Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:30–34, continued
ومنها استخراجه تعالى ما كان كامنا في نفس عدوه إبليس من الكبر والمعصية الذي ظهر عند أمره بالسجود فاستحق اللعنة والطرد والإبعاد على ما كان كامنا في نفسه عند إظهاره والله تعالى كان يعلم منه ولم يكن ليعاقبه ويلعنه على علمه فيها بل على وقوع معلومة فكان أمره بالسجود له مع الملائكة مظهرا للخبث والكفر الذي كان كامنا فيه ولم تكن الملائكة تعلمه فأظهر لهم سبحانه ما كان يعلمه وكان خافيا عنهم من أمره فكان في الأمر بالسجود له تكريما لخليفته الذي أخبرهم بجعله في الأرض وجبرا له وتأديبا للملائكة وإظهارا لما كان مستخفيا في نفس إبليس وكان ذلك سببا لتمييز الخبيث من الطيب وهذا من بعض حكمه تعالى في إسجادهم لآدم ثم إنه سبحانه لما علم آدم ما علمه ثم امتحن الملائكة بعلمه فلم يعلموه فأنبأهم به آدم وكان في طي ذلك جوابا لهم عن كون هذا الخليفة لا فائدة في جعله في الأرض فإنه يفسد فيها ويسفك الدماء فأراهم من فضله وعلمه خلاف ما كان في ظنهم.
(فَصْلٌ المَشْهَدُ الخامِسُ وهو أحَدُ مَشاهِدِ أهْلِ الِاسْتِقامَةِ: مَشْهَدُ الحِكْمَةِ)
وَهُوَ مَشْهَدُ حِكْمَةِ اللَّهِ في تَقْدِيرِهِ عَلى عَبْدِهِ ما يُبْغِضُهُ سُبْحانَهُ ويَكْرَهُهُ، ويَلُومُ ويُعاقِبُ عَلَيْهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ لَعَصَمَهُ مِنهُ، ولَحالَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُعْصى قَسْرًا، وأنَّهُ لا يَكُونُ في العالَمِ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ ﴿ألا لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤].
وَهَؤُلاءِ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَمْ يَخْلُقْ شَيْئًا عَبَثًا ولا سُدًى، وأنَّهُ لَهُ الحِكْمَةُ البالِغَةُ في كُلِّ ما قَدَّرَهُ وقَضاهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، وطاعَةٍ ومَعْصِيَةٍ، وحِكْمَةٍ باهِرَةٍ تَعْجِزُ العُقُولُ عَنِ الإحاطَةِ بِكُنْهِها، وتَكِلُّ الألْسُنُ عَنِ التَّعْبِيرِ عَنْها.
فَمَصْدَرُ قَضائِهِ وقَدَرِهِ لِما يُبْغِضُهُ ويُسْخِطُهُ اسْمُهُ الحَكِيمُ الَّذِي بَهَرَتْ حِكْمَتُهُ الألْبابَ، وقَدْ قالَ تَعالى لِمَلائِكَتِهِ لَمّا قالُوا ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَأجابَهم سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] فَلِلَّهِ سُبْحانَهُ في ظُهُورِ المَعاصِي والذُّنُوبِ والجَرائِمِ وتَرَتُّبِ آثارِها مِنَ الآياتِ والحِكَمِ، وأنْواعِ التَّعَرُّفاتِ إلى خَلْقِهِ، وتَنْوِيعِ آياتِهِ، ودَلائِلِ رُبُوبِيَّتِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ، وإلَهِيَّتِهِ، وحِكْمَتِهِ، وعِزَّتِهِ، وتَمامِ مُلْكِهِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ، وإحاطَةِ عِلْمِهِ ما يَشْهَدُهُ أُولُو البَصائِرِ عِيانًا بِبَصائِرِ قُلُوبِهِمْ، فَيَقُولُونَ ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلًا سُبْحانَكَ﴾ [آل عمران: ١٩١] إنْ هي إلّا حِكْمَتُكَ الباهِرَةُ، وآياتُكَ الظّاهِرَةُ.
؎وَلِلَّهِ في كُلِّ تَحْرِيكَةٍ ∗∗∗ وتَسْكِينَةٍ أبَدًا شاهِدُ
؎وَفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلى أنَّهُ واحِدُ
فَكَمْ مِن آيَةٍ مِنَ الأرْضِ بَيِّنَةٍ، دالَّةٍ عَلى اللَّهِ، وعَلى صِدْقِ رُسُلِهِ، وعَلى أنَّ لِقاءَهُ حَقٌّ، كانَ سَبَبُها مَعاصِيَ بَنِي آدَمَ وذُنُوبَهُمْ، كَآيَتِهِ في إغْراقِ قَوْمِ نُوحٍ، وعُلُوِّ الماءِ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ حَتّى أغْرَقَ جَمِيعَ أهْلِ الأرْضِ ونَجّى أوْلِياءَهُ، وأهْلَ مَعْرِفَتِهِ وتَوْحِيدِهِ، فَكَمْ في ذَلِكَ مِن آيَةٍ وعِبْرَةٍ، ودَلالَةٍ باقِيَةٍ عَلى مَرِّ الدُّهُورِ؟! وكَذَلِكَ إهْلاكُ قَوْمِ عادٍ وثَمُودَ.
وَكَمْ لَهُ مِن آيَةٍ في فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ مِن حِينِ بَعَثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ إلَيْهِمْ بَلْ قَبْلَ مَبْعَثِهِ إلى حَيْثُ إغْراقُهُمْ، لَوْلا مَعاصِيهِمْ وكُفْرُهم لَمْ تَظْهَرْ تِلْكَ الآياتُ والعَجائِبُ، وفي التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى: اذْهَبْ إلى فِرْعَوْنَ فَإنِّي سَأُقَسِّي قَلْبَهُ، وأمْنَعُهُ عَنِ الإيمانِ لِأُظْهِرَ آياتِي وعَجائِبِي بِمِصْرَ، وكَذَلِكَ فَعَلَ سُبْحانَهُ فَأظْهَرَ مِن آياتِهِ وعَجائِبِهِ بِسَبَبِ ذُنُوبِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ما أظْهَرَ.
وَكَذَلِكَ إظْهارُهُ سُبْحانَهُ ما أظْهَرَ مِن جَعْلِ النّارِ بَرْدًا وسَلامًا عَلى إبْراهِيمَ بِسَبَبِ ذُنُوبِ قَوْمِهِ ومَعاصِيهِمْ، وإلْقائِهِمْ لَهُ في النّارِ، حَتّى صارَتْ تِلْكَ آيَةً، وحَتّى نالَ إبْراهِيمُ بِها ما نالَ مِن كَمالِ الخُلَّةِ.
وَكَذَلِكَ ما حَصَلَ لِلرُّسُلِ مِنَ الكَرامَةِ والمَنزِلَةِ والزُّلْفى عِنْدَ اللَّهِ والوَجاهَةِ عِنْدَهُ، بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى أذى قَوْمِهِمْ، وعَلى مُحارَبَتِهِمْ لَهم ومُعاداتِهِمْ.
وَكَذَلِكَ اتِّخاذُ اللَّهِ تَعالى الشُّهَداءَ والأوْلِياءَ والأصْفِياءَ مِن بَنِي آدَمَ بِسَبَبِ صَبْرِهِمْ عَلى أذى بَنِي آدَمَ مِن أهْلِ المَعاصِي والظُّلْمِ، ومُجاهَدَتِهِمْ في اللَّهِ، وتَحَمُّلِهِمْ لِأجْلِهِ مِن أعْدائِهِ ما هو بِعَيْنِهِ وعِلْمِهِ، واسْتِحْقاقُهم بِذَلِكَ رِفْعَةُ الدَّرَجاتِ.
إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَصالِحِ والحِكَمِ الَّتِي وُجِدَتْ بِسَبَبِ ظُهُورِ المَعاصِي والجَرائِمِ، وكانَ مِن سَبَبِها تَقْدِيرُ ما يَبْغَضُهُ اللَّهُ ويَسْخَطُهُ، وكانَ ذَلِكَ مَحْضَ الحِكْمَةِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِمّا هو أحَبُّ إلَيْهِ وآثَرُ عِنْدَهُ مِن فَوْتِهِ بِتَقْدِيرِ عَدَمِ المَعْصِيَةِ.
فَحُصُولُ هَذا المَحْبُوبِ العَظِيمِ أحَبُّ إلَيْهِ مِن فَواتِ ذَلِكَ المَبْغُوضِ المَسْخُوطِ، فَإنَّ فَواتَهُ وعَدَمَهُ وإنْ كانَ مَحْبُوبًا لَهُ لَكِنَّ حُصُولَ هَذا المَحْبُوبِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَحْصُلُ بِدُونِ وُجُودِ ذَلِكَ المَكْرُوهِ المَسْخُوطِ، وكَمالُ حِكْمَتِهِ تَقْتَضِي حُصُولَ أحَبِّ الأمْرَيْنِ إلَيْهِ بِفَواتِ أدْنى المَحْبُوبِينِ، وأنْ لا يُعَطَّلَ هَذا الأحَبُّ بِتَعْطِيلِ ذَلِكَ المَكْرُوهِ، وفَرْضُ الذِّهْنِ وُجُودَ هَذا بِدُونِ هَذا، كَفَرْضِهِ وُجُودَ المُسَبَّباتِ بِدُونِ أسْبابِها، والمَلْزُوماتِ بِدُونِ لَوازِمِها مِمّا تَمْنَعُهُ حِكْمَةُ اللَّهِ، وكَمالُ قُدْرَتِهِ ورُبُوبِيَّتِهِ.
وَيَكْفِي مِن هَذا مِثالٌ واحِدٌ، وهو أنَّهُ لَوْلا المَعْصِيَةُ مِن أبِي البَشَرِ بِأكْلِهِ مِنَ الشَّجَرَةِ لَما تَرَتَّبَ عَلى ذَلِكَ ما تَرَتَّبَ مِن وُجُودِ هَذِهِ المَحْبُوباتِ العِظامِ لِلرَّبِّ تَعالى، مِنَ امْتِحانِ خَلْقِهِ وتَكْلِيفِهِمْ، وإرْسالِ رُسُلِهِ، وإنْزالِ كُتُبِهِ، وإظْهارِ آياتِهِ وعَجائِبِهِ وتَنْوِيعِها وتَصْرِيفِها، وإكْرامِ أوْلِيائِهِ، وإهانَةِ أعْدائِهِ، وظُهُورِ عَدْلِهِ وفَضْلِهِ، وعِزَّتِهِ وانْتِقامِهِ، وعَفْوِهِ ومَغْفِرَتِهِ وصَفْحِهِ وحِلْمِهِ، وظُهُورِ مَن يَعْبُدُهُ ويُحِبُّهُ ويَقُومُ بِمَراضِيهِ بَيْنَ أعْدائِهِ في دارِ الِابْتِلاءِ والِامْتِحانِ.
فَلَوْ قَدَّرَ أنَّ آدَمَ لَمْ يَأْكُلْ مِنَ الشَّجَرَةِ، ولَمْ يُخْرَجْ مِنَ الجَنَّةِ هو وأوْلادُهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِن تِلْكَ، ولا ظَهَرَ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ ما كانَ كامِنًا في قَلْبِ إبْلِيسَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ولا تَعْلَمُهُ المَلائِكَةُ، ولَمْ يَتَمَيَّزْ خَبِيثُ الخَلْقِ مِن طَيِّبِهِمْ، ولَمْ تَتِمَّ المَمْلَكَةُ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ هُناكَ إكْرامٌ وثَوابٌ، وعُقُوبَةٌ وإهانَةٌ، ودارُ سَعادَةٍ وفَضْلٍ، ودارُ شَقاوَةٍ وعَدْلٍ.
وَكَمْ في تَسْلِيطِ أوْلِيائِهِ عَلى أعْدائِهِ، وتَسْلِيطِ أعْدائِهِ عَلى أوْلِيائِهِ، والجَمْعِ بَيْنَهُما في دارٍ واحِدَةٍ، وابْتِلاءِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مِن حِكْمَةٍ بالِغَةٍ، ونِعْمَةٍ سابِغَةٍ!.
وَكَمْ فِيها مِن حُصُولِ مَحْبُوبٍ لِلرَّبِّ، وحَمْدٍ لَهُ مِن أهْلِ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، وخُضُوعٍ لَهُ وتَذَلُّلٍ، وتَعَبُّدٍ وخَشْيَةٍ وافْتِقارٍ إلَيْهِ، وانْكِسارٍ بَيْنَ يَدَيْهِ أنْ لا يَجْعَلَهم مِن أعْدائِهِ، إذْ هم يُشاهِدُونَهم ويُشاهِدُونَ خِذْلانَ اللَّهِ لَهُمْ، وإعْراضَهُ عَنْهُمْ، ومَقْتَهُ لَهُمْ، وما أعَدَّ لَهم مِنَ العَذابِ، وكُلُّ ذَلِكَ بِمَشِيئَتِهِ وإرادَتِهِ، وتَصَرُّفِهِ في مَمْلَكَتِهِ، فَأوْلِياؤُهُ مِن خَشْيَةِ خِذْلانِهِ خاضِعُونَ مُشْفِقُونَ، عَلى أشَدِّ وجَلِّ، وأعْظَمِ مَخافَةٍ، وأتَمِّ انْكِسارٍ.
فَإذا رَأتِ المَلائِكَةُ إبْلِيسَ وما جَرى لَهُ، وهارُوتَ ومارُوتَ وضَعَتْ رُءُوسَها بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ، واسْتِكانَةً لِعِزَّتِهِ، وخَشْيَةً مِن إبْعادِهِ وطَرْدِهِ، وتَذَلُّلًّا لِهَيْبَتِهِ، وافْتِقارًا إلى عِصْمَتِهِ ورَحْمَتِهِ، وعَلِمَتْ بِذَلِكَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ، وإحْسانَهُ إلَيْهِمْ، وتَخْصِيصَهُ لَهم بِفَضْلِهِ وكَرامَتِهِ.
وَكَذَلِكَ أوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ، إذا شاهَدُوا أحْوالَ أعْدائِهِ ومَقْتَهُ لَهُمْ، وغَضَبَهُ عَلَيْهِمْ، وخِذْلانَهُ لَهُمْ، ازْدادُوا خُضُوعًا وذُلًّا، وافْتِقارًا وانْكِسارًا، وبِهِ اسْتِعانَةً وإلَيْهِ إنابَةً، وعَلَيْهِ تَوَكُّلًا، وفِيهِ رَغْبَةً، ومِنهُ رَهْبَةً، وعَلِمُوا أنَّهم لا مَلْجَأ لَهم مِنهُ إلّا إلَيْهِ، وأنَّهم لا يُعِيذُهم مِن بَأْسِهِ إلّا هُوَ، ولا يُنْجِيهِمْ مِن سَخَطِهِمْ إلّا مَرْضاتُهُ، فالفَضْلُ بِيَدِهِ أوَّلًا وآخِرًا.
وَهَذِهِ قَطْرَةٌ مِن بَحْرِ حِكْمَتِهِ المُحِيطَةِ بِخَلْقِهِ، والبَصِيرُ يُطالِعُ بِبَصِيرَتِهِ ما وراءَهُ، فَيُطْلِعُهُ عَلى عَجائِبَ مِن حِكْمَتِهِ، لا تَبْلُغُها العِبارَةُ، ولا تَنالُها الصِّفَةُ.
وَأمّا حَظُّ العَبْدِ في نَفْسِهِ، وما يَخُصُّهُ مِن شُهُودِ هَذِهِ الحِكْمَةِ فَبِحَسَبِ اسْتِعْدادِهِ وقُوَّةِ بَصِيرَتِهِ، وكَمالِ عِلْمِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِاللَّهِ وأسْمائِهِ وصِفاتِهِ، ومَعْرِفَتِهِ بِحُقُوقِ العُبُودِيَّةِ والرُّبُوبِيَّةِ، وكُلُّ مُؤْمِنٍ لَهُ مِن ذَلِكَ شِرْبٌ مَعْلُومٌ، ومَقامٌ لا يَتَعَدّاهُ ولا يَتَخَطّاهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ والمُعِينُ.
2:31Page 6
وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١
And He taught Adam the names - all of them. Then He showed them to the angels and said, "Inform Me of the names of these, if you are truthful."
No commentary for this ayah
2:32Page 6
قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢
They said, "Exalted are You; we have no knowledge except what You have taught us. Indeed, it is You who is the Knowing,1 the Wise."2
(لطيفة)
سُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ مَسْألَةٍ، فَقالَ: لا أدْرِي، فَقِيلَ لَهُ: ألا تَسْتَحْيِي مِن قَوْلِكَ لا أدْرِي وأنْتَ فَقِيهُ أهْلِ العِراقِ؟
فَقالَ: لَكِنَّ المَلائِكَةَ لَمْ تَسْتَحِي حِينَ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا﴾.
وَقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: تَعَلَّمْ لا أدْرِي فَإنَّكَ إنْ قُلْتَ لا أدْرِي عَلَّمُوكَ حَتّى تَدْرِيَ، وإنْ قُلْتُ: أدْرِي سَألُوكَ حَتّى لا تَدْرِيَ.
وَقالَ عُتْبَةُ بْنُ مُسْلِمٍ: صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ أرْبَعَةً وثَلاثِينَ شَهْرًا، فَكانَ كَثِيرًا ما يُسْألُ فَيَقُولُ: لا أدْرِي.
وَكانَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ لا يَكادُ يُفْتِي فُتْيا ولا يَقُولُ شَيْئًا إلّا قالَ: اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي وسَلِّمْ مِنِّي.
وَسُئِلَ الشّافِعِيُّ عَنْ مَسْألَةٍ، فَسَكَتَ، فَقِيلَ: ألا تُجِيبُ؟ فَقالَ: حَتّى أدْرِيَ الفَضْلُ في سُكُوتِي أوْ في الجَوابِ، وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: أدْرَكْتُ مِائَةً وعِشْرِينَ مِن الأنْصارِ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسْألُ أحَدُهم عَنْ المَسْألَةِ فَيَرُدَّها هَذا إلى هَذا وهَذا إلى هَذا حَتّى تَرْجِعَ إلى الأوَّلِ، وما مِنهم مِن أحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ أوْ يُسْألَ عَنْ شَيْءٍ إلّا ودَّ أنَّ أخاهُ كَفاهُ.
وَقالَ أبُو الحُسَيْنِ الأزْدِيُّ: إنّ أحَدَهم لَيُفْتِي في المَسْألَةِ لَوْ ورَدَتْ عَلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ لَجَمَعَ لَها أهْلَ بَدْرٍ.
وَسُئِلَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ شَيْءٍ، فَقالَ: إنِّي لا أُحْسِنُهُ، فَقالَ لَهُ السّائِلُ: إنِّي جِئْتُكَ لا أعْرِفُ غَيْرَكَ، فَقالَ لَهُ القاسِمُ: لا تَنْظُرُ إلى طُولِ لِحْيَتِي وكَثْرَةِ النّاسِ حَوْلِي، واللَّهِ ما أُحْسِنُهُ، فَقالَ شَيْخٌ مِن قُرَيْشٍ جالِسٌ إلى جَنْبِهِ: يا ابْنَ أخِي الزَمْها، فَواللَّهِ ما رَأيْناكَ في مَجْلِسٍ أنْبَلَ مِنكَ اليَوْمَ، فَقالَ القاسِمُ: واللَّهِ لَأنْ يُقْطَعَ لِسانِي أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أتَكَلَّم بِما لا عِلْمَ لِي بِهِ.
وَكَتَبَ سَلْمانُ إلى أبِي الدَّرْداءِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - وكانَ بَيْنَهُما مُؤاخاةٌ: بَلَغَنِي أنَّكَ قَعَدْتَ طَبِيبًا فاحْذَرْ أنْ تَكُونَ مُتَطَبِّبًا أوْ تَقْتُلَ مُسْلِمًا، فَكانَ رُبَّما جاءَهُ الخَصْمانِ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُما ثُمَّ يَقُولُ: رَدُّوهُما عَلَيَّ، مُتَطَبِّبٌ واللَّهِ، أعِيدا عَلَيَّ قَضِيَّتَكُما.
2:33Page 6
قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣
He said, "O Adam, inform them of their names." And when he had informed them of their names, He said, "Did I not tell you that I know the unseen [aspects] of the heavens and the earth? And I know what you reveal and what you have concealed."
إن الله سُبْحانَهُ فاوت بَين النَّوْع الإنساني أعظم تفاوت يكون بَين المخلوقين فَلا يعرف اثْنان من نوع واحِد بَينهما من التَّفاوُت ما بَين خير البشر وشرهم والله سُبْحانَهُ خلق المَلائِكَة عقولا بِلا شهوات وخلق الحَيَوانات ذَوات شهوات بِلا عقول وخلق الإنسان مركبا من عقل وشهوة، فَمن غلب عقله شَهْوَته كانَ خيرا من المَلائِكَة، ومن غلبت شَهْوَته عقله كانَ شرا من الحَيَوانات وفاوت سُبْحانَهُ بَينهم في العلم فَجعل عالمهم معلم المَلائِكَة كَما قالَ تَعالى ﴿يا آدم أنبئهم بِأسْمائِهِمْ﴾ وتلك مرتبَة لا مرتبَة فَوْقها وجعل جاهلهم بِحَيْثُ لا يرضى الشَّيْطان بِهِ ولا يصلح لَهُ كَما قالَ الشَّيْطان لجاهلهم الَّذِي أطاعه في الكفْر ﴿إنِّي بَرِيء مِنك﴾ وقالَ لجهلتهم الَّذين عصوا رَسُوله ﴿إنِّي بَرِيء مِنكُم﴾ فَللَّه ما أشد هَذا التَّفاوُت بَين شَخْصَيْنِ أحدهما تسْجد لَهُ المَلائِكَة ويعلمها مِمّا الله علمه والآخر لا يرضى الشَّيْطان بِهِ وليا.
وَهَذا التَّفاوُت العَظِيم إنَّما حصل بِالعلمِ وثمرته ولَو لم يكن في العلم إلا القرب من رب العالمين والالتحاق بعالم المَلائِكَة وصحبة المَلأ الأعلى لكفى بِهِ فضلا وشرفا، فَكيف وعز الدُّنْيا والآخِرَة مَنُوط بِهِ ومشروط بحصوله.
2:34Page 6
وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤
And [mention] when We said to the angels, "Prostrate before Adam"; so they prostrated, except for Iblees.1 He refused and was arrogant and became of the disbelievers.
(فائدة)
قوله تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا﴾ ﴿وَإذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ ﴿وَإذْ فَرَقْنا﴾ وهو كثير جدا بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في إذ لأن الكلام في سياق تعداد النعم وتكرار الأقاصيص فيشير بالواو العاطفة إليها كأنها مذكورة في اللفظ لعلم المخاطب بالمراد ولما خفي هذا على بعض ظاهرية النحاة قال إن أو زائدة هنا وليس كذلك ومن هذا الباب الواو المتضمنة معنى رب فإنك تجدها في أول الكلام كثيرا إشارة منهم إلى تعداد المذكور بعدها من فخر أو مدح أو غير ذلك فهذه كلها معان مضمرة في النفس وهذه الحروف عاطفة عليها وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: "دع ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوك" ومن هذا الباب حذف كثير من الأجوبة في القرآن لدلالة الواو عليها لعلم المخاطب أن الواو عاطفة ولا يعطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ وكقوله تعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾ وهذا الباب واسع في اللغة فهذا ما في هذه المسألة وكان قد وقع لي هذا بعينه أمام المقام بمكة وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحا لأني لم أره في مباحث القوم
ثم رأيته بعد لفاضلين من النحاة أحدهما حام حوله وما ورد ولا أعرف اسمه والثاني أبو القاسم السهيلي رحمه الله فإنه كشفه وصرح به وإذا لاحت الحقائق فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار. والله الموفق للصواب.
(فصل)
أرْكان الكفْر أرْبَعَة الكبر والحسد والغَضَب والشهوة.
فالكبر يمنعهُ الانقياد والحسد يمنعهُ قبُول النَّصِيحَة وبذلها والغَضَب يمنعهُ العدْل والشهوة تَمنعهُ التفرّغ لِلْعِبادَةِ فَإذا انْهَدم ركن الكبر سهل عَلَيْهِ الانقياد وإذا انْهَدم ركن الحَسَد سهل عَلَيْهِ قبُول النصح وبذله وإذا انْهَدم ركن الغَضَب سهل عَلَيْهِ العدْل والتواضع وإذا انْهَدم ركن الشَّهْوَة سهل عَلَيْهِ الصَّبْر والعفاف والعِبادَة وزَوال الجبال عَن أماكنها أيسر من زَوال هَذِه الأرْبَعَة عَمَّن بلي بها ولا سِيما إذا صارَت هيئات راسخة وملكات وصفات ثابِتَة فَإنَّهُ لا يَسْتَقِيم لَهُ مَعها عمل ألْبَتَّةَ ولا تزكو نَفسه مَعَ قِيامها بها وكلما اجْتهد في العَمَل أفسدته عَلَيْهِ هَذِه الأرْبَعَة وكل الآفات مُتَوَلّدَة مِنها وإذا استحكمت في القلب أرته الباطِل في صُورَة الحق والحق في صُورَة الباطِل والمَعْرُوف في صُورَة المُنكر والمُنكر في صُورَة المَعْرُوف وقربت مِنهُ الدُّنْيا وبعدت مِنهُ الآخِرَة وإذا تَأمَّلت كفر الأُمَم رَأيْته ناشئا مِنها وعَلَيْها يَقع العَذاب وتَكون خفته وشدته بِحَسب خفتها وشدتها فَمن فتحها على نَفسه فتح عَلَيْهِ أبْواب الشرور كلها عاجلا وآجلا ومن أغلقها على نَفسه أغلق عَنهُ أبوب الشرورفاتها تمنع الانقياد والإخْلاص والتَّوْبَة والإنابة وقبُول الحق ونصيحة المُسلمين والتواضع لله ولخلقه
ومنشأ هَذِه الأرْبَعَة من جَهله بربه وجهله بِنَفسِهِ فَإنَّهُ لَو عرف ربه بِصِفات الكَمال ونعوت الجلال وعرف نَفسه بالنقائص والآفات لم يتكبر ولم يغْضب لَها ولم يحْسد أحدا على ما أتاهُ الله فَإن الحَسَد في الحَقِيقَة نوع من معاداة الله فَإنَّهُ يكره نعْمَة الله على عَبده وقد أحبها الله وأحب زَوالها عَنهُ والله يكره ذَلِك فَهو مضاد لله في قَضائِهِ وقدره ومحبته وكراهته ولذَلِك كانَ إبْلِيس عدوه حَقِيقَة لِأن ذَنبه كانَ عَن كبر وحسد فَقلع هاتين الصفتين بِمَعْرِفَة الله وتوحيده والرِّضا بِهِ وعنهُ والإنابة إلَيْهِ وقلع الغَضَب بِمَعْرِفَة النَّفس وأنَّها لا تسْتَحقّ أن يغْضب لَها وينتقم لَها فَإن ذَلِك إيثار لَها بِالرِّضا والغَضَب على خالِقها وفاطرها وأعظم ما تدفع بِهِ هَذِه الآفة أن يعوّدها أن تغْضب لَهُ سُبْحانَهُ وترضى لَهُ فَكلما دَخلها شَيْء من الغَضَب والرِّضا لَهُ خرج مِنها مُقابِله من الغَضَب والرِّضا لَها وكَذا بِالعَكْسِ.
وَأما الشَّهْوَة فدواؤها صِحَة العلم والمعرفة بِأن إعطاءها شهواتها أعظم أسباب حرمانها إيّاها ومنعها مِنها وحميتها أعظم أسباب اتصالها إلَيْها فَكلما فتحت عَلَيْها باب الشَّهَوات كنت ساعيا في حرمانها إيّاها وكلما أغلقت عَنْها ذَلِك الباب كنت ساعيا في إيصالها إلَيْها على أكمل الوُجُوه.
فالغضب مثل السَّبع إذا أفلته صاحبه بَدَأ بِأكْلِهِ والشهوة مثل النّار إذا أضرمها صاحبها بدأت بإحراقه والكبر بِمَنزِلَة مُنازعَة الملك ملكه فَإن لم يهلكك طردك عَنهُ والحسد بِمَنزِلَة معاداة من هو أقدر مِنك والَّذِي يغلب شَهْوَته وغضبه يفرق الشَّيْطان من ظله ومن تغلبه شَهْوَته وغضبه يفرق من خياله.
(فصل: إياك والمعاصي فإنها أزالت عِزَّ اسْجُدُوا)
وأخرجت إقطاع (اسْكُن) يا لَها لَحْظَة أثمرت حرارة القلق ألف سنة مازال يكْتب بِدَم النَّدَم سطور الحزن في القَصَص ويرسلها مَعَ أنفاس الأسف حَتّى جاءَهُ توقيعُ ﴿فَتابَ عَلَيْه﴾ فَرح إبْلِيس بنزول آدم من الجنة وما علم أن هبوط الغائص في اللجة خلف الدّرّ صعُود كم بَين قَوْله لآدَم ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَليفَة﴾ وقَوله لَك ﴿اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنهُمْ﴾ ما جرى على آدم هو المُراد من وجوده (لَو لم تذنبوا ... )
يا آدم لا تجزع من قولي لَك ﴿اخْرُجْ مِنها﴾ فلك ولصالح ذريتك خلقتها
يا آدم كنت تدخل عليَّ دُخُول المُلُوك على المُلُوك واليَوْم تدخل عليَّ دُخُول العبيد على المُلُوك
يا آدم لا تجزع من كأس زلل كانَت سَبَب كيسك فقد استخرج مِنك داء العجب وألبست خلعة العُبُودِيَّة ﴿وَعَسى أنْ تكْرهُوا﴾
يا آدم لم أخرج إقطاعك إلى غَيْرك إنَّما نحيّتك عَنهُ لأكمل عِمارَته لَك وليبعث إلى العمّال نَفَقَة ﴿تَتَجافى جنُوبهم﴾
تالله ما نَفعه عند مَعْصِيَته عز ﴿اسجدوا﴾ ولا شرف ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ﴾ ولا خصيصة ﴿لِما خلقت بيَدي﴾ ولا فَخر ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾ وإنَّما انْتفع بذل ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أنْفُسَنا﴾
لما لبس درع التَّوْحِيد على بدن الشُّكْر وقع سهم العَدو مِنهُ في غير مقتل
فجرحه فَوضع عَلَيْهِ جَبّار الانكسار فَعاد كَما كانَ فَقامَ الجريح كَأن لم يكن بِهِ قلبة.
(فصل مناظرة إبليس في آدم)
في ذكر مناظرة إبليس عدو الله في شأن آدم وإبائه من السجود له وبيان فسادها وقد كرر الله تعالى ذكرها في كتابه وأخبر فيها أن امتناع إبليس من السجود كان كبرا منه وكفرا ومجرد إباء وإنما ذكر الشبهة تعنتا وإلا فسبب معصيته الاستكبار والإباء والكفر وإلا فليس في أمره بالسجود لآدم ما يناقض الحكمة بوجه وأما شبهته الداحضة وهي أن أصله وعنصره النار وأصل آدم وعنصره التراب ورتب علي ذلك أنه خير من آدم ثم رتب على هاتين المقدمين أنه لا يحسن منه الخضوع لمن هو فوقه وخير منه فهي باطلة من وجوه عديدة منها أن دعواه كونه خيرا من آدم دعوى كاذبة باطلة واستدلاله عليها بكونه مخلوقا من نار وآدم من طين استدلال باطل وليست النار خيرا من الطين والتراب بل التراب خير من النار وأفضل عنصرا من وجوه:
أحدها: أن النار طبعها الفساد وإتلاف ما تعلقت به بخلاف التراب.
الثاني: أن طبعها الخفة والحدة والطيش والتراب طبعه الرزانة والسكون والثبات.
الثالث: أن التراب يتكون فيه ومنه أرزاق الحيوان وأقواتهم ولباس العباد وزينتهم والآت معايشهم ومساكنهم والنار لا يتكون فيها شيء من ذلك.
الرابع: أن التراب ضروري للحيوان لا يستغني عنه ألبتة ولا عن ما يتكون فيه ومنه والنار يستغني عنها الحيوان البهيم مطلقا وقد يستغنى عنها الإنسان الأيام والشهور فلا تدعوه إليها الضرورة فأين انتفاع الحيوان كله بالتراب إلى انتفاع الإنسان بالنار في بعض الأحيان.
الخامس: أن التراب إذا وضع فيه القوت أخرجه أضعاف أضعاف ما وضع فيه فمن بركته يؤدي إليك ما تستودعه فيه مضاعفا ولو استودعته النار لخانتك وأكلته ولم تبق ولم نذر.
السادس: أن النار لا تقوم بنفسها بل هي مفتقرة إلى محل تقوم به فيكون حاملا لها والتراب لا يفتقر إلى حامل فالتراب أكمل منها.
السابع: أن النار مفتقرة إلى التراب وليس بالتراب فقر إليها فإن المحمل الذي تقوم به النار لا يكون إلا مكونا من التراب أو فيه فهي الفقيرة إلى التراب وهو الغني عنها.
الثامن: أن المادة الإبليسية هي المارج من النار وهو ضعيف يتلاعب به الهوى فيميل معه كيفما مال ولهذا غلب الهوى على المخلوق منه فأسره وقهره ولما كانت المادة الآدمية التراب وهو قوي لا يذهب مع الهوى أينما ذهب وقهر هواه وأسره ورجع إلى ربه فاجتباه واصطفاه فكان الهوى الذي مع المادة الآدمية عارضا سريع الزوال فزال وكان الثبات والرزانة أصليا له فعاد إليه وكان إبليس بالعكس من ذلك فرجع كل من الأبوين إلى أصله وعنصر آدم إلي أصله الطيب الشريف واللعين إلى أصله الرديء.
التاسع: أن النار وإن حصل بها بعض المنفعة والمتاع فالشر فيها لا يصدها عنه إلا قسرها وحبسها ولولا القاسر والحابس لها لأفسدت الحرث والنسل وأما التراب فالخير والبر والبركة كامن فيه كلما أثير وقلب ظهرت بركته وخيره وثمرته فأين أحدهما من الآخر.
العاشر: أن الله تعالى أكثر ذكر الأرض في كتابه وأخبر عن منافعها وخلقها وأنه جعلها مهادا وفراشا وبساطا وقرارا وكفاتا للأحياء والأموات ودعا عباده إلى التفكر فيها والنظر في آياتها وعجائب ما أودع فيها ولم يذكر النار إلا في معرض العقوبة والتخويف والعذاب إلا موضعا أو موضعين ذكرها فيه بأنها تذكرة ومتاع للمقوين تذكرة بنار الآخرة ومتاع لبعض أفراد الإنسان وهم المقوون النازلون بالأرض الخالية إذا نزلها المسافر تمتع بالنار في منزلة فأين هذا من أوصاف الأرض في القرآن.
الحادي عشر: أن الله تعالى وصف الأرض بالبركة في غير موضع من كتابه خصوصا وأخبر أنه بارك فيها عموما فقال: ﴿أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ وتَجْعَلُونَ لَهُ أنْدادًا ذَلِكَ رَبُّ العالَمِينَ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ فهذه بركة عامة.
وأما البركة الخاصة ببعضها فكقوله: ﴿وَنَجَّيْناهُ ولُوطًا إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهم وبَيْنَ القُرى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وأما النار فلم يخبر أنه جعل فيها بركة أصلا، بل المشهور أنها مذهبة للبركة ماحِقة لها فأين المبارك في نفسه المبارك فيما وضع فيه إلى مزيل البركة وماحِقها.
الثاني عشر: أن الله تعالى جعل الأرض محل بيوته التي يذكر فيها اسمه ويسبح له فيها بالغدو والآصال عموما وبيته الحرام الذي جعله قياما للناس مباركا فيه وهدى للعالمين خصوصا ولو لم يكن في الأرض إلا بيته الحرام لكفاها ذلك شرفا وفضلا على النار.
الثالث عشر: أن الله تعالى أودع في الأرض من المنافع والمعادن والأنهار والعيون والثمرات والحبوب والأقوات وأصناف الحيوانات وأمتعتها والجبال والجنان والرياض والمراكب البهية والصور البهيجة ما لم يودع في النار شيئا منه فأي روضة وجدث في النار أو جنة أو معدن أو صورة أو عين فوارة أو نهر مطرد أو ثمرة لذيذة أو زوجة حسنة أو لباس وسترة.
الرابع عشر: أن غاية النار أنها وضعت خادمة لما في الأرض فالنار إنما محلها محل الخادم لهذه الأشياء المكمل لها فهي تابعة لها خادمة فقط إذا استغنت عنها طردتها وأبعدتها عن قربها وإذا احتاجت إليها استدعتها استدعاء المخدوم لخادمة ومن يقضي حوائجه.
الخامس عشر: أن اللعين لقصور نظره وضعف بصيرته رأى صورة الطين ترابا ممتزجا بماء فاحتقره ولم يعلم أن الطين مركب من أصلين الماء الذي جعل الله تعالى منه كل شيء حي والتراب الذي جعله خزانة المنافع والنعم هذا وكم يجئ من الطين من المنافع وأنواع الأمتعة فلو تجاوز نظره صورة الطين إلى مادته ونهايته لرأى أنه خير من النار وأفضل وإذا استقريت الوجوه التي تدلك على أن التراب أفضل من النار وخير منها وجدتها كثيرة جدا وإنما أشرنا إليها إشارة ثم لو سلم بطريق الفرض الباطل أن النار خير من الطين لم يلزمه من ذلك أن يكون المخلوق منها خيرا من المخلوق من الطين فإن القادر على كل شيء يخلق من المادة المفضولة من هو خير ممن خلقه من المادة الفاضلة والاعتبار بكمال النهاية لا ينقص المادة فاللعين لم يتجاوز نظره محل المادة ولم يعبر منها إلى كمال الصورة ونهاية الخلقة فأين الماء المهين الذي هو نطفة ومضغة واستقذار النفوس له إلى كمال الصورة الإنسانية التامة المحاسن خلقا وخلقا وقد خلق الله تعالى الملائكة من نور وآدم من تراب ومنه ذرية آدم من هو خير من الملائكة وإن كان النور أفضل من التراب فهذا وأمثاله مما يدلك على ضعف مناظرة اللعين وفساد نظره وإدراكه وأن الحكمة كانت توجب عليه خضوعه لآدم فعارض حكمه الله وأمره برأيه الباطل ونظره الفاسد فقياسه باطل نصا وعقلا وكل من عارض نصوص الأنبياء بقياسه ورأيه فهو من خلفائه وأتباعه فنعوذ بالله من الخذلان ونسأله التوفيق والعصمة من هذا البلاء الذي ما رمي العبد بشر منه ولأن يلقي الله بذنوب الخلائق كلها ما خلا الإشراك به أسلم له من أن يلقي الله وقد عارض نصوص أنبيائه برأيه ورأي بنى جنسه وهل طرد الله تعالى إبليس ولعنه وأحل عليه سخطه وغضبه إلا حيث عارض النص بالرأي والقياس ثم قدمه عليه والله يعلم أن شبه عدو الله مع كونها داحضة باطلة أقوى من كثير من شبه المعارضين لنصوص الأنبياء بآرائهم وعقولهم فالعالم يتدبر سر تكرير الله تعالى لهذه القصة مرة بعد مرة وليحذر أن يكون له نصيب من هذا الرأي والقياس وهو لا يشعر فقد أقسم عدو الله أنه ليغوين بنى آدم أجمعين إلا المخلصين منهم وصدق تعالى ظنه عليهم وأخبر أن المخلصين لا سبيل له عليهم والمخلصون هم الذين أخلصوا العبادة والمحبة والإجلال والطاعة لله والمتابعة والانقياد لنصوص الأنبياء فيجرد عبادة الله عن عبادة ما سواه ويجرد متابعة رسوله وترك ما خالفه لقوله دون متابعة غيره فليزن العاقل نفسه بهذا الميزان قبل أن يوزن يوم القدوم على الله والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences