Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:38–61, continued
قالُوا: وأما قوله تَعالى لإبليس ﴿اهبط مِنها فَما يكون لَك أن تتكبر فِيها﴾ وقولكم إن هَذا إنما هو في الجنَّة الَّتِي في السَّماء وإلا فجنة الأرض لم يمْنَع إبليس من التكبر فِيها فَهو دَلِيل لنا في المسألة فَإن جنَّة الخلد لا سَبِيل لإبليس إلى دُخُولها والتكبر فِيها أصلا، وقد أخبر تَعالى أنه وسوس لآدم وزوجه وكذبهما وغرهما وخانهما وتكبر عَلَيْهِما وحسدهما وهما حِينَئِذٍ في الجنَّة، فَدلَّ على أنها لم تكن جنَّة الخلد، ومحال أن يصعد إليها بعد إهباطه وإخراجه مِنها.
قالُوا والضَّمِير في قَوْله ﴿اهبطوا مِنها﴾ إمّا أن يكون عائِدًا إلى السَّماء كَما هو أحد القَوْلَيْنِ.
وعَلى هَذا فَيكون سُبْحانَهُ قد أهبطه من السَّماء عقب امْتِناعه من السُّجُود، وأخْبر أنه لَيْسَ لَهُ أن يتكبر ثمَّ تكبر وكذب وخان في الجنَّة، فَدلَّ على أنها لَيست في السَّماء، أوْ يكون عائِدًا إلى الجنَّة على القَوْل الآخر.
وَلا يلْزم من هَذا القَوْل أن تكون الجنَّة الَّتِي كان فِيها آدم وغره وقاسمه كاذِبًا في تِلْكَ الَّتِي أهبط مِنها بل القُرْآن يدل على أنها غَيرها كَما ذَكرْناهُ.
فعلى التَّقْدِيرَيْنِ لا تدل الآية على أن الجنَّة الَّتِي جرى لآدم مَعَ إبليس ما جرى فِيها هي جنَّة الخلد.
قالُوا: وأما قَوْلكُم إن بني إسرائيل كانُوا بجبال السراة المشرفة على الأرض الَّتِي يهبطون وهم كانُوا يَسِيرُونَ ويرحلون فَلذَلِك قيل لَهُم ﴿اهبطوا﴾ فَهَذا حق لا ننازعكم فِيهِ، وهو بِعَيْنِه جَواب لنا فَإن الهبوط يدل على أن تِلْكَ الجنَّة كانَت أعلى من الأرض الَّتِي اهبطوا إليها.
وأما كَونها جنَّة الخلد فَلا.
قالُوا: والفرق بَين قَوْله ﴿اهبطوا مصرا﴾ وقَوله ﴿اهبطوا مِنها﴾ فَإن الأول لنهاية الهبوط وغايته، وهبطوا مِنها مُتَضَمّن لمبدئه وأوله لا تَأْثِير لَهُ فِيما نَحن فِيهِ، فَإن هَبَط من كَذا إلى كَذا يتَضَمَّن معنى الِانْتِقال من مَكان عال إلى مَكان سافل، فَأي تَأْثِير لابتداء الغايَة ونهايتها في تعْيين مَحل الهبوط بِأنَّهُ جنَّة الخلد؟ قالُوا: وأما قصَّة مُوسى ولومه لآدَم على إخراجه من الجنَّة فَلا يدل على أنَّها جنَّة الخلد، وقولكم لا يظنّ بمُوسى أنه يلوم آدم على إخْراجه نَفسه وذريته من بُسْتان في الأرض تشنيع لا يُفِيد شَيْئا
أفَترى كانَ ذَلِك بستانا مثل آحاد هَذِه البَساتِين المقطوعة المهوعة الَّتِي هي عرضة الآفات والتعب والنّصب والظمأ والحرث والسقي والتلقيح وسائِر وُجُوه النصب الَّذِي يلْحق هَذِه البَساتِين؟
وَلا ريب أن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام أعلم وأجل من أن يلوم آدم على خُرُوجه وإخْراج بنيه من بُسْتان هَذا شَأْنه، ولَكِن من قالَ بِهَذا وإنَّما كانَت جنَّة لا يلْحقها آفَة ولا تَنْقَطِع ثمارها ولا تغور أنهارها ولا يجوع ساكنها ولا يظمأ ولا يضحى للشمس ولا يعرى، ولا يمسهُ فِيها التَّعَب والنّصب والشقاء، ومثل هَذِه الجنَّة يحسن لوم الإنسان على التَّسَبُّب في خُرُوجه مِنها.
قالُوا: وأما اعتذار آدم عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام يَوْم القِيامَة لأهل الموقف بِأن خطيئته هي الَّتِي أخرجته من الجنَّة فَلا يحسن أن يستفتحها لَهُم، فَهَذا لا يسْتَلْزم أن تكون هي بِعَينها الَّتِي أخرج مِنها بل إذا كانَت غَيرها كانَ أبلغ في الِاعْتِذار فَإنَّهُ إذا كانَ الخُرُوج من غير جنَّة الخلد حصل بِسَبَب الخَطِيئَة فَكيف يَلِيق استفتاح جنَّة الخلد والشفاعة فِيها ثمَّ خرج من غَيرها بخطيئة؟
فَهَذا موقف نظر الفَرِيقَيْنِ ونِهايَة أقْدام الطّائِفَتَيْنِ فَمن كانَ لَهُ فضل علم في هَذِه المسألة فليجد بِهِ، فَهَذا وقت الحاجة إليه ومن علم مُنْتَهى خطوته ومِقْدار بضاعته فليكل الأمر إلى عالمه ولا يرضى لنَفسِهِ بالتنقيص والإزراء عَلَيْهِ، وليكن من أهل التلول الَّذين هم نظارة الحَرْب إذا لم يكن من أهل الكر والفر والطعن والضَّرْب، فقد تلاقت الفحول وتطاعنت الأقران وضاق بهم المجال في حلبة هَذا الميدان
؎إذا تلاقى الفحول في لجب ∗∗∗ فَكيف حال الغصيص في الوسط
هَذِه معاقد حجج الطّائِفَتَيْنِ مجتازة ببابك وإليك تساق وهَذِه بضائع تجار العلماء يُنادي عَلَيْها في سوق الكساد لا في سوق النّفاق، فَمن لم يكن لَهُ بِهِ شَيْء من أسباب البَيان والتبصرة فَلا يعْدم من قد استفرغ وسعه وبذل جهده مِنهُ التصويب والمعذرة، ولا يرضى لنَفسِهِ بشر الخطتين وأبخس الحظين، جهل الحق وأسبابه ومعاداة أهله وطلابه، وإذا عظم المَطْلُوب وأعوزك الرفيق الناصح العَلِيم، فارحل بهمتك من بَين الأموات، وعَلَيْك بمعلم إبْراهِيم فقد ذكرنا في هَذِه المسألة من النقول والأدلة والنكت البديعة ما لَعَلَّه لا يُوجد في شَيْء من كتب المصنفين، ولا يعرف قدره إلا من كانَ من الفُضَلاء المنصفين.
وَمن الله سُبْحانَهُ الاستمداد، وعَلِيهِ التَّوَكُّل وإليه الِاسْتِناد، فَإنَّهُ لا يخيب من توكل عَلَيْهِ، ولا يضيع من لاذَ بِهِ وفوض أمره إليه، وهو حَسبنا ونعم الوَكِيل.
(فصل)
وَلما أهبطه سُبْحانَهُ من الجنَّة وعرضه وذريته لأنواع المحن والبَلاء
أعطاهم أفضل مِمّا مَنعهم وهو عهده الَّذِي عهد إليه وإلى بنيه وأخْبر أنه من تمسك بِهِ مِنهُم صار إلى رضوانه ودار كرامته قالَ تَعالى عقب إخراجه مِنها ﴿قُلْنا اهْبِطُوا مِنها جَمِيعًا فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾
وَفِي الآية الأخرى ﴿قالَ اهْبِطا مِنها جَمِيعًا بَعْضُكم لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإمّا يَأْتِيَنَّكم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ ولا يَشْقى (١٢٣) ومَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى (١٢٦)﴾
فَلَمّا كَسره سُبْحانَهُ بإهباطه من الجنَّة جبره وذريته بِهَذا العَهْد الَّذِي عَهده إليهم فَقالَ تَعالى ﴿فإما يَأْتينكم مني هدى﴾ وهَذِه هي إن الشّرطِيَّة المُؤَكّدَة بِما الدّالَّة على استغراق الزَّمان.
والمعْنى أي وقت وأي حِين أتاكم مني هدى، وجعل جَواب هَذا الشَّرْط جملَة شَرْطِيَّة وهِي قَوْله ﴿فَمن اتبع هُدايَ فَلا يضل ولا يشقى﴾ كَما تَقول إن زرتني فَمن بشرني بقدومك فَهو حر.
وَجَواب الشَّرْط يكون جملَة تامَّة إما خَبرا مَحْضا كَقَوْلِك أن زرتني أكرمتك، أوْ خَبرا مَقْرُونا بِالشّرطِ كَهَذا، أو مؤكدا بالقسم أوْ بِإنْ واللّام كَقوله تَعالى: ﴿وَإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾
وإما طلبا كَقَوْل النَّبِي ﷺ "إذا سالَتْ فاسأل الله، وإذا استعنت فاسْتَعِنْ بِاللَّه"
وَقَوله "وَإذا لقيتموهم فاصْبِرُوا"
وَقوله تَعالى: ﴿وَإذا حللتم فاصطادوا﴾، ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشهر الحرم فاقْتُلُوا المُشْركين حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأكْثر ما يَأْتِي هَذا النَّوْع مَعَ إذا الَّتِي تفِيد تَحْقِيق وُقُوع الشَّرْط لسر وهو إفادته تحقيق الطلب عند تَحْقِيق الشَّرْط فَمَتى تحقق الشَّرْط فالطلب مُتَحَقق، فَأتى بـ (إذا) الدّالَّة على تَحْقِيق الشَّرْط فَعلم تَحْقِيق الطّلب عِنْدها.
وَقد يَأْتِي مَعَ (إنْ) قَلِيلا كَقوله تَعالى: ﴿وَإن كَذبُوك فَقل لي عَمَلي ولكم عَمَلكُمْ﴾
وإما جملَة إنشائية كَقَوْلِه لعَبْدِهِ الكافِر: إن أسلمت فأنت حر، ولأمرأته: إن فعلت كَذا فأنت طالِق.
فَهَذا إنشاء لِلْعِتْقِ والطَّلاق عند وجود الشَّرْط على رَأْي أوْ إنشاء لَهُ حال التَّعْلِيق ويتأخر نُفُوذه إلى حِين وجود الشَّرْط على رَأْي آخر.
وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فجواب الشَّرْط جملَة إنشائية والمَقْصُود أن جَواب الشَّرْط في الآية المَذْكُورَة جملَة شَرْطِيَّة وهِي قَوْله ﴿فَمن تبع هُدايَ فلا خوف عَلَيْهِم ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ وهَذا الشَّرْط يقتضي ارتباط الجُمْلَة الأولى بِالثّانِيَةِ ارتباط العلَّة بالمعلول والسَّبَب بالمسبب، فَيكون الشَّرْط الَّذِي هو ملزوم عِلّة ومقتضيا للجزاء الَّذِي هو لازم فَإن كانَ بَينهما تلازم من الطَّرفَيْنِ كانَ وجود كل مِنهُما بِدُونِ دُخُول الآخر مُمْتَنعا كدخول الجنَّة بالإسلام وارتفاع الخَوْف والحزن والضلال والشقاء مَعَ مُتابعَة الهوى، وهَذِه هي عامَّة شُرُوط القُرْآن والسّنة فَإنَّها أسباب وعلل، والحكم ينتفى بِانْتِفاء علته.
وَإن كانَ التلازم بَينهما من أحد الطَّرفَيْنِ كانَ الشَّرْط ملزوما خاصّا والجَزاء لازِما عاما، فَمَتى تحقق الشَّرْط المَلْزُوم الخاص تحقق الجَزاء اللّازِم العام، ولا يلْزم العَكْس كَما يُقال: إن كانَ هَذا إنسانا فَهو حَيَوان، وإن كانَ البيع صَحِيحا فالملك ثابت.
وَهَذا غالب ما يَأْتِي في قِياس الدّلالَة حَيْثُ يكون الشَّرْط دَلِيلا على الجَزاء فَيلْزم من وجوده وجود الجَزاء، لأن الجَزاء لازمه ووُجُود المَلْزُوم يسْتَلْزم وجود اللّازِم، ولا يلْزم من عَدمه عدم الجَزاء، وإن وقع هَذا الشَّرْط بَين عِلّة ومعلول فَإن كانَ الحكم مُعَللا بعلل صَحَّ ذَلِك وجاز أن يكون الجَزاء أعم من الشَّرْط كَقَوْلِك: إن كانَ هَذا مُرْتَدا فَهو حَلال الدَّم، فَإن حل الدَّم أعم من حلّه بِالرّدَّةِ إلّا أن يُقال إن حكم العلَّة المعينَة ينتفي بانتفائها، وإن ثَبت الحكم بعلة أخرى فَهو حكم آخر.
وأما حكم العلَّة المعينَة فمحال أن ينفي مَعَ زَوالها، وحِينَئِذٍ فَيَعُود التلازم من الطَّرفَيْنِ ويلْزم من وجود كل واحِد من الشَّرْط والجَزاء وجود الآخر، ومن عَدمه عَدمه.
وَتَمام تَحْقِيق هَذا في مسألة تَعْلِيل الحكم الواحِد بعلتين، ولِلنّاسِ فِيهِ نزاع مَشْهُور.
وَفصل الخطاب فِيها أن الحكم الواحِد إن كانَ واحِدًا بالنوع كحل الدَّم وثُبُوت الملك ونقض الطَّهارَة جازَ تَعْلِيله بالعلل المُخْتَلفَة.
وَإن كانَ واحِدًا بِالعينِ كحل الدَّم بِالرّدَّةِ وثُبُوت الملك بِالبيعِ أو الميراث ونَحْو ذَلِك لم يجز تَعْلِيله بعلتين مختلفتين. وبِهَذا التَّفْصِيل يَزُول الِاشْتِباه في هَذِه المَسْألَة. والله أعْلَم.
وَمن تَأمل أدلة الطّائِفَتَيْنِ وجد كل ما احْتج بِهِ من رأى تَعْلِيل الحكم بعلل مُخْتَلفَة إنَّما يدل على تَعْلِيل الواحِد بالنوع بها، وكل من نفى تَعْلِيل الحكم بعلتين إنَّما يتم دَلِيله على نفي تَعْلِيل الواحِد بِالعينِ بهما فالقولان عند التَّحْقِيق يرجعان إلى شَيْء واحِد.
والمَقْصُود أن الله سُبْحانَهُ جعل اتِّباع هداه وعَهده الَّذِي عَهده إلى آدم سَببا ومقتضيا لعدم الخَوْف والحزن والضلال والشقاء، وهَذا الجَزاء ثابت بِثُبُوت الشَّرْط مُنْتَفٍ بانتفائه كَما تقدم بَيانه.
وَنفي الخَوْف والحزن عَن مُتبع الهدى نفي لجَمِيع أنواع الشرور، فَإن المَكْرُوه الَّذِي ينزل بِالعَبدِ مَتى علم بحصوله فَهو خائِف مِنهُ أن يَقع بِهِ، وإذا وقع بِهِ فَهو حَزِين على ما أصابَهُ مِنهُ فَهو دائِما في خوف وحزن، وكل خائِف حَزِين فَكل حَزِين خائِف، وكل من الخَوْف والحزن يكون على فعل المحبوب وحُصُول المَكْرُوه، فالأقسام أربعة خوف من فَوت المحبوب، وحُصُول المَكْرُوه، وهَذا جماع الشَّرّ كُله فنفى الله سُبْحانَهُ ذَلِك عَن مُتبع هداه الَّذِي أنزلهُ على ألسنة رسله، وأتى في نفي الخَوْف بِالِاسْمِ الدّال على نفي الثُّبُوت واللزوم فَإن أهل الجنَّة لا بُد لَهُم من الخَوْف في الدُّنْيا وفي البرزخ ويَوْم القِيامَة حَيْثُ يَقُول آدم وغَيره من الأنبياء "نَفسِي نَفسِي" فَأخْبر سُبْحانَهُ أنهم وإن خافُوا فَلا خوف عَلَيْهِم أي لا يلحقهم الخَوْف الَّذِي خافُوا مِنهُ، وأتى في نفي الحزن بِالفِعْلِ المُضارع الدّال على نفي التجدد والحدوث أي لا يلحقهم حزن ولا يحدث لَهُم إذا لم يذكرُوا ما سلف مِنهُم بل هم في سرُور دائِم لا يعرض لَهُم حزن على ما فاتَ.
وَأما الخَوْف فَلَمّا كانَ تعلقه بالمستقبل دون الماضِي نفي لُحُوقه لَهُم جملَة أي الَّذِي خافُوا مِنهُ لا ينالهم ولا يلم بهم والله أعْلَم.
فالحزين إنَّما يحزن في المُسْتَقْبل على ما مضى، والخائف إنَّما يخاف في الحال مِمّا يسْتَقْبل.
﴿فَلا خوف عَلَيْهِم﴾ أي لا يلحقهم ما خافُوا مِنهُ، ولا يعرض لَهُم حزن على ما فاتَ.
وَقالَ في الآية الأخرى ﴿فَمن اتبع هُدايَ فَلا يضل ولا يشقى﴾ فنفى عَن مُتبع هداه أمرين الضلال والشقاء
قالَ عبد الله بن عَبّاس رضى الله عَنْهُما تكفل الله لمن قَرَأ القُرْآن وعمل بِما فِيهِ أن لا يضل في الدُّنْيا ولا يشقى في الآخرة ثمَّ قَرَأ ﴿فَإما يأتينكم مني هدى فَمن اتبع هُدايَ فَلا يضل ولا يشقى﴾ والآية نفت مُسَمّى الضلال والشقاء عَن مُتبع الهدى مُطلقًا فاقتضت الآية أنه لا يضل في الدُّنْيا ولا يشقى ولا يضل في الآخرة ولا يشقى فِيها، فَإن المَراتِب أربعة:
هدى وشقاوة في الدُّنْيا، وهدى وشقاوة في الآخرة، لَكِن ذكر ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما في كل دار أظهر مرتبتيها فَذكر الضلال في الدُّنْيا إذْ هو أظهر لنا وأقرب من ذكر الضلال في الآخرة.
وَأيْضًا فضلال الدُّنْيا أضل ضلال في الآخرة، وشقاء الآخرة مُسْتَلْزم للضلال فِيها فنبه بِكُل مرتبَة على الأُخْرى، فنبه بِنَفْي ضلال الدُّنْيا على نفي ضلال الآخرة، فَإن العَبْد يَمُوت على ما عاشَ عَلَيْهِ، ويبْعَث على ما ماتَ عَلَيْهِ قالَ الله تَعالى في الآية الأُخْرى ﴿وَمَن أعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا ونَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْمى (١٢٤) قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمى وقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى (١٢٦)﴾
وَقالَ في الآية الأخرى ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى فَهو في الآخِرَةِ أعْمى وأضَلُّ سَبِيلًا﴾ فَأخْبر أن من كانَ في هَذِه الدّار ضالًّا فَهو في الآخرة أضل.
وأما نفي شقاء الدُّنْيا فقد يُقال إنه لما انْتَفى عَنهُ الضلال فِيها وحصل لَهُ الهدى والهدى فِيهِ من برد اليَقِين وطمأنينة القلب وذاق طعم الإيمان فَوجدَ حلاوته وفرحة القلب بِهِ وسروره والتنعيم بِهِ ومصير القلب حَيا بالإيمان مستنيرا بِهِ قَوِيا بِهِ قد نالَ بِهِ غذاؤه ورواءه وشفاءه وحياته ونوره وقوته ولذته ونعيمه ما هو من أجل أنواع النَّعيم وأطيب الطَّيِّبات وأعظم اللَّذّات قالَ الله تَعالى ﴿مَن عَمِلَ صالِحًا مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً ولَنَجْزِيَنَّهم أجْرَهم بِأحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ فَهَذا خبر أصدق الصّادِقين ومخبره عند أهله عين اليَقِين بل هو حق اليَقِين، ولا بُد لكل من عمل صالحا أن يحييه الله حَياة طيبَة بِحَسب إيمانه وعَمله، ولَكِن يغلط الجفاة الأجلاف في مُسَمّى الحَياة حَيْثُ يظنونها التنعم في أنْواع المآكل والمشارب والملابس والمناكح، أوْ لَذَّة الرياسة والمال وقهر الأعداء والتفنن بأنواع الشَّهَوات.
وَلا ريب أن هَذِه لَذَّة مُشْتَركَة بَين البَهائِم بل قد يكون حَظّ كثير من البَهائِم مِنها أكثر من حَظّ الإنسان، فَمن لم تكن عِنْده لَذَّة إلا اللَّذَّة الَّتِي تشاركه فِيها السباع والدَّواب والأنعام فَذَلِك مِمَّن يُنادى عَلَيْهِ من مَكان بعيد، ولَكِن أيْنَ هَذِه اللَّذَّة من اللَّذَّة بِأمْر إذا خالط بشاشته القُلُوب سلى عَن الأبناء والنِّساء والأوطان والأموال والإخوان والمساكن ورضى بِتَرْكِها كلها والخُرُوج مِنها رَأْسا، وعرض نَفسه لأنواع المكاره والمشاق وهو متحل بِهَذا منشرح الصَّدْر بِهِ يطيب لَهُ قتل ابْنه وأبِيهِ وصاحبته وأخيه لا تَأْخُذهُ في ذَلِك لومة لائم حَتّى أن أحدهم ليتلقى الرمْح بصدره ويَقُول: فزت ورَبِّ الكَعْبَة، ويستطيل الآخر حَياته حَتّى يلقي قوته من يَده ويَقُول: إنها لحياة طَوِيلَة إن صبرت حَتّى آكلها ثمَّ يتَقَدَّم إلى المَوْت فَرحا مَسْرُورا.
وَيَقُول الآخر مَعَ فقره لَو علم المُلُوك وأبناء المُلُوك ما نَحن عَلَيْهِ لجالدونا عَلَيْهِ بِالسُّيُوفِ.
وَيَقُول الآخر إنه ليمر بِالقَلْبِ أوقات يرقص فِيها طَربا.
وَقالَ بعض العارفين إنه لتمر بِي أوقات أقول فِيها إن كانَ أهل الجنَّة في مثل هَذا إنهم لفي عَيْش طيب.
وَمن تَأمل قَول النَّبِي ﷺ لما نَهاهُم عَن الوِصال فَقالُوا إنك تواصل فَقالَ "إني لست كهيئتكم إنِّي أظل عند رَبِّي يطعمني ويسقيني"
علم أن هَذا طَعام الأرواح وشرابها وما يفِيض عَلَيْها من أنْواع البَهْجَة واللذة والسُّرُور والنَّعِيم الَّذِي رَسُول الله ﷺ في الذرْوَة العليا مِنهُ، وغَيره إذا تعلق بغباره رأى ملك الدُّنْيا ونَعِيمها بِالنِّسْبَةِ إليه هباء منثورا بل باطِلا وغرورا.
وَغلط من قالَ إنه كانَ يَأْكُل ويشْرب طَعاما وشَرابًا يغتذى بِهِ بدنه لوجوه: أحدها أنه قالَ أظل عند رَبِّي يطعمني ويسقيني، ولَو كانَ أكلا وشربا لم يكن وصالا ولا صوما.
الثّانِي أن النَّبِي ﷺ أخبرهم أنهم لَيْسُوا كَهَيْئَته في الوِصال، فَإنَّهُم إذا واصلوا تضرروا بذلك.
وأما هو فَإنَّهُ إذا واصل لا يتَضَرَّر بالوصال، فَلَو كانَ يَأْكُل ويشْرب لَكانَ الجَواب وأنا أيضا لا أواصل بل آكل وأشرب كَما تَأْكُلُونَ وتشربون، فَلَمّا قررهم على قَوْلهم إنك تواصل ولم يُنكره عَلَيْهِم دلّ على أنه كانَ مواصلا وأنه لم يكن يَأْكُل أكلا وشربا يفْطر الصّائِم.
الثّالِث أنه لَو كانَ أكلا وشربا يفْطر الصّائِم لم يَصح الجَواب بالفارق بَينهم وبَينه فَإنَّهُ حِينَئِذٍ يكون هو وهم مشتركون في عدم الوِصال فَكيف يَصح الجَواب بقوله "لست كهيئتكم" وهَذا أمْر يُعلمهُ غالب النّاس أن القلب مَتى حصل لَهُ ما يفرحه ويسره من نيل مَطْلُوبه ووصال حَبِيبه أوْ ما يغمه ويسؤوه ويحزنه شغل عَن الطَّعام والشراب حَتّى أن كثيرا من العشاق تمر بِهِ الأيام لا يَأْكُل شَيْئا ولا تطلب نَفسه أكلا وقد أفصح القائِل في هَذا المَعْنى
؎لَها أحاديث من ذكراك تشغلها ∗∗∗ عَن الشَّراب وتلهيها عَن الزّاد
؎لَها بِوَجْهِك نور تستضيء بِهِ ∗∗∗ ومن حَدِيثك في أعقابها حادي
؎إذْ اشتكت من كلال السّير أوْ عدها ∗∗∗ روح القدوم فتحيا عند ميعاد
والمَقْصُود أن الهدى مُسْتَلْزم لسعادة الدُّنْيا وطيب الحَياة والنَّعِيم العاجل وهو أمر يشْهد بِهِ الحس والوجد
وأما سَعادَة الآخرة فغيب يعلم بالإيمان فَذكرها ابْن عَبّاس رضى الله عَنْهُما لكَونها أهم وهِي الغايَة المَطْلُوبَة وضلال الدُّنْيا أظهر وبالنجاة مِنهُ ينجو من كل شَرّ وهو أضل ضلال الآخرة وشقائها فَلذَلِك ذكره وحده والله أعْلَم.
2:39Page 7
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٣٩
And those who disbelieve and deny Our signs - those will be companions of the Fire; they will abide therein eternally."
No commentary for this ayah
2:40Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠
O Children of Israel, remember My favor which I have bestowed upon you and fulfill My covenant [upon you] that I will fulfill your covenant [from Me], and be afraid of [only] Me.
No commentary for this ayah
2:41Page 7
وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١
And believe in what I have sent down confirming that which is [already] with you, and be not the first to disbelieve in it. And do not exchange My signs for a small price, and fear [only] Me.
No commentary for this ayah
2:42Page 7
وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤٢
And do not mix the truth with falsehood or conceal the truth while you know [it].
No commentary for this ayah
2:43Page 7
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ٤٣
And establish prayer and give zakāh1 and bow with those who bow [in worship and obedience].
No commentary for this ayah
2:44Page 7
۞ أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٤٤
Do you order righteousness of the people and forget1 yourselves while you recite the Scripture? Then will you not reason?
No commentary for this ayah
2:45Page 7
وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ ٤٥
And seek help through patience and prayer; and indeed, it is difficult except for the humbly submissive [to Allāh]
وقد صح عن النبي أنه قال: يقول الله تعالى: " كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به ".
وفي لفظ: " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"
وما ذاك إلا لأنه صبر النفس ومنعها من شهواتها كما في الحديث نفسه يدع شهوته وطعامه وشرابه من أجلي ولهذا قال النبي لمن سأله عن أفضل الأعمال: " عليك بالصوم فإنه لا عدل له" ولما كان الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الهوى وكان هذا حقيقة الصوم فإنه حبس النفس عن إجابة داعي شهوة الطعام والشراب والجماع فسر الصبر في قوله تعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ أنه الصوم وسمى رمضان شهر الصبر.
وقال بعض السلف الصوم نصف الصبر وذلك أن الصبر حبس النفس عن إجابة داعي الشهوة والغضب فإن النفس تشتهي الشيء لحصول اللذة بإدراكه وتغضب لنفرتها من المؤلم لها والصوم صبر عن مقتضى الشهوة فقط وهي شهوة البطن والفرج دون مقتضى الغضب ولكن من تمام الصوم وكماله صبر النفس عن إجابة داعي الأمرين وقد أشار إلى ذلك النبي في الحديث الصحيح وهو قوله: "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يجهل ولا يصخب فإن أحد سابه أو شاتمه فليقل إني صائم "
فأرشد إلى تعديل قوى الشهوة والغضب وأن الصائم ينبغى له أن يحتمى من إفسادهما لصومه فهذه تفسد صومه وهذه تحبط أجره كما قال في الحديث الآخر: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ".
قالوا ويكفي في فضل الصبر على الشكر قوله تعالى ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون﴾ فجعل فوزهم جزاء صبرهم وقال تعالى ﴿والله مع الصابرين﴾ لا شيء يعدل معيته لعبده كما قال بعض العارفين: ذهب الصابرون بخير الدنيا والآخرة لأنهم نالوا معية الله.
وقال تعالى ﴿واصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ وهذا يتضمن الحراسة والكلاءة والحفظ للصبر لحكمه.
وقد وعد الصابرين بثلاثة أشياء كل واحد خير من الدنيا وما عليها وهي صلواته تعالى عليهم ورحمته لهم وتخصيصهم بالهداية في قوله تعالى ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ وهذا مفهم لحصر الهدى فيهم وأخبر أن الصبر من عزم الأمور في آيتين من كتابه وأمر رسوله أن يتشبه بصبر أولي العزم من الرسل.
وقد تقدم ذكر ذلك.
قالوا وقد دل الدليل على أن الزهد في الدنيا والتقلل منها مهما أمكن من الاستكثار منها والزهد فيها حال الصابر والاستكثار منها حال الشاكر قالوا وقد سئل المسيح صلوات الله وسلامه عليه عن رجلين مرا بكنز فتخطاه أحدهما ولم يلتفت إليه وأخذه الآخر وأنفقه في طاعة الله تعالى أيهما أفضل؟
فقال الذي لم يلتفت إليه وأعرض عنه أفضل عند الله
قالوا ويدل على صحة هذا أن النبي عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فلم يأخذها وقال بل أجوع يوما وأشبع يوما ولو أخذها لأنفقها في مرضاة الله وطاعته فآثر مقام الصبر عنها والزهد فيها قالوا وقد علم أن الكمال الإنساني في ثلاثة أمور علوم يعرفها وأعمال يعمل بها وأحوال ترتب له على علومه وأعماله وأفضل العلم والعمل والحال العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله والعمل بمرضاته وانجذاب القلب إليه بالحب والخوف والرجاء فهذا أشرف ما في الدنيا وجزاؤه أشرف ما في الآخرة وأجل المقاصد معرفة الله ومحبته والأنس بقربه والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وهذا أجل سعادة الدنيا والآخرة وهذا هو الغاية التي تطلب لذاتها، وإنما يشعر العبد تمام الشعور بأن ذلك عين السعادة إذا انكشف له الغطاء وفارق الدنيا ودخل الآخرة وإلا فهو في الدنيا وإن شعر بذلك بعض الشعور فليس شعوره به كاملا للمعارضات التي عليه والمحن التي امتحن بها وإلا فليست السعادة في الحقيقة سوى ذلك، وكل العلوم والمعارف تبع لهذه المعرفة مرادة لأجلها وتفاوت العلوم في فضلها بحسب إفضائها إلى هذه المعرفة وبعدها فكل علم كان أقرب افضاء إلى العلم بالله وأسمائه وصفاته فهو أعلى مما دونه وكذلك حال القلب فكل حال كان أقرب إلى المقصود الذي خلق له فهو أشرف مما دونه وكذلك الأعمال فكل عمل كان أقرب إلى تحصيل هذا المقصود كان أفضل من غيره ولهذا كانت الصلاة والجهاد من أفضل الأعمال وأفضلها لقرب إفضائها إلى المقصود وهكذا يجب أن يكون فإن كل ما كان الشيء أقرب إلى الغاية كان أفضل من البعيد عنها.
2:46Page 7
ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ٤٦
Who are certain that they will meet their Lord and that they will return to Him.
No commentary for this ayah
2:47Page 7
يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٧
O Children of Israel, remember My favor that I have bestowed upon you and that I preferred you over the worlds [i.e., peoples].
(فصل)
وأما المسألة الثامنة: وهي أنه خص أهل السعادة بالهداية دون غيرهم فهذه مسألة اختلف الناس فيها وطال الحجاج من الطرفين وهي أنه هل لله على الكافر نعمة أم لا فمن ناف محتج بهذه وبقوله: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهَداءِ والصّالِحِينَ وحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فخص هؤلاء بالإنعام فدل على أن غيرهم غير منعم عليه ولقوله لعباده المؤمنين ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وبأن الإنعام ينافي الانتقام والعقوبة فأي نعمة على من خلق للعذاب الأبدي ومن مثبت محتج بقوله ﴿وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها﴾ وقوله لليهود: ﴿يا بَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وهذا خطاب لهم في حال كفرهم وبقوله في سورة النحل التي عدد فيها نعمه المشتركة على عباده من أولها إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكم لَعَلَّكم تُسْلِمُونَ فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَها وأكْثَرُهُمُ الكافِرُونَ﴾ وهذا نص صريح لا يحتمل صرفا واحتجوا بأن البر والفاجر والمؤمن والكافر كلهم يعيش في نعمة الله وكل أحد مقر لله تعالى بأنه إنما يعيش في نعمته وهذا معلوم بالاضطرار عند جميع أصناف بني آدم إلا من كابر وجحد حق الله تعالى وكفر بنعمته "
وفصل الخطاب في المسألة أن النعمة المطلقة مختصة بأهل الإيمان لا يشركهم فيها سواهم ومطلق النعمة عام للخليقة كلهم برهم وفاجرهم مؤمنهم وكافرهم فالنعمة المطلقة التامة هي المتصلة بسعادة الأبد وبالنعيم المقيم فهذه غير مشتركة ومطلق النعمة عام مشترك فإذا أراد النافي سلب النعمة المطلقة للكافر أخطأ وإن أراد إثبات مطلق النعمة أصاب وبهذا تتفق الأدلة ويزول النزاع ويتبين أن كل واحد من الفريقين معه خطأ وصواب والله الموفق للصواب.
وأما قوله تعالى: ﴿يابَنِي إسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ فإنما يذكرهم بنعمته على آبائهم ولهذا يعددها واحدة واحدة بأن أنجاهم من آل فرعون وأن فرق بهم البحر وأن وعد موسى أربعين ليلة فضلوا بعده ثم تاب عليهم وعفا عنهم وبأن ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من نعمه التي يعددها عليهم وإنما كانت لأسلافهم وآبائهم فأمرهم أن يذكروها ليدعوهم ذكرهم لها إلى طاعته والإيمان برسله والتحذير من عقوبته بما عاقب به من لم يؤمن برسوله ولم ينقد لدينه وطاعته وكانت نعمته على آبائهم نعمة منه عليهم تستدعي منهم شكرا فكيف تجعلون مكان الشكر عليها كفركم برسولي وتكذيبكم له ومعاداتكم إياه وهذا لا يدل على أن نعمته المطلقة التامة حاصلة لهم في حال كفرهم. والله أعلم.
2:48Page 7
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ ٤٨
And fear a Day when no soul will suffice for another soul1 at all, nor will intercession be accepted from it, nor will compensation be taken from it, nor will they be aided.
No commentary for this ayah
2:49Page 8
وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ٤٩
And [recall] when We saved you [i.e., your forefathers] from the people of Pharaoh, who afflicted you with the worst torment, slaughtering your [newborn] sons and keeping your females alive. And in that was a great trial from your Lord.
قوله تعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا﴾ ﴿وَإذْ نَجَّيْناكُمْ﴾ ﴿وَإذْ فَرَقْنا﴾ وهو كثير جدا بواو العطف من غير ذكر عامل يعمل في (إذ) لأن الكلام في سياق تعداد النعم وتكرار الأقاصيص فيشير بالواو العاطفة إليها كأنها مذكورة في اللفظ لعلم المخاطب بالمراد ولما خفي هذا على بعض ظاهرية النحاة قال إن أو زائدة هنا وليس كذلك ومن هذا الباب الواو المتضمنة معنى رب فإنك تجدها في أول الكلام كثيرا إشارة منهم إلى تعداد المذكور بعدها من فخر أو مدح أو غير ذلك فهذه كلها معان مضمرة في النفس وهذه الحروف عاطفة عليها وربما صرحوا بذلك المضمر كقول ابن مسعود: "دع ما في نفسك وإن أفتوك عنه وأفتوك" ومن هذا الباب حذف كثير من الأجوبة في القرآن لدلالة الواو عليها لعلم المخاطب أن الواو عاطفة ولا يعطف بها إلا على شيء كقوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَتِ الجُبِّ﴾ وكقوله تعالى: ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾
وهذا الباب واسع في اللغة فهذا ما في هذه المسألة وكان قد وقع لي هذا بعينه أمام المقام بمكة وكان يجول في نفسي فأضرب عنه صفحا لأني لم أره في مباحث القوم ثم رأيته بعد لفاضلين من النحاة أحدهما حام حوله وما ورد ولا أعرف اسمه والثاني أبو القاسم السهيلي رحمه الله فإنه كشفه وصرح به وإذا لاحت الحقائق فكن أسعد الناس بها وإن جفاها الأغمار والله الموفق للصواب.
2:50Page 8
وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٠
And [recall] when We parted the sea for you and saved you and drowned the people of Pharaoh while you were looking on.
No commentary for this ayah
2:51Page 8
وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ ٥١
And [recall] when We made an appointment with Moses for forty nights. Then you took [for worship] the calf after him [i.e., his departure], while you were wrongdoers.
No commentary for this ayah
2:52Page 8
ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٢
Then We forgave you after that so perhaps you would be grateful.
No commentary for this ayah
2:53Page 8
وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ٥٣
And [recall] when We gave Moses the Scripture and criterion1 that perhaps you would be guided.
No commentary for this ayah
2:54Page 8
وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤
And [recall] when Moses said to his people, "O my people, indeed you have wronged yourselves by your taking of the calf [for worship]. So repent to your Creator and kill yourselves [i.e., the guilty among you]. That is best for [all of] you in the sight of your Creator." Then He accepted your repentance; indeed, He is the Accepting of Repentance, the Merciful.
No commentary for this ayah
2:55Page 8
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ ٥٥
And [recall] when you said, "O Moses, we will never believe you until we see Allāh outright"; so the thunderbolt took you while you were looking on.
No commentary for this ayah
2:56Page 8
ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦
Then We revived you after your death that perhaps you would be grateful.
No commentary for this ayah
2:57Page 8
وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧
And We shaded you with clouds and sent down to you manna and quails, [saying], "Eat from the good things with which We have provided you." And they wronged Us not - but they were [only] wronging themselves.
No commentary for this ayah
2:58Page 9
وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨
And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."
No commentary for this ayah
2:59Page 9
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩
But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.
No commentary for this ayah
2:60Page 9
۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠
And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."
No commentary for this ayah
2:61Page 9
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١
And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences