Ibn al-QayyimAl‑Anbya · 21:1–34

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

الأنبياء

Al-Anbya

The Prophets · Meccan · 112 ayahs

21:1Page 322

ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ ١

[The time of] their account has approached for the people, while they are in heedlessness turning away.

(فائِدَة جليلة)

بَين العَبْد وبَين الله والجنَّة قنطرة تقطع بخطوتين خطْوَة عَن

نَفسه وخطوة عَن الخلق فَيسْقط نَفسه ويلغيها فِيما بَينه وبَين النّاس ويسْقط النّاس ويلغيهم فِيما بَينه وبَين الله فَلا يلْتَفت إلّا إلى من دله على الله وعَلى الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ

صاح بالصحابة واعظُ ﴿اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُم﴾ فَجَزِعت للخوف قُلُوبهم فجرت من الحذر العُيُون ﴿فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدرِها﴾

تزينت الدُّنْيا لعَلي فَقالَ أنْت طالِق ثَلاثًا لا رَجْعَة لي فِيك، وكانَت تكفيه واحِدَة للسن لكنه جمع الثَّلاث لِئَلّا يتَصَوَّر للهوى جَواز المُراجَعَة، ودينه الصَّحِيح وطبعه السَّلِيم يأنفان من المُحَلّل، كَيفَ وهو أحد رُواة حَدِيث لعن الله المُحَلّل.

ما في هَذِه الدّار مَوضِع خلْوَة فاتخذه في نَفسك لا بُد أن تجذبك الجواذب، فاعرفها وكن مِنها على حذر.

لا تَضُرك الشواغل إذا خلوت مِنها وأنت فِيها.

نور الحق أضْوَأ من الشَّمْس فيحق لخفافيش البصائر أن تعشو عَنهُ.

الطَّرِيق إلى الله خال من أهل الشَّك، ومن الَّذين يتبعُون الشَّهَوات وهو معمور بِأهْل اليَقِين، والصَّبْر وهم على الطَّرِيق كالأعلام ﴿وَجَعَلْنا مِنهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وكانُوا بِآياتِنا يوقنون﴾.

21:2–3Page 322

مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٢

No mention [i.e., revelation] comes to them anew from their Lord except that they listen to it while they are at play

لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٣

With their hearts distracted. And those who do wrong conceal their private conversation, [saying], "Is this [Prophet] except a human being like you? So would you approach magic while you are aware [of it]?"

وَهَذا السَّماعُ لا يُفِيدُ السّامِعَ إلّا قِيامَ الحُجَّةِ عَلَيْهِ، أوْ تُمَكِّنُهُ مِنها.

وَأمّا مَقْصُودُ السَّماعِ وثَمَرَتُهُ، والمَطْلُوبُ مِنهُ فَلا يَحْصُلُ مَعَ لَهْوِ القَلْبِ وغَفْلَتِهِ وإعْراضِهِ، بَلْ يَخْرُجُ السّامِعُ قائِلًا لِلْحاضِرِ مَعَهُ ﴿ماذا قالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: ١٦].

21:4Page 322

قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٤

He [the Prophet (ﷺ)] said, "My Lord knows whatever is said throughout the heaven and earth, and He is the Hearing, the Knowing."

No commentary for this ayah

21:5Page 322

بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ ٥

But they say, "[The revelation is but] a mixture of false dreams; rather, he has invented it; rather, he is a poet. So let him bring us a sign just as the previous [messengers] were sent [with miracles]."

قَوله تَعالى ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ إنَّما مُرادهم جنس الآيَة لا نظيرها.

(فائدة)

إذا قلت: جاءني زيد بل عمرو فله معنيان:

أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وعلى هذا فيكون إضراب نفي.

والثاني: أنك أثبت لعمرو المجيء كما أثبته لزيد وأتيت بـ (بل) لنفي الاقتصار على الأول لا لنفي الإسناد إليه بل لنفي الاقتصار على الإسناد إليه ويسمى إضراب اقتصار وهذا أكثر استعمالا في القرآن وغيره كقوله تعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِرٌ﴾

وكقوله: ﴿بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾ ونظائره ويسمى هذا إضرابا وخروجا من قصة إلى قصة.

وإذا قلت: ما جاءني زيد بل عمرو فله معنيان:

أحدهما: أنك نفيت المجيء عن زيد وأثبته لعمرو وهذا قول الأكثرين.

والثاني: أنك نفيت المجيء عنهما معا فنسبت إلى الثاني حكم الأول وأنت حكمت على الأول بالنفي ثم نسبت هذا الحكم إلى الثاني.

والتحقيق في أمر هذا الحرف أنه يذكر لتقرير ما بعده نفيا كان أو إثباتا فالنظر فيه في أمرين فيما قبله فيما بعده ولما لم يفصل كثير من النحاة بين هذين النظرين وقع في كلامهم تخليط كثير في معناه فنقول أما حكم ما بعده فالتقرير والتحقيق وهو شبيه بمصحوب قد وتجريد العناية بالكلام إلي ما بعده أهم عندهم من الاغتناء بما قبله فقوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحَياةَ الدُّنْيا﴾

المقصود تقرير هذه الجملة لا الإضراب عن قوله: ﴿قَدْ أفْلَحَ مَن تَزَكّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾

وكذلك قوله: ﴿كَلاّ بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ﴾

المقصود تقرير هذا النفي وتحقيقه لا الإضراب عن قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أكْلًا لَمًّا وتُحِبُّونَ المالَ حُبًّا جَمًّا﴾

وكذلك إذا وقعت بين جملتين متضادتين أفادت تقرير كل واحدة منهما كقوله: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فالمقصود تقرير الطلب والخبر وكذلك قولك لا تضرب زيدا بل اضرب عمرا وكذلك ما قام زيد بل قام عمرو فهي في ذلك كله لتقرير جملتين وكذلك قوله تعالى: ﴿أغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ بَلْ إيّاهُ تَدْعُون﴾

المعنى أنكم إذا نزل بكم هذا الأمر العظيم لا تدعون غير الله بل تدعونه وحده فهو تقرير لترك دعائهم آلهتهم ولدعائهم الإله الحق وحده فيدخل في مثل ذلك على مقرر بعد مقرر والأول تارة يكون تقريره توطئة للثاني كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلّ﴾ وتارة لا يكون توطئة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ أوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى بَلْ لِلَّهِ الأمْرُ جَمِيعًا﴾ وتارة يدخل على كلام مقرر بعد كلام مردود كقوله تعالى: ﴿وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾

وفي مثل هذا يظهر معنى الإضراب وليس المراد بهم إضراب عن الذكر بل الإضراب عن المذكور ونفيه وإبطاله وتارة يأتي لتقرير كلام بعد كلام قد رجع عنه المتكلم إما لغلط أو لظهور رأى أو لعروض نسيان وذلك كله إما في الإخبار وإما في المخبر به فمثال الأول أن تقول: أنت عبدي بل سيدي ومثال الثاني لاح برق بل ضوء نار ومثال الثالث خذ هذا بل هذا ومثال الرابع شربت عسلا بل لبنا وتأتي مع التكرار لقصد ما بعدها بالأولوية والذكر دون نفي ما قبلها كقوله تعالى: ﴿بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هو شاعِر﴾

فهم لم يقصدوا إبطال ما قبل كل واحدة بل قصدوا أولوية المتأخر بالقصد إليه والاعتماد عليه مع ثبوت ما قبله وكذلك قوله تعالى: ﴿وَما يَشْعُرُونَ أيّانَ يُبْعَثُونَ بَلِ ادّارَكَ عِلْمُهم في الآخِرَةِ بَلْ هم في شَكٍّ مِنها بَلْ هم مِنها عَمُونَ﴾

فليس القصد نفي إدراك علمهم في الآخرة ولا نفي شكهم فيها فتأمله.

ومن مواردها مجيئها بعد قسم لم يذكر جوابه فيتضمن تحقيق ما بعدها وتقريره ويتضمن ذلك مع القسم تحقيق ما قصده بالقسم وتقريره.

21:6Page 322

مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ ٦

Not a [single] city which We destroyed believed before them,1 so will they believe?

No commentary for this ayah

21:7Page 322

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧

And We sent not before you, [O Muḥammad], except men to whom We revealed [the message], so ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.

No commentary for this ayah

21:8Page 322

وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ ٨

And We did not make them [i.e., the prophets] forms not eating food,1 nor were they immortal [on earth].

No commentary for this ayah

21:9Page 322

ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٩

Then1 We fulfilled for them the promise, and We saved them and whom We willed and destroyed the transgressors.

No commentary for this ayah

21:10Page 322

لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠

We have certainly sent down to you a Book [i.e., the Qur’ān] in which is your mention.1 Then will you not reason?

No commentary for this ayah

21:11Page 323

وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ ١١

And how many a city which was unjust1 have We shattered and produced after it another people.

No commentary for this ayah

21:12Page 323

فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ ١٢

And when they [i.e., its inhabitants] perceived Our punishment, at once they fled from it.

No commentary for this ayah

21:13Page 323

لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ ١٣

[Some angels said], "Do not flee but return to where you were given luxury and to your homes - perhaps you will be questioned."1

No commentary for this ayah

21:14Page 323

قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ١٤

They said, "O woe to us! Indeed, we were wrongdoers."

No commentary for this ayah

21:15Page 323

فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ ١٥

And that declaration of theirs did not cease until We made them [as] a harvest [mowed down], extinguished [like a fire].

No commentary for this ayah

21:16Page 323

وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ ١٦

And We did not create the heaven and earth and that between them in play.

No commentary for this ayah

21:17Page 323

لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ ١٧

Had We intended to take a diversion,1 We could have taken it from [what is] with Us - if [indeed] We were to do so.

انظر إلى هذا الحجاج العجيب بالقول الوجيز الذي لا يكون أوجز منه والبيان الجليل الذي لا يتوهم أوضح منه ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه.

احتج به سبحانه على النصارى مبطلا لدعوى إلهية المسيح بقوله ﴿لَوْ أرَدْنا أنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لاتَّخَذْناهُ مِن لَدُنّا إنْ كُنّا فاعِلِينَ﴾

فأخبر أن هذا الذي أضافه من نسبة الولد إلى الله من مشركي العرب والنصارى غير سائغ في العقول إذا تأمله المتأمل ولو أراد الله أن يفعل هذا لكان يصطفي لنفسه، ويجعل هذا الولد المتخذ من الجوهر الأعلى السماوي الموصوف بالخلوص والنقاء من عوارض البشر المجبول على الثبات والبقاء، لا من جوهر هذا العالم الفاني الدائر الكثير الأوساخ والأدناس والأقذار.

ولما كان هذا الحجاج كما ترى في هذه القوة والجلالة أتبعه بقول ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالحَقِّ عَلى الباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذا هو زاهِقٌ﴾

قوله تعالى: ﴿وَلَكُمُ الوَيْلُ مِمّا تَصِفُونَ (١٨)﴾

قالَ الحَسَنُ: هي واللَّهِ لِكُلِّ واصِفٍ كَذِبًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

21:18Page 323

بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ ١٨

Rather, We dash the truth upon falsehood, and it destroys it,1 and thereupon it departs. And for you is destruction from that which you describe.2

No commentary for this ayah

21:19–20Page 323

وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ ١٩

To Him belongs whoever is in the heavens and the earth. And those near Him [i.e., the angels] are not prevented by arrogance from His worship, nor do they tire.

يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ ٢٠

They exalt [Him] night and day [and] do not slacken.

الوَقْفُ التّامُّ في قَوْلِهِ في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿وَلَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ هاهُنا، ثُمَّ يَبْتَدِئُ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ ولا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾

فَهُما جُمْلَتانِ تامَّتانِ مُسْتَقِلَّتانِ، أيْ إنَّ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ عَبِيدًا ومِلْكًا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جُمْلَةً أُخْرى فَقالَ ﴿وَمَن عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾

يَعْنِي أنَّ المَلائِكَةَ الَّذِينَ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ يَعْنِي لا يَأْنَفُونَ عَنْها، ولا يَتَعاظَمُونَ ولا يَسْتَحْسِرُونَ، فَيَعْيَوْنَ ويَنْقَطِعُونَ يُقالُ: حَسِرَ واسْتَحْسَرَ، إذا تَعِبَ وأعْيا بَلْ عِبادَتُهم وتَسْبِيحُهم كالنَّفَسِ لِبَنِي آدَمَ، فالأوَّلُ وصْفٌ لِعَبِيدِ رُبُوبِيَّتِهِ، والثّانِي وصْفٌ لِعَبِيدِ إلَهِيَّتِهِ.

21:21–23Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ ٢١

Or have they [i.e., men] taken for themselves gods from the earth who resurrect [the dead]?

لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢

Had there been within them [i.e., the heavens and earth] gods besides Allāh, they both would have been ruined. So exalted is Allāh, Lord of the Throne, above what they describe.

لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣

He is not questioned about what He does, but they will be questioned.

وكما أن السماوات والأرض لو كان فيهما آلهة غيره سبحانه لفسدتا، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا الله لَفَسَدَتا﴾

فكذلك القلب إذا كان فيه معبود غير الله تعالى فسد فسادا لا يرجى صلاحه إلا بأن يخرج ذلك المعبود من قلبه، ويكون الله تعالى وحده إلهه ومعبوده الذي يحبه ويرجوه، ويخافه ويتوكل عليه وينيب إليه.

(فائدة)

اعلمْ أنّ قوام السماوات والأرض والخليقة بأن تأله الإله الحق، فلو كان فيهما إله آخر غير الله لم يكن إلهًا حقًا، إذ الإله الحق لا شريك له ولا سمي له ولا مثل له، فلو تألهت غيره لفسدت كل الفساد بانتفاء ما به صلاحها، إذ صلاحها بتأله الإله الحق كما أنها لا توجد إلا باستنادها إلى الرب الواحد القهار ويستحيل أن تستند في وجودها إلى ربين متكافئين، فكذلك يستحيل أن تستند في بقائها وصلاحها إلى إلهين متساويين.

إذا عرف هذا فاعلم أن حاجة العبد إلى أن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا في محبته ولا في خوفه ولا في رجائه ولا في التوكل عليه ولا في العمل له ولا في الحلف به ولا في النذر له ولا في الخضوع له ولا في التذلل والتعظيم والسجود والتقرب أعظم من حاجة الجسد إلى روحه والعين إلى نورها. بل ليس لهذه الحاجة نظير تقاس به، فإن حقيقة العبد روحه وقلبه ولا صلاح لها إلا بإلهها الذي لا إله إلا هو، فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره وهي كادحة إليه كدحًا فملاقيته، ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بمحبتها وعبوديتها له ورضاه وإكرامه لها، ولو حصل للعبد من اللذات والسرور بغير الله ما حصل لم يدم له ذلك.

بل ينتقل من نوع إلى نوع ومن شخص إلى شخص ويتنعم بهذا في وقت ثم يتعذب به ولا بد في وقت آخر، وكثيرًا ما يكون ذلك الذي يتنعم به ويلتذ به غير منعم له ولا ملذ، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده ويضره ذلك، وإنما يحصل له بملابسته من جنس ما يحصل للجرب من لذة الأظفار التي تحكه، فهي تدمي الجلد وتخرقه وتزيد في ضرره، وهو يؤثر ذلك لما له في حكها من اللذة، وهكذا ما يتعذب به القلب من محبة غير الله هو عذاب عليه ومضرة وألم في الحقيقة لا تزيد لذته على لذة حك الجرب، والعاقل يوازن بين الأمرين ويؤثر أرجحهما وأنفعهما، والله الموفق المعين، وله الحُجَّة البالغة كما له النعمة السابغة.

والمقصود أن إله العبد الذي لا بد له منه في كل حالة وكل دقيقة وكل طرفة عين فهو الإله الحق الذي كل ما سواه باطل، والذي أينما كان فهو معه، وضرورته إليه وحاجته إليه لا تشبهها ضرورة ولا حاجة بل هي فوق كل ضرورة وأعظم من كل حاجة، ولهذا قال إمام الحنفاء: ﴿لآ أُحِبّ الاَفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦] والله أعلم.

(فائدة)

تأمل كَيفَ ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الفرق.

فَقَوله ﴿لا يسْأل عَمّا يفعل﴾ إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية.

وَقَوله ﴿وهم يسْألُون﴾ في صَلاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للإلهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة.

فَكيف يسوى بَينها وبَينه مَعَ أعظم الفرْقان؟!

فَهَذا الَّذِي سيق لَهُ الكَلام فَجَعلها الجبرية ملْجأ ومعقلا في إنْكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة.

والله المُوفق للصَّواب.

[فَصْلٌ: الحُبُّ أصْلُ الحَرَكَةِ]

وَكُلُّ حَرَكَةٍ في العالَمِ العُلْوِيِّ والسُّفْلِيِّ فَأصْلُها المَحَبَّةُ، فَهي عَلَيْها الفاعِلِيَّةُ والغائِيَّةُ، وذَلِكَ لِأنَّ الحَرَكاتِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حَرَكَةٌ اخْتِيارِيَّةٌ إرادِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ، وحَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ.

والحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ أصْلُها السُّكُونُ، وإنَّما يَتَحَرَّكُ الجِسْمُ إذا خَرَجَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ ومَرْكَزِهِ الطَّبِيعِيِّ، فَهو يَتَحَرَّكُ لِلْعَوْدِ إلَيْهِ، وخُرُوجُهُ عَنْ مَرْكَزِهِ ومُسْتَقَرِّهِ إنَّما هو بِتَحْرِيكِ القاصِرِ المُحَرِّكِ لَهُ، فَلَهُ حَرَكَةٌ قَسْرِيَّةٌ تَتَحَرَّكُ بِتَحْرِيكِ مُحَرِّكِهِ وقاسِرِهِ، وحَرَكَةٌ طَبِيعِيَّةٌ بِذاتِها يَطْلُبُ بِها العَوْدَ إلى مَرْكَزِهِ، وكِلا حَرَكَتَيْهِ تابِعَةٌ لِلْقاسِرِ المُحَرِّكِ، فَهو أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ.

والحَرَكَةُ الِاخْتِيارِيَّةُ الإرادِيَّةُ هي أصْلُ الحَرَكَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ، وهي تابِعَةٌ لِلْإرادَةِ والمَحَبَّةِ.

والدَّلِيلُ عَلى انْحِصارِ الحَرَكاتِ في هَذِهِ الثَّلاثِ: أنَّ المُتَحَرِّكَ إنْ كانَ لَهُ شُعُورٌ بِالحَرَكَةِ فَهي الإرادِيَّةُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شُعُورٌ بِها، فَإمّا أنْ تَكُونَ عَلى وفْقِ طَبْعِهِ أوْ لا، فالأُولى هي الطَّبِيعِيَّةُ، والثّانِيَةُ القَسْرِيَّةُ، إذا ثَبَتَ هَذا فَما في السَّماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما مِن حَرَكاتِ الأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ والرِّياحِ والسَّحابِ والمَطَرِ والنَّباتِ وحَرَكاتِ الأجِنَّةِ في بُطُونِ أُمَّهاتِها، فَإنَّما هي بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ والمُدَبِّراتِ أمْرًا والمُقَسِّماتِ أمْرًا، كَما دَلَّ عَلى ذَلِكَ في نُصُوصٍ مِنَ القُرْآنِ والسُّنَّةِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.

والإيمانُ بِذَلِكَ مِن تَمامِ الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ، فَإنَّ اللَّهَ وكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلائِكَةً، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً، وبِالنَّباتِ مَلائِكَةً، وبِالرِّياحِ مَلائِكَةً، وبِالأفْلاكِ والشَّمْسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَبْدٍ أرْبَعَةً مِنَ المَلائِكَةِ، كاتِبَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وشِمالِهِ، وحافِظَيْنِ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِقَبْضِ رُوحِهِ وتَجْهِيزِها إلى مُسْتَقَرِّها في الجَنَّةِ والنّارِ، ومَلائِكَةً بِمُساءَلَتِهِ وامْتِحانِهِ في قَبْرِهِ، ومَلائِكَةً بِتَعْذِيبِهِ في النّارِ أوْ نَعِيمِهِ في الجَنَّةِ، ووَكَّلَ بِالجِبالِ مَلائِكَةً، وبِالسَّحابِ مَلائِكَةً تَسُوقُهُ حَيْثُ أُمِرَتْ بِهِ، وبِالقَطْرِ مَلائِكَةً تَنْزِلُ بِأمْرِ اللَّهِ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ كَما شاءَ اللَّهُ، ووَكَّلَ مَلائِكَةً بِغَرْسِ الجَنَّةِ وعَمَلِ آلَتِها وفُرُشِها والقِيامِ عَلَيْها، ومَلائِكَةً بِالنّارِ كَذَلِكَ.

فَأعْظَمُ جُنْدِ اللَّهِ المَلائِكَةُ، ولَفْظُ المَلَكِ يُشْعِرُ بِأنَّهُ رَسُولٌ مُنَفِّذُ غَيْرِهِ ولَيْسَ لَهم مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، بَلِ الأمْرُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وهم يُدَبِّرُونَ الأمْرَ ويُقَسِّمُونَهُ بِأمْرِ اللَّهِ وإذْنِهِ، قالَ تَعالى إخْبارًا عَنْهُمْ: ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إلّا بِأمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أيْدِينا وما خَلْفَنا وما بَيْنَ ذَلِكَ وما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤].

وَقالَ تَعالى: ﴿وَكَمْ مِن مَلَكٍ في السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهم شَيْئًا إلّا مِن بَعْدِ أنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشاءُ ويَرْضى﴾ [النجم: ٢٦].

وَأقْسَمَ سُبْحانَهُ بِطَوائِفَ مِنَ المَلائِكَةِ المُنَفِّذِينَ لِأمْرِهِ في الخَلِيفَةِ كَما قالَ تَعالى: ﴿والصّافّاتِ صَفًّا - فالزّاجِراتِ زَجْرًا - فالتّالِياتِ ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١-٣].

وَقالَ: ﴿والمُرْسَلاتِ عُرْفًا - فالعاصِفاتِ عَصْفًا - والنّاشِراتِ نَشْرًا - فالفارِقاتِ فَرْقًا - فالمُلْقِياتِ ذِكْرًا - عُذْرًا أوْ نُذْرًا﴾ [المرسلات: ١-٦].

وَقالَ تَعالى: ﴿والنّازِعاتِ غَرْقًا - والنّاشِطاتِ نَشْطًا - والسّابِحاتِ سَبْحًا - فالسّابِقاتِ سَبْقًا - فالمُدَبِّراتِ أمْرًا﴾ [النازعات: ١-٥].

وَقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ذَلِكَ وسِرَّ الإقْسامِ بِهِ في كِتابِ (التِّبْيانِ في أقْسامِ القُرْآنِ).

وَإذا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَجَمِيعُ تِلْكَ المُحَبّاتِ والمُحَرِّكاتِ والإراداتِ والأفْعالِ: هي عِبادَةٌ مِنهم لِرَبِّ الأرْضِ والسَّماواتِ، وجَمِيعُ الحَرَكاتِ الطَّبِيعِيَّةِ والقَسْرِيَّةِ تابِعَةٌ لَها، فَلَوْلا الحُبُّ ما دارَتِ الأفْلاكُ، ولا تَحَرَّكَتِ الكَواكِبُ النَّيِّراتُ، ولا هَبَّتِ الرِّياحُ المُسَخَّراتُ، ولا مَرَّتِ السُّحُبُ الحامِلاتُ، ولا تَحَرَّكَتِ الأجِنَّةُ في بُطُونِ الأُمَّهاتِ، ولا انْصَدَعَ عَنِ الحَبِّ أنْواعُ النَّباتِ، ولا اضْطَرَبَتْ أمْواجُ الزّاخِراتِ، ولا تَحَرَّكَتِ المُدَبِّراتُ والمُقْسِّماتُ، ولا سَبَّحَتْ بِحَمْدِ فاطِرِها الأرَضُونَ والسَّماواتُ، وما فِيها مِن أنْواعِ المَخْلُوقاتِ، فَسُبْحانَ مَن: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهم إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٤].

[فَصْلٌ: الحُبُّ لِلَّهِ وحْدَهُ]

فَإذا عُرِفَ ذَلِكَ فَكُلُّ حَيٍّ لَهُ إرادَةٌ ومَحَبَّةٌ وعَمَلٌ بِحَسَبِهِ، وكُلُّ مُتَحَرِّكٍ فَأصْلُ حَرَكَتِهِ المَحَبَّةُ والإرادَةُ، ولا صَلاحَ لِلْمَوْجُوداتِ إلّا بِأنْ تَكُونَ حَرَكاتُها ومَحَبَّتُها لِفاطِرِها وبارِئِها وحْدَهُ، كَما لا وُجُودَ لَها إلّا بِإبْداعِهِ وحْدَهُ.

وَلِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا﴾ [الأنبياء: ٢٢].

وَلَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: لَما وُجِدَتا ولَكانَتا مَعْدُومَتَيْنِ، ولا قالَ: لَعُدِمَتا، إذْ هو سُبْحانَهُ قادِرٌ عَلى أنْ يُبْقِيَهُما عَلى وجْهِ الفَسادِ، لَكِنْ لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونا عَلى وجْهِ الصَّلاحِ والِاسْتِقامَةِ إلّا بِأنْ يَكُونَ اللَّهُ وحْدَهُ هو مَعْبُودَهُما، ومَعْبُودَ ما حَوَتاهُ وسَكَنَ فِيهِما، فَلَوْ كانَ في العالَمِ إلَهانِ لَفَسَدَ نِظامُهُ غايَةَ الفَسادِ، فَإنَّ كُلَّ إلَهٍ كانَ يَطْلُبُ مُغالَبَةَ الآخَرِ، والعُلُوَّ عَلَيْهِ، وتَفَرُّدَهُ دُونَهُ بِإلَهِيَّتِهِ، إذِ الشَّرِكَةُ نَقْصٌ في كَمالِ الإلَهِيَّةِ، والإلَهُ لا يَرْضى لِنَفْسِهِ أنْ يَكُونَ إلَهًا ناقِصًا، فَإنْ قَهَرَ أحَدُهُما الآخَرَ كانَ هو الإلَهَ وحْدَهُ، والمَقْهُورُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وإنْ لَمْ يَقْهَرْ أحَدُهُما الآخَرَ لَزِمَ عَجْزُ كُلٍّ مِنهُما، ولَمْ يَكُنْ تامَّ الإلَهِيَّةِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونَ فَوْقَهُما إلَهٌ قاهِرٌ لَهُما حاكِمٌ عَلَيْهِما، وإلّا ذَهَبَ كُلٌّ مِنهُما بِما خَلَقَ، وطَلَبَ كُلٌّ مِنهُما العُلُوَّ عَلى الآخَرِ، وفي ذَلِكَ فَسادُ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيها، كَما هو المَعْهُودُ مِن فَسادِ البَلَدِ إذا كانَ فِيها مَلِكانِ مُتَكافِئانِ، وفَسادِ الزَّوْجَةِ إذا كانَ لَها بَعْلانِ، والشَّوْلِ: إذا كانَ فِيهِ فَحْلانِ.

وَأصْلُ فَسادِ العالَمِ إنَّما هو مِنَ اخْتِلافِ المُلُوكِ والخُلَفاءِ، ولِهَذا لَمْ يَطْمَعْ أعْداءُ الإسْلامِ فِيهِ في زَمَنٍ مِنَ الأزْمِنَةِ إلّا في زَمَنِ تَعَدُّدِ المُلُوكِ مِنَ المُسْلِمِينَ واخْتِلافِهِمْ، وانْفِرادِ كُلٍّ مِنهم بِبِلادٍ، وطَلَبِ بَعْضِهُمُ العُلُوَّ عَلى بَعْضٍ.

فَصَلاحُ السَّماواتِ والأرْضِ واسْتِقامَتُها، وانْتِظامُ أمْرِ المَخْلُوقاتِ عَلى أتَمِّ نِظامٍ مِن أظْهَرِ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ يُحْيِي ويُمِيتُ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وأنَّ كُلَّ مَعْبُودٍ مِن لَدُنْ عَرْشِهِ إلى قَرارِ أرْضِهِ باطِلٌ إلّا وجْهَهُ الأعْلى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما اتَّخَذَ اللَّهُ مِن ولَدٍ وما كانَ مَعَهُ مِن إلَهٍ إذًا لَذَهَبَ كُلُّ إلَهٍ بِما خَلَقَ ولَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ - عالِمِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ فَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١-٩٣].

وَقالَ تَعالى: ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ - لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ - لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١-٢٣].

وَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢].

فَقِيلَ: لابْتَغَوُا السَّبِيلَ إلَيْهِ بِالمُغالَبَةِ والقَهْرِ كَما يَفْعَلُ المُلُوكُ بَعْضُهم مَعَ بَعْضٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَلَعَلا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ﴾.

قالَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: والصَّحِيحُ أنَّ المَعْنى: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا بِالتَّقَرُّبِ إلَيْهِ وطاعَتِهِ، فَكَيْفَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِهِ؟ وهم لَوْ كانُوا آلِهَةً كَما يَقُولُونَ لَكانُوا عَبِيدًا لَهُ، قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا وُجُوهٌ:

مِنها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويَخافُونَ عَذابَهُ﴾ [الإسراء: ٥٧].

أيْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي هم عِبادِي كَما أنْتُمْ عِبادِي، ويَرْجُونَ رَحْمَتِي ويَخافُونَ عَذابِي، فَلِماذا تَعْبُدُونَهم مِن دُونِي؟

الثّانِي: أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَقُلْ لابْتَغَوْا عَلَيْهِ سَبِيلًا، بَلْ قالَ: لابْتَغَوْا إلَيْهِ سَبِيلًا، وهَذا اللَّفْظُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في التَّقَرُّبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ [المائدة: ٣٥].

وَأمّا في المُغالَبَةِ فَإنَّما يُسْتَعْمَلُ بِعَلى كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٣٤].

والثّالِثُ: أنَّهم لَمْ يَقُولُوا إنَّ آلِهَتَهم تُغالِبُهُ وتَطْلُبُ العُلُوَّ عَلَيْهِ، وهو سُبْحانَهُ قَدْ قالَ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَما يَقُولُونَ﴾ وهم إنَّما كانُوا يَقُولُونَ: إنَّ آلِهَتَهم تَبْتَغِي التَّقَرُّبَ إلَيْهِ وتُقَرِّبُهم زُلْفى إلَيْهِ، فَقالُوا: لَوْ كانَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ لَكانَتْ تِلْكَ الآلِهَةُ عَبِيدًا لَهُ، فَلِماذا تَعْبُدُونَ عَبِيدَهُ مِن دُونِهِ؟

21:24Page 323

أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٤

Or have they taken gods besides Him? Say, [O Muḥammad], "Produce your proof. This [Qur’ān] is the message for those with me and the message of those before me."1 But most of them do not know the truth, so they are turning away.

No commentary for this ayah

21:25Page 324

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ ٢٥

And We sent not before you any messenger except We revealed to him that, "There is no deity except Me, so worship Me."

No commentary for this ayah

21:26Page 324

وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ ٢٦

And they say, "The Most Merciful has taken a son." Exalted is He! Rather, they1 are [but] honored servants.

No commentary for this ayah

21:27Page 324

لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ ٢٧

They cannot precede Him in word, and they act by His command.

No commentary for this ayah

21:28Page 324

يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ ٢٨

He knows what is [presently] before them and what will be after them,1 and they cannot intercede except on behalf of one whom He approves. And they, from fear of Him, are apprehensive.

الشفاعة التي أبطلها الله: شفاعة الشريك فإنه لا شريك له، والتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدى مالكه حتى يأذن له. ويقول: اشفع في فلان. ولهذا كان أسعد الناس بشفاعته سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، الذين جردوا التوحيد وخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه، وهم الذين ارتضى الله سبحانه.

قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إلا لَمِنِ ارْتَضى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحمنُ ورَضِى لَهُ قَوْلًا﴾ [طه: ١٠٩]

فأخبر أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاء قول المشفوع له، وإذنه للشافع فيه، فأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه سبحانه علقها بأمرين:

رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع، فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة.

وسر ذلك: أن الله له الأمر كله وحده، فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرسل والملائكة المقربون، وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلا بعد إذنه لهم، وأمرهم. ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئًا، فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتخذهم شفعاء من دونه، ظنًا منه أنه إذا فعل ذلك تقدموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل الناس بحق الرب سبحانه وما يجب له ويمتنع عليه فإن هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرب تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتخذ الرجل من خواصهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج.

وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والولي.

والفرق بينهما هو الفرق بين المخلوق والخالق، والرب والمربوب، والسيد والعبد، والمالك والمملوك، والغني والفقير، والذي لا حاجة به إلى أحد قط، والمحتاج من كل وجه إلى غيره.

21:29Page 324

۞ وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩

And whoever of them should say, "Indeed, I am a god besides Him" - that one We would recompense with Hell. Thus do We recompense the wrongdoers.

No commentary for this ayah

21:30Page 324

أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ ٣٠

Have those who disbelieved not considered that the heavens and the earth were a joined entity, and then We separated them and made from water every living thing? Then will they not believe?

No commentary for this ayah

21:31Page 324

وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٣١

And We placed within the earth firmly set mountains, lest it should shift with them, and We made therein [mountain] passes [as] roads that they might be guided.

No commentary for this ayah

21:32Page 324

وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ ٣٢

And We made the sky a protected ceiling, but they, from its signs,1 are turning away.

No commentary for this ayah

21:33Page 324

وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ٣٣

And it is He who created the night and the day and the sun and the moon; all [heavenly bodies] in an orbit are swimming.

No commentary for this ayah

21:34Page 324

وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ ٣٤

And We did not grant to any man before you eternity [on earth]; so if you die - would they be eternal?

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском