Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:18, continued
الوَجْه التّاسِع والثَّلاثُونَ أنه سُبْحانَهُ سمى الحجَّة العلمية سُلْطانا قالَ ابْن عَبّاس رضى الله عَنهُ كل سُلْطان في القُرْآن فَهو حجَّة وهَذا كَقوله تَعالى: ﴿قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ هو الغَنِيُّ لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ إنْ عِنْدَكم مِن سُلْطانٍ بِهَذا أتَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨)﴾
يَعْنِي ما عنْدكم من حجَّة بِما قُلْتُمْ أن هو إلا قَول على الله بِلا علم وقالَ تَعالى ﴿إن هي إلّا أسماء سميتموها أنْتُم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سُلْطان﴾
يَعْنِي ما أنزل بها حجَّة ولا برهانا بل هي من تِلْقاء أنفسكم وآبائكم وقالَ تَعالى ﴿أم لكم سُلْطان مُبين فَأتوا بِكِتابِكم إن كُنْتُم صادِقين﴾
يَعْنِي حجَّة واضِحَة فأتوا بها إن كُنْتُم صادِقين في دعواكم إلّا موضعا واحِدًا اخْتلف فِيهِ وهو قَوْله ﴿ما أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه﴾
فَقيل المُراد بِهِ القُدْرَة والملك أي ذهب عني مالِي وملكي فَلا مال لي ولا سُلْطان.
وَقيل هو على بابه أي انْقَطَعت حجتي وبَطلَت فَلا حجَّة لي.
والمَقْصُود أن الله سُبْحانَهُ سمى علم الحجَّة سُلْطانا لأنها توجب تسلط صاحبها واقتداره فَلهُ بها سُلْطان على الجاهِلين بل سُلْطان العلم أعظم من سُلْطان اليَد، ولِهَذا ينقاد النّاس للحجة ما لا ينقادون لليد، فإن الحجَّة تنقاد لَها القُلُوب، وأما اليَد فَإنَّما ينقاد لَها البدن، فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المُخالف وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لَها ذليل مقهور تَحت سلطانها بل سُلْطان الجاه إن لم يكن مَعَه علم يساس بِهِ فَهو بِمَنزِلَة سُلْطان السباع والأسود ونَحْوها قدرَة بِلا علم ولا رَحْمَة بِخِلاف سُلْطان الحجَّة فَإنَّهُ قدرَة بِعلم ورَحْمَة وحِكْمَة، ومن لم يكن لَهُ اقتدار في علمه فَهو إما لضعف حجَّته وسلطانه، وإما لقهر سُلْطان اليَد والسيف لَهُ، وإلا فالحجة ناصرة نَفسها ظاهِرَة على الباطِل قاهرة لَهُ.
الوَجْه الأربعون أن الله تَعالى وصف أهل النّار بِالجَهْلِ وأخْبَر أنه سد عليهم طرق العلم فَقالَ تَعالى حِكايَة عَنْهُم ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ ما كُنّا في أصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ (١١)﴾
فَأخْبرُوا أنهم كانُوا لا يسمعُونَ ولا يعْقلُونَ، والسمع والعقل هما أصل العلم وبِهِما ينال وقالَ تَعالى ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ (١٧٩)﴾
فأخبر سُبْحانَهُ أنهم لم يحصل لَهُم علم من جِهَة من جِهات العلم الثَّلاث وهِي العقل والسمع والبَصَر، كَما قالَ في مَوضِع آخر ﴿صم بكم عمي فهم لا يعْقلُونَ﴾ وقالَ تَعالى في سورة الحج ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا في الأرْضِ فَتَكُونَ لَهم قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ (٤٦)﴾
وَقالَ تَعالى ﴿وَجَعَلْنا لَهم سَمْعًا وأبْصارًا وأفْئِدَةً فَما أغْنى عَنْهم سَمْعُهم ولا أبْصارُهم ولا أفْئِدَتُهم مِن شَيْءٍ إذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾
فقد وصف أهل الشَّقاء كَما ترى بِعَدَمِ العلم، وشبههم بالأنعام تارَة، وتارَة بالحمار الَّذِي يحمل الأسفار، وتارَة جعلهم أضل من الأنعام، وتارَة جعلهم شَرّ الدَّوابّ عِنْده، وتارَة جعلهم أمواتا غير أحياء، وتارَة أخبر أنهم في ظلمات الجَهْل والضلال، وتارَة أخبر أن على قُلُوبهم أكنة وفي آذانهم وقرا وعَلى أبصارهم غشاوة، وهَذا كُله يدل على قبح الجَهْل وذم أهله وبغضه لَهُم، كَما أنه يحب أهل العلم ويمدحهم ويثني عَلَيْهِم كَما تقدم والله المُسْتَعان.
الوَجْه الحادِي والأربعون ما في الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث مُعاوِيَة رضى الله عَنهُ قالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول "من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه في الدّين"
وَهَذا يدل على أن من لم يفقهه في دينه لم يرد بِهِ خيرا كَما أن من أراد بِهِ خيرا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد بِهِ خيرا إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للْعَمَل وأما أن أريد بِهِ مُجَرّد العلم فَلا يدل على أن من فقه في الدّين فقد أريد بِهِ خيرا فَإن الفِقْه حِينَئِذٍ يكون شرطا لإرادة الخَيْر وعَلى الأول يكون مُوجبا والله أعْلَم.
(فصل)
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ الكَرِيمَةُ إثْباتَ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، والرَّدَّ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الطَّوائِفِ، والشَّهادَةَ بِبُطْلانِ أقْوالِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ، وهَذا إنَّما يَتَبَيَّنُ بَعْدَ فَهْمِ الآيَةِ بِبَيانِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والحَقائِقِ الإيمانِيَّةِ.
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أجَلَّ شَهادَةٍ، وأعْظَمَها، وأعْدَلَها، وأصْدَقَها، مِن أجَلِّ شاهِدٍ، بِأجَلِّ مَشْهُودٍ بِهِ، وعِباراتُ السَّلَفِ في " شَهِدَ " تَدُورُ عَلى الحُكْمِ والقَضاءِ، والإعْلامِ والبَيانِ، والإخْبارِ، قالَ مُجاهِدٌ: حَكَمَ، وقَضى، وقالَ الزَّجّاجُ: بَيَّنَ، وقالَتْ طائِفَةٌ: أعْلَمَ وأخْبَرَ، وهَذِهِ الأقْوالُ كُلُّها حَقٌّ لا تَنافِيَ بَيْنَها فَإنَّ الشَّهادَةَ تَتَضَمَّنُ كَلامَ الشّاهِدِ وخَبَرَهُ، وقَوْلَهُ، وتَتَضَمَّنُ إعْلامَهُ، وإخْبارَهُ وبَيانَهُ، فَلَها أرْبَعُ مَراتِبَ، فَأوَّلُ مَراتِبِها: عِلْمٌ، ومَعْرِفَةٌ، واعْتِقادٌ لِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ، وثُبُوتِهِ، وثانِيها: تَكَلُّمُهُ بِذَلِكَ، ونُطْقُهُ بِهِ، وإنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ غَيْرَهُ، بَلْ يَتَكَلَّمُ بِهِ مَعَ نَفْسِهِ ويَذْكُرُها، ويَنْطِقُ بِها أوْ يَكْتُبُها، وثالِثُها: أنْ يُعْلِمَ غَيْرَهُ بِما شَهِدَ بِهِ، ويُخْبِرَهُ بِهِ، ويُبَيِّنَهُ لَهُ، ورابِعُها: أنْ يُلْزِمَهُ بِمَضْمُونِها ويَأْمُرَهُ بِهِ.
فَشَهادَةُ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَفْسِهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، والقِيامِ بِالقِسْطِ: تَضَمَّنَتْ هَذِهِ المَراتِبَ الأرْبَعَةَ: عِلْمَ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ، وتَكَلُّمَهُ بِهِ، وإعْلامَهُ، وإخْبارَهُ لِخَلْقِهِ بِهِ، وأمْرَهم وإلْزامَهم بِهِ.
أمّا مَرْتَبَةُ العِلْمِ: فَإنَّ الشَّهادَةَ بِالحَقِّ تَتَضَمَّنُها ضَرُورَةً، وإلّا كانَ الشّاهِدُ شاهِدًا بِما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن شَهِدَ بِالحَقِّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلى مِثْلِها فاشْهَدْ وأشارَ إلى الشَّمْسِ».
وَأمّا مَرْتَبَةُ التَّكَلُّمِ والخَبَرِ: فَمَن تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ وأخْبَرَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهِ، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالشَّهادَةِ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذا فَإنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِبادُ الرَّحْمَنِ إناثًا أشَهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩].
فَجَعَلَ ذَلِكَ مِنهم شَهادَةً، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، ولَمْ يُؤَدُّوها عِنْدَ غَيْرِهِمْ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ» وشَهادَةُ الزُّورِ هي قَوْلُ الزُّورِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿واجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠] وعِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَدَلَتْ شَهادَةُ الزُّورِ الإشْراكَ بِاللَّهِ» فَسَمّى قَوْلَ الزُّورِ شَهادَةً، وسَمّى اللَّهُ تَعالى إقْرارَ العَبْدِ عَلى نَفْسِهِ شَهادَةً، قالَ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ ولَوْ عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] فَشَهادَةُ المَرْءِ عَلى نَفْسِهِ: هي إقْرارُهُ عَلى نَفْسِهِ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ في قِصَّةِ ماعِزٍ الأسْلَمِيِّ: «فَلَمّا شَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أرْبَعَ مَرّاتٍ رَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»، وقالَ تَعالى: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أنْفُسِنا وغَرَّتْهُمُ الحَياةُ الدُّنْيا وشَهِدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنَّهم كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٠].
وَهَذا - وأضْعافُهُ - يَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ عِنْدَ الحاكِمِ وغَيْرِهِ: لا يُشْتَرَطُ في قَبُولِ شَهادَتِهِ أنْ يَتَلَفَّظَ بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، كَما هو مَذْهَبُ مالِكٍ، وأهْلِ المَدِينَةِ، وظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ، ولا يُعْرَفُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ اشْتِراطُ ذَلِكَ، وقَدْ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ شَهِدَ عِنْدِي رِجالٌ مَرْضِيُّونَ - وأرْضاهم عِنْدِي عُمَرُ - «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ، حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وبَعْدَ العَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ»، ومَعْلُومٌ أنَّهم لَمْ يَتَلَفَّظُوا بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، والعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالجَنَّةِ، لَمْ يَتَلَفَّظْ في شَهادَتِهِ لَهم بِلَفْظِ الشَّهادَةِ، بَلْ قالَ: «أبُو بَكْرٍ في الجَنَّةِ، وعُمَرُ في الجَنَّةِ، وعُثْمانُ في الجَنَّةِ، وعَلِيٌّ في الجَنَّةِ» الحَدِيثَ.
وَأجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ الكافِرَ إذا قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ فَقَدْ دَخَلَ في الإسْلامِ، وشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ، ولَمْ يَتَوَقَّفْ إسْلامُهُ عَلى لَفْظِ الشَّهادَةِ وأنَّهُ قَدْ دَخَلَ في قَوْلِهِ: «حَتّى يَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» وفي لَفْظٍ آخَرَ: «حَتّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ» فَدَلَّ عَلى أنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِمْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ شَهادَةٌ مِنهُمْ، وهَذا أكْثَرُ مِن أنْ تُذْكَرَ شَواهِدُهُ مِنَ الكِتابِ والسُّنَّةِ، فَلَيْسَ مَعَ مَنِ اشْتَرَطَ لَفَظَ الشَّهادَةِ، دَلِيلٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
فَصْلٌ
وَأمّا مَرْتَبَةُ الإعْلامِ والإخْبارِ، فَنَوْعانِ: إعْلامٌ بِالقَوْلِ، وإعْلامٌ بِالفِعْلِ، وهَذا شَأْنُ كُلِّ مُعْلِمٍ لِغَيْرِهِ بِأمْرٍ: تارَةً يُعْلِمُهُ بِقَوْلِهِ، وتارَةً بِفِعْلِهِ، ولِهَذا كانَ مَن جَعَلَ دارًا مَسْجِدًا، وفَتَحَ بابَها لِكُلِّ مَن دَخَلَ إلَيْها، وأذَّنَ بِالصَّلاةِ فِيها: مُعْلِمًا أنَّها وقْفٌ، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ، وكَذَلِكَ مَن وُجِدَ مُتَقَرِّبًا إلى غَيْرِهِ بِأنْواعِ المَسارِ: مُعْلِمًا لَهُ ولِغَيْرِهِ أنَّهُ يُحِبُّهُ، وإنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِقَوْلِهِ، وكَذَلِكَ بِالعَكْسِ، وكَذَلِكَ شَهادَةُ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ وبَيانُهُ وإعْلامُهُ، يَكُونُ بِقَوْلِهِ تارَةً، وبِفِعْلِهِ تارَةً أُخْرى، فالقَوْلُ: هو ما أرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ، وأنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ، ومِمّا قَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرارِ: أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ أخْبَرُوا عَنِ اللَّهِ: أنَّهُ شَهِدَ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو وأخْبَرَ بِذَلِكَ، وأمَرَ عِبادَهُ أنْ يَشْهَدُوا بِهِ، وشَهادَتُهُ سُبْحانَهُ أنْ لا إلَهَ إلّا هو مَعْلُومَةٌ مِن جِهَةِ كُلِّ مَن بَلَّغَ عَنْهُ كَلامَهُ.
وَأمّا بَيانُهُ وإعْلامُهُ بِفِعْلِهِ: فَهو ما تَضَمَّنَهُ خَبَرُهُ تَعالى عَنِ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ الَّتِي تُعْلَمُ دَلالَتُها بِالعَقْلِ والفِطْرَةِ، وهَذا أيْضًا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ الشَّهادَةِ، كَما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ لَفْظُ الدَّلالَةِ، والإرْشادِ والبَيانِ، فَإنَّ الدَّلِيلَ يُبَيِّنُ المَدْلُولَ عَلَيْهِ ويُظْهِرُهُ، كَما يُبَيِّنُهُ الشّاهِدُ والمُخْبِرُ، بَلْ قَدْ يَكُونُ البَيانُ بِالفِعْلِ أظْهَرَ وأبْلَغَ، وقَدْ يُسَمّى شاهِدُ الحالِ نُطْقًا وقَوْلًا وكَلامًا، لِقِيامِهِ مَقامَهُ، وأدائِهِ مُؤَدّاهُ، كَما قِيلَ:
؎وَقالَتْ لَهُ العَيْنانِ سَمْعًا وطاعَةً ∗∗∗ وحَدَّرَتا بِالدُّرِّ لَمّا يُثْقَبِ
وَقالَ الآخَرُ:
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرى ∗∗∗ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
وَقالَ الآخَرُ:
؎امْتَلَأ الحَوْضُ وقالَ قَطْنِي ∗∗∗ مَهْلًا رُوَيْدًا قَدْ مَلَأْتَ بَطْنِي
وَيُسَمّى هَذا شَهادَةً أيْضًا، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] فَهَذِهِ شَهادَةٌ مِنهم عَلى أنْفُسِهِمْ بِما يَفْعَلُونَ مِن أعْمالِ الكُفْرِ وأقْوالِهِ، فَهي شَهادَةٌ بِكُفْرِهِمْ، وهم شاهِدُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِما شَهِدَتْ بِهِ.
والمَقْصُودُ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَشْهَدُ بِما جَعَلَ آياتِهِ المَخْلُوقَةَ دالَّةً عَلَيْهِ، فَإنَّ دَلالَتَها إنَّما هي بِخَلْقِهِ وجَعْلِهِ، ويَشْهَدُ بِآياتِهِ القَوْلِيَّةِ الكَلامِيَّةِ المُطابِقَةِ لِما شَهِدَتْ بِهِ آياتُهُ الخَلْقيَّةُ، فَتَتَطابَقُ شَهادَةُ القَوْلِ وشَهادَةُ الفِعْلِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الآفاقِ وفي أنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهم أنَّهُ الحَقُّ﴾ [فصلت: ٥٣]، أيْ أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، فَأخْبَرَ أنَّهُ يَدُلُّ بِآياتِهِ الأُفُقِيَّةِ والنَّفْسِيَّةِ عَلى صِدْقِ آياتِهِ القَوْلِيَّةِ الكَلامِيَّةِ، وهَذِهِ الشَّهادَةُ الفِعْلِيَّةُ قَدْ ذَكَرَها غَيْرُ واحِدٍ مِن أئِمَّةِ العَرَبِيَّةِ والتَّفْسِيرِ، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: شَهِدَ اللَّهُ بِتَدْبِيرِهِ العَجِيبِ وأُمُورِهِ المُحْكَمَةِ عِنْدَ خَلْقِهِ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو.
فَصْلٌ
وَأمّا المَرْتَبَةُ الرّابِعَةُ - وهي الأمْرُ بِذَلِكَ والإلْزامُ بِهِ، وإنْ كانَ مُجَرَّدُ الشَّهادَةِ لا يَسْتَلْزِمُهُ، لَكِنِ الشَّهادَةُ في هَذا المَوْضِعِ تَدُلُّ عَلَيْهِ وتَتَضَمَّنُهُ - فَإنَّهُ سُبْحانَهُ شَهِدَ بِهِ شَهادَةَ مَن حَكَمَ بِهِ، وقَضى وأمَرَ، وألْزَمَ عِبادَهَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى ﴿وَقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وقالَ تَعالى: ﴿وَقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [النحل: ٥١] وقالَ تَعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إلّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقالَ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [الإسراء: ٢٢]، وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ [القصص: ٨٨] والقُرْآنُ كُلُّهُ شاهِدٌ بِذَلِكَ.
وَوَجْهُ اسْتِلْزامِ شَهادَتِهِ سُبْحانَهُ لِذَلِكَ: أنَّهُ إذا شَهِدَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَقَدْ أخْبَرَ، وبَيَّنَ وأعْلَمَ، وحَكَمَ وقَضى: أنَّ ما سِواهُ لَيْسَ بِإلَهٍ، وأنَّ إلَهِيَّةَ ما سِواهُ أبْطَلُ الباطِلِ، وإثْباتَها أظْلَمُ الظُّلْمِ، فَلا يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ سِواهُ، كَما لا تَصْلُحُ الإلَهِيَّةُ لِغَيْرِهِ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الأمْرَ بِاتِّخاذِهِ وحْدَهُ إلَهًا، والنَّهْيَ عَنِ اتِّخاذِ غَيْرِهِ مَعَها إلَهًا، وهَذا يَفْهَمُهُ المُخاطَبُ مِن هَذا النَّفْيِ والإثْباتِ، كَما إذا رَأيْتَ رَجُلًا يَسْتَفْتِي أوْ يَسْتَشْهِدُ، أوْ يَسْتَطِبُّ مَن لَيْسَ أهْلًا لِذَلِكَ، ويَدَعُ مَن هو أهْلٌ لَهُ، فَتَقُولُ: هَذا لَيْسَ بِمُفْتٍ ولا شاهِدٍ ولا طَبِيبٍ، المُفْتِي فُلانٌ، والشّاهِدُ فُلانٌ، والطَّبِيبُ فُلانٌ، فَإنَّ هَذا أمْرٌ مِنكَ ونَهْيٌ.
وَأيْضًا فَإنَّ الأدِلَّةَ قَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، فَإذا أخْبَرَ أنَّهُ هو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ، تَضَمَّنَ هَذا الإخْبارُ: أمْرَ العِبادِ وإلْزامَهم بِأداءِ ما يَسْتَحِقُّهُ الرَّبُّ تَعالى عَلَيْهِمْ، وأنَّ القِيامَ بِذَلِكَ هو خالِصُ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ، فَإذا شَهِدَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو تَضَمَّنَتْ شَهادَتُهُ الأمْرَ والإلْزامَ بِتَوْحِيدِهِ.
وَأيْضًا فَلَفْظُ الحُكْمِ والقَضاءِ يُسْتَعْمَلُ في الجُمَلِ الخَبَرِيَّةِ، فَيُقالُ لِلْجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ قَضِيَّةٌ وحُكْمٌ وقَدْ حَكَمَ فِيها بِكَيْتَ وكَيْتَ، قالَ تَعالى: ﴿ألا إنَّهم مِن إفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ولَدَ اللَّهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ أاصْطَفى البَناتِ عَلى البَنِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١] فَجَعَلَ هَذا الإخْبارَ المُجَرَّدَ مِنهم حُكْمًا، وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿أفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِينَ ما لَكم كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم: ٣٥] لَكِنَّ هَذا حُكْمٌ لا إلْزامَ مَعَهُ، والحُكْمُ والقَضاءُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ: مُتَضَمِّنٌ لِلْإلْزامِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعالى " قائِمًا بِالقِسْطِ]
فَصْلٌ
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]
" القِسْطِ ": هو العَدْلُ، فَشَهِدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: أنَّهُ قائِمٌ بِالعَدْلِ في تَوْحِيدِهِ، وبِالوَحْدانِيَّةِ في عَدْلِهِ، والتَّوْحِيدُ والعَدْلُ هُما جِماعُ صِفاتِ الكَمالِ، فَإنَّ التَّوْحِيدَ يَتَضَمَّنُ تَفَرُّدَهُ سُبْحانَهُ بِالكَمالِ والجَلالِ والمَجْدِ والتَّعْظِيمِ الَّذِي لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ سِواهُ، والعَدْلُ يَتَضَمَّنُ وُقُوعَ أفْعالِهِ كُلِّها عَلى السَّدادِ والصَّوابِ ومُوافَقَةِ الحِكْمَةِ.
فَهَذا تَوْحِيدُ الرُّسُلِ وعَدْلُهُمْ: إثْباتُ الصِّفاتِ، والأمْرُ بِعِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ
لَهُ، وإثْباتُ القَدَرِ والحِكَمِ، والغاياتِ المَطْلُوبَةِ المَحْمُودَةِ بِفِعْلِهِ وأمْرِهِ، لا تَوْحِيدَ الجَهْمِيَّةِ والمُعْتَزِلَةِ والقَدَرِيَّةِ، الَّذِي هو إنْكارُ الصِّفاتِ وحَقائِقِ الأسْماءِ الحُسْنى، وعَدْلُهُمْ، الَّذِي هُوَ: التَّكْذِيبُ بِالقَدَرِ، أوْ نَفْيُ الحِكَمِ والغاياتِ والعَواقِبِ الحَمِيدَةِ الَّتِي يَفْعَلُ اللَّهُ لِأجْلِها ويَأْمُرُ، وقِيامُهُ سُبْحانَهُ بِالقِسْطِ في شَهادَتِهِ يَتَضَمَّنُ أُمُورًا.
أحَدَها: أنَّهُ قائِمٌ بِالقِسْطِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْدَلُ شَهادَةٍ عَلى الإطْلاقِ، وإنْكارُها وجُحُودُها أعْظَمُ الظُّلْمِ عَلى الإطْلاقِ، فَلا أعْدَلَ مِنَ التَّوْحِيدِ ولا أظْلَمَ مِنَ الشِّرْكِ، فَهو سُبْحانَهُ قائِمٌ بِالعَدْلِ في هَذِهِ الشَّهادَةِ قَوْلًا وفِعْلًا، حَيْثُ شَهِدَ بِها، وأخْبَرَ وأعْلَمَ عِبادَهُ، وبَيَّنَ لَهم تَحْقِيقَها وصِحَّتَها، وألْزَمَهم بِمُقْتَضاها، وحَكَمَ بِهِ، وجَعَلَ الثَّوابَ والعِقابَ عَلَيْها، وجَعَلَ الأمْرَ والنَّهْيَ مِن حُقُوقِها وواجِباتِها، فالدِّينُ كُلُّهُ مِن حُقُوقِها، والثَّوابُ كُلُّهُ عَلَيْها، والعِقابُ كُلُّهُ عَلى تَرْكِها.
وَهَذا هو العَدْلُ الَّذِي قامَ بِهِ الرَّبُّ تَعالى في هَذِهِ الشَّهادَةِ، فَأوامِرُهُ كُلُّها تَكْمِيلٌ لَها، وأمْرٌ بِأداءِ حُقُوقِها، ونَواهِيهِ كُلُّها صِيانَةٌ لَها عَمّا يَهْضِمُها ويُضادُّها، وثَوابُهُ كُلُّهُ عَلَيْها، وعِقابُهُ كُلُّهُ عَلى تَرْكِها، وتَرْكِ حُقُوقِها، وخَلْقُهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما كانَ بِها ولِأجْلِها، وهي الحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ، وضِدُّها هو الباطِلُ والعَبَثُ الَّذِي نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ، وأخْبَرَ: أنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ بِهِ السَّماواتِ والأرْضَ، قالَ تَعالى - رَدًّا عَلى المُشْرِكِينَ المُنْكِرِينَ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ - ﴿وَما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ [ص: ٢٧]
وَقالَ تَعالى: ﴿حم تَنْزِيلُ الكِتابِ مِنَ اللَّهِ العَزِيزِ الحَكِيمِ - ما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى والَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [الأحقاف: ١-٣]
وَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلّا بِالحَقِّ﴾ [يونس: ٥]
وَقالَ ﴿أوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا في أنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما إلّا بِالحَقِّ وأجَلٍ مُسَمًّى وإنَّ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ [الروم: ٨] وقالَ: ﴿وَما خَلَقْنا السَّماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إلّا بِالحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨] وهَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ، والحَقُّ الَّذِي خُلِقَتْ بِهِ السَّماواتُ والأرْضُ ولِأجْلِهِ: هو التَّوْحِيدُ، وحُقُوقُهُ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ، والثَّوابِ والعِقابِ، فالشَّرْعُ والقَدَرُ، والخَلْقُ والأمْرُ، والثَّوابُ والعِقابُ قائِمٌ بِالعَدْلِ، والتَّوْحِيدُ صادِرٌ عَنْهُما، وهَذا هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ الَّذِي عَلَيْهِ الرَّبُّ سُبْحانَهُ وتَعالى، قالَ تَعالى - حِكايَةً عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ - ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] فَهو سُبْحانَهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَهو يَقُولُ الحَقَّ، ويَفْعَلُ العَدْلَ ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ - واللَّهُ يَقُولُ الحَقَّ وهو يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ١١٥-٤].
فالصِّراطُ المُسْتَقِيمُ - الَّذِي عَلَيْهِ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى -: هو مُقْتَضى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ، قالَ تَعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أحَدُهُما أبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وهو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هو ومَن يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] فَهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ولِلصَّنَمِ، فَهو سُبْحانَهُ الَّذِي يَأْمُرُ بِالعَدْلِ، وهو عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، والصَّنَمُ مَثَلُ العَبْدِ الَّذِي هو كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ، أيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ.
والمَقْصُودُ: أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] هو كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] وقَوْلُهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] نُصِبَ عَلى الحالِ، وفِيهِ وجْهانِ، أحَدُهُما: أنَّهُ حالٌ مِنَ الفاعِلِ في " شَهِدَ اللَّهُ " والعامِلُ فِيها الفِعْلُ، والمَعْنى عَلى هَذا: شَهِدَ اللَّهُ حالَ قِيامِهِ بِالقِسْطِ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، والثّانِي: أنَّهُ حالٌ مِن قَوْلِهِ " هو " والعامِلُ فِيها مَعْنى النَّفْيِ، أيْ لا إلَهَ إلّا هُوَ، حالَ كَوْنِهِ قائِمًا بِالقِسْطِ، وبَيْنَ التَّقْدِيرَيْنِ فَرْقٌ ظاهِرٌ، فَإنَّ التَّقْدِيرَ الأوَّلَ: يَتَضَمَّنُ أنَّ المَعْنى: " شَهِدَ اللَّهُ " مُتَكَلِّمًا بِالعَدْلِ، مُخْبِرًا بِهِ، آمِرًا بِهِ، فاعِلًا لَهُ، مُجازِيًا بِهِ - أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَإنَّ العَدْلَ يَكُونُ في القَوْلِ والفِعْلِ، والمُقْسِطُ هو العادِلُ في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ، فَشَهِدَ اللَّهُ قائِمًا بِالعَدْلِ - قَوْلًا وفِعْلًا - أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وفي ذَلِكَ تَحْقِيقٌ لِكَوْنِ هَذِهِ الشَّهادَةِ شَهادَةَ عَدْلٍ وقِسْطٍ، وهي أعْدَلُ شَهادَةٍ، كَما أنَّ المَشْهُودَ بِهِ أعْدَلُ شَيْءٍ، وأصَحُّهُ وأحَقُّهُ، وذَكَرَ ابْنُ السّائِبِ وغَيْرُهُ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ما يَشْهَدُ بِذَلِكَ، وهو «أنَّ حَبْرَيْنِ مِن أحْبارِ الشّامِ قَدِما عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا أبْصَرا المَدِينَةَ قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما أشْبَهَ هَذِهِ المَدِينَةِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، فَلَمّا دَخَلا عَلى النَّبِيِّ ﷺ قالا لَهُ: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، وأحْمَدُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالا: نَسْألُكَ عَنْ شَهادَةٍ، فَإنْ أخْبَرَتْنا بِها آمَنّا بِكَ، قالَ: سَلانِي، قالا: أخْبِرْنا عَنْ أعْظَمِ شَهادَةٍ في كِتابِ اللَّهِ فَنَزَلَتْ: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]- الآيَةَ» وإذا كانَ القِيامُ بِالقِسْطِ يَكُونُ في القَوْلِ والفِعْلِ كانَ المَعْنى: أنَّهُ كانَ سُبْحانَهُ يَشْهَدُ وهو قائِمٌ بِالعَدْلِ عالِمٌ بِهِ، لا بِالظُّلْمِ، فَإنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ تَضَمَّنَتْ قَوْلًا وعَمَلًا، فَإنَّها تَضَمَّنَتْ: أنَّهُ هو الَّذِي يَسْتَحِقُّ العِبادَةَ وحْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ، وأنَّ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وحْدَهُ: هُمُ المُفْلِحُونَ السُّعَداءُ، وأنَّ الَّذِينَ أشْرَكُوا بِهِ غَيْرَهُ هُمُ الضّالُّونَ الأشْقِياءُ، فَإذا شَهِدَ قائِمًا بِالعَدْلِ - المُتَضَمِّنِ جَزاءَ المُخْلِصِينَ بِالجَنَّةِ، وجَزاءَ المُشْرِكِينَ بِالنّارِ -: كانَ هَذا مِن تَمامِ مُوجَبِ الشَّهادَةِ وتَحْقِيقِها، وكانَ قَوْلُهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] تَنْبِيهًا عَلى جَزاءِ الشّاهِدِ بِها والجاحِدِ لَها، واللَّهُ أعْلَمُ.
(فَصْلٌ)
وَأمّا التَّقْدِيرُ الثّانِي - وهو أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: " قائِمًا " حالًا مِمّا بَعْدَ إلّا - فالمَعْنى: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو قائِمًا بِالعَدْلِ، فَهو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ الإلَهِيَّةَ، مَعَ كَوْنِهِ قائِمًا بِالقِسْطِ، قالَ شَيْخُنا: وهَذا التَّقْدِيرُ أرْجَحُ، فَإنَّهُ يَتَضَمَّنُ: أنَّ المَلائِكَةَ وأُولِي العِلْمِ يَشْهَدُونَ لَهُ بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأنَّهُ قائِمٌ بِالقِسْطِ.
قُلْتُ: مُرادُهُ أنَّهُ إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] حالًا مِنَ المَشْهُودِ بِهِ، فَهو كالصِّفَةِ لَهُ، فَإنَّ الحالَ صِفَةٌ في المَعْنى لِصاحِبِها، فَإذا وقَعَتِ الشَّهادَةُ عَلى ذِي الحالِ وصاحِبِها كانَ كِلاهُما مَشْهُودًا بِهِ، فَيَكُونُ المَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قَدْ شَهِدُوا بِأنَّهُ قائِمٌ بِالقِسْطِ، كَما شَهِدُوا بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ، والتَّقْدِيرُ الأوَّلُ لا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ، فَإنَّهُ إذا كانَ التَّقْدِيرُ: شَهِدَ اللَّهُ - قائِمًا بِالقِسْطِ - أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةَ وأُولُو العِلْمِ يَشْهَدُونَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ: كانَ القِيامُ بِالقِسْطِ حالًا مِنِ اسْمِ اللَّهِ وحْدَهُ.
وَأيْضًا فَكَوْنُهُ قائِمًا بِالقِسْطِ فِيما شَهِدَ بِهِ أبْلَغُ مِن كَوْنِهِ حالًا مِن مُجَرَّدِ الشَّهادَةِ.
فَإنْ قِيلَ: فَإذا كانَ حالًا مِن " هو " فَهَلّا اقْتَرَنَ بِهِ؟ ولِمَ فُصِلَ بَيْنَ صاحِبِ الحالِ وبَيْنَها بِالمَعْطُوفِ، فَجاءَ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ صاحِبِ الحالِ وبَيْنَها؟
قُلْتُ: فائِدَتُهُ ظاهِرَةٌ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو قائِمًا بِالقِسْطِ والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ؛ لَأُوهِمَ عَطْفُ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ عَلى الضَّمِيرِ في قَوْلِهِ ﴿قائِمًا بِالقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨] ولا يَحْسُنُ العَطْفُ لِأجْلِ الفَصْلِ، ولَيْسَ المَعْنى عَلى ذَلِكَ قَطْعًا، وإنَّما المَعْنى عَلى خِلافِهِ، وهو أنَّ قِيامَهُ بِالقِسْطِ مُخْتَصٌّ بِهِ، كَما أنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالإلَهِيَّةِ، فَهو وحْدَهُ الإلَهُ المَعْبُودُ المُسْتَحِقُّ العِبادَةَ، وهو وحْدَهُ المُجازِي المُثِيبُ المُعاقِبُ بِالعَدْلِ.
قَوْلُهُ: " لا إلَهَ إلّا هو "، ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أنَّهُ قالَ: الأُولى وصْفٌ وتَوْحِيدٌ، والثّانِيَةُ: رَسْمٌ وتَعْلِيمٌ، أيْ قُولُوا: لا إلَهَ إلّا هُوَ، ومَعْنى هَذا: أنَّ الأُولى تَضَمَّنَتْ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ شَهِدَ بِها وأخْبَرَ بِها، والتّالِي لِلْقُرْآنِ إنَّما يُخْبِرُ عَنْ شَهادَتِهِ هُوَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ شَهادَةٌ مِنَ التّالِي نَفْسِهِ، فَأعادَ سُبْحانَهُ ذِكْرَها مُجَرَّدَةً لِيَقُولَها التّالِي، فَيَكُونَ شاهِدًا هو أيْضًا.
وَأيْضًا فالأُولى: خَبَرٌ عَنِ الشَّهادَةِ بِالتَّوْحِيدِ، والثّانِيَةُ: خَبَرٌ عَنْ نَفْسِ التَّوْحِيدِ، وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ تَوْحِيدَهُ وعَدْلَهُ، وعِزَّتَهُ وحِكْمَتَهُ، فالتَّوْحِيدُ: يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ صِفاتِ كَمالِهِ، ونُعُوتِ جَلالِهِ، وعَدَمَ المُماثِلِ لَهُ فِيها وعِبادَتَهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، والعَدْلُ يَتَضَمَّنُ وضْعَهُ الأشْياءَ مَوْضِعَها، وتَنْزِيلَها مَنازِلَها، وأنَّهُ لَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنها إلّا بِمُخَصِّصٍ اقْتَضى ذَلِكَ، وأنَّهُ لا يُعاقِبُ مَن لا يَسْتَحِقُّ العُقُوبَةَ، ولا يَمْنَعُ مَن يَسْتَحِقُّ العَطاءَ، وإنْ كانَ هو الَّذِي جَعَلَهُ مُسْتَحِقًّا، والعِزَّةُ تَتَضَمَّنُ كَمالَ قُدْرَتِهِ وقُوَّتِهِ وقَهْرِهِ، والحِكْمَةُ تَتَضَمَّنُ كَمالَ عِلْمِهِ، وخِبْرَتِهِ، وأنَّهُ أمَرَ ونَهى، وخَلَقَ وقَدَّرَ، لِما لَهُ في ذَلِكَ مِنَ الحِكَمِ والغاياتِ الحَمِيدَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْها كَمالَ الحَمْدِ.
فاسْمُهُ العَزِيزُ يَتَضَمَّنُ المُلْكَ، واسْمُهُ الحَكِيمُ يَتَضَمَّنُ الحَمْدَ، وأوَّلُ الآيَةِ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ، وذَلِكَ حَقِيقَةُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وذَلِكَ أفْضَلُ ما قالَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والنَّبِيُّونَ مِن قَبْلِهِ، والحَكِيمُ الَّذِي إذا أمَرَ بِأمْرٍ كانَ حَسَنًا في نَفْسِهِ وإذا نَهى عَنْ شَيْءٍ كانَ قَبِيحًا في نَفْسِهِ، وإذا أخْبَرَ بِخَبَرٍ كانَ صِدْقًا، وإذا فَعَلَ فِعْلًا كانَ صَوابًا، وإذا أرادَ شَيْئًا كانَ أوْلى بِالإرادَةِ مِن غَيْرِهِ، وهَذا الوَصْفُ عَلى الكَمالِ لا يَكُونُ إلّا لِلَّهِ وحْدَهُ.
فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ وهَذِهِ الشَّهادَةُ: الدَّلالَةَ عَلى وحْدانِيَّتِهِ المُنافِيَةِ لِلشِّرْكِ، وعَدْلِهُ المُنافِي لِلظُّلْمِ، وعِزَّتِهِ المُنافِيَةِ لِلْعَجْزِ، وحِكْمَتِهِ المُنافِيَةِ لِلْجَهْلِ والعَيْبِ، فَفِيها الشَّهادَةُ لَهُ بِالتَّوْحِيدِ، والعَدْلِ، والقُدْرَةِ والعِلْمِ والحِكْمَةِ، ولِهَذا كانَتْ أعْظَمَ شَهادَةٍ.
وَلا يَقُومُ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ عَلى وجْهِها مِن جَمِيعِ الطَّوائِفِ إلّا أهْلُ السُّنَّةِ، وسائِرُ طَوائِفِ أهْلِ البِدَعِ لا يَقُومُونَ بِها، فالفَلاسِفَةُ أشَدُّ النّاسِ إنْكارًا وجُحُودًا لِمَضْمُونِها، مِن أوَّلِها إلى آخِرِها، وطَوائِفُ الِاتِّحادِيَّةِ: هم أبْعَدُ خَلْقِ اللَّهِ عَنْها مِن كُلِّ وجْهٍ، وطائِفَةُ الجَهْمِيَّةِ تُنْكِرُ حَقِيقَتَها مِن وُجُوهٍ:
مِنها: أنَّ الإلَهَ هو الَّذِي تَأْلَهُهُ القُلُوبُ، مَحَبَّةً لَهُ، واشْتِياقًا إلَيْهِ، وإنابَةً، وعِنْدَهُمْ: أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ ولا يُحَبُّ.
وَمِنها: أنَّ الشَّهادَةَ كَلامُهُ وخَبَرُهُ عَمّا شَهِدَ بِهِ، وهو عِنْدَهم لا يَقُولُ ولا يَتَكَلَّمُ، ولا يَشْهَدُ ولا يُخْبِرُ.
وَمِنها: أنَّها تَتَضَمَّنُ مُبايَنَتَهُ لِخَلْقِهِ بِذاتِهِ وصِفاتِهِ، وعِنْدَ فِرَعَوْنِيِّهِمْ: أنَّهُ لا يُبايِنُ الخَلْقَ ولا يُحايِثُهُمْ، ولَيْسَ فَوْقَ العَرْشِ إلَهٌ يُعْبَدُ، ولا رَبٌّ يُصَلّى لَهُ ويُسْجَدُ.
وَعِنْدَ حُلُولِيَّتِهِمْ: أنَّهُ حالٌّ في كُلِّ مَكانٍ بِذاتِهِ، حَتّى في الأمْكِنَةِ الَّتِي يُسْتَحْيى مِن ذِكْرِها، فَهَؤُلاءِ مُثْبِتَةُ الجَهْمِيَّةِ، وأُولَئِكَ نُفاتُهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences