Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:4–6, continued
قالَ الإمامُ ابْنُ الإمامِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبِي حاتِمٍ الرّازِيُّ حَدَّثَنا أبُو شُعَيْبٍ وأبُو ثَوْرٍ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى قالَ: القَوْلُ في السُّنَّةِ الَّتِي أنا عَلَيْها ورَأيْتُ أصْحابَنا عَلَيْها أهْلَ الحَدِيثِ الَّذِينَ رَأيْتُهم وأخَذْتُ عَنْهم مِثْلَ سُفْيانَ ومالِكٍ وغَيْرِهِما الإقْرارُ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وأنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى عَرْشِهِ في سَمائِهِ يَقْرُبُ مِن خَلْقِهِ كَيْفَ شاءَ وأنَّ اللَّهَ تَعالى يَنْزِلُ إلى سَماءِ الدُّنْيا كَيْفَ شاءَ. قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وحَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى قالَ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ إدْرِيسَ الشّافِعِيَّ يَقُولُ وقَدْ سُئِلَ عَنْ صِفاتِ اللَّهِ وما يُؤْمِنُ بِهِ فَقالَ: لِلَّهِ تَعالى أسْماءٌ وصَفاتٌ جاءَ بِها كِتابُهُ وأخْبَرَ بِها نَبِيُّهُ أُمَّتَهُ لا يَسَعُ أحَدًا مِن خَلْقِ اللَّهِ قامَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ رَدُّها؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ بِها وصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ القَوْلُ " بِها " فِيما رَوى عَنْهُ العُدُولُ فَإنْ خالَفَ ذَلِكَ بَعْدَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ فَهو كافِرٌ أمّا قَبْلَ ثُبُوتِ الحُجَّةِ عَلَيْهِ فَمَعْذُورٌ بِالجَهْلِ لِأنَّ عِلْمَ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ ولا بِالرَّوِيَّةِ والقَلْبِ ولا نُكَفِّرُ بِالجَهْلِ بِها أحَدًا إلّا بَعْدَ انْتِهاءِ الخَبَرِ إلَيْهِ بِها وتَثْبِيتِ هَذِهِ الصِّفاتِ ونَنْفِي عَنْها التَّشْبِيهَ كَما نَفى التَّشْبِيهَ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] وصَحَّ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ قالَ: خِلافَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ " حَقٌّ " قَضاها اللَّهُ في سَمائِهِ وجَمَعَ عَلَيْها قُلُوبَ أصْحابِ نَبِيِّهِ ومَعْلُومٌ أنَّ المَقْضِيَّ في الأرْضِ والقَضاءَ فِعْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُتَضَمِّنُ لِمَشِيئَتِهِ وقُدْرَتِهِ وقالَ في خُطْبَةِ رِسالَتِهِ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هو كَما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وفَوْقَ ما يَصِفُهُ بِهِ خَلْقُهُ) فَجَعَلَ صِفاتِهِ سُبْحانَهُ إنَّما تُتَلَقّى بِالسَّمْعِ. وقالَ يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى: قالَ لِي مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، الأصْلُ قُرْآنٌ وسُنَّةٌ فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَقِياسٌ عَلَيْهِما وإذا اتَّصَلَ الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وصَحَّ الإسْنادُ مِنهُ فَهو سُنَّةٌ، والإجْماعُ أكْبَرُ مِنَ الخَبَرِ المُفْرَدِ، والحَدِيثُ عَلى ظاهِرِهِ، وإذا احْتَمَلَ المَعانِي فَما أشْبَهَ مِنها ظاهَرَهُ فَهو أوْلى بِهِ، قالَ الخَطِيبُ في الكِفايَةِ: أخْبَرَنا أبُو نُعَيْمٍ الحافِظُ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيّانَ حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ حَدَّثَنا أبُو حاتِمٍ الرّازِيُّ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى فَذَكَرَهُ بِهِ.
[قَوْلُ صاحِبِهِ إمامِ الشّافِعِيَّةِ في وقْتِهِ أبِي إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ بْنِ يَحْيى المُزَنِيِّ]
فِي رِسالَتِهِ في السُّنَّةِ الَّتِي رَواها أبُو طاهِرٍ السِّلَفِيُّ عَنْهُ بِإسْنادِهِ ونَحْنُ نَسُوقُها كُلَّها بِلَفْظِها. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. عَصَمَنا اللَّهُ وإيّاكم بِالتَّقْوى ووَفَّقَنا وإيّاكم لِمُوافَقَةِ الهُدى، أمّا بَعْدُ فَإنَّكَ سَألْتَنِي أنْ أُوَضِّحَ لَكَ مِنَ السُّنَّةِ أمْرًا تُبَصِّرُ نَفْسَكَ عَلى التَّمَسُّكِ " بِهِ " وتَدْرَأُ بِهِ عَنْكَ شُبَهَ الأقاوِيلِ وزَيْغَ مُحْدَثاتِ الضّالِّينَ فَقَدْ شَرَحْتُ " لَكَ " مِنهاجًا واضِحًا لَمْ آلُ نَفْسِي وإيّاكَ فِيهِ نُصْحًا، بَدَأْتُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ ذِي الرُّشْدِ والتَّسْدِيدِ، الحَمْدُ لِلَّهِ أحَقِّ ما بُدِأ، وأوْلى مَن شُكِرَ، وعَلَيْهِ أُثْنِي، الواحِدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صاحِبَةٌ ولا ولَدٌ جَلَّ عَنِ المَثَلِ فَلا شَبِيهَ لَهُ ولا عَدِيلَ السَّمِيعِ البَصِيرِ العَلِيمِ الخَبِيرِ المَنِيعِ الرَّفِيعِ، عالٍ عَلى عَرْشِهِ وهو دانٍ بِعِلْمِهِ مِن خَلْقِهِ أحاطَ عِلْمُهُ
بِالأُمُورِ وأنْفَذَ في خَلْقِهِ سابِقَ المَقْدُورِ، و﴿يَعْلَمُ خائِنَةَ الأعْيُنِ وما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، فالخَلْقُ عامِلُونَ بِسابِقِ عِلْمِهِ ونافِذُونَ لِما خَلَقَهم لَهُ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ، لا يَمْلِكُونَ لِأنْفُسِهِمْ مِنَ الطّاعَةِ ولا يَجِدُونَ إلى صَرْفِ المَعْصِيَةِ عَنْها دَفْعًا، خَلَقَ الخَلْقَ بِمَشِيئَتِهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ كانَتْ بِهِ، فَخَلَقَ المَلائِكَةَ جَمِيعًا لِطاعَتِهِ وجَبَلَهم عَلى عِبادَتِهِ، فَمِنهم مَلائِكَةٌ بِقُدْرَتِهِ لِلْعَرْشِ حامِلُونَ، وطائِفَةٌ مِنهم حَوْلَ عَرْشِهِ يَسْبَحُونَ، وآخَرُونَ بِحَمْدِهِ يُقَدِّسُونَ، واصْطَفى مِنهم رُسُلًا إلى رُسُلِهِ، وبَعْضٌ مُدَبِّرُونَ لِأمْرِهِ. ثُمَّ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وأسْكَنَهُ جَنَّتَهُ، وقَبْلَ ذَلِكَ لِلْأرْضِ خَلَقَهُ ونَهاهُ عَنْ شَجَرَةٍ قَدْ نَفَذَ قَضاؤُهُ عَلَيْهِ بِأكْلِها ثُمَّ ابْتَلاهُ بِما نَهاهُ عَنْهُ مِنها ثُمَّ سَلَّطَ عَلَيْهِ عَدُوَّهُ فَأغْواهُ عَلَيْها وجَعَلَ أكْلَهُ " إلى الهُبُوطِ " إلى الأرْضِ سَبَبًا فَما وجَدَ إلى تَرْكِ أكْلِها سَبِيلًا ولا عَنْهُ لَها مَذْهَبًا. ثُمَّ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ مِن ذُرِّيَّتِهِ أهْلًا فَهم بِأعْمالِهِمْ؟ بِمَشِيئَتِهِ عامِلُونَ وبِقُدْرَتِهِ وبِإرادَتِهِ يُنَفِّذُونَ. وخَلَقَ مِن ذُرِّيَّتِهِ لِلنّارِ أهْلًا فَخَلَقَ لَهم أعْيُنًا لا يُبْصِرُونَ بِها وآذانًا لا يَسْمَعُونَ بِها وقُلُوبًا لا يَفْقَهُونَ بِها فَهم بِذَلِكَ عَنِ الهُدى مَحْجُوبُونَ وهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ بِسابِقِ قَدَرِهِ يَعْمَلُونَ، والإيمانُ قَوْلٌ وعَمَلٌ وهُما شَيْئانِ ونِظامانِ وقَرِينانِ لا يُفَرَّقُ بَيْنَهُما؛ لا إيمانَ إلّا بِعَمَلٍ ولا عَمَلَ إلّا بِإيمانٍ.
والمُؤْمِنُونَ في الإيمانِ يَتَفاضَلُونَ وبِصالِحِ الأعْمالِ هم مُتَزايَدُونَ ولا يَخْرُجُونَ مِنَ الإيمانِ بِالذُّنُوبِ ولا يُكَفَّرُونَ بِرُكُوبِ كَبِيرَةٍ ولا عِصْيانٍ ولا يُوجَبُ لِمُحْسِنِهِمْ بِغَيْرِ ما أوْجَبَ لَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولا يُشْهَدُ عَلى مُسِيئِهِمْ بِالنّارِ.
والقُرْآنُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ومِنَ اللَّهِ، ولَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَيَبِيدُ وقُدْرَةُ اللَّهِ ونِعْمَتُهُ وصِفاتُهُ كُلُّها غَيْرُ مَخْلُوقاتٍ دائِماتٌ أزَلِيَّةٌ لَيْسَتْ بِمُحْدَثاتٍ ولا كانَ رَبُّنا ناقِصًا فَيَزِيدُ جَلَّتْ صِفاتُهُ عَنْ شَبَهِ المَخْلُوقِينَ وقَصُرَتْ عَنْ فِطَنِ الواصِفِينَ قَرِيبٌ بِالإجابَةِ عِنْدَ السُّؤالِ بَعِيدٌ بِالتَّعْزِيزِ لا يُنالُ عالٍ عَرْشُهُ بائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ مَوْجُودٌ لَيْسَ بِمَعْدُومٍ ولا مَفْقُودٍ، والخَلْقُ مَيِّتُونَ بِآجالِهِمْ عِنْدَ نَفادِ أرْزاقِهِمْ وانْقِطاعِ آثارِهِمْ. ثُمَّ هم بَعْدَ الضَّغْطَةِ في القُبُورِ مَسْئُولُونَ. وبَعْدَ البِلى مَنشُورُونَ ويَوْمَ القِيامَةِ إلى رَبِّهِمْ مَحْشُورُونَ وعِنْدَ العَرْضِ عَلَيْهِ مُحاسَبُونَ بِحَضْرَةِ المَوازِينِ ونَشْرِ صُحُفِ الدَّواوِينِ أحْصاهُ اللَّهُ ونَسُوهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ لَوْ كانَ غَيْرُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ الحاكِمَ بَيْنَ خَلْقِهِ، فاللَّهُ يَلِي الحُكْمَ بَيْنَهم بِعَدْلِهِ بِمِقْدارِ القائِلَةِ في الدُّنْيا وهو أسْرَعُ الحاسِبِينَ كَما بَدَأهُمْ، مَن لَهُ شَقاوَةٌ وسَعادَةٌ. يَوْمَئِذٍ تَعُودُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وأهْلُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ يَنْعَمُونَ وبِصُنُوفِ اللَّذّاتِ يَتَلَذَّذُونَ وبِأفْضَلِ الكَرامَةِ يُحْبَرُونَ، فَهم حِينَئِذٍ إلى رَبِّهِمْ يَنْظُرُونَ، لا يُمارُونَ في النَّظَرِ ولا يَشْكُونَ فَوُجُوهُهم بِكَرامَتِهِ ناضِرَةٌ وأعْيُنُهم بِفَضْلِهِ إلَيْهِ ناظِرَةٌ في نَعِيمٍ دائِمٍ مُقِيمٍ ﴿لا يَمَسُّهم فِيها نَصَبٌ وما هم مِنها بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: ٤٨] ﴿أُكُلُها دائِمٌ وظِلُّها تِلْكَ عُقْبى الَّذِينَ اتَّقَوْا وعُقْبى الكافِرِينَ النّارُ﴾ [الرعد: ٣٥]. وأهَلُ الجَحْدِ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ مَحْجُوبُونَ وفي النّارِ مُسْجَرُونَ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ [المائدة: ٨٠] لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا ولا يُخَفَّفُ عَنْهم مِن عَذابِها إلّا مَن شاءَ اللَّهُ إخْراجَهُ مِنَ المُوَحِّدِينَ مِنها، والطّاعَةُ لِأُولِي الأمْرِ فِيما كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مَرْضِيًّا واجْتِنابُ ما كانَ مُسْخَطًا وتَرْكُ الخُرُوجِ عِنْدَ تَعَدِّيهِمْ وجَوْرِهِمْ والتَّوْبَةُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَيْما يَعْطِفْ بِهِمْ عَلى رَعِيَّتِهِمْ والإمْساكُ عَنْ تَكْفِيرِ أهْلِ القِبْلَةِ والبَراءَةُ مِنهم فِيما أحْدَثُوا ما لَمْ يَبْتَدِعُوا ضَلالَةً، فَمَنِ ابْتَدَعَ مِنهم ضَلالَةً كانَ عَنْ أهْلِ القِبْلَةِ خارِجًا ومِنَ الدِّينِ مارِقًا ويُتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ بِالبَراءَةِ مِنهُ، ونَهْجُرُ ونَتَجَنَّبُ غُرَّتَهُ فَهي أعْدى مِن غِرَّةِ الحَرْبِ.
وَيُقالُ يُفَضَّلُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ عُمَرُ فَهُما وزِيرا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وضَجِيعاهُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ ثُمَّ الباقِينَ مِنَ العَشَرَةِ الَّذِينَ أوْجَبَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الجَنَّةَ ويُخْلَصُ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنهم مَنِ المَحَبَّةِ بِقَدْرِ الَّذِي أوْجَبَهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ التَّفْضِيلِ ثُمَّ لِسائِرِ أصْحابِهِ مِن بَعْدِهِمْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، ويُقالُ بِفَضْلِهِمْ، ويُذْكَرُونَ بِمَحاسِنِ أفْعالِهِمْ، ويُمْسَكُ عَنِ الخَوْضِ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم وهم خِيارُ أهْلِ الأرْضِ بَعْدَ نَبِيِّهِمُ اخْتارَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وجَعَلَهم أنْصارًا لِدِينِهِ فَهم أئِمَّةُ الدِّينِ وأعْلامُ المُسْلِمِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أجْمَعِينَ، ولا نَتْرُكُ حُضُورَ صَلاةِ الجُمْعَةِ وصَلاتَها مَعَ بَرِّ هَذِهِ الأُمَّةِ وفاجِرِها ما كانَ مِنَ البِدْعَةِ بَرِيًّا، والجِهادُ مَعَ كُلِّ إمامٍ عادِلٍ أوْ جائِرٍ والحَجُّ وإقْصارُ الصَّلاةِ في الأسْفارِ والتَّخْيِيرُ فِيهِ بَيْنَ الصِّيامِ والإفْطارِ، هَذِهِ مَقالاتٌ اجْتَمَعَ عَلَيْها الماضُونَ الأوَّلُونَ مِن أئِمَّةِ الهُدى وبِتَوْفِيقِ اللَّهِ اعْتَصَمَ بِها التّابِعُونَ قُدْوَةً ورِضا وجانَبُوا التَّكَلُّفَ فِيما كَفُّوا فَسَدَّدُوا بِعَوْنِ اللَّهِ ووُفِّقُوا لَمْ يَرْغَبُوا عَنْ الِاتِّباعِ فَيُقَصِّرُوا ولَمْ يُجاوِزُوهُ فَيَعْتَدُوا فَنَحْنُ بِاللَّهِ واثِقُونَ وعَلَيْهِ مُتَوَكِّلُونَ وإلَيْهِ في اتِّباعِ آثارِهِمْ راغِبُونَ. فَهَذا شَرْحُ السُّنَّةِ تَحَرَّيْتُ كَشْفَها وأوْضَحْتُهُ، فَمَن وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْقِيامِ بِما أبَنْتُهُ مَعَ مَعُونَتِهِ لَهُ بِالقِيامِ عَلى أداءِ فَرائِضِهِ بِالِاحْتِياطِ في النَّجاساتِ وإسْباغِ الطِّهاراتِ عَلى الطّاعاتِ وأداءِ الصَّلَواتِ عَلى الِاسْتِطاعاتِ وإيتاءِ الزَّكاةِ عَلى أهْلِ الجِداتِ والحَجِّ عَلى أهْلِ الجِدَةِ والِاسْتِطاعاتِ وصِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ لِأهْلِ الصِّحّاتِ، وخَمْسِ صَلَواتٍ سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وصَلاةِ الوَتْرِ في كُلِّ لَيْلَةٍ ورَكْعَتا الفَجْرِ وصَلاةِ الفِطْرِ والنَّحْرِ وصَلاةِ الكُسُوفِ وصَلاةِ الِاسْتِسْقاءِ واجْتِنابِ المَحارِمِ والِاحْتِرازِ مِنَ النَّمِيمَةِ والكَذِبِ والغَيْبَةِ والبَغْيِ بِغَيْرِ الحَقِّ وأنْ تَقُولَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُ، كُلُّ هَذِهِ كَبائِرُ مُحَرَّماتٌ والتَّحَرِّي في المَكاسِبِ والمَطاعِمِ والمَحارِمِ والمَشارِبِ والمَلابِسِ واجْتِنابِ الشَّهَواتِ فَإنَّها داعِيَةٌ لِرُكُوبِ المُحَرَّماتِ فَمَن رَعى حَوْلَ الحِمى فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يُواقِعَ في الحِمى فَمَن يُسِّرَ لِهَذا فَإنَّهُ مِنَ الدِّينِ عَلى هُدى ومِنَ الرَّحْمَنِ عَلى رَجاءٍ. وفَّقَنا اللَّهُ وإيّاكَ إلى سَبِيلِهِ الأقْوَمِ بِمَنِّهِ الجَزِيلِ الأقْدَمِ وجَلالِهِ العَلِيِّ الأكْرَمِ والسَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ وعَلى مَن قَرَأ عَلَيْنا السَّلامَ ولا يَنالُ سَلامَ اللَّهِ تَعالى الضّالُّونَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
[قَوْلُ إمامِ الشّافِعِيَّةِ في وقْتِهِ أبِي العَبّاسِ ابْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
ذَكَرَ أبُو القاسِمِ سَعْدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّنْجانِيُّ في جَواباتِ المَسائِلِ الَّتِي سُئِلَ عَنْها بِمَكَّةَ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ أوَّلًا وآخِرًا وظاهِرًا وباطِنًا وعَلى كُلِّ حالٍ وصَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ المُصْطَفى وعَلى الأخْيارِ الطَّيِّبِينَ مِنَ الأصْحابِ والآلِ، سَألْتَ أيَّدَكَ اللَّهُ تَعالى بِتَوْفِيقِهِ بَيانَ ما صَحَّ لَدَيَّ وتَأدّى حَقِيقَتُهُ إلى مَن مَذْهَبِ السَّلَفِ وصالِحِي الخَلَفِ في الصِّفاتِ الوارِدَةِ في الكِتابِ المُنَزَّلِ والسُّنَّةِ المَنقُولَةِ بِالطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ بِرِوايَةِ الثِّقاتِ الأثْباتِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَجِيزٍ مِنَ القَوْلِ واخْتِصارٍ في الجَوابِ فاسْتَخَرْتُ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى وأجَبْتُ عَنْهُ بِجَوابِ بَعْضِ الأئِمَّةِ الفُقَهاءِ، وهو أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ سُرَيْجٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ هَذا السُّؤالِ فَقالَ: أقُولُ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، حَرامٌ عَلى العُقُولِ أنْ تُمَثِّلَ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى، وعَلى الأوْهامِ أنْ تَحُدَّهُ، وعَلى الظُّنُونِ أنْ تَقْطَعَ، وعَلى الضَّمائِرِ أنْ تَعْمُقَ، وعَلى النُّفُوسِ أنَّ تُفَكِّرَ، وعَلى الأفْكارِ أنْ تُحِيطَ وعَلى الألْبابِ أنْ تَصِفَ إلّا ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ في كِتابِهِ أوْ عَلى لِسانِ رَسُولِهِ ﷺ وقَدْ صَحَّ وتَقَرَّرَ واتَّضَحَ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ الدِّيانَةِ والسُّنَّةِ والجَماعَةِ مِنَ السَّلَفِ الماضِينَ والصَّحابَةِ والتّابِعِينَ مِنَ الأئِمَّةِ المُهْتَدِينَ الرّاشِدِينَ المَشْهُورِينَ إلى زَمانِنا هَذا: أنَّ جَمِيعَ الآيِ الوارِدَةِ عَنِ اللَّهِ تَعالى في ذاتِهِ وصِفاتِهِ والأخْبارِ الصّادِقَةِ (الصّادِرَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في اللَّهِ وفي صِفاتِهِ) الَّتِي صَحَّحَها أهْلُ النَّقْلِ وقَبِلَها النُّقّادُ الأثْباتُ. يَجِبُ عَلى المَرْءِ المُسْلِمِ المُؤْمِنِ المُوَقِنِ الإيمانَ بِكُلِّ واحِدٍ مِنهُ، كَما ورَدَ وتَسْلِيمُ أمْرِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى كَما أمَرَ وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلِهِ تَعالى ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ونَظائِرُها مِمّا نَطَقَ بِهِ القُرْآنُ كالفَوْقِيَّةِ والنَّفْسِ واليَدَيْنِ والسَّمْعِ والبَصَرِ والكَلامِ والعَيْنِ والنَّظَرِ والإرادَةِ والرِّضى والغَضَبِ والمَحَبَّةِ والكَراهَةِ والعِنايَةِ والقُرْبِ والبُعْدِ والسُّخْطِ والِاسْتِحْياءِ والدُّنُوِّ كَقابِ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى وصُعُودِ الكَلامِ الطَّيِّبِ " إلَيْهِ " وعُرُوجِ المَلائِكَةِ والرُّوحِ إلَيْهِ ونُزُولِ القُرْآنِ مِنهُ ونِدائِهِ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ السَّلامُ وقَوْلِهِ لِلْمَلائِكَةِ وقَبْضِهِ وبَسْطِهِ وعِلْمِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وقُدْرَتِهِ ومَشِيئَتِهِ وصَمَدِيَّتِهِ وفَرْدانِيَّتِهِ وأوَّلِيَّتِهِ وآخِرِيَّتِهِ وظاهِرِيَّتِهِ وباطِنِيَّتِهِ وحَياتِهِ وبَقائِهِ وأزَلِيَّتِهِ وأبَدِيَّتِهِ ونُورِهِ وتَجَلِّيهِ والوَجْهِ وخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِيَدِهِ، ونَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وسَماعِهِ مِن غَيْرِهِ، وسَماعِ غَيْرِهِ مِنهُ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن صِفاتِهِ المُتَعَلِّقَةِ بِهِ المَذْكُورَةِ في كِتابِهِ المُنَزَّلِ عَلى نَبِيِّهِ ﷺ وجَمِيعِ ما لَفَظَ بِهِ المُصْطَفى ﷺ مِن صِفاتِهِ كَغَرْسِهِ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ بِيَدِهِ وشَجَرَةَ طُوبى بِيَدِهِ وخَطِّ التَّوْراةِ بِيَدِهِ والضَّحِكِ والتَّعَجُّبِ ووَضْعِهِ القَدَمَ عَلى النّارِ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ، وذِكْرِ الأصابِعِ، والنُّزُولِ كُلَّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا ولَيْلَةَ الجُمْعَةِ ولَيْلَةَ النِّصْفِ مِن شَعْبانَ ولَيْلَةَ القَدْرِ، وكَغَيْرَتِهِ وفَرَحِهِ بِتَوْبَةِ العَبْدِ واحْتِجابِهِ بِالنُّورِ وبِرِداءِ الكِبْرِياءِ وأنَّهُ لَيْسَ بِأعْوَرَ، وأنَّهُ يُعْرِضُ عَمّا يَكْرَهُ ولا يَنْظُرُ إلَيْهِ، وأنَّ كِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ واخْتِيارِ آدَمَ قَبْضَتَةُ اليُمْنى وحَدِيثِ القَبْضَةِ ولَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَذا وكَذا نَظْرَةٌ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ وأنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْثُو ثَلاثَ حَثَياتٍ. . . فَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ ولَمّا خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَقَبَضَ قَبْضَةً فَقالَ: هَذِهِ لِلْجَنَّةِ ولا أُبالِي أصْحابَ اليَمِينِ، وقَبَضَ قَبْضَةً أُخْرى وقالَ: هَذِهِ لِلنّارِ ولا أُبالِي أصْحابَ الشِّمالِ ثُمَّ رَدَّهم في صُلْبِ آدَمَ، وحَدِيثِ القَبْضَةِ الَّتِي يَخْرُجُ بِها مِنَ النّارِ قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ عادُوا حُمَمًا فَيُلْقَوْنَ في نَهْرٍ مِنَ الجَنَّةِ يُقالُ لَهُ: (نَهْرُ) الحَياةِ، وحَدِيثُ خَلْقِ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ وقَوْلِهِ: «لا تُقَبِّحُوا الوَجْهَ فَإنَّ اللَّهَ خَلَقَ صُورَةِ الرَّحْمَنِ» وإثْباتِ الكَلامِ بِالحَرْفِ والصَّوْتِ وبِاللُّغاتِ وبِالكَلِماتِ وبِالسُّوَرِ وكَلامِهِ تَعالى لِجِبْرِيلَ والمَلائِكَةَ ولِمَلَكِ الأرْحامِ ولِلرَّحِمِ ولِمَلَكِ المَوْتِ ولِرِضْوانَ ولِمالِكٍ ولِآدَمَ ولِمُوسى ولِمُحَمَّدٍ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِ عِنْدَ الحِسابِ، وفي الجَنَّةِ ونُزُولِ القُرْآنِ إلى سَماءِ الدُّنْيا وكُوْنِ القُرْآنِ في المَصاحِفِ وما أذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإذْنِهِ لِنَبِيٍّ يَتَغَنّى بِالقُرْآنِ وقَوْلِهِ: «لَلَّهُ أشُدُّ أذَنًا لِقارِيءِ القُرْآنِ مِن صاحِبِ القَيْنَةِ إلى قَيْنَتِهِ وأنَّ اللَّهَ يُحِبُّ العُطاسَ ويَكْرَهُ التَّثاؤُبَ»، وفَرَغَ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ، والأجْلِ. وحَدِيثِ ذَبْحِ المَوْتِ ومُباهاتِ اللَّهِ تَعالى وصُعُودِ الأقْوالِ والأعْمالِ والأرْواحِ إلَيْهِ. وحَدِيثِ مِعْراجِ الرَّسُولِ ﷺ بِبَدَنِهِ ونَفْسِهِ ونَظَرِهِ إلى الجَنَّةِ والنّارِ، وبُلُوغِهِ إلى العَرْشِ إلى أنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى إلّا حِجابُ العِزَّةِ وعَرْضِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِ، عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، وعَرْضِ أعْمالِ الأُمَّةِ عَلَيْهِ وغَيْرِ هَذا مِمّا صَحَّ عَنْهُ ﷺ مِنَ الأخْبارِ المُتَشابِهَةِ الوارِدَةِ في صِفاتِ اللَّهِ سُبْحانَهُ ما بَلَغَنا وما لَمْ يَبْلُغْنا مِمّا صَحَّ عَنْهُ اعْتِقادُنا فِيهِ، وفي الآياتِ المُتَشابِهَةِ في القُرْآنِ أنْ نَقْبَلَها ولا نَرُدَّها ولا نَتَأوَّلَها بِتَأْوِيلِ المُخالِفِينَ ولا نَحْمِلُها عَلى تَشْبِيهِ المُشَبِّهِينَ ولا نَزِيدُ عَلَيْها ولا نَنْقُصُ مِنها ولا نُفَسِّرُها، ولا نَكْفِيها ولا نُتَرْجِمُ عَنْ صِفاتِهِ بِلُغَةٍ غَيْرِ العَرَبِيَّةِ، ولا نُشِيرُ إلَيْها بِخَواطِرِ القُلُوبِ ولا بِحَرَكاتِ الجَوارِحِ بَلْ نُطْلِقُ ما أطْلَقَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ونُفَسِّرُ ما فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ والتّابِعُونَ والأئِمَّةُ المَرْضِيُّونَ مِنَ السَّلَفِ المَعْرُوفِينَ بِالدِّينِ والأمانَةِ ونَجْمَعُ عَلى ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ، ونُمْسِكُ عَنْ ما أمْسَكُوا عَنْهُ، ونُسَلِّمُ الخَبَرَ الظّاهِرَ والآيَةَ الظّاهِرِ تَنْزِيلُها لا نَقُولُ بِتَأْوِيلِ المُعْتَزِلَةِ والأشْعَرِيَّةِ والجَهْمِيَّةِ والمُلْحِدَةِ والمُجَسِّمَةِ والمُشَبِّهَةِ والكَرّامِيَّةِ والكَيْفِيَّةِ بَلْ نَقْبَلُها بِلا تَأْوِيلٍ، ونُؤْمِنُ بِها بِلا تَمْثِيلٍ، ونَقُولُ: الإيمانُ بِها واجِبٌ والقَوْلُ بِها سُنَّةٌ وابْتِغاءُ تَأْوِيلِها بِدْعَةٌ.
آخِرُ كَلامِ أبِي العَبّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ الَّذِي حَكاهُ أبُو القاسِمِ سَعِيدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّنْجانِيُّ في أجْوِبَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ باقِيَ المَسائِلِ وأجْوِبَتَها.
الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم وخَيْرُهُمُ العَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالجَنَّةِ وخَيْرُ هَؤُلاءِ العَشَرَةِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ وعَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ونَعْتَقِدُ حُبَّ آلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأزْواجِهِ وسائِرِ أصْحابِهِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ ونَذْكُرُ مَحاسِنَهم ونَنْشُرُ فَضائِلَهم ونَمْسِكُ ألْسِنَتَنا وقُلُوبَنا عَنِ التَّطَلُّعِ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ، ونَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لَهم ونَتَوَسَّلُ إلى اللَّهِ تَعالى بِاتِّباعِهِمْ، ونَرى الجِهادَ والجُمْعَةَ والجَماعَةَ ماضِيانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ والسَّمْعُ والطّاعَةُ لِوُلاةِ الأمْرِ مِنَ المُسْلِمِينَ واجِبٌ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى دُونَ مَعْصِيَتِهِ لا يَجُوزُ الخُرُوجُ عَلَيْهِمْ ولا المُفارَقَةُ لَهم ولا نُكَفِّرُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِذَنْبٍ عَمِلَهُ ولَوْ كَبُرَ، ولا نَدَعَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ بَلْ نَحْكُمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَتَرَحَّمُ عَلى مُعاوِيَةَ ونَكِلُ سَرِيرَةَ يَزِيدَ إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ رَوى عَنْهُ أنَّهُ لَمّا رَأى رَأْسَ الحُسَيْنِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ قالَ: لَقَدْ قَتَلَكَ مَن كانَتِ الرَّحِمُ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قاطِعَةً، ونَبْرَأُ مِمَّنْ قَتَلَ الحُسَيْنَ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وأعانَ عَلَيْهِ وأشارَ بِهِ ظاهِرًا أوْ باطِنًا هَذا اعْتِقادُنا ونَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، والعِبارَةُ الجامِعَةُ في بابِ التَّوْحِيدِ أنْ يُقالَ: إثْباتٌ مِن غَيْرِ تَشْبِيهٍ ونَفْيٌ مِن غَيْرِ تَعْطِيلٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] والعِبارَةُ الجامِعَةُ في المُتَشابِهِ مِن آياتِ الصِّفاتِ أنْ يُقالَ: آمَنتُ بِما قالَ اللَّهُ تَعالى عَلى ما أرادَهُ وآمَنتُ بِما قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ما أرادَهُ، فَهَذا اعْتِقادُنا الَّذِي نَتَمَسَّكُ بِهِ ونَنْتَهِي إلَيْهِ ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى أنْ يُحْيِيَنا (عَلَيْهِ) ويُمِيتَنا عَلَيْهِ ويَجْعَلَهُ وسِيلَتَنا يَوْمَ الوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ إنَّهُ جَوادٌ كَرِيمٌ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
[قَوْلُ الإمامِ إسْماعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الفَضْلِ التَّيْمِيِّ]
صاحِبِ كِتابِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وكِتابِ الحُجَّةِ في بَيانِ المَحَجَّةِ، ومَذْهَبِ أهْلِ السُّنَّةِ، وكانَ إمامًا لِلشّافِعِيَّةِ في وقْتِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وجَمَعَ لَهُ أبُو مُوسى المَدِينِيُّ مَناقِبَ جَلِيلَةً لِجَلالَتِهِ، قالَ في كِتابِ الحُجَّةِ (بابٌ في بَيانِ اسْتِواءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ) قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥]. وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقالَ: ﴿لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤].
وَقالَ تَعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] قالَ أهْلُ السُّنَّةِ: اللَّهُ فَوْقَ السَّماواتِ لا يَعْلُوهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِهِ ومِنَ الدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ أنَّ الخَلْقَ يُشِيرُونَ إلى السَّماءِ بِأصابِعِهِمْ ويَدْعُونَهُ ويَرْفَعُونَ إلَيْهِ رُءُوسَهم وأبْصارَهم وقالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَهُوَ القاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨] وقالَ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ فَإذا هي تَمُورُ - أمْ أمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ [الملك: ١٦-١٧] والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ الآياتُ الَّتِي فِيها ذِكْرُ نُزُولِ الوَحْيِ.
فَصْلٌ في بَيانِ أنَّ العَرْشَ فَوْقَ السَّماواتِ وأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى فَوْقَ العَرْشِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ الَّذِي في البُخارِيِّ: «لَمّا قَضى اللَّهُ الخَلْقَ كَتَبَ في كِتابٍ فَهو عِنْدُهُ فَوْقَ العَرْشِ " إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي» وبَسَطَ الِاسْتِدْلالَ عَلى ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ ثُمَّ قالَ: قالَ عُلَماءُ السُّنَّةِ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَرْشِهِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ، وقالَتِ المُعْتَزِلَةُ: هو بِذاتِهِ في كُلِّ مَكانٍ.
قالَ: وقالَتِ الأشْعَرِيَّةُ: الِاسْتِواءُ عائِدٌ إلى العَرْشِ قالَ: ولَوْ كانَ كَما قالُوا لَكانَتِ القِراءَةُ بِرَفْعِ العَرْشِ فَلَمّا كانَتْ بِخَفْضِ العَرْشِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عائِدٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى قالَ: وقالَ بَعْضُهُمُ: اسْتَوى بِمَعْنى اسْتَوْلى قالَ الشّاعِرُ:
؎قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ أوْ دَمٍ مُهْراقِ
والِاسْتِيلاءُ لا يُوصَفُ بِهِ إلّا مَن قَدَرَ عَلى الشَّيْءِ بَعْدَ العَجْزِ عَنْهُ، واللَّهُ تَعالى لَمْ يَزَلْ قادِرًا عَلى الأشْياءِ ومُسْتَوْلِيًا عَلَيْها، ألا تَرى أنَّهُ لا يُوصَفُ بِشْرٌ بِالِاسْتِيلاءِ عَلى العِراقِ إلّا وهو عاجِزٌ عَنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ حَكى أبُو القاسِمِ عَنْ ذِي النُّونِ المِصْرِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِخَلْقِ العَرْشِ؟ قالَ: أرادَ أنْ لا تَتُوهَ قُلُوبُ العارِفِينَ. قالَ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ: هو عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ، ثُمَّ ساقَ الِاحْتِجاجَ بِالآثارِ إلى أنْ قالَ: وزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّ مَعْنى ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] أيْ مَلَكَهُ وأنَّهُ لا اخْتِصاصَ لَهُ بِالعَرْشِ أكْثَرُ مِمّا لَهُ بِالأمْكِنَةِ وهَذا إلْغاءٌ لِتَخْصِيصِ العَرْشِ وتَشْرِيفِهِ.
(وَقالَ أهْلُ السُّنَّةِ): خَلَقَ اللَّهُ تَعالى السَّماواتِ وكانَ عَرْشُهُ مَخْلُوقًا قَبْلَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ بَعْدَ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ عَلى ما ورَدَ بِهِ النَّصُّ ولَيْسَ مَعْناهُ المُماسَّةُ بَلْ هو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ بِلا كَيْفٍ كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ.
قالَ: وزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّهُ لا يَجُوزُ الإشارَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالرُّءُوسِ والأصابِعِ إلى فَوْقَ فَإنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ التَّحْدِيدَ، وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ العَلِيُّ الأعْلى، ونَطَقَ بِذَلِكَ القُرْآنُ فَزَعَمَ هَؤُلاءِ أنَّ ذَلِكَ بِمَعْنى عُلُوِّ الغَلَبَةِ لا عُلُوِّ الذّاتِ، وعِنْدَ المُسْلِمِينَ أنَّ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عُلُوَّ الغَلَبَةِ. والعُلُوُّ مِن سائِرِ وُجُوهِ العُلُوِّ؛ لِأنَّ العُلُوَّ صِفَةُ مَدْحٍ فَثَبَتَ أنَّ لِلَّهِ تَعالى عُلُوَّ الذّاتِ وعُلُوَّ الصِّفاتِ وعُلُوَّ القَهْرِ والغَلَبَةِ، وفي مَنعِهِمُ الإشارَةُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن جِهَةِ الفَوْقِ خِلافٌ مِنهم لِسائِرِ المِلَلِ؛ لِأنَّ جَماهِيرَ المُسْلِمِينَ وسائِرَ المِلَلِ قَدْ وقَعَ مِنهُمُ الإجْماعُ عَلى الإشارَةِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مِن جِهَةِ الفَوْقِ في الدُّعاءِ والسُّؤالِ، واتِّفاقُهم بِأجْمَعِهِمْ عَلى ذَلِكَ حُجَّةٌ، ولَمْ يَسْتَجِزْ أحَدٌ الإشارَةَ إلَيْهِ مِن جِهَةِ الأسْفَلِ ولا مِن سائِرِ الجِهاتِ سِوى جِهَةِ الفَوْقِ، وقالَ تَعالى: ﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] وقالَ تَعالى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. وقالَ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وأخْبَرَ تَعالى عَنْ فِرْعَوْنَ أنَّهُ قالَ: ﴿ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ - أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾ [غافر: ٣٦-٣٧] فَكانَ فِرْعَوْنُ قَدْ فَهِمَ مِن مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ يُثْبِتُ إلَهًا فَوْقَ السَّماءِ، حَتّى رامَ بِصَرْحِهِ أنْ يَطَّلِعَ إلَيْهِ واتَّهَمَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالكَذِبِ في ذَلِكَ، والجَهْمِيَّةُ لا تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ فَوْقَها بِوُجُودِ ذاتِهِ فَهم أعْجَزُ فَهْمًا مِن فِرْعَوْنَ (بَلْ وأضَلُّ)، وقَدْ صَحَّ «عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ سَألَ الجارِيَةَ الَّتِي أرادَ مَوْلاها عِتْقَها أيْنَ اللَّهُ؟ قالَتْ: في السَّماءِ وأشارَتْ بِرَأْسِها إلى السَّماءِ وقالَ: مَن أنا؟ فَقالَتْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ». فَحَكَمَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِإيمانِها حِينَ قالَتْ: إنَّ اللَّهَ في السَّماءِ، وحَكَمَ الجَهْمِيُّ بِكُفْرِ مَن يَقُولُ ذَلِكَ. هَذا كُلُّهُ كَلامُ أبِي القاسِمِ التَيْمِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.
[فَصْلٌ في ذِكْرِ قَوْلِ الإمامِ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وأصْحابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences