهو التَّوَصُّلُ بِالبِرْطِيلِ بِها إلَيْهِمْ فَتَرْشُوا الحاكِمَ لِتَتَوَصَّلُوا بِرِشْوَتِهِ إلى الأكْلِ بِالباطِلِ.
قِيلَ: الآيَةُ تَتَناوَلُ النَّوْعَيْنِ، فَكُلٌّ مِنهُما إدْلاءٌ إلى الحُكّامِ بِسَبَبِها، فالنَّهْيُ عَنْهُما مَعًا.
2:189Page 29
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٨٩
They ask you, [O Muḥammad], about the crescent moons. Say, "They are measurements of time for the people and for ḥajj [pilgrimage]." And it is not righteousness to enter houses from the back, but righteousness is [in] one who fears Allāh. And enter houses from their doors. And fear Allāh that you may succeed.
No commentary for this ayah
2:190Page 29
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ١٩٠
Fight in the way of Allāh those who fight against you but do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
No commentary for this ayah
2:191Page 30
وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩١
And kill them [in battle] wherever you overtake them and expel them from wherever they have expelled you, and fitnah1 is worse than killing. And do not fight them at al-Masjid al-Ḥarām until they fight you there. But if they fight you, then kill them. Such is the recompense of the disbelievers.
No commentary for this ayah
2:192Page 30
فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٩٢
And if they cease, then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
No commentary for this ayah
2:193Page 30
وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩٣
Fight them until there is no [more] fitnah and [until] religion [i.e., worship] is [acknowledged to be] for Allāh. But if they cease, then there is to be no aggression [i.e., assault] except against the oppressors.
No commentary for this ayah
2:194Page 30
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٩٤
[Battle in] the sacred month is for [aggression committed in] the sacred month,1 and for [all] violations is legal retribution. So whoever has assaulted you, then assault him in the same way that he has assaulted you. And fear Allāh and know that Allāh is with those who fear Him.
No commentary for this ayah
2:195Page 30
وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥
And spend in the way of Allāh and do not throw [yourselves] with your [own] hands into destruction [by refraining]. And do good; indeed, Allāh loves the doers of good.
قالَ ﷺ: «ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهُمْ: المُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ، والمُكاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الأداءَ، والنّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ العَفافَ».
وَقالَ: «مَن ماتَ، ولَمْ يَغْزُ، ولَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، ماتَ عَلى شُعْبَةٍ مِن نِفاقٍ».
وَذَكَرَ أبو داود عَنْهُ: «مَن لَمْ يَغْزُ، أوْ يُجَهِّزْ غازِيًا، أوْ يَخْلُفْ غازِيًا في أهْلِهِ بِخَيْرٍ، أصابَهُ اللَّهُ بِقارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ».
وَقالَ: «إذا ضَنَّ النّاسُ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، وتَبايَعُوا بِالعِينَةِ، واتَّبَعُوا أذْنابَ البَقَرِ، وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ، أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ بَلاءً، فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهم حَتّى يُراجِعُوا دِينَهُمْ»
وَذَكَرَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ: «مَن لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ولَيْسَ لَهُ أثَرٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، لَقِيَ اللَّهَ وفِيهِ ثُلْمَةٌ».
وَقالَ تَعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾، وفَسَّرَ أبُو أيُّوبَ الأنْصارِيُّ الإلْقاءَ بِاليَدِ إلى التَّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الجِهادِ، وصَحَّ عَنْهُ ﷺ: «إنَّ أبْوابَ الجَنَّةِ تَحْتَ ظِلالِ السُّيُوفِ»
2:196Page 30
وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٩٦
And complete the ḥajj and ʿumrah for Allāh. But if you are prevented, then [offer] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And do not shave your heads until the sacrificial animal has reached its place of slaughter. And whoever among you is ill or has an ailment of the head [making shaving necessary must offer] a ransom of fasting [three days] or charity1 or sacrifice.2 And when you are secure,3 then whoever performs ʿumrah [during the ḥajj months]4 followed by ḥajj [offers] what can be obtained with ease of sacrificial animals. And whoever cannot find [or afford such an animal] - then a fast of three days during ḥajj and of seven when you have returned [home]. Those are ten complete [days]. This is for those whose family is not in the area of al-Masjid al-Ḥarām. And fear Allāh and know that Allāh is severe in penalty.
(فائدة)
سئل ابن عقيل عن كشف المرأة وجهها في الإحرام مع كثرة الفساد اليوم أهو أولى أم التغطية مع الفداء؟
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: "لو علم رسول الله ما أحدث النساء لمنعهن المساجد"؟
فأجاب: بأن الكشف شعار إحرامها ورفع حكم ثبت شرعا بحوادث البدع لا يجوز لأنه يكون نسخا بالحوادث ويفضي إلى رفع الشرع رأسا.
وأما قول عائشة فإنها ردت الأمر إلى صاحب الشرع فقالت لو رأى لمنع ولم تمنع هي وقد حبذ عمر السترة على الأمَة
وقال لا تشبهي بالحرائر.
ومعلوم أن فيهن من تفنن لكنه لما وضع كشف رأسها للفرق بين الحرائر والإماء جعله فرقا فما ظنك بكشف وضع بين النسك والإحلال وقد ندب الشرع إلى النظر إلى المرأة قبل النكاح وأجاز للشهود النظر فليس ببدع أن يأمرها بالكشف ويأمر الرجال بالغض ليكون أعظم للابتلاء كما قرب الصيد إلى الأيدي في الإحرام ونهي عنه"
قلت: سبب هذا السؤال والجواب خفاء بعض ما جاءت به السنة في حق المرأة في الإحرام فإن النبي ﷺ لم يشرع لها كشف الوجه في الإحرام ولا غيره، وإنما جاء النص بالنهي عن النقاب خاصة كما جاء بالنهي عن القفازين وجاء النهي عن لبس القميص والسراويل ومعلوم أن نهيه عن لبس هذه الأشياء لم يرد أنها تكون مكشوفة لا تستر ألبتة بل قد أجمع الناس على أن المحرمة تستر بدنها بقميصها ودرعها وأن الرجل يستر بدنه بالرداء وأسافله بالإزار مع أن مخرج النهي عن النقاب والقفازين والقميص والسراويل واحد وكيف يزاد على موجب النص ويفهم منه أنه شرع لها كشف وجهها بين الملأ جهارا.
فأي نص اقتضى هذا أو مفهوم أو عموم أو قياس أو مصلحة، بل وجه المرأة كبدن الرجل يحرم ستره بالمفصل على قدره كالنقاب والبرقع بل ويدها يحرم سترها بالمفصل على قدر اليد كالقفاز.
وأما سترها بالكم وستر الوجه بالملاءة والخمار والثوب فلم ينه عنه ألبتة.
ومن قال إن وجهها كرأس المحرم فليس معه بذلك نص ولا عموم ولا يصح قياسه على رأس المحرم لما جعل الله بينهما من الفرق.
وقول من قال من السلف إحرام المرأة في وجهها إنما أراد به هذا المعنى.
أي لا يلزمها اجتناب اللباس كما يلزم الرجل بل يلزمها اجتناب النقاب فيكون وجهها كبدن الرجل، ولو قدر أنه أراد وجوب
كشفه فقوله ليس بحجة ما لم يثبت عن صاحب الشرع أنه قال ذلك وأراد به وجوب كشف الوجه ولا سبيل إلى واحد من الأمرين وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "كنا إذ مر بنا الركبان سدلت إحدانا الجلباب على وجهها" ولم تكن إحداهن تتخذ عودا تجعله بين وجهها وبين الجلباب كما قاله بعض الفقهاء ولا يعرف هذا عن امرأة من نساء الصحابة ولا أمهات المؤمنين ألبتة لا عملا ولا فتوى ومستحيل أن يكون هذا من شعار الإحرام ولا يكون ظاهرا مشهورا بينهن يعرفه الخاص والعام ومن آثر الإنصاف وسلك سبيل العلم والعدل تبين له راجح المذاهب من مرجوحها وفاسدها من صحيحها والله الموفق والهادي.
2:197Page 31
ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٧
Ḥajj is [during] well-known months,1 so whoever has made ḥajj obligatory upon himself therein [by entering the state of iḥrām], there is [to be for him] no sexual relations and no disobedience and no disputing during ḥajj. And whatever good you do - Allāh knows it. And take provisions, but indeed, the best provision is fear of Allāh. And fear Me, O you of understanding.
جَمَعَ لَهم بَيْنَ زادِ سَفَرِهِمْ وزادِ مَعادِهِمْ، كَما جَمَعَ بَيْنَ اللِّباسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أنْزَلْنا عَلَيْكم لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكم ورِيشًا ولِباسُ التَّقْوى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِن آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٦]
فَذَكَرَ - سُبْحانَهُ - زِينَةَ ظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ ونَبَّهَهم بِالحِسِّيِّ عَلى المَعْنَوِيِّ؛ وفَهْمُ هَذا القَدْرِ زائِدٌ عَلى فَهْمِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ ووَضْعِهِ في أصْلِ اللِّسانِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانِ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
(فَصْلٌ: المَعْصِيَةُ تُؤَثِّرُ في العَقْلِ)
وَمِن عُقُوباتِها: أنَّها تُؤَثِّرُ بِالخاصَّةِ في نُقْصانِ العَقْلِ، فَلا تَجِدُ عاقِلَيْنِ أحَدُهُما مُطِيعٌ لِلَّهِ والآخَرُ عاصٍ، إلّا وعَقْلُ المُطِيعِ مِنهُما أوْفَرُ وأكْمَلُ، وفِكْرُهُ أصَحُّ، ورَأْيُهُ أسَدُّ، والصَّوابُ قَرِينُهُ.
وَلِهَذا تَجِدُ خِطابَ القُرْآنِ إنَّما هو مَعَ أُولِي العُقُولِ والألْبابِ، كَقَوْلِهِ: ﴿واتَّقُونِ ياأُولِي الألْبابِ﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ياأُولِي الألْبابِ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ١٠٠]، وقَوْلِهِ: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ [البقرة: ٢٦٩]، ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ.
وَكَيْفَ يَكُونُ عاقِلًا وافِرَ العَقْلِ مَن يَعْصِي مَن هو في قَبْضَتِهِ وفي دارِهِ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ يَراهُ ويُشاهِدُهُ فَيَعْصِيهِ وهو بِعَيْنِهِ غَيْرُ مُتَوارٍ عَنْهُ، ويَسْتَعِينُ بِنِعَمِهِ عَلى مَساخِطِهِ، ويَسْتَدْعِي كُلَّ وقْتٍ غَضَبَهُ عَلَيْهِ، ولَعْنَتَهُ لَهُ، وإبْعادَهُ مِن قُرْبِهِ، وطَرْدَهُ عَنْ بابِهِ، وإعْراضَهُ عَنْهُ، وخِذْلانَهُ لَهُ، والتَّخْلِيَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ وعَدُوِّهِ، وسُقُوطَهُ مِن عَيْنِهِ، وحِرْمانَهُ رُوحَ رِضاهُ
وَحُبَّهُ، وقُرَّةَ العَيْنِ بِقُرْبِهِ، والفَوْزَ بِجِوارِهِ، والنَّظَرَ إلى وجْهِهِ في زُمُرَةِ أوْلِيائِهِ، إلى أضْعافِ أضْعافِ ذَلِكَ مِن كَرامَتِهِ أهْلَ الطّاعَةِ، وأضْعافِ أضْعافِ ذَلِكَ مِن عُقُوبَةِ أهْلِ المَعْصِيَةِ.
فَأيُّ عَقْلٍ لِمَن آثَرَ لَذَّةَ ساعَةٍ أوْ يَوْمٍ أوْ دَهْرٍ، ثُمَّ تَنْقَضِي كَأنَّها حُلْمٌ لَمْ يَكُنْ، عَلى هَذا النَّعِيمِ المُقِيمِ، والفَوْزِ العَظِيمِ؟ بَلْ هو سَعادَةُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ولَوْلا العَقْلُ الَّذِي تَقُومُ بِهِ عَلَيْهِ الحُجَّةُ لَكانَ بِمَنزِلَةِ المَجانِينِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ المَجانِينُ أحْسَنَ حالًا مِنهُ وأسْلَمَ عاقِبَةً، فَهَذا مِن هَذا الوَجْهِ.
وَأمّا تَأْثِيرُها في نُقْصانِ العَقْلِ المَعِيشِ، فَلَوْلا الِاشْتِراكُ في هَذا النُّقْصانِ، لَظَهَرَ لِمُطِيعِنا نُقْصانُ عَقْلِ عاصِينا، ولَكِنَّ الجائِحَةَ عامَّةٌ، والجُنُونَ فُنُونٌ.
وَيا عَجَبًا لَوْ صَحَّتِ العُقُولُ لَعَلِمَتْ أنَّ طَرِيقَ تَحْصِيلِ اللَّذَّةِ والفَرْحَةِ والسُّرُورِ وطِيبِ العَيْشِ، إنَّما هو في رِضاءِ مَنِ النَّعِيمُ كُلُّهُ في رِضاهُ، والألَمُ والعَذابُ كُلُّهُ في سُخْطِهِ وغَضَبِهِ، فَفي رِضاهُ قُرَّةُ العُيُونِ، وسُرُورُ النُّفُوسِ، وحَياةُ القُلُوبِ، ولَذَّةُ الأرْواحِ، وطِيبُ الحَياةِ، ولَذَّةُ العَيْشِ، وأطْيَبُ النَّعِيمِ، ومِمّا لَوْ وُزِنَ مِنهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ بِنَعِيمِ الدُّنْيا لَمْ يَفِ بِهِ، بَلْ إذا حَصَلَ لِلْقَلْبِ مِن ذَلِكَ أيْسَرُ نَصِيبٍ لَمْ يَرْضَ بِالدُّنْيا وما فِيها عِوَضًا مِنهُ، ومَعَ هَذا فَهو يَتَنَعَّمُ بِنَصِيبِهِ مِنَ الدُّنْيا أعْظَمَ مِن تَنَعُّمِ المُتْرَفِينَ فِيها، ولا يَشُوبُ تَنَعُّمَهُ بِذَلِكَ الحَظِّ اليَسِيرِ ما يَشُوبُ تَنَعُّمَ المُتْرَفِينَ مِنَ الهُمُومِ والغُمُومِ والأحْزانِ المُعارِضاتِ، بَلْ قَدْ حَصَلَ لَهُ عَلى النَّعِيمَيْنِ وهو يَنْتَظِرُ نَعِيمَيْنِ آخَرَيْنِ أعْظَمَ مِنهُما، وما يَحْصُلُ لَهُ في خِلالِ ذَلِكَ مِنَ الآلامِ، فالأمْرُ كَما قالَ تَعالى: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ [النساء: ١٠٤].
فَلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ما أنْقَصَ عَقْلَ مَن باعَ الدُّرَّ بِالبَعْرِ، والمِسْكَ بِالرَّجِيعِ، ومُرافَقَةَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ، بِمُرافَقَةِ الَّذِينَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ولَعَنَهم وأعَدَّ لَهم جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا.
(فائدة)
التَّقْوى ثَلاث مَراتِب
إحْداها حمية القلب والجوارح عَن الآثام والمحرّمات.
الثّانِيَة حميتها عَن المكروهات.
الثّالِثَة الحمية عَن الفضول وما لا يَعْنِي.
فالأولى تُعْطِي العَبْد حَياته، والثّانية تفيده صِحَّته وقوته، والثّالِثَة تكسبه سروره وفرحه وبهجته.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences