Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:18
3:18Page 52
شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨
Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.
اسْتشْهد سُبْحانَهُ بأولي العلم على أجل مشهود عَلَيْهِ وهو توحيده فَقالَ ﴿شهد الله أنه لا إلَه إلّا هو والمَلائِكَة وأولو العلم قائِما بِالقِسْطِ﴾
وَهَذا يدل على فضل العلم وأهله من وُجُوه:
أحدها استشهادهم دون غَيرهم من البشر
والثّانِي اقتران شَهادَتهم بِشَهادَتِهِ
والثّالِث اقترانها بِشَهادَة مَلائكَته
والرّابِع أن في ضمن هَذا تزكيتهم وتعديلهم فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العُدُول ومِنه الأثر المَعْرُوف عَن النَّبِي "يحمل هَذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عَنهُ تَحْرِيف الغالين وانتحال المبطلين وتَأْويل الجاهِلين"
وَقالَ مُحَمَّد بن أحْمَد بن يَعْقُوب بن شيبَة رَأيْت رجلا قدم رجلا إلى إسماعيل بن إسْحاق القاضِي فادّعى عَلَيْهِ دَعْوى فَسَألَ المُدعى عَلَيْهِ فأنكر فَقالَ للْمُدَّعي ألك بَيِّنَة قالَ نعم فلان وفُلان قالَ أما فلان فَمن شهودي، وأما فلان فَلَيْسَ من شهودي
قالَ فيعرفه القاضِي قالَ نعم قالَ بِماذا قالَ أعرفه بكتب الحَدِيث قالَ فَكيف تعرفه في كتبه الحَدِيث؟ قالَ ما علمت إلا خيرا
قالَ فإن النَّبِي قالَ يحمل هَذا العلم من كل خلف عدوله فَمن عدله رَسُول الله أولى مِمَّن عدلته أنت فَقالَ قُم فهاته فقد قبلت شَهادَته.
وَسَيَأْتِي إن شاءَ الله الكَلام على هَذا الحَدِيث في مَوْضِعه.
الخامِس أنه وصفهم بكونهم أولي العلم وهَذا يدل على اختصاصهم بِهِ وأنهم أهله وأصحابه لَيْسَ بمستعار لَهُم
السّادِس أنه سُبْحانَهُ اسْتشْهد بِنَفسِهِ وهو أجل شاهد ثمَّ بِخِيار خلقه وهم مَلائكَته والعُلَماء من عباده ويكفيهم بِهَذا فضلا وشرفا.
السّابِع أنه اسْتشْهد بهم على أجل مشهود بِهِ وأعظمه وأكبره وهو شَهادَة أن لا إلَه إلّا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العَظِيم أكابر الخلق وساداتهم.
الثّامِن أنه سُبْحانَهُ جعل شَهادَتهم حجَّة على المنكرين فهم بِمَنزِلَة آدلته وآياته وبراهنيه الدّالَّة على توحيده.
التّاسِع أنه سُبْحانَهُ أفرد الفِعْل المتضمن لهَذِهِ الشَّهادَة لصادرة مِنهُ ومن مَلائكَته ومِنهُم ولم يعْطف شَهادَتهم بِفعل آخر غير شَهادَته، وهَذا يدل على شدَّة ارتباط شَهادَتهم بِشَهادَتِهِ فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ شهد لنَفسِهِ بِالتَّوْحِيدِ على ألسنتهم وأنطقهم بِهَذِهِ الشَّهادَة فَكانَ هو الشّاهِد بها لنَفسِهِ إقامَة وإنطاقا وتعليما، وهم الشاهدون بها لَهُ إقْرارا واعترافا وتَصْدِيقًا وإيمانا.
العاشِر أنه سُبْحانَهُ جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بِهَذِهِ الشَّهادَة فَإذا أدوها فقد أدوا الحق المَشْهُود بِهِ فَثَبت الحق المَشْهُود بِهِ فَوَجَبَ على الخلق الإقرار بِهِ وكانَ ذَلِك غايَة سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بِشَهادَتِهِم وأقر بِهَذا الحق بِسَبَب شَهادَتهم فَلهم من الأجر مثل أجره وهَذا فضل عَظِيم لا يدري قدره إلا الله وكَذَلِكَ كل من شهد بها عَن شَهادَتهم فَلهم من الأجر مثل أجره أيضا فَهَذِهِ عشرَة أوجه في هَذِه الآية.
الحادِي عشر في تَفْضِيل العلم وأهله أنه سُبْحانَهُ نفي التَّسْوِيَة بَين أهله وبَين غَيرهم كَما نفى التَّسْوِيَة بَين أصحاب الجنَّة وأصحاب النّار فَقالَ تَعالى ﴿قل هَل يستوي الَّذين يعلمُونَ والَّذين لا يعلمُونَ﴾ كَما قالَ تَعالى ﴿لا يستوي أصحاب النّار وأصحاب الجنَّة﴾ وهَذا يدل على غايَة فَضلهمْ وشرفهم.
الوَجْه الثّانِي عشر أنه سُبْحانَهُ جعل أهل الجَهْل بِمَنزِلَة العميان الَّذين لا يبصرون فَقالَ (أفَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى} فَما ثمَّ إلا عالم أوْ أعمى، وقد وصف سُبْحانَهُ أهل الجَهْل بِأنَّهُم صم بكم عمي في غير مَوضِع من كِتابه.
الوَجْه الثّالِث عشر أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن أولي العلم بأنهم يرَوْنَ أن ما أنْزلْ إليه من ربه حَقًا وجعل هَذا ثَناء عَلَيْهِم واستشهادا بهم فَقالَ تَعالى ﴿وَيَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ﴾.
الوَجْه الرّابِع عشر أنه سُبْحانَهُ أمر بسؤالهم والرُّجُوع إلى أقْوالهم وجعل ذَلِك كالشَّهادَةِ مِنهُم فَقالَ ﴿وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلّا رِجالًا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧)﴾
وأهل الذّكر هم أهل العلم بِما أنْزلْ على الأنبياء.
الوَجْه الخامِس عشر أنه سُبْحانَهُ شهد لأهل العلم شَهادَة في ضمنها الاستشهاد بهم على صِحَة ما أنْزلْ الله على رَسُوله فَقالَ تَعالى ﴿أفَغَيْرَ اللَّهِ أبْتَغِي حَكَمًا وهو الَّذِي أنْزَلَ إلَيْكُمُ الكِتابَ مُفَصَّلًا والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْلَمُونَ أنَّهُ مُنَزَّلٌ مِن رَبِّكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (١١٤)﴾
الوَجْه السّادِس عشر أنه سُبْحانَهُ سلى نبيه بإيمان أهل العلم بِهِ وأمره أن لا يعبأ بالجاهلين شَيْئا فَقالَ تَعالى ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْناهُ لِتَقْرَأهُ عَلى النّاسِ عَلى مُكْثٍ ونَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أوْ لا تُؤْمِنُوا إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا (١٠٧) ويَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾
وَهَذا شرف عَظِيم لهل العلم وتَحْته أن أهله العالمُونَ قد عرفوه وآمنوا بِهِ وصَدقُوا فَسَواء آمن بِهِ غَيرهم أو لا.
الوَجْه السّابِع عشر أنه سُبْحانَهُ مدح أهل العلم وأثنى عَلَيْهِم وشرفهم بأن جعل كِتابه آيات بَيِّنات في صُدُورهمْ وهَذِه خاصَّة ومنقبة لَهُم دون غَيرهم فَقالَ تَعالى ﴿وَكَذَلِكَ أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ فالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِن هَؤُلاءِ مَن يُؤْمِنُ بِهِ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الكافِرُونَ (٤٧) وما كُنْتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ ولا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لارْتابَ المُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هو آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إلّا الظّالِمُونَ (٤٩)﴾
وَسَواء كانَ المَعْنى أن القُرْآن مُسْتَقر في صُدُور الَّذين أوتوا العلم ثابت فِيها مَحْفُوظ وهو في نَفسه آيات بَيِّنات فَيكون أخبر عَنهُ بخبرين أحدهما أنه آيات بَيِّنات.
الثّانِي أنه مَحْفُوظ مُسْتَقر ثابت في صُدُور الَّذين أوتوا العلم أوْ كانَ المَعْنى أنه آيات بَيِّنات في صُدُورهمْ أي كَونه آيات بَيِّنات مَعْلُوم لَهُم ثابت في صُدُورهمْ.
والقَوْلان متلازمان ليسا بمختلفين وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهو مدح لَهُم وثناء عَلَيْهِم في ضمنه الاستشهاد بهم فَتَأمّله.
الوَجْه الثّامِن عشر أنه سُبْحانَهُ أمر نبيه أن يسْأله مزِيد العلم فَقالَ تَعالى في سورة طه ﴿فَتَعالى اللَّهُ المَلِكُ الحَقُّ ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ وقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾
وَكفى بِهَذا شرفا للْعلم أن امْر نبيه أن يسْأله المَزِيد مِنهُ.
الوَجْه التّاسِع عشر أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن رفْعَة دَرَجات أهل العلم والإيمان خاصَّة فَقالَ تَعالى في سورة المجادلة ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قِيلَ لَكم تَفَسَّحُوا في المَجالِسِ فافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكم وإذا قِيلَ انْشُزُوا فانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم والَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجاتٍ واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١)﴾
وَقد أخبر سُبْحانَهُ في كِتابه بِرَفْع الدَّرَجات في أربعة مَواضِع أحدها هَذا والثّانِي قَوْله إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذين إذا ذكر الله وجلت قُلُوبهم وإذا تليت عَلَيْهِم آياته زادتهم إيمانًا وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ الَّذين يُقِيمُونَ الصَّلاة ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفقُونَ أولئك هم المُؤْمِنُونَ حَقًا لَهُم دَرَجات عند رَبهم ومغفرة ورزق كريم والثّالِث قوله تَعالى: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصّالِحاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى (٧٥)﴾ والرّابِع قوله تَعالى: ﴿وَفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ أجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً ... (٩٦)﴾
فَهَذِهِ أربعة مَواضِع في ثَلاثَة مِنها الرّفْعَة بالدرجات لأهل الإيمان الَّذِي هو العلم النافع والعَمَل الصّالح
والرّابِع الرّفْعَة بِالجِهادِ فَعادَت رفْعَة الدَّرَجات كلها إلى العلم والجهاد اللَّذين بهما قوام الدّين.
الوَجْه العشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ اسْتشْهد بِأهْل العلم والإيمان يَوْم القِيامَة على بطلان قَول الكفّار فَقالَ تَعالى ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ المُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذَلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وقالَ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ والإيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ في كِتابِ اللَّهِ إلى يَوْمِ البَعْثِ فَهَذا يَوْمُ البَعْثِ ولَكِنَّكم كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾.
الوَجْه الحادِي والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ أخبر أنهم أهل خَشيته بل خصهم من بَين النّاس بذلك فَقالَ تَعالى في سورة فاطر ﴿إنَّما يخْشى الله من عباده العلماء إن الله عَزِيز غَفُور﴾ وهَذا حصر لخشيته في أولي العلم وقالَ تَعالى ﴿جَزاؤُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ رَبَّهُ (٨)﴾
وَقد أخبر أن أهل خَشيته هم العلماء فَدلَّ على أن هَذا الجَزاء المَذْكُور للْعُلَماء بِمَجْمُوع النصين.
وَقالَ ابْن مَسْعُود رضى الله عَنهُ كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بِالله جهلا.
الوَجْه الثّانِي والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ أخبر عَن أمثاله الَّتِي يضْربها لِعِبادِهِ يدلهم على صِحَة ما أخبر بِهِ أن أهل العلم هم المنتفعون بها المختصون بعلمها فَقالَ تَعالى ﴿وَتلك الأمثال نَضْرِبها للنّاس وما يَعْقِلها إلّا العالمُونَ﴾
وَفِي القُرْآن بضعَة وأربعون مثلا وكانَ بعض السّلف إذا مر بِمثل لا يفهمهُ يبكي ويَقُول لست من العالِمين.
الوَجْه الثّالِث والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ ذكر مناظرة إبْراهِيم لأبيه وقَومه وغلبته لَهُم بِالحجَّةِ وأخْبر عَن تفضيله بذلك ورَفعه دَرَجَته بِعلم الحجَّة فَقالَ تَعالى عقيب مناظرته لابيه وقَومه في سُورَة الأنعام ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَن نَشاءُ إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣)﴾ قالَ زيد بن أسلم رضى الله عَنهُ ﴿نرفع دَرَجات من نشاء﴾ بِعلم الحجَّة.
الوَجْه الرّابِع والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ أخبر أنه خلق الخلق ووضع بَيته الحَرام والشهر الحَرام والهدى والقلائد ليعلم عباده أنه بِكُل شَيْء عليم وعَلى كل شَيْء قدير فَقالَ تَعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وأنَّ اللَّهَ قَدْ أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾
فَدلَّ على أن علم العباد برَبهمْ وصِفاته وعبادته وحده هو الغايَة المَطْلُوبَة من الخلق والأمر.
الوَجْه الخامِس والعشْرُونَ أن الله سُبْحانَهُ أمر أهل العلم بالفرح بِما آتاهُم وأخْبر أنه خير مِمّا يجمع النّاس فَقالَ تَعالى ﴿قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مِمّا يجمعُونَ﴾
وَفسّر فضل الله بالإيمان، ورَحمته بِالقُرْآنِ، والإيمان والقُرْآن هما العلم النافع والعَمَل الصّالح والهدى ودين الحق وهما أفضل علم وأفضل عمل.
الوَجْه السّادِس والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ شهد لمن آتاهُ العلم بأنه قد آتاهُ خيرا كثيرا فَقالَ تَعالى في سورة البقرة ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ ومَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا ... (٢٦٩)﴾
قالَ ابْن قُتَيْبَة والجُمْهُور الحِكْمَة إصابَة الحق والعَمَل بِهِ وهِي العلم النافع والعَمَل الصّالح.
الوَجْه السّابِع والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ عدد نعمه وفضله على رَسُوله وجعل من أجلها أن آتاهُ الكتاب والحكمَة وعلمه ما لم يكن يعلم فَقالَ تَعالى ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الكتاب والحكمَة وعلمك ما لم تكن تعلم وكانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾.
الوَجْه الثّامِن والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ ذكر عباده المُؤمنِينَ بِهَذِهِ النِّعْمَة وأمرهمْ بشكرها وأن يذكروه على إسدائها إليهم فَقالَ تَعالى ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (١٥١) فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾.
الوَجْه التّاسِع والعشْرُونَ أنه سُبْحانَهُ لما أخبر مَلائكَته بِأنَّهُ يُرِيد أن يَجْعَل في الأرض خَليفَة قالُوا لَهُ ﴿أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ (٣٠) وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣١) قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلّا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ (٣٢)﴾
إلى آخر قصَّة آدم وأمر المَلائِكَة بِالسُّجُود لآدَم فَأبى إبليس فلعنه وأخرجه من السَّماء.
وَبَيان فضل العلم من هَذِه القِصَّة من وُجُوه:
أحدها أنه سُبْحانَهُ رد على المَلائِكَة لما سَألُوهُ كَيفَ يَجْعَل في الأرض من هم أطوع لَهُ مِنهُ فَقالَ ﴿إني أعْلَم ما لا تعلمُونَ﴾
فَأجاب سُؤالهمْ بِأنَّهُ يعلم من بواطن الأمور وحقائقها ما لا يعلمونه وهو العَلِيم الحَكِيم، فَظهر من هَذا الخَلِيفَة من خِيار خلقه ورُسُله وأنبيائه وصالحي عباده والشُّهَداء والصديقين والعُلَماء وطبقات أهل العلم والإيمان من هو خير من المَلائِكَة، وظهر من إبليس من هو شَرّ العالمين فَأخْرج سُبْحانَهُ هَذا وهَذا، والمَلائِكَة لم يكن لَها علم لا بِهَذا ولا بِهَذا ولا بِما في خلق آدم وإسكانه الأرض من الحكم الباهرة.
الثّانِي أنه سُبْحانَهُ لما أراد إظهار تَفْضِيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عَلَيْهِم بِالعلمِ فَعلمه الأسماء كلها ﴿ثمَّ عرضهمْ على المَلائِكَة فَقالَ أنبئوني بأسماء هَؤُلاءِ إن كُنْتُم صادِقين﴾ جاءَ في التَّفْسِير أنهم قالُوا لن يخلق رَبنا خلقا هو أكرم عَلَيْهِ منا، فظنوا أنهم خير وأفضل من الخَلِيفَة الَّذِي يَجعله الله في الأرض فَلَمّا امتحنهم بِعلم ما علمه لهَذا الخَلِيفَة أقروا بِالعَجزِ وجَهل ما لم يعلموه فَقالُوا ﴿سُبْحانَكَ لا علم لنا إلّا ما علمتنا إنك أنت العَلِيم الحَكِيم﴾ فَحِينَئِذٍ أظهر لَهُم فضل آدم بِما خصّه بِهِ من العلم فَقالَ يا آدم أنبئهم بأسمائهم فَلَمّا أنبأهم بِأسْمائِهِمْ أقرُّوا لَهُ بِالفَضْلِ.
الثّالِث أنه سُبْحانَهُ لما أن عرفهم فضل آدم بِالعلمِ وعجزهم عَن معرفَة ما علمه قالَ لَهُم ﴿ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾
فعرفهم سُبْحانَهُ نَفسه بِالعلمِ وأنه أحاط علما بظاهرهم وباطِنهمْ وبغيب السَّماوات والأرض فتعرف إليهم بِصفة العلم وعرفهم فضل نبيه وكليمه بِالعلمِ وعجزهم عَمّا آتاهُ آدم من العلم وكفى بِهَذا شرفا للْعلم.
الرّابِع أنه سُبْحانَهُ جعل في آدم من صِفات الكَمال ما كانَ بِهِ أفضل من غَيره من المَخْلُوقات، وأرادَ سُبْحانَهُ أن يظْهر لملائكته فَضله وشرفه فأظهر لَهُم أحسن ما فِيهِ وهو علمه فَدلَّ على أن العلم أشرف ما في الإنسان وأن فَضله وشرفه إنَّما هو بِالعلمِ.
وَنَظِير هَذا ما فعله بِنَبِيِّهِ يُوسُف عَلَيْهِ السَّلام لما أرادَ إظهار فَضله وشرفه على أهل زَمانه كلهم أظهر للْملك وأهل مصر من علمه بِتَأْوِيل رُؤْياهُ ما عجز عَنهُ عُلَماء التَّعْبِير، فَحِينَئِذٍ قدمه ومكنه وسلم إليه خَزائِن الأرض وكانَ قبل ذَلِك قد حَبسه على ما رَآهُ من حسن وجهه وجمال صورته، ولما ظهر لَهُ حسن صُورَة علمه وجمال مَعْرفَته أطلقه من الحَبْس ومكنه في الأرض، فَدلَّ على أن صُورَة العلم عند بني آدم أبهى وأحسن من الصُّورَة الحسية، ولَو كانَت أجمل صُورَة.
وَهَذا وجه مُسْتَقل في تَفْضِيل العلم مُضاف إلى ما تقدم فتم بِهِ ثَلاثُونَ وجها.
الوَجْه الحادِي والثَّلاثُونَ أنه سُبْحانَهُ ذمّ أهل الجَهْل في مَواضِع كَثِيرَة من كِتابه فَقالَ تَعالى ﴿وَلَكِن أكثرهم يجهلون﴾ وقالَ ﴿وَلَكِن أكثرهم لا يعلمُونَ﴾ وقالَ تَعالى ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ أوْ يَعْقِلُونَ إنْ هم إلّا كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾
فَلم يقْتَصر سُبْحانَهُ على تَشْبِيه الجُهّال بالأنعام حَتّى جعلهم أضل سَبِيلا مِنهُم.
وَقالَ ﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ البُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾
أخبر أن الجُهّال شَرّ الدَّوابّ عِنْده على اخْتِلاف أصنافها من الحمير والسِّباع والكلاب والحشرات وسائِر الدَّوابّ فالجهال شَرّ مِنهُم ولَيْسَ عَليّ دين الرُّسُل أضر من الجُهّال بل اعداؤهم على الحَقِيقَة وقالَ تَعالى لنَبيه وقد أعاذه ﴿فلا تكونن من الجاهِلين﴾
وَقالَ كليمه مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام ﴿أعوذ بِالله أن أكون من الجاهِلين﴾ وقالَ لأوّل رسله نوح عَلَيْهِ السَّلام ﴿إنِّي أعظك أن تكون من الجاهِلين﴾
فَهَذِهِ حال الجاهِلين عِنْده والأول حال أهل العلم عِنْده، وأخْبَرْ سُبْحانَهُ عَن عُقُوبَته لأعدائه أنه مَنعهم علم كِتابه ومعرفته وفقهه فَقالَ تَعالى ﴿وَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا (٤٥) وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ وفي آذانِهِمْ وقْرًا ... (٤٦)﴾
وَأمر نبيه بالإعراض عَنْهُم فَقالَ ﴿وَأعْرض عَن الجاهِلين﴾ وأثنى على عباده بالإعراض عَنْهُم ومتاركتهم كَما في قَوْله ﴿وَإذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أعْرَضُوا عَنْهُ وقالُوا لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ (٥٥)﴾
وَقالَ تَعالى ﴿وَإذا خاطبهم الجاهلون قالُوا سَلاما﴾ وكل هَذا يدل على قبح الجَهْل عِنْده وبغضه للْجَهْل وأهله وهو كَذَلِك عند النّاس فَإن كل أحْد يتبرأ مِنهُ وإن كانَ فيه.
الوجه الثّانِي والثَّلاثُونَ أن العلم حَياة ونور، والجهل موت وظلمة، والشَّر كُله سَببه عدم الحَياة والنور، والخَيْر كُله سَببه النُّور والحياة فَإن النُّور يكْشف عَن حقائق الأشياء ويبين مراتبها والحياة هي المصححة لصفات الكَمال المُوجبَة لتسديد الأقوال والأعمال فَكلما تصرف من الحَياة فَهو خير كُله كالحياء الَّذِي سَببه كَمال حَياة القلب وتصوره حَقِيقَة القبْح ونفرته مِنهُ وضده الوقاحة والفُحْش وسَببه موت القلب وعدم نفرته من القَبِيح وكالحياء الَّذِي هو المَطَر الَّذِي بِهِ حَياة كل شَيْء قالَ تَعالى ﴿أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها﴾
كانَ مَيتا بِالجَهْلِ قلبه فأحياه بِالعلمِ وجعل لَهُ من الإيمان نورا يمشي بِهِ في النّاس وقالَ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ ويَجْعَلْ لَكم نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ويَغْفِرْ لَكم واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلّا يَعْلَمَ أهْلُ الكِتابِ ألّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِن فَضْلِ اللَّهِ وأنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ (٢٩)﴾
وَقالَ تَعالى ﴿اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهم مِنَ النُّورِ إلى الظُّلُماتِ أُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ (٢٥٧)﴾.
الوَجْه الثّالِث والثَّلاثُونَ أن الله سُبْحانَهُ جعل صيد الكَلْب الجاهِل ميتَة يحرم أكلها وأباح صيد الكَلْب المعلم.
وَهَذا أيضا من شرف العلم أنه لا يُباح إلّا صيد الكَلْب العالم، وأما الكَلْب الجاهِل فَلا يحل أكل صَيْده فَدلَّ على شرف العلم وفضله قالَ الله تَعالى في سورة المائدة ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ (٤)﴾
وَلَوْلا مزية العلم والتعليم وشرفهما كانَ صيد الكَلْب المعلم والجاهِل سَواء.
الوَجْه الرّابِع والثَّلاثُونَ أن الله سُبْحانَهُ أخْبرنا عَن صَفيه وكليمه الَّذِي كتب لَهُ التوارة بِيَدِهِ وكَلمه مِنهُ إليه أنه رَحل إلى رجل عالم يتَعَلَّم مِنهُ ويزداد علما إلى علمه فَقالَ ﴿وَإذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أبْرَحُ حَتّى أبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ أوْ أمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾
حرصا مِنهُ على لِقاء هَذا العالم وعَلى التَّعَلُّم مِنهُ فَلَمّا لقِيه سلك مَعَه مَسْلَك المتعلم مَعَ معلمه وقالَ لَهُ ﴿هَل أتبعك على أن تعلمن مِمّا علمت رشدا﴾ فبدأه بعد السَّلام بالاستئذان على مُتابَعَته وأنه لا يتبعهُ إلّا باذنه، وقالَ ﴿على أن تعلمن مِمّا علمت رشدا﴾
فَلم يَجِئ ممتحنا ولا متعلما وإنَّما جاءَ متعلما مستزيدا علما إلى علمه، وكفى بِهَذا فضلا وشرفا للْعلم فَإن نَبِي الله وكليمه سافر ورحل حَتّى لقي النصب من سَفَره في تعلم ثَلاث مسائِل من رجل عالم، ولما سمع بِهِ لم يقر لَهُ قَرار حَتّى لقِيه وطلب مِنهُ مُتابَعَته وتعليمه، وفي قصتهما عبر وآيات وحكم لَيْسَ هَذا مَوضِع ذكرها.
الوَجْه الخامِس والثَّلاثُونَ قوله تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾
ندب تَعالى في سورة التوبة المُؤمنِينَ إلى التفقه في الدّين وهو تعلمه وإنذار قَومهمْ إذا رجعُوا إليهم وهو التَّعْلِيم وقد اخْتلف في الآية فَقيل المَعْنى أن المُؤمنِينَ لم يَكُونُوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم بل يَنْبَغِي أن ينفر من كل فرقة مِنهُم طائِفَة تتفقه تِلْكَ الطّائِفَة ثمَّ ترجع تعلم القاعدين فَيكون النفير على هَذا نفير تعلم والطائفة تقال على الواحِد فَما زاد قالُوا فَهو دَلِيل على قبُول خبر الواحِد وعَلى هَذا نفير تعلم.
والطائفة تقال على الواحِد فَما زاد قالُوا فَهو دَلِيل على قبُول خبر الواحِد وعَلى هَذا حملها الشّافِعِي وجَماعَة.
وَقالَت طائِفَة أخرى المَعْنى وما كانَ المُؤْمِنُونَ لينفروا إلى الجِهاد كلهم بل يَنْبَغِي أن تنفر طائِفَة للْجِهاد وفرْقَة تقعد تتفقه في الدّين فَإذا جاءَت الطّائِفَة الَّتِي نفرت فقهتها القاعِدَة وعلمتها ما أنْزلْ من الدّين والحلال والحرام وعَلى هَذا فَيكون قَوْله ليتفقهوا ولينذروا للفرقة الَّتِي نفرت مِنها طائِفَة وهَذا قَول الأكثرين، وعَلى هَذا فالنفير نفير جِهاد على أصله فَإنَّهُ حَيْثُ اسْتعْمل إنَّما يفهم مِنهُ الجِهاد قالَ الله تَعالى ﴿انفروا خفافا وثقالا وجاهدُوا بأموالكم وأنْفُسكُمْ﴾ وقالَ النَّبِي "لا هِجْرَة بعد الفَتْح ولَكِن جِهاد ونِيَّة وإذا استنفرتم فانفروا"
وَهَذا هو المَعْرُوف من هَذِه اللَّفْظَة وعَلى القَوْلَيْنِ فَهو ترغيب في التفقه في الدّين وتعلمه وتعليمه فَإن ذَلِك يعدل الجِهاد بل رُبما يكون أفضل مِنهُ كَما سَيَأْتِي تَقْرِيره في الوَجْه الثّامِن والمِائَة إن شاءَ الله تَعالى.
الوَجْه السّادِس والثَّلاثُونَ قوله تَعالى: في سورة العصر ﴿والعَصْرِ (١) إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ (٢) إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾
قالَ الشّافِعِي - رضي الله عنه - لَو فكر النّاس كلهم في هَذِه السُّورَة لكفتهم وبَيان ذَلِك أن المَراتِب أربعة وباستكمالها يحصل للشَّخْص غايَة كَماله:
إحداها معرفَة الحق
الثّانِيَة عمله بِهِ
الثّالِثَة تَعْلِيمه من لا يُحسنهُ
الرّابِعَة صبره على تعلمه والعَمَل بِهِ وتعليمه.
فَذكر تَعالى المَراتِب الأربعة في هَذِه السُّورَة واقسم سُبْحانَهُ في هَذِه السُّورَة بالعصر أن كل أحد في خسر إلا الَّذين آمنُوا وعمِلُوا الصّالِحات وهم الَّذين عرفُوا الحق وصَدقُوا بِهِ فَهَذِهِ مرتبَة ﴿وَعمِلُوا الصّالِحات﴾ وهم الَّذين عمِلُوا بِما علموه من الحق فَهَذِهِ مرتبَة أخرى ﴿وَتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ وصّى بِهِ بَعضهم بَعْضًا تَعْلِيما وإرشادا فَهَذِهِ مرتبَة ثالِثَة وتَواصَوْا بِالصبرِ صَبَرُوا على الحق ووصى بَعضهم بَعْضًا بِالصبرِ عَلَيْهِ والثبات فَهَذِهِ مرتبَة رابِعَة وهذانهاية الكَمال فَإن الكَمال أن يكون الشَّخْص كامِلا في نَفسه مكملا لغيره وكماله بأصلاح قوتيه العلمية والعملية فصلاح القُوَّة العلمية بالإيمان وصَلاح القُوَّة العملية بِعَمَل الصّالِحات وتكميله غَيره بتعليمه إياه وصَبره عَلَيْهِ وتوصيته بِالصبرِ على العلم والعَمَل فَهَذِهِ السُّورَة على اختصارها هي من أجْمَعْ سور القُرْآن للخير بحذافيره والحَمْد لله الَّذِي جعل كِتابه كافِيا عَن كل ما سواهُ شافيا من كل داء هاديا إلى كل خير.
الوَجْه السّابِع والثَّلاثُونَ أنه سُبْحانَهُ ذكر فَضله ومنته على أنبيائه ورُسُله وأوليائه وعباده بِما آتاهُم من العلم فَذكر نعْمَته على خاتم أنبيائه ورُسُله بقوله ﴿وَأنزل الله عَلَيْك الكتاب والحكمَة وعلمك ما لم تكن تعلم وكانَ فضل الله عَلَيْك عَظِيما﴾
وَقد تقدّمت هَذِه الآية وقالَ في يُوسُف ﴿وَلما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكَذَلِكَ تجزى المُحْسِنِينَ﴾ وقالَ في كليمه مُوسى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكَذَلِكَ نجزي المُحْسِنِينَ﴾
وَلما كانَ الَّذِي آتاهُ مُوسى من ذَلِك أمرا عَظِيما خصّه بِهِ على غَيره ولا يثبت لَهُ إلّا الأقوياء أولو العَزْم هيأه لَهُ بعد أن بلغ أشده واستوى يَعْنِي ثمّ كملت قوته، وقالَ في حق المَسِيح ﴿ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾
وَقالَ في حَقه ﴿ويعلمه الكتاب والحكمَة والتوراة والإنجيل﴾ فَجعل تَعْلِيمه مِمّا بشر بِهِ أمهِ وأقر عينها بِهِ.
وَقالَ في حق داوُد ﴿وَآتَيْناهُ الحِكْمَة وفصل الخطاب﴾
وَقالَ في حق الخضر صاحب مُوسى وفتاه ﴿فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رَحْمَة من عندنا وعلمناه من لدنا علما﴾
فَذكر من نعمه عَلَيْهِ تَعْلِيمه وما آتاهُ من رَحمته.
وَقالَ تَعالى يذكر نعْمَته على داوُد وسليمان وداوُد وسليمان ﴿إذْ يَحْكُمانِ في الحَرْثِ إذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ القَوْمِ وكُنّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وكُلًّا آتَيْنا حُكْمًا وعِلْمًا ... (٧٩)﴾
فَذكر النَّبِيين الكريمين وأثْنى عَلَيْهِما بالحكم والعلم وخص بفهم القَضِيَّة أحدهما وقد ذكرت الحكمَيْنِ الداوودي والسليماني ووجههما ومن صار من الأئمة إلى هَذا ومن صار إلى هَذا وترجيح الحكم السُّلَيْمانِي من عدَّة وُجُوه وموافقته للْقِياس وقواعد الشَّرْع في كتاب الِاجْتِهاد والتقليد.
وَقالَ تَعالى في سورة الأنعام ﴿قُلْ مَن أنْزَلَ الكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُورًا وهُدًى لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وتُخْفُونَ كَثِيرًا وعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أنْتُمْ ولا آباؤُكم قُلِ اللَّهُ ... (٩١)﴾
يَعْنِي الَّذِي أنزله جعل سُبْحانَهُ تعليمهم ما لم يعلمُوا هم ولا آباؤهم دَلِيلا على صِحَة النُّبُوَّة والرسالة إذْ لا ينال هَذا العلم إلّا من جِهَة الرُّسُل فَكيف يَقُولُونَ ﴿ما أنزل الله على بشر من شَيْء﴾ وهَذا من فضل العلم وشرفه وأنه دَلِيل على صِحَة النُّبُوَّة والرسالة والله المُوفق للرشاد وقالَ تَعالى ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِن أنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ (١٦٤)﴾
وَقالَ تَعالى في سورة الجمعة ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ (٤)﴾
يَعْنِي وبعث في آخَرين مِنهُم لما يلْحقُوا بهم.
وَقد اخْتلف في هَذا اللحاق المَنفِيّ فَقيل هو اللحاق في الزَّمان أي يتَأخَّر زمانهم عَنْهُم وقيل هو اللحاق في الفضل والسبق وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فامتن عَلَيْهِم سُبْحانَهُ بأن علمهمْ بعد الجَهْل وهداهم بعد الضَّلالَة ويالها من منَّة عَظِيمَة فاتَت المنن وجلت أن يقدر العباد لَها على ثمن.
الوَجْه الثّامِن والثَّلاثُونَ أن أول سُورَة أنزلها الله في كِتابه سُورَة القَلَم فَذكر فِيها ما من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه ما لم يعلم فَذكر فِيها فَضله بتعليمه وتفضيله الإنْسان بِما علمه إياه وذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم والعلم فَقالَ تَعالى ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الإنْسانَ مِن عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ ورَبُّكَ الأكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الإنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾
فافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالقِراءَةِ الناشئة عَن العلم وذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقالَ ﴿الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم﴾ وخص الإنسان من بَين المَخْلُوقات لما أودعه من عجائبه وآياته الدّالَّة على ربوبيته وقدرته وعلمه وحكمته وكَمال رَحمته وأنه لا إلَه غَيره ولا رب سواهُ، وذكر هُنا مبدا خلقه من علق لكَون العلقَة مبدأ الأطوار الَّتِي انْتَقَلت إليها النُّطْفَة فَهي مبدأ تعلق التخليق، ثمَّ أعاد الأمر بِالقِراءَةِ مخبرا عَن نَفسه بِأنَّهُ الأكرم وهو الأفعل من الكَرم وهو كَثْرَة الخَيْر ولا احْدُ أولى بذلك مِنهُ سُبْحانَهُ فَإن الخَيْر كُله بيدَيْهِ والخَيْر كُله مِنهُ والنعَم كلها هو موليها، والكمال كُله والمجد كُله لَهُ فَهو الأكرم حَقًا، ثمَّ ذكر تَعْلِيمه عُمُوما وخصوصا فَقالَ ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ فَهَذا يدْخل فِيهِ تَعْلِيم المَلائِكَة والنّاس ثمَّ ذكر تَعْلِيم الإنسان خُصُوصا فَقالَ ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾
فاشتملت هَذِه الكَلِمات على أنه معطي الموجودات كلها بِجَمِيعِ أقسامها فإن الوُجُود لَهُ مَراتِب أربعة:
أحداها مرتبتها الخارجية المَدْلُول عَلَيْها بقوله خلق المرتبَة الثّانِيَة الذهنية المَدْلُول عَلَيْها بقوله ﴿علم الإنْسان ما لم يعلم﴾ المرتبَة الثّالِثَة والرّابِعَة اللفظية والخطية فالخطية مُصَرح بها في قَوْله ﴿الَّذِي علم بالقلم﴾ واللفظية من لَوازِم التَّعْلِيم بالقلم فَإن الكِتابَة فرع النُّطْق والنطق فرع التَّصَوُّر، فاشتملت هَذِه الكَلِمات على مَراتِب الوُجُود كلها وأنه سُبْحانَهُ هو معطيها بخلقه وتعليمه فَهو الخالِق المعلم وكل شَيْء في الخارِج فبخلقه وجد وكل علم في الذِّهْن فبتعليمه حصل، وكل لفظ في اللِّسان أوْ خطّ في البنان فبإقداره وخلقه وتعليمه، وهَذا من آيات قدرته وبراهين حكمته لا إلَه إلّا هو الرَّحْمَن الرَّحِيم والمَقْصُود أنه سُبْحانَهُ تعرف إلى عباده بِما علمهمْ إيّاه بِحِكْمَتِهِ من الخط واللَّفْظ والمعْنى فَكانَ العلم أحد الأدلة الدّالَّة عَلَيْهِ بل من أعظمها وأظهرها وكفى بِهَذا شرفا وفضلا لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences