Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:4–6, continued
ذَكَرَ الحافِظُ أبُو القاسِمِ بْنُ عَساكِرَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى في تارِيخِهِ عَنْ هِشامِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قَدِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الكَوّاءِ عَلى مُعاوِيَةَ، فَقالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ البَصْرَةِ؟ قالَ: " يُقاتِلُونَ مَعًا ويُدْبِرُونَ شَتّى. قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ الكُوفَةِ؟ قالَ: أنْظَرُ النّاسِ في صَغِيرَةٍ وأوْقَعُهم في كَبِيرَةٍ. قالَ فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ؟ قالَ: أحْرَصُ النّاسِ عَلى الفِتْنَةِ وأعْجَزُهم عَنْها. قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ مِصْرَ، قالَ: لُقْمَةُ أكْلٍ، قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ الجَزِيرَةِ؟ قالَ كُناسَةٌ بَيْنَ مَدِينَتَيْنِ. قالَ فَأخْبَرَنِي عَنْ أهْلِ المَوْصِلِ؟ قالَ: قِلادَةُ ولِيدَةٍ فِيها مِن كُلِّ شَيْءٍ خَرَزَةٌ. قالَ فَأخْبِرْنِي عَنْ أهْلِ الشّامِ؟ قالَ: جُنْدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ لا أقُولُ فِيهِمْ شَيْئًا، قالَ: لَتَقُولَنَّ. قالَ: أطْوَعُ النّاسِ لِمَخْلُوقٍ وأعْصاهم لِخالِقٍ ولا يَحْسَبُونَ لِلسَّماءِ ساكِنًا.
[قَوْلُ تابِعِ التّابِعِينَ جُمْلَةً رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى]
[ذِكْرُ قَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ رَحِمَهُ اللَّهُ]
رَوى الدّارِمِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهم بِأصَحِّ إسْنادٍ إلى عَلِيِّ بْنِ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ المُبارَكِ يَقُولُ: نَعْرِفُ رَبَّنا بِأنَّهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ عَلى العَرْشِ اسْتَوى بائِنٌ مِن خَلْقِهِ ولا نَقُولُ كَما قالَتِ الجَهْمِيَّةُ، وفِي
لَفْظٍ آخَرِ قُلْتُ: كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنا؟ قالَ: في السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى عَرْشِهِ، ولا نَقُولُ كَما قالَتِ الجَهْمِيَّةُ.
قالَ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ الصَّبّاحِ البَزّارُ حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ قالَ: قِيلَ لَهُ كَيْفَ نَعْرِفُ رَبَّنا؟ قالَ: بِأنَّهُ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ عَلى العَرْشِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ. قالَ الإمامُ عُثْمانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيُّ: ومِمّا يُحَقِّقُ قَوْلَ ابْنِ المُبارَكِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِلْجارِيَةِ أيْنَ اللَّهُ؟ يَمْتَحِنُ بِذَلِكَ إيمانَها؟ فَلَمّا قالَتْ: «فِي السَّماءِ قالَ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» والآثارُ في ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرَةٌ والحُجَجُ مُتَظاهِرَةٌ والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ ساقَها الدّارِمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى، وذَكَرَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ لَهُ رَجُلٌ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ خِفْتُ مِن كَثْرَةِ ما أدْعُو عَلى الجَهْمِيَّةِ، فَقالَ: لا تَخَفْ فَإنَّهم يَزْعُمُونَ أنَّ إلَهَكَ الَّذِي في السَّماءِ لَيْسَ بِشَيْءٍ وصَحَّ عَنِ ابْنِ المُبارَكِ أنَّهُ قالَ: إنّا نَسْتَطِيعُ أنْ نَحْكِيَ كَلامَ اليَهُودِ والنَّصارى ولا نَسْتَطِيعُ أنْ نَحْكِيَ كَلامَ الجَهْمِيَّةِ.
[قَوْلُ الأوْزاعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الحاكِمُ أخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الجَوْهَرِيُّ بِبَغْدادَ، حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ الهَيْثَمِ حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ المِصِّيصِيُّ قالَ: سَمِعْتُ الأوْزاعِيَّ يَقُولُ كُنّا والتّابِعُونَ مُتَوافِرُونَ، نَقُولُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى ذِكْرُهُ فَوْقَ عَرْشِهِ ونُؤْمِنُ بِما ورَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وهَذا الأثَرُ يَدْخُلُ في حِكايَةِ مَذْهَبِهِ ومَذاهِبِ التّابِعِينَ فَلِذَلِكَ ذَكَرْناهُ في المَوْضِعَيْنِ.
[قَوْلُ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ إمامُ الأئِمَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ قالَ: سَمِعْتُ حَمّادَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: " الجَهْمِيَّةُ إنَّما يُحاوِلُونَ أنْ يَقُولُوا لَيْسَ في السَّماءِ شَيْءٌ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ وهَذا الَّذِي كانَتِ الجَهْمِيَّةُ يُحاوِلُونَهُ قَدْ صَرَّحَ بِهِ المُتَأخِّرُونَ مِنهم وكانَ ظُهُورُ السُّنَّةِ وكَثْرَةُ الأئِمَّةِ في عَصْرِ أُولَئِكَ يَحُولُ بَيْنَهم وبَيْنَ التَّصْرِيحِ بِهِ فَلَمّا بَعُدَ العَهْدُ وخَفِيَتِ السُّنَّةُ وانْقَرَضَتِ الأئِمَّةُ صَرَّحَتِ الجَهْمِيَّةُ النُّفاةُ بِما كانَ سَلَفُهم يُحاوِلُونَهُ ولا يَتَمَكَّنُونَ مِن إظْهارِهِ.
[قَوْلُ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ]
قالَ مَعْدانُ: سَألْتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] قالَ: عَلْمُهُ. ذَكَرَهُ أبُو عُمَرَ.
[قَوْلُ وهْبِ بْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ الأثْرَمُ حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الأوْسِيُّ قالَ: سَمِعْتُ وهْبَ بْنَ جَرِيرٍ يَقُولُ: إنَّما يُرِيدُ الجَهْمِيَّةُ أنَّهُ لَيْسَ في السَّماءِ شَيْءٌ. قالَ: وقُلْتُ لِسُلَيْمانَ بْنِ حَرْبٍ أيَّ شَيْءٍ كانَ حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ يَقُولُ في الجَهْمِيَّةِ؟ فَقالَ: كانَ يَقُولُ إنَّما يُرِيدُونَ أنَّهُ لَيْسَ في السَّماءِ شَيْءٌ.
[ذِكْرُ أقْوالِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى]
[قَوْلُ الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ]
قالَ البَيْهَقِيُّ: حَدَّثَنا أبُو بَكْرِ بْنُ الحارِثِ الفَقِيهُ حَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَيّانَ أخْبَرَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ نَصْرٍ (قالَ) حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ يَعْلى (قالَ: سَمِعْتُ نُعَيْمَ بْنَ حَمّادٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ نُوحًا بْنَ أبِي مَرْيَمَ أبا عِصْمَةَ يَقُولُ كُنّا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ أوَّلَ ما ظَهَرَ إذْ جاءَتْهُ امْرَأةٌ مِن تِرْمِذَ كانَتْ تُجالِسُ جَهْمًا فَدَخَلَتِ الكُوفَةَ، فَقِيلَ
لَها إنَّ هاهُنا رَجُلًا قَدْ نَظَرَ في المَعْقُولِ يُقالُ لَهُ: أبُو حَنِيفَةَ، فَأْتِيهِ فَأتَتْهُ فَقالَتْ: أنْتَ الَّذِي تُعَلِّمَ النّاسَ المَسائِلَ وقَدْ تَرَكْتَ دِينَكَ؟ أيْنَ إلَهُكَ الَّذِي تَعْبُدُهُ؟ فَسَكَتَ عَنْها ثُمَّ مَكَثَ سَبْعَةَ أيّامٍ لا يُجِيبُها ثُمَّ خَرَجَ إلَيْنا وقَدْ وضَعَ كِتابًا إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى في السَّماءِ دُونَ الأرْضِ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد: ٤] قالَ هو كَما تَكْتُبُ لِلرَّجُلِ إنِّي مَعَكَ وأنْتَ عَنْهُ غائِبٌ، قالَ البَيْهَقِيُّ: لَقَدْ أصابَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى فِيما نَفى عَنِ اللَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ مِنَ الكَوْنِ في الأرْضِ وفِيما ذَكَرَ مِن تَأْوِيلِ الآيَةِ، وتَبِعَ مُطْلَقَ السَّمْعِ في قَوْلِهِ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في السَّماءِ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: وفي كِتابِ الفِقْهِ الأكْبَرِ المَشْهُورِ عِنْدَ أصْحابِ أبِي حَنِيفَةَ الَّذِي رَوَوْهُ بِالإسْنادِ عَنْ أبِي مُطِيعٍ البَلْخِيِّ الحَكَمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَألْتُ أبا حَنِيفَةَ عَنِ الفِقْهِ الأكْبَرِ قالَ: لا تُكَفِّرْ أحَدًا بِذَنْبٍ ولا تَنْفِ أحَدًا مِنَ الإيمانِ وتَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ وتَعْلَمُ أنَّ ما أصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وما أخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ ولا تَتَبَرَّأْ مِن أحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا تُوالِي أحَدًا دُونَ أحَدٍ وأنْ تَرُدَّ أمْرَ عُثْمانَ وعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما إلى اللَّهِ تَعالى، قالَ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الفِقْهُ الأكْبَرُ في الدِّينِ خَيْرٌ مِنَ الفِقْهِ في العِلْمِ، ولَأنْ يَتَفَقَّهَ الرَّجُلُ كَيْفَ يَعْبُدُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ خَيْرٌ مِن أنْ يَجْمَعَ العِلْمَ الكَثِيرَ قالَ أبُو مُطِيعٍ قُلْتُ: فَأخْبِرْنِي عَنْ أفْضَلِ الفِقْهِ؟ قالَ: يَتَعَلَّمُ الرَّجُلُ الإيمانَ والشَّرائِعَ، والسُّنَنَ، والحُدُودَ، واخْتِلافَ الأئِمَّةِ. وذَكَرَ مَسائِلَ في الإيمانِ ثُمَّ ذَكَرَ مَسائِلَ في القَدَرِ. . . ثُمَّ قالَ: فَقُلْتُ: فَما تَقُولُ فِيمَن يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهى عَنِ المُنْكَرِ فَيَتْبَعُهُ عَلى ذَلِكَ أُناسٌ فَيَخْرُجُ مِنَ الجَماعَةِ، هَلْ تَرى ذَلِكَ؟ قالَ: لا، قُلْتُ: ولِمَ؟ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسِلْمَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وهو فَرِيضَةٌ واجِبَةٌ. فَقالَ: هو كَذَلِكَ لَكِنْ ما يُفْسِدُونَ أكْثَرَ مِمّا يُصْلِحُونَ مِن سَفْكِ الدِّماءِ واسْتِحْلالِ الحَرامِ وذَكَرَ الكَلامَ في قِتالِ الخَوارِجِ والبُغاةِ إلى أنْ قالَ: قالَ أبُو حَنِيفَةَ ومَن قالَ: لا أعْرِفُ رَبِّي في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ فَقَدْ كَفَرَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ (قُلْتُ): فَإنْ قالَ: إنَّهُ عَلى العَرْشِ ولَكِنَّهُ يَقُولُ: لا أدْرِي العَرْشَ في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ قالَ: هو كافِرٌ؛ لِأنَّهُ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ؛ لِأنَّهُ تَعالى في أعْلى عِلِّيِّينَ وأنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ، وفي لَفْظٍ سَألْتُ أبا حَنِيفَةَ عَمَّنْ يَقُولُ: لا أدْرِي رَبِّي في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ قالَ: قَدْ كَفَرَ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ قالَ: فَإنَّهُ يَقُولُ: عَلى العَرْشِ اسْتَوى ولَكِنَّهُ لا يَدْرِي العَرْشَ في الأرْضِ أوْ في السَّماءِ، قالَ إذا أنْكَرَ أنَّهُ في السَّماءِ فَقَدْ كَفَرَ.
وَرُوِيَ هَذا عَنْ شَيْخِ الإسْلامِ أبِي إسْماعِيلَ الأنْصارِيِّ في كِتابِهِ (الفارُوقِ) بِإسْنادِهِ. قالَ شَيْخُ الإسْلامِ أبُو العَبّاسِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى: فَفي هَذا الكَلامِ المَشْهُورِ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ أصْحابِهِ أنَّهُ كَفَّرَ الواقِفَ الَّذِي يَقُولُ: لا أعْرِفُ رَبِّي في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ؟ فَكَيْفَ يَكُونُ الجاحِدُ النّافِي الَّذِي يَقُولُ لَيْسَ في السَّماءِ ولا في الأرْضِ؟ واحْتَجَّ عَلى كُفْرِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: وعَرْشُهُ فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ وبَيَّنَ بِهَذا أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] دَلَّ أنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّماواتِ فَوْقَ العَرْشِ، وأنَّ الِاسْتِواءَ عَلى العَرْشِ دَلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى بِنَفْسِهِ فَوْقَ العَرْشِ ثُمَّ أرْدَفَ ذَلِكَ بِكُفْرِ مَن قالَ إنَّهُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ولَكِنْ تَوَقَّفَ في كَوْنِ العَرْشِ في السَّماءِ أمْ في الأرْضِ. قالَ: لِأنَّهُ أنْكَرَ أنْ يَكُونَ في السَّماءِ وأنَّ اللَّهَ في أعْلى عِلِّيِّينَ وأنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ واحْتَجَّ بِأنَّ اللَّهَ في أعْلى عِلِّيِّينَ وأنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ. وكُلٌّ مِن هاتَيْنِ الحُجَّتَيْنِ فِطْرِيَّةٌ عَقْلِيَّةٌ فَإنَّ القُلُوبَ مَفْطُورَةٌ عَلى الإقْرارِ بِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ في العُلُوِّ وعَلى أنَّهُ يُدْعى مِن أعْلى لا مِن أسْفَلَ وكَذَلِكَ أصْحابُهُ مِن بَعْدِهِ، كَأبِي يُوسُفَ وهِشامِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الرّازِيِّ كَما رَوى ابْنُ أبِي حاتِمٍ وشَيْخُ الإسْلامِ بِأسانِيدِهِما أنَّ هِشامَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الرّازِيَّ صاحِبَ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ قاضِي الرَّيِّ حَبَسَ رَجُلًا في التَّجَهُّمِ فَتابَ فَجِيءَ بِهِ إلى هِشامٍ لِيَمْتَحِنَهُ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى التَّوْبَةِ، فامْتَحَنَهُ هِشامٌ فَقالَ: أتَشْهَدُ أنَّ اللَّهَ عَلى عَرْشِهِ بائِنٌ مِن خَلْقِهِ؟ فَقالَ: أشْهَدُ أنَّ اللَّهَ عَلى عَرْشِهِ ولا أدْرِي ما بائِنٌ مِن خَلْقِهِ. فَقالَ: رُدُّوهُ إلى الحَبْسِ فَإنَّهُ لَمْ يَتُبْ، وسَيَأْتِي قَوْلُ الطَّحاوِيِّ عِنْدَ أقْوالِ أهْلِ الحَدِيثِ.
[قَوْلُ إمامِ دارِ الهِجْرَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
ذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ في كِتابِ التَّمْهِيدِ: أخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ المُؤْمِنِ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدانَ بْنِ مالِكٍ، قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (قالَ) حَدَّثَنِي أبِي (قالَ) حَدَّثَنا شُرَيْحُ بْنُ النُّعْمانِ (قالَ) حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نافِعٍ قالَ: قالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: اللَّهُ في السَّماءِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ (لا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ) قالَ: وقِيلَ لِمالِكٍ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] كَيْفَ اسْتَوى؟ فَقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى (اسْتِواؤُهُ مَعْقُولٌ وكَيْفِيَّتُهُ مَجْهُولَةٌ وسُؤالُكَ عَنْ هَذا بِدْعَةٌ وأراكَ رَجُلَ سُوءٍ). وكَذَلِكَ أئِمَّةُ أصْحابِ مالِكٍ مِن بَعْدِهِ.
[قَوْلُ أئِمَّةِ أصْحابِ مالِكٍ مِن بَعْدِهِ]
قالَ يَحْيى بْنُ إبْراهِيمَ الطُّلَيْطِيُّ في كِتابِ سِيَرِ الفُقَهاءِ وهو كِتابٌ جَلِيلٌ غَزِيرُ العِلْمِ حَدَّثَنِي عَبْدُ المَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ وكانُوا يَقُولُونَ: اللَّهُ هو الدَّهْرُ، وكانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: رُغْمَ (أنْفِي لِلَّهِ)، وإنَّما يُرْغَمُ أنْفُ الكافِرِ، وكانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: لا والَّذِي خاتَمُهُ عَلى فَمِي، وإنَّما يُخْتَمُ عَلى فَمِ الكافِرِ، وكانُوا يَكْرَهُونَ قَوْلَ الرَّجُلِ: واللَّهِ حَيْثُ كانَ أوْ أنَّ اللَّهَ بِكُلِّ مَكانٍ. قالَ أصْبَغُ: وهو مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ وبِكُلِّ مَكانِ عِلْمُهُ وإحاطَتُهُ وأصْبَغُ مِن أجَلِّ أصْحابِ مالِكٍ وأفْقَهِهِمْ.
[ذِكْرُ قَوْلِ أبِي عَمْرٍو الطَّلَمَنكِيِّ]
قالَ في كِتابِهِ في الأُصُولِ: أجْمَعَ المُسْلِمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ اسْتَوى عَلى عَرْشِهِ بِذاتِهِ. وقالَ في هَذا الكِتابِ أيْضًا: أجْمَعَ أهْلُ السُّنَّةِ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى اسْتَوى عَلى العَرْشِ عَلى حَقِيقَتِهِ لا عَلى المَجازِ ثُمَّ ساقَ بِسَنَدِهِ عَنْ مالِكٍ قَوْلَهُ: اللَّهُ في السَّماءِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ ثُمَّ قالَ في هَذا الكِتابِ: وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ مِن أهْلِ السُّنَّةِ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكم أيْنَ ما﴾ [الحديد: ٤] ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ القُرْآنِ: أنَّ ذَلِكَ عِلْمُهُ وأنَّ اللَّهَ فَوْقَ السَّماواتِ بِذاتِهِ مُسْتَوٍ عَلى عَرْشِهِ كَيْفَ شاءَ، وهَذا لَفْظُهُ في كِتابِهِ.
[ذِكْرُ قَوْلِ بُخارِيِّ الغَرْبِ الإمامِ الحافِظِ أبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ إمامِ السُّنَّةِ في زَمانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
" ذِكْرُ قَوْلِ بُخارِيِّ الغَرْبِ الإمامِ الحافِظِ أبِي عُمَرَ بْنِ عَبْدِ البَرِّ إمامِ السُّنَّةِ في زَمانِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى ": قالَ في كِتابِ التَّمْهِيدِ في شَرْحِ الحَدِيثِ الثّامِنِ لِابْنِ شِهابٍ عَنِ أبِي سَلَمَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَنْزِلُ رَبُّنا في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حِينَ يَبْقى ثُلْثُ اللَّيْلِ الآخِرِ فَيَقُولُ: مَن يَدْعُونِي فَأسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَن يَسْألُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَن يَسْتَغْفِرُنِي فَأغْفِرَ لَهُ؟» هَذا الحَدِيثُ ثابِتٌ مِن جِهَةِ النَّقْلِ صَحِيحُ الإسْنادِ لا يَخْتَلِفُ أهْلُ الحَدِيثِ في صِحَّتِهِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ جَلَّ وعَلا في السَّماءِ عَلى العَرْشِ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ كَما قالَتِ الجَماعَةُ، وهو حُجَّتُهم عَلى المُعْتَزِلَةِ والجَهْمِيَّةِ في قَوْلِهِمْ إنَّ اللَّهَ في كُلِّ مَكانٍ ولَيْسَ عَلى العَرْشِ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ ما قالَ أهْلُ الحَقِّ في ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ ما لَكم مِن دُونِهِ مِن ولِيٍّ ولا شَفِيعٍ أفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [السجدة: ٤] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٤٢] وقَوْلُهُ تَبارَكَ اسْمُهُ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ والعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأرْضَ﴾ [الملك: ١٦] وقالَ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأعْلى﴾ [الأعلى: ١] وهَذا مِنَ العُلُوِّ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿العَلِيُّ العَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] و﴿الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾ [الرعد: ٩] و﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو العَرْشِ﴾ [غافر: ١٥] و﴿يَخافُونَ رَبَّهم مِن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠] والجَهْمِيُّ يَقُولُ إنَّهُ أسْفَلُ وقالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وقالَ لِعِيسى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] وقالَ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨] وقالَ ﴿فالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ﴾ [فصلت: ٣٨] وقالَ: ﴿لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي المَعارِجِ تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٢] والعُرُوجُ هو الصُّعُودُ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أأمِنتُمْ مَن في السَّماءِ﴾ [الملك: ١٦] فَمَعْناهُ مَن عَلى السَّماءِ يَعْنِي عَلى العَرْشِ، وقَدْ تَكُونُ في بِمَعْنى عَلى ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢] أيْ: عَلى الأرْضِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وهَذا كُلُّهُ يُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَعْرُجُ المَلائِكَةُ والرُّوحُ إلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]. وما كانَ مِثْلَهُ مِمّا تَلَوْنا مِنَ الآياتِ في هَذا البابِ، وهَذِهِ الآياتُ كُلُّها واضِحاتٌ في إبْطالِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا ادِّعاؤُهُمُ المَجازَ في الِاسْتِواءِ وقَوْلُهم في تَأْوِيلِ اسْتَوى: اسْتَوْلى فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ ظاهِرٍ في اللُّغَةِ ومَعْنى الِاسْتِيلاءِ في اللُّغَةِ المُغالَبَةُ واللَّهُ تَعالى لا يُغالِبُهُ ولا يَعْلُوهُ أحَدٌ، وهو الواحِدُ الصَّمَدُ.
وَمِن حَقِّ الكَلامِ أنْ يُحْمَلَ عَلى حَقِيقَتِهِ، حَتّى تَتَّفِقَ الأُمَّةُ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ المَجازُ إذْ لا سَبِيلَ إلى اتِّباعِ ما أُنْزِلَ إلَيْنا مِن رَبِّنا تَعالى إلّا عَلى ذَلِكَ وإنَّما يُوَجَّهُ كَلامُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الأشْهَرِ والأظْهَرِ مِن وُجُوهِهِ ما لَمْ يَمْنَعْ مِن ذَلِكَ ما يَجِبُ لَهُ التَّسْلِيمُ، ولَوْ ساغَ ادِّعاءُ المَجازِ لِكُلِّ مُدَّعٍ ما ثَبَتَ شَيْءٌ مِنَ العِباداتِ، وجَلَّ اللَّهُ أنْ يُخاطِبَ إلّا بِما تَفْهَمُهُ العَرَبُ مِن مَعْهُودِ مُخاطِباتِها مِمّا يَصِحُّ مَعْناهُ عِنْدَ السّامِعِينَ، والِاسْتِواءُ مَعْلُومٌ في اللُّغَةِ مَفْهُومٌ، وهُوَ: العُلُوُّ والِارْتِفاعُ عَلى الشَّيْءِ والِاسْتِقْرارُ والتَّمَكُّنُ فِيهِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: عَلا، قالَ: وتَقُولُ العَرَبُ: اسْتَوَيْتُ فَوْقَ الدّابَّةِ واسْتَوَيْتُ فَوْقَ البَيْتِ. وقالَ غَيْرُهُ: اسْتَوى أيِ اسْتَقَرَّ، واحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ واسْتَوى﴾ [القصص: ١٤] أيِ انْتَهى شَبابُهُ واسْتَقَرَّ فَلَمْ يَكُنْ في شَبابِهِ مَزِيدٌ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: والِاسْتِواءُ الِاسْتِقْرارُ في العُلُوِّ وبِهَذا خاطَبَنا اللَّهُ تَعالى في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكم إذا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣] وقالَ تَعالى: ﴿واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤] وقالَ تَعالى: ﴿فَإذا اسْتَوَيْتَ أنْتَ ومَن مَعَكَ عَلى الفُلْكِ﴾ [المؤمنون: ٢٨].
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎فَأوْرَدْتَهم ماءً بِفَيْفاءَ قَفْرَةٍ ∗∗∗ وقَدْ حَلَّقَ النَّجْمُ اليَمانِيُّ فاسْتَوى
وَهَذا لا يَجُوزُ أنْ يَتَأوَّلَ فِيهِ أحَدٌ اسْتَوْلى. لِأنَّ النَّجْمَ لا يَسْتَوْلِي وقَدْ ذَكَرَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ وكانَ ثِقَةً مَأْمُونًا جَلِيلًا في عِلْمِ الدِّيانَةِ واللُّغَةِ قالَ: حَدَّثَنِي الخَلِيلُ وحَسْبُكَ بِالخَلِيلِ قالَ: أتَيْتُ أبا رَبِيعَةَ الأعْرابِيَّ وكانَ مِن أعْلَمِ ما رَأيْتُ فَإذا هو عَلى سَطْحٍ فَسَلَّمْنا فَرَدَّ عَلَيْنا السَّلامَ وقالَ لَنا. . اسْتَوُوا. فَبَقِينا مُتَحَيِّرِينَ ولَمْ نَدْرِ ما قالَ. فَقالَ لَنا أعْرابِيٌّ إلى جَنْبِهِ إنَّهُ أمَرَكم أنْ تَرْفَعُوا، فَقالَ الخَلِيلُ: هو مِن قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ﴾ [فصلت: ١١] فَصَعِدْنا إلَيْهِ. قالَ: وأمّا نَزْعُ مَن نَزَعَ مِنهم بِحَدِيثٍ يَرْوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] قالَ: اسْتَوْلى عَلى جَمِيعِ بَرِّيَّتِهِ فَلا يَخْلُو مِنهُ مَكانٌ.
فالجَوابُ: إنَّ هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ونَقَلَتُهُ مَجْهُولُونَ وضُعَفاءُ، فَأمّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ الواسِطِيُّ وعَبْدُ الوَهّابِ بْنُ مُجاهِدٍ: فَضَعِيفانِ، وإبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ مَجْهُولٌ لا يُعْرَفُ، وهم لا يَقْبَلُونَ أخْبارَ الآحادِ العُدُولِ فَكَيْفَ يَسُوغُ لَهم الِاحْتِجاجُ بِمِثْلِ هَذا مِنَ الحَدِيثِ لَوْ عَقَلُوا وأنْصَفُوا، أما سَمِعُوا اللَّهَ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى وإنِّي لَأظُنُّهُ كاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦] فَدَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ إنَّ إلَهِيَ في السَّماءِ وفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كاذِبًا.
وَقالَ الشّاعِرُ:
؎فَسُبْحانَ مَن لا يُقِّدُرُ الخَلْقُ قَدْرَهُ ∗∗∗ ومَن هو فَوْقَ العَرْشِ فَرْدٌ مُوَحَّدُ
؎مَلِيكٌ عَلى عَرْشِ السَّماءِ مُهَيْمِنٌ ∗∗∗ لِعِزَّتِهِ تَعْنُوا الوُجُوهُ وتَسْجُدُ
وَهَذا الشِّعْرُ لِأُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ وفِيهِ يَقُولُ في وصْفِ المَلائِكَةِ:
؎وَساجِدُهم لا يَرْفَعُ الدَّهْرَ رَأْسَهُ ∗∗∗ يُعَظِّمُ رَبًّا فَوْقَهُ ويُمَجِّدُ
قالَ: فَإنِ احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] وبُقُولِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ﴾ [الأنعام: ٣] وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهم ولا خَمْسَةٍ إلّا هو سادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] الآيَةَ، وزَعَمُوا أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ في كُلِّ مَكانٍ بِنَفْسِهِ وذاتِهِ تَبارَكَ وتَعالى جَدُّهُ. قِيلَ لَهُمْ: لا خِلافَ بَيْنِنا وبَيْنَكم وبَيْنَ سائِرِ الأُمَّةِ أنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ دُونَ السَّماءِ بِذاتِهِ، فَوَجَبَ حَمْلُ هَذِهِ الآياتِ عَلى المَعْنى الصَّحِيحِ المُجْتَمَعِ عَلَيْهِ وذَلِكَ أنَّهُ في السَّماءِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ السَّماءِ وفي الأرْضِ إلَهٌ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ، وكَذا قالَ أهْلُ العِلْمِ بِالتَّفْسِيرِ وظاهِرُ التَّنْزِيلِ يَشْهَدُ أنَّهُ عَلى العَرْشِ فالِاخْتِلافُ في ذَلِكَ ساقِطٌ وأسْعَدُ النّاسِ بِهِ مَن ساعَدَهُ الظّاهِرُ، وأمّا قَوْلُهُ في الآيَةِ الأُخْرى: ﴿وَفِي الأرْضِ إلَهٌ﴾ [الزخرف: ٨٤] فالإجْماعُ والِاتِّفاقُ قَدْ بَيَّنَ أنَّ المُرادَ أنَّهُ مَعْبُودٌ مِن أهْلِ الأرْضِ فَتَدَبَّرْ هَذا فَإنَّهُ قاطِعٌ.
وَمِنَ الحُجَّةِ أيْضًا في أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ فَوْقَ السَّماواتِ السَّبْعِ أنَّ المُوَحِّدِينَ أجْمَعِينَ مِنَ العَرَبِ والعَجَمِ إذا كَرَبَهم أمْرٌ، أوْ نَزَلَتْ بِهِمْ شِدَّةٌ رَفَعُوا وُجُوهَهم إلى السَّماءِ ونَصَبُوا أيْدِيَهم رافِعِينَ مُشِيرِينَ بِها إلى السَّماءِ يَسْتَغِيثُونَ اللَّهَ رَبَّهم تَبارَكَ وتَعالى وهَذا أشْهَرُ وأعْرَفُ عِنْدَ الخاصَّةِ والعامَّةِ مِن أنْ يُحْتاجَ فِيهِ إلى " أكْثَرَ مِن " حِكايَتِهِ لِأنَّهُ اضْطِرارٌ لَمْ يُوقِعْهم عَلَيْهِ أحَدٌ ولا أنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ مُسْلِمٌ، وقَدْ «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلْأمَةِ الَّتِي أرادَ مَوْلاها عِتْقَها إنْ كانَتْ مُؤْمِنَةً فاخْتَبَرَها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنْ قالَ لَها أيْنَ اللَّهُ؟ فَأشارَتْ إلى السَّماءِ ثُمَّ قالَ لَها مَن أنا؟ قالَتْ: " أنْتَ " رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» فاكْتَفى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنها بِرَفْعِها رَأسَها إلى السَّماءِ واسْتَغْنى بِذَلِكَ عَمّا سِواهُ قالَ وأمّا احْتِجاجُهم بِقَوْلِهِ تَعالى: (ما ﴿يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] فَلا حُجَّةَ لَهم في ظاهِرِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ عُلَماءَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ الَّذِينَ حُمِلَ عَنْهُمُ التَّأْوِيلُ في القُرْآنِ قالُوا في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ: هو عَلى العَرْشِ وعِلْمُهُ في كُلِّ مَكانٍ وما خالَفَهم في ذَلِكَ أحَدٌ يُحْتَجُّ بِقَوْلِهِ، وذَكَرَ سُنَيْدٌ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما يَكُونُ مِن نَجْوى ثَلاثَةٍ إلّا هو رابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: ٧] قالَ هو عَلى عَرْشِهِ، وعِلْمُهُ مَعَهم أيْنَما كانُوا. قالَ: وبَلَغَنِي عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ مِثْلُهُ
قالَ سُنَيْدٌ وحَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اللَّهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم. ثُمَّ ساقَ مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ هارُونَ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عاصِمِ ابْنِ بَهْدَلَةَ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الأُخْرى مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، والعَرْشُ عَلى الماءِ واللَّهُ عَلى العَرْشِ، ويَعْلَمُ أعْمالَكم وذَكَرَ هَذا الكَلامَ أوْ قَرِيبًا مِنهُ في كِتابِ الِاسْتِذْكارِ.
[قَوْلُ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسى المالِكِيِّ المَشْهُورِ بِابْنِ أبِي زَمَنِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى]
قالَ في كِتابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ في أُصُولِ السُّنَّةِ: بابُ الإيمانِ بِالعَرْشِ قالَ: ومِن قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ العَرْشَ واخْتَصَّهُ بِالعُلُوِّ والِارْتِفاعِ فَوْقَ جَمِيعِ ما خَلَقَ ثُمَّ اسْتَوى عَلَيْهِ كَيْفَ شاءَ كَما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلى العَرْشِ اسْتَوى﴾ [طه: ٥] وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوى عَلى العَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ في الأرْضِ وما يَخْرُجُ مِنها وما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وما يَعْرُجُ فِيها﴾ [الحديد: ٤] وذَكَرَ حَدِيثَ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قالَ: قُلْتُ «يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ؟ قالَ كانَ في عَماءٍ ما فَوْقَهُ هَواءٌ وما تَحْتَهُ هَواءٌ ثُمَّ خَلَقَ عَرْشَهُ عَلى الماءِ»: ثُمَّ ذَكَرَ الآثارَ في ذَلِكَ إلى أنْ قالَ: بابُ الإيمانِ بِالحُجُبِ قالَ: ومِن قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى بائِنٌ مِن خَلْقِهِ مُحْتَجِبٌ عَنْهم بِالحُجُبِ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِن أفْواهِهِمْ إنْ يَقُولُونَ إلّا كَذِبًا﴾ [الكهف: ٥] إلى أنْ قالَ: بابُ الإيمانِ بِالنُّزُولِ، قالَ: ومِن قَوْلِ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا وذَكَرَ حَدِيثَ النُّزُولِ، ثُمَّ قالَ: وهَذا الحَدِيثُ يُبَيِّنُ أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلى عَرْشِهِ في السَّماءِ دُونَ الأرْضِ وهو أيْضًا بَيِّنٌ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى وتَقَدَّسَ وفي غَيْرِ ما حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ﴾ [السجدة: ٥] ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥] وساقَ الآياتِ في العُلُوِّ وذَكَرَ مِن طَرِيقِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْجارِيَةِ أيْنَ اللَّهُ؟ ثُمَّ قالَ: والأحادِيثُ مِثْلُ هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا.
[ذِكْرُ قَوْلِ الإمامِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى وقَدَّسَ رُوحَهُ ونَوَّرَ ضَرِيحَهُ]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences