Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:56, continued
وَمَعْلُوم أن الرب سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُشبههُ شَيْء مِنها وهَذا الباطِل قد التَزمهُ غلاة المعطلة وكلما أوغل النّافِي في نَفْيه كانَ قَوْله أشد تناقضا وأظْهر بطلانا ولا يسلم على محك العقل الصَّحِيح الَّذِي لا يكذب إلّا ما جاءَت بِهِ الرُّسُل صلوات الله وسَلامه عَلَيْهِم كَما قالَ تَعالى ﴿سُبْحانَ اللَّهِ عَمّا يَصِفُونَ إلا عِبادَ اللَّهِ المُخْلَصِينَ﴾ [الصافات: ١٥٩]
فنزه سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يصفه بِهِ كل أحد إلّا المخلصين من عباده وهم الرُّسُل ومن تَبِعَهم كَما قالَ في الآيَة الأُخْرى ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ وسَلامٌ عَلى المُرْسَلِينَ والحَمْدُ لله رب العالمين﴾ [الصافات: ١٨٠-١٨٢]
فنزه نَفسه عَمّا يصفه بِهِ الواصفون وسلم على المُرْسلين لِسَلامَةِ ما وصفوه بِهِ من كل نقص وعيب وحمد نَفسه إذْ هو المَوْصُوف بِصِفات الكَمال الَّتِي يسْتَحق لأجلها الحَمد ومنزه عَن كل نقص يُنافِي كَمال حَمده.
(فَصْلٌ: في ذكر المَسْألَة المَشْهُورَة بَين النّاس وبَيان ما فِيها)
وَهِي أن النَّبِي ﷺ أفضل من إبْراهِيم فَكيف طلب لَهُ من الصَّلاة ما لإبْراهِيم مَعَ أن المُشبه بِهِ أصله أن يكون فَوق المُشبه فَكيف الجمع بَين هذَيْن الأمريْنِ المتنافيين
وَنحن نذْكر ما قالَه النّاس في هَذا وما فِيهِ من صَحِيح وفاسد
فَقالَت طائِفَة هَذِه الصَّلاة علمها النَّبِي ﷺ أمته قبل أن يعرف أنه سيد ولد آدم ولَو سكت قائِل هَذا لَكانَ أولى بِهِ وخيرا لَهُ فَإن هَذِه هي الصَّلاة الَّتِي علمهمْ النَّبِي ﷺ إيّاها لما سَألُوهُ عَن تَفْسِير ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَته يصلونَ على النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]
فعلمهم هَذِه الصَّلاة وجعلها مَشْرُوعَة في صلوات الأمة إلى يَوْم القِيامَة والنَّبِيّ ﷺ لم يزل أفضل ولد آدم قبل أن يعلم بذلك وبعده وبعد أن علم بذلك لم يُغير نظم الصَّلاة الَّتِي علمها أمته ولا أبدلها بغَيْرها ولا روى عَنهُ أحد خلافها فَهَذا من أفسد جَواب يكون
وَقالَت طائِفَة أُخْرى هَذا السُّؤال والطلب شرع ليتخذه الله خَلِيلًا كَما اتخذ إبْراهِيم خَلِيلًا وقد أجابه الله إلى ذَلِك كَما ثَبت عَنهُ في الصَّحِيح ألا وإن صاحبكُم خَلِيل الرَّحْمَن يَعْنِي نَفسه وهَذا الجَواب من جنس ما قبله فَإن مضمونه أنه بعد أن اتَّخذهُ الله خَلِيلًا لا تشرع الصَّلاة عَلَيْهِ على هَذا الوَجْه وهَذا من أبطل الباطِل
وَقالَت طائِفَة أُخْرى إنَّما هَذا التَّشْبِيه راجع إلى المُصَلِّي فِيما يحصل لَهُ من ثَواب الصَّلاة عَلَيْهِ فَطلب من ربه ثَوابًا وهو أن يُصَلِّي عَلَيْهِ كَما صلى على آل إبْراهِيم لا بِالنِّسْبَةِ إلى النَّبِي ﷺ فَإن المَطْلُوب لرَسُول الله ﷺ من الصَّلاة أجل وأعظم مِمّا هو حاصِل لغيره من العالمين
وَهَذا من جنس ما قبله وافسد فَإن التَّشْبِيه لَيْسَ فِيما يحصل للْمُصَلِّي بل فِيما يحصل للمصلى عَلَيْهِ وهو النَّبِي ﷺ فَمن قالَ إن المَعْنى اللَّهُمَّ أعْطِنِي من ثَواب صَلاتي عَلَيْهِ كَما صليت على آل إبْراهِيم فقد حرف الكَلم وأبطل في كَلامه
وَلَوْلا أن هَذِه الوُجُوه وأمثالها قد ذكرها بعض الشَّرْح وسودوا بها الطروس وأوهموا النّاس أن فِيها تَحْقِيقا لَكانَ الإضراب عَنْها صفحًا أولى من ذكرها فَإن العالم يستحي من التَّكَلُّم على هَذا والاشتغال برده
وَقالَت طائِفَة أُخْرى التَّشْبِيه عائِد إلى الآل فَقَط وتمّ الكَلام عند قَوْله اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد ثمَّ قالَ وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم فالصَّلاة المَطْلُوبَة لآل مُحَمَّد هي المشبهة بِالصَّلاةِ الحاصِلَة لآل إبْراهِيم وهَذا نَقله العمراني عَن الشّافِعِي رَحمَه الله وهو باطِل عَلَيْهِ قطعا فَإن الشّافِعِي أجل من أن يَقُول مثل هَذا ولا يَلِيق هَذا بِعِلْمِهِ وفصاحته فَإن هَذا في غايَة الركاكة والضعف
وَقد تقدم في كثير من أحادِيث الباب اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم وقد تقدّمت الأحادِيث بذلك
وَأيْضًا فَإنَّهُ لا يَصح من جِهَة العَرَبيَّة فَإن العامِل إذا ذكر معموله وعطف عَلَيْهِ غَيره ثمَّ قيد بظرف أو جار ومجرور أو مصدر أو صفة مصدر كانَ ذَلِك راجعا إلى المَعْمُول وما عطف عَلَيْهِ هَذا الَّذِي لا تحْتَمل العَرَبيَّة غَيره فَإذا قلت جاءَنِي زيد وعَمْرو يَوْم الجُمُعَة كانَ الظّرْف مُقَيّدا لمجيئهما لا لمجيء عَمْرو وحده وكَذَلِكَ إذا قلت ضربت زيدا وعمرًا ضربا مؤلمًا أو أمام الأمِير أو سلم عَليّ زيد وعَمْرو يَوْم الجُمُعَة ونَحْوه
فَإن قلت هَذا مُتَوَجّه إذا لم يعد العامِل فَأما إذا أُعِيد العامِل حسن ذَلِك تَقول سلم على زيد وعَلى عَمْرو إذا لَقيته لم يمْتَنع أن يخْتَص ذَلِك بِعَمْرو وهنا قد أُعِيد العامِل في قَوْله وعَلى آل مُحَمَّد
قيل هَذا المِثال لَيْسَ بمطابق لمسألة الصَّلاة وإنَّما المطابق أن تَقول سلم على زيد وعَلى عَمْرو كَما تسلم على المُؤمنِينَ ونَحْو ذَلِك وحِينَئِذٍ فادعاء أن التَّشْبِيه لسلامه على عَمْرو وحده دون زيد دَعْوى باطِلَة وقالَت طائِفَة أُخْرى لا يلْزم أن يكون المُشبه بِهِ أعلى من المُشبه بل يجوز أن يَكُونا متماثلين وأن يكون المُشبه أعلى من المُشبه بِهِ
قالَ هَؤُلاءِ والنَّبِيّ ﷺ أفضل من إبْراهِيم عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام من وُجُوه غير الصَّلاة وإن كانا متساويين في الصَّلاة قالُوا والدَّلِيل على أن المُشبه قد يكون أفضل من المُشبه بِهِ قَول الشّاعِر
؎(بنونا بَنو أبْنائِنا وبناتنا ∗∗∗ بنوهن أبناء الرِّجال الأباعد)
وَهَذا القَوْل أيْضا ضَعِيف من وُجُوه
أحدها أن هَذا خلاف المَعْلُوم من قاعِدَة تَشْبِيه الشَّيْء بالشَّيْء فَإن العَرَب لا تشبه الشَّيْء إلّا بِما هو فَوْقه
الثّانِي أن الصَّلاة من الله تَعالى من أجل المَراتِب وأعلاها ومُحَمّد ﷺ أفضل الخلق فَلا بُد أن تكون الصَّلاة الحاصِلَة لَهُ أفضل من كل صَلاة تحصل لكل مَخْلُوق فَلا يكون غَيره مُساوِيا لَهُ فِيها
الثّالِث أن الله سُبْحانَهُ أمر فِيها بعد أن أخبر أنه ومَلائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ وأمر بِالصَّلاةِ والسَّلام عَلَيْهِ وأكده بِالتَّسْلِيمِ وهَذا الخَبَر والأمر لم يثبتهما في القُرْآن لغيره من المخلوقين
الرّابِع أن النَّبِي ﷺ قالَ إن الله ومَلائِكَته يصلونَ على معلم النّاس الخَيْر وهَذا لِأن بتعليمهم الخَيْر قد أنقذوهم من شَرّ الدُّنْيا والآخِرَة وتسببوا بذلك إلى فلاحهم وسعادتهم وذَلِكَ سَبَب دُخُولهمْ في جملَة المُؤمنِينَ الَّذين يُصَلِّي عَلَيْهِم الله ومَلائِكَته فَلَمّا تسبب معلمو الخَيْر إلى صَلاة الله ومَلائِكَته على من يعلم مِنهُم صلى الله عَلَيْهِم ومَلائِكَته ومن المَعْلُوم أنه لا أحد من معلمي الخَيْر أفضل ولا أكثر تَعْلِيما من النَّبِي ﷺ ولا أنصح لأمته ولا أصْبِر على تَعْلِيمه مِنهُ ولِهَذا نالَ أمته من تَعْلِيمه لَهُم ما لم تنله أمة من الأُمَم سواهُم وحصل للْأمة من تعليمهم من العُلُوم النافعة والأعمال الصّالِحَة ما صارَت بِهِ خير امة اخرجت للْعالمين فَكيف تكون الصَّلاة على هَذا الرَّسُول المعلم للخير مُساوِيَة للصَّلاة على من لم يماثله في هَذا التَّعْلِيم
وَأما استشهادهم بقول الشّاعِر على جَواز كَون المُشبه بِهِ أفضل من المُشبه فَلا يدل على ذَلِك لان قَوْله بنونا بَنو أبْنائِنا إمّا إن يكون المُبْتَدَأ فِيهِ مُؤَخرا والخَبَر مقدما ويكون قد شبه بني أبنائه ببنيه وجاز تَقْدِيم الخَبَر هُنا لظُهُور المَعْنى وعدم وُقُوع اللّبْس وعَلى هَذا فَهو جار على أصل التَّشْبِيه وإمّا أن يكون من باب عكس التَّشْبِيه كَما يشبه القَمَر بِالوَجْهِ الكامِل في حسنه ويُشبه الأسد بالكامل في شجاعته والبَحْر بالكامل في جوده تَنْزِيلا لهَذا الرجل منزلَة الفَرْع المُشبه وهَذا يجوز إذا تضمن عكس التَّشْبِيه مثل هَذا المَعْنى وعَلى هَذا فَيكون هَذا الشّاعِر قد نزل بني ابنائه منزلَة بنيه وأنَّهم فَوْقهم عِنْده ثمَّ شبه بنيه بهم وهَذا قَول طائِفَة من أهل المعانِي والَّذِي عِنْدِي فِيهِ أن الشّاعِر لم يرد ذَلِك وإنَّما أرادَ التَّفْرِيق بَين بني بنيه وبني بَناته فَأخْبر أن بني بَناته تبع لِآبائِهِمْ لَيْسُوا بأبناء لنا وإنَّما أبْناؤُنا بَنو ابنائنا لا بنوا بناتنا فَلم يرد تَشْبِيه بني بنيه ببنيه ولا عَكسه وإنَّما أرادَ ما ذكرنا من المَعْنى وهَذا ظاهر
وَقالَت طائِفَة أُخْرى إن النَّبِي ﷺ لَهُ من الصَّلاة الخاصَّة بِهِ الَّتِي لا يساويها صَلاة ما لم يشركهُ فِيها أحد والمسؤول لَهُ إنَّما هو صَلاة زائِدَة على ما أعْطِيه مُضافا إلَيْهِ ويكون ذَلِك الزّائِد مشبهًا بِالصَّلاةِ على إبْراهِيم ولَيْسَ بمستنكر أن يسْأل للفاضل فَضِيلَة أعطيها المَفْضُول مُنْضَمًّا إلى ما اخْتصَّ بِهِ هو من الفضل الَّذِي لم يحصل لغيره
قالُوا ومِثال ذَلِك أن يُعْطي السُّلْطان رجلا مالا عَظِيما ويُعْطِي غَيره دون ذَلِك المال فَيسْأل السُّلْطان أن يُعْطي صاحب المال الكثير مثل ما أعْطى من هو دونه لينضم ذَلِك إلى ما أعْطِيه فَيحصل لَهُ من مَجْمُوع العطاءين أكثر مِمّا يحصل من الكثير وحده
وَهَذا أيْضا ضَعِيف لِأن الله تَعالى أخبر أنه ومَلائِكَته يصلونَ عَلَيْهِ ثمَّ أمر بِالصَّلاةِ عَلَيْهِ ولا ريب أن المَطْلُوب من الله هو نَظِير الصَّلاة المخبر بها لا ما هو دونها وهو أكمل الصَّلاة عَلَيْهِ وأرجحها لا الصَّلاة المرجوحة المفضولة
وعَلى قَول هَؤُلاءِ إنَّما يكون الطّلب لصَلاة مرجوحة لا راجحة وإنَّما تصير راجحة بانضمامها إلى صَلاة لم تطلب ولا ريب في فَساد ذَلِك فَإن الصَّلاة الَّتِي تطلبها الأمة لَهُ من ربه هي أجل صَلاة وأفضلها وقالَت طائِفَة أُخْرى التَّشْبِيه المَذْكُور إنَّما هو في أصل الصَّلاة لا في قدرها ولا في كيفيتها فالمسؤول إنَّما هو راجع إلى الهَيْئَة لا إلى قدر المَوْهُوب وهَذا كَما تَقول للرجل أحسن إلى ابْنك كَما أحْسَنت إلى فلان وأنت لا تُرِيدُ بذلك قدر الإحْسان وإنَّما تُرِيدُ بِهِ أصل الإحْسان وقد يحْتَج لذَلِك بقوله تَعالى ﴿وَأحْسِنْ كَما أحسن الله إلَيْك﴾ [القصص: ٧٧]
وَلا ريب أنه لا يقدر أحد أن يحسن بِقدر ما أحسن الله إلَيْهِ وإنَّما أُرِيد بِهِ أصل الإحْسان لا قدره ومِنها قَوْله تَعالى ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]
وَهَذا التَّشْبِيه في أصل الوَحْي لا في قدره وفضل الموحى بِهِ
وَقَوله تَعالى ﴿فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الأوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: ٥]
إنَّما مُرادهم جنس الآيَة لا نظيرها
وَقَوله تَعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ليَستَخْلِفنهم في الأرْض كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ [النور: ٥٥]
وَمَعْلُوم أن كَيْفيَّة الِاسْتِخْلاف مُخْتَلفَة وأن ما لهَذِهِ الأمة أكمل مِمّا لغَيرهم
وَقالَ تَعالى ﴿يا أيها الَّذين آمنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣]
والتشبيه إنَّما هو في أصل الصَّوْم لا في عينة وقدره وكيفيته
وَقالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تعودُونَ﴾ [الاعراف: ٢٩]
وَمَعْلُوم تفاوت ما بَين النشأة الأولى وهِي المبدأ والثّانيِة وهِي المعاد وقالَ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥]
وَمَعْلُوم أن التَّشْبِيه في أصل الارسال لا يَقْتَضِي تماثل الرسولين
وَقالَ النَّبِي ﷺ لَو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كَما يرْزق الطير تَغْدُو خماصًا وتَروح بطانًا فالتشبيه هُنا في أصل الرزق لا في قدره ولا كيفيته ونظائر ذَلِك
وَهَذا الجَواب ضَعِيف أيْضا لوجوه
مِنها أن ما ذَكرُوهُ يجوز أن يسْتَعْمل في الأعْلى والأدنى والمساوي فَلَو قلت أحسن إلى أبِيك وأهْلك كَما أحْسَنت إلى مركوبك وخادمك ونَحْوه جازَ ذَلِك ومن المَعْلُوم أنه لَو كانَ التَّشْبِيه في أصل الصَّلاة لحسن أن تَقول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل أبي أوفى أو كَما صليت على أحاد المُؤمنِينَ ونَحْوه أو كَما صليت على آدم ونوح وهود ولُوط فَإن التَّشْبِيه عند هَؤُلاءِ إنَّما هو واقع في أصل الصَّلاة لا في قدرها ولا صفتها
وَلا فرق في ذَلِك بَين كل من صلى عَلَيْهِ وأي ميزة وفضيلة في ذَلِك لإبْراهِيم وآله ﷺ وما الفائِدَة حِينَئِذٍ في ذكره وذكر آله وكانَ الكافِي في ذَلِك أن تَقول اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد فَقَط الثّانِي أن ما ذَكرُوهُ من الأمْثِلَة لَيْسَ بنظير الصَّلاة على النَّبِي ﷺ فَإن هَذِه الأمْثِلَة نَوْعانِ خبر وطلب فَما كانَ مِنها خَبرا فالمقصود بالتشبيه بِهِ الِاسْتِدْلال والتقريب إلى الفَهم وتَقْرِير ذَلِك الخَبَر وأنه مِمّا لا يَنْبَغِي لعاقل إنْكاره كنظير المُشبه بِهِ فَكيف تنكرون الإعادَة وقد وقع الِاعْتِراف بالبداءة وهِي نظيرها وحكم النظير ولِهَذا يحْتَج سُبْحانَهُ بالمبدأ على المعاد كثيرا
قالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأكم تَعُودُونَ﴾ [الأعراف: ٢٩]
وَقالَ تَعالى ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نعيده﴾ [الأنبياء: ١٠٤]
وَقالَ تَعالى ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا ونَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَن يُحْيِي العِظامَ وهي رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيها الَّذِي أنْشَأها أوَّلَ مَرَّةٍ وهو بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٨-٧٩]
وَهَذا كثير في القُرْآن
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْنا إلَيْكم رَسُولًا شاهِدًا عَلَيْكم كَما أرْسَلْنا إلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا﴾ [المزمل: ١٥]
أي كَيفَ يَقع الإنْكار مِنكُم وقد تقدم قبلكم رسل مني مبشرين ومنذرين وقد علمْتُم حال من عصى رُسُلِي كَيفَ أخذتهم أخذا وبيلًا
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعالى ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنبيين﴾ [الآية النساء: ١٦٣]
أي لست أول رَسُول طرق العالم بل قد تقدّمت قبلك رسل أوحيت إلَيْهِم كَما أوحيت إلَيْك كَما قالَ تَعالى ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُل﴾ [الأحقاف: ٩]
فَهَذا رد وإنكار على من أنكر رِسالَة النَّبِي ﷺ مَعَ مَجِيئه بِمثل ما جاءَت بِهِ الرُّسُل قبله من الآيات بل أعظم مِنها فَكيف تنكر رسالَته ولَيْسَت من الأُمُور الَّتِي تطرق العالم بل لم تخل الأرْض من الرُّسُل وآثارهم فرسولكم جاءَ على منهاج من تقدمه من الرُّسُل في الرسالَة لم يكن بدعا
وَكَذَلِكَ قَوْله تَعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْض كَما اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قبلهم﴾ [النور: ٥٥]
إخْبار عَن عادَته سُبْحانَهُ في خلقَة وحكمته الَّتِي لا تَبْدِيل لَها أن من آمن وعمل صالحا مكن لَهُ في الأرْض واستخلفه فِيها ولم يهلكه ويقطع دابره كَما أهلك من كذب رسله وخالفهُم وقطع دابره فَأخْبرهُم سُبْحانَهُ عَن حكمته ومعاملته لمن آمن برسله وصدقهمْ وأنه يفعل بهم كَما فعل بِمن قبلهم من أتباع الرُّسُل وهَكَذا قَول النَّبِي ﷺ لَو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كَما يرْزق الطير إخْبار بِأنَّهُ سُبْحانَهُ يرْزق المتوكلين عَلَيْهِ من حَيْثُ لا يحتسبون وأنه لا يخليهم من رزق قطّ كَما ترَوْنَ ذَلِك في الطير فَإنَّها تَغْدُو من أوكارها خماصًا فيرزقها سُبْحانَهُ حَتّى ترجع بطانًا من رزقه وأنْتُم أكْرم على الله من الطير وسائِر الحَيَوانات فَلَو توكلتم عَلَيْهِ لرزقكم من حَيْثُ لا تحتسبون ولم يمْنَع أحدا مِنكُم رزقه هَذا من قبيل الإخْبار
واما في قسم الطّلب والأمر فالمقصود مِنهُ التَّنْبِيه على العلَّة وأن الجَزاء من جنس العَمَل فَإذا قلت علم كَما علمك الله ﴿وَأحسن كَما أحسن الله إلَيْك﴾ [القصص: ٧٧]
واعف كَما عَفا الله عَنْك ونَحْوه كانَ في ذَلِك تنيبه للْمَأْمُور على شكر النِّعْمَة الَّتِي أنعم الله بها عَلَيْهِ وأنه حقيق أن يقابلها بِمِثْلِها ويقيدها بشكرها فَإن جَزاء تِلْكَ النِّعْمَة من جِنْسها ومَعْلُوم أنه يمْتَنع خطاب الرب سُبْحانَهُ بِشَيْء من ذَلِك ولا يحسن في حَقه فَيصير ذكر التَّشْبِيه لَغوا لا فائِدَة فِيهِ وهَذا غير جائِز
الثّالِث أن قَوْله كَما صليت على آل إبْراهِيم صفة لمصدر مَحْذُوف وتَقْدِيره صَلاة مثل صَلاتك على آل إبْراهِيم وهَذا الكَلام حَقِيقَته أن تكون الصَّلاة مماثلة للصَّلاة المشبهة بها فَلا يعدل عَن حَقِيقَة الكَلام ووَجهه
وَقالَت طائِفَة أُخْرى أن هَذا التَّشْبِيه حاصِل بِالنِّسْبَةِ إلى كل صَلاة من صلوات المُصَلِّين فَكل مصل صلي على النَّبِي ﷺ بِهَذِهِ الصَّلاة فقد طلب من الله أن يُصَلِّي على رَسُوله ﷺ صَلاة مثل الصَّلاة الحاصِلَة لآل إبْراهِيم ولا ريب أنه إذا حصل لَهُ من كل مصل طلب من الله لَهُ صَلاة مثل صلاته على آل إبْراهِيم حصل لَهُ من ذَلِك أضْعاف مضاعفة من الصَّلاة لا تعد ولا تحصى ولم يُقارِبه فِيها أحد فضلا عَن أن يُساوِيه أو يفضله ﷺ
وَنَظِير هَذا أن يُعْطي ملك لرجل ألف دِرْهَم فيسأله كل واحِد من رَعيته أن يعْطى لرجل آخر أفضل مِنهُ نَظِير تِلْكَ الألف فَكل واحِد قد سَألَهُ أن يُعْطِيهِ ألفا فَيحصل لَهُ من الألوف بِعَدَد كل سائل
وَأورد أصْحاب هَذا القَوْل على أنفسهم سؤالًا وهو أن التَّشْبِيه حاصِل بِالنِّسْبَةِ إلى أصل هَذِه الصَّلاة المَطْلُوبَة وكل فَرد من أفرادها فالإشكال وارِد كَما هُوَ
وَتَقْرِيره أن العَطِيَّة الَّتِي يعطاها الفاضِل لا بُد أن تكون أفضل من العَطِيَّة الَّتِي يعطاها المَفْضُول فَإذا سُئِلَ لَهُ عَطِيَّة دون ما يسْتَحقّهُ لم يكن ذَلِك لائقًا بمنصبه
وَأجابُوا عَنهُ بِأن هَذا الاشكال إنَّما يرد إذا لم يكن الأمر للتكرار فَأما إذا كانَ الأمر للتكرار فالمطلوب من الأمة أن يسْألُوا الله لَهُ صَلاة بعد صَلاة كل مِنها نَظِير ما حصل لابراهيم عَلَيْهِ الصَّلاة والسَّلام فَيحصل لَهُ من الصَّلَوات ما لا يُحْصى مِقْداره بِالنِّسْبَةِ إلى الصَّلاة الحاصِلَة لإبْراهِيم عَلَيْهِ السَّلام
وَهَذا أيْضا ضَعِيف فَإن التَّشْبِيه هُنا إنَّما هو واقع في صَلاة الله عَلَيْهِ لا في معنى صَلاة المُصَلِّي ومعنى هَذا الدُّعاء اللَّهُمَّ أعْطه نَظِير ما أعْطَيْت إبْراهِيم فالمسؤول لَهُ صَلاة مُساوِيَة للصَّلاة على إبْراهِيم وكلما تكَرر هَذا السُّؤال كانَ هَذا مَعْناهُ فَيكون كل مصل قد سَألَ الله أن يُصَلِّي عَلَيْهِ صَلاة دون الَّتِي يَسْتَحِقها وهَذا السُّؤال والأمر بِهِ متكرر فَهَل هَذا إلّا تَقْوِيَة لجانب الإشْكال
ثمَّ إن التَّشْبِيه واقع في أصل الصَّلاة وأفرادها ولا يُغني جوابكم عَنهُ بقضية التّكْرار شَيْئا فَإن التّكْرار لا يَجْعَل جانب المُشبه بِهِ أقوى من جانب المُشبه كَما هو مُقْتَضى التَّشْبِيه فَلَو كانَ التّكْرار يَجعله كَذَلِك لَكانَ الِاعْتِذار بِهِ نافِعًا بل التّكْرار يقتضى زِيادَة تَفْضِيل المُشبه وقوته فَكيف يشبه حِينَئِذٍ بِما هو دونه فَظهر ضعف هَذا الجَواب
وَقالَت طائِفَة أُخْرى آل إبْراهِيم فيهم الأنْبِياء الَّذين لَيْسَ في آل مُحَمَّد مثلهم فَإذا طلب للنَّبِي ﷺ ولآله من الصَّلاة مثل ما لإبْراهِيم وآله وفِيهِمْ الأنْبِياء حصل لآل النَّبِي ﷺ من ذَلِك ما يَلِيق بهم فَإنَّهُم لا يبلغون مَراتِب الأنْبِياء وتبقى الزِّيادَة الَّتِي للأنبياء وفِيهِمْ إبْراهِيم لمُحَمد ﷺ فَيحصل لَهُ بذلك من المزية ما لم يحصل لغيره
وَتَقْرِير ذَلِك أن يَجْعَل الصَّلاة الحاصِلَة لإبْراهِيم ولآله وفِيهِمْ الأنْبِياء جملَة مقسومة على مُحَمَّد ﷺ وآله ولا ريب أنه لا يحصل لآل النَّبِي ﷺ مثل ما حصل لآل إبْراهِيم وفِيهِمْ الأنْبِياء بل يحصل لَهُم ما يَلِيق بهم فَيبقى قسم النَّبِي ﷺ والزِّيادَة المتوفرة الَّتِي لم يَسْتَحِقها آله مُخْتَصَّة بِهِ ﷺ فَيصير الحاصِل لَهُ من مَجْمُوع ذَلِك أعظم وأفضل من الحاصِل لإبْراهِيم وهَذا أحسن من كل ما تقدمه
وَأحسن مِنهُ أن يُقال مُحَمَّد ﷺ هو من آل إبْراهِيم بل هو خير آل إبْراهِيم كَما روى عَليّ بن أبي طَلْحَة عَن أبي طَلْحَة عَن ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما في قَوْله تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ ونُوحًا وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ عَلى العالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٣٣]
قالَ ابْن عَبّاس رَضِي الله عَنْهُما مُحَمَّد من آل إبْراهِيم وهَذا نَص فَإنَّهُ إذا دخل غَيره من الأنْبِياء الَّذين هم من ذُرِّيَّة إبْراهِيم في آله فدخول رَسُول الله ﷺ أولى فَيكون قَوْلنا كَما صليت على آل إبْراهِيم متناولًا للصَّلاة عَلَيْهِ وعَلى سائِر النَّبِيين من ذُرِّيَّة إبْراهِيم
ثمَّ قد أمرنا الله أن نصلي عَلَيْهِ وعَلى آله خُصُوصا بِقدر ما صلينا عَلَيْهِ مَعَ سائِر آل إبْراهِيم عُمُوما وهو فيهم ويحصل لآله من ذَلِك ما يَلِيق بهم ويبقى الباقِي كُله لَهُ ﷺ وتَقْرِير هَذا أنه يكون قد صلى عَلَيْهِ خُصُوصا وطلب لَهُ من الصَّلاة ما لآل إبْراهِيم وهو داخل مَعَهم ولا ريب أن الصَّلاة الحاصِلَة لآل إبْراهِيم ورَسُول الله ﷺ مَعَهم أكمل من الصَّلاة الحاصِلَة لَهُ دونهم فيطلب لَهُ من الصَّلاة هَذا الأمر العَظِيم الَّذِي هو أفضل مِمّا لإبْراهِيم قطعا وتظهر حِينَئِذٍ فائِدَة التَّشْبِيه وجريه على أصله وأن المَطْلُوب لَهُ من الصَّلاة بِهَذا اللَّفْظ أعظم من المَطْلُوب لَهُ بِغَيْرِهِ فَإنَّهُ إذا كانَ المَطْلُوب بِالدُّعاءِ إنَّما هو مثل المُشبه بِهِ وله أوفر نصيب مِنهُ صار لَهُ من المُشبه المَطْلُوب أكثر مِمّا لإبْراهِيم وغَيره وانضاف إلى ذَلِك مِمّا لَهُ من المُشبه بِهِ من الحصَّة الَّتِي لم تحصل لغيره
فَظهر بِهَذا من فَضله وشرفه على إبْراهِيم وعَلى كل من آله وفِيهِمْ النَّبِيُّونَ ما هو اللّائِق بِهِ وصارَت هَذِه الصَّلاة دالَّة على هَذا التَّفْضِيل وتابعة لَهُ وهِي من موجباته ومقتضياته ف ﷺ وعَلى آله تَسْلِيمًا كثيرا وجزاه عَنّا أفضل ما جزى نَبيا عَن أمته اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد وبارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما باركت على آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد.
(فَصْلٌ: في ذكر نُكْتَة حَسَنَة في هَذا الحَدِيث المَطْلُوب فِيهِ الصَّلاة عَلَيْهِ وعَلى آله كَما صلى على إبْراهِيم وعَلى آله)
وَهِي أن أكثر الأحادِيث الصِّحاح والحسان بل كلها مصرحة بِذكر النَّبِي ﷺ وبذكر آله وأما في حق المُشبه بِهِ وهو إبْراهِيم وآله فَإنَّما جاءَت بِذكر آل إبْراهِيم فَقَط دون ذكر إبْراهِيم أو بِذكرِهِ فَقَط دون ذكر آله ولم يَجِئ حَدِيث صَحِيح فِيهِ لفظ إبْراهِيم وآل إبْراهِيم كَما تظاهرت على لفظ مُحَمَّد وآل مُحَمَّد
وَنحن نسوق الأحادِيث الوارِدَة في ذَلِك ثمَّ نذْكر ما يسره الله تَعالى في سر ذَلِك
فَنَقُول هَذا الحَدِيث في الصَّحِيح من أرْبَعَة أوجه
أشهرها حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن أبي ليلى قالَ لَقِيَنِي كَعْب بن عجْرَة فَقالَ ألا أهدي لَك هَدِيَّة خرج علينا رَسُول الله ﷺ فَقُلْنا قد عرفنا كَيفَ نسلم عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك قالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ بارك وفي لفظ وبارك على مُحَمَّد كَما باركت على آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد رَواهُ البُخارِيّ ومُسلم وابو داوُد والتِّرْمِذِيّ والنَّسائِيّ وابْن ماجَه وأحمد بن حَنْبَل في = المسند =
وَهَذا لَفظهمْ إلّا التِّرْمِذِيّ فَإنَّهُ قالَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على إبْراهِيم فَقَط وكَذا في ذكر البركَة ولم يذكر الآل وهِي رِوايَة لأبي داوُد
وَفِي رِوايَة كَما صليت على آل إبْراهِيم بِذكر الآل فَقَط كَما باركت على إبْراهِيم بِذكرِهِ فَقَط
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث أبي حميد السّاعِدِيّ قالُوا يا رَسُول الله كَيفَ نصلي عَلَيْك قالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى أزواجه وذريته كَما صليت على آل إبْراهِيم وبارك على مُحَمَّد وأزواجه وذريته كَما باركت على آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد هَذا هو اللَّفْظ المَشْهُور
وَقد رُوِيَ فِيهِ كَما صليت على إبْراهِيم وكما باركت على إبْراهِيم بِدُونِ لفظ الآل في المَوْضِعَيْنِ وفي البُخارِيّ عَن أبي سعيد الخُدْرِيّ رَضِي الله عَنهُ قالَ قُلْنا يا رَسُول الله هَذا السَّلام عَلَيْك فَكيف الصَّلاة عَلَيْك قالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد عَبدك ورَسُولك كَما صليت على إبْراهِيم وبارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما باركت على آل إبْراهِيم
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن أبي مَسْعُود الأنْصارِيّ رَضِي الله عَنهُ قالَ أتانا رَسُول الله ﷺ ونحن في مجْلِس سعد بن عبادَة فَقالَ لَهُ بشير بن سعد أمرنا الله أن نصلي عَلَيْك فَكيف نصلي عَلَيْك قالَ فَسكت رَسُول ﷺ حَتّى تمنينا أنه لم يسْأله ثمَّ قالَ رَسُول الله ﷺ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على آل إبْراهِيم وبارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما باركت على آل إبْراهِيم في العالمين إنَّك حميد مجيد والسَّلام كَما قد علمْتُم
وَقد رُوِيَ هَذا الحَدِيث بِلَفْظ آخر كَما صليت على إبْراهِيم وكما باركت على إبْراهِيم لم يذكر الآل فيهما
وَفِي رِوايَة أُخْرى كَما صليت على إبْراهِيم وكما باركت على آل إبْراهِيم بِذكر إبْراهِيم وحده في الأولى والآل فَقَط في الثّانِيَة هَذِه هي الألْفاظ المَشْهُورَة في هَذِه الأحاديث المَشْهُور في أكْثَرها لفظ آل إبْراهِيم في المَوْضِعَيْنِ وفي بَعْضها لفظ إبْراهِيم فيهما وفي بَعْضها لفظ إبْراهِيم في الأول والآل في الثّانِي وفي بَعْضها عَكسه
وَأما الجمع بَين إبْراهِيم وآل إبْراهِيم فَرَواهُ البَيْهَقِيّ في سنَنه من حَدِيث يحيى بن السباق عَن رجل من بني الحارِث عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي ﷺ إذا تشهد أحدكُم في الصَّلاة فَلْيقل اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وبارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد وارْحَمْ مُحَمَّدًا وآل مُحَمَّد كَما صليت وباركت وترحمت على إبْراهِيم وعَلى آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد وهَذا إسْناد ضَعِيف
وَرَواهُ الدّارَقُطْنِيّ من حَدِيث ابْن إسْحاق حَدثنِي مُحَمَّد بن إبْراهِيم بن الحارِث التَّيْمِيّ عَن مُحَمَّد بن عبد الله بن يزِيد بن عبد ربه عَن أبي مَسْعُود الأنْصارِيّ رَضِي الله عَنهُ فَذكر الحَدِيث وفِيه اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد النَّبِي الأُمِّي وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على إبْراهِيم وعَلى آل إبْراهِيم وبارك على مُحَمَّد النَّبِي الأُمِّي وعَلى آل مُحَمَّد كَما باركت على إبْراهِيم وعَلى آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد ثمَّ قالَ هَذا إسْناد حسن مُتَّصِل
وَفِي النَّسائِيّ من حَدِيث مُوسى بن طَلْحَة عَن أبِيه قالَ قُلْنا يا رَسُول الله كَيفَ الصَّلاة عَلَيْك قالَ قُولُوا اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على إبْراهِيم وآل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد وبارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما باركت على إبْراهِيم وآل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد ولَكِن رَواهُ هَكَذا ورَواهُ مُقْتَصرا فِيهِ على ذكر إبْراهِيم في المَوْضِعَيْنِ
وَقد روى ابْن ماجه حَدِيثا آخر مَوْقُوفا على ابْن مَسْعُود فِيهِ إبْراهِيم وآل إبْراهِيم قالَ في السّنَن حَدثنا الحُسَيْن بن بَيان حَدثنا زِياد بن عبد الله حَدثنا المَسْعُودِيّ عَن عون بن عبد الله عَن أبي فاخِتَة عَن الأسود بن يزِيد عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قالَ إذا صليتم على رَسُول الله ﷺ فَأحْسنُوا الصَّلاة عَلَيْهِ فَإنَّكُم لا تَدْرُونَ لَعَلَّ ذَلِك يعرض عَلَيْهِ قالَ فَقالُوا لَهُ فَعلمنا قالَ قُولُوا اللَّهُمَّ أجعَل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المُسلمين وإمام المُتَّقِينَ وخاتم النَّبِيين مُحَمَّد عَبدك ورَسُولك إمام الخَيْر وقائد الخَيْر ورَسُول الرَّحْمَة اللَّهُمَّ ابعثه مقاما مَحْمُودًا يغبطه بِهِ الأولونَ والآخرُونَ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما صليت على إبْراهِيم وآل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد اللَّهُمَّ بارك على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد كَما باركت على إبْراهِيم وعَلى آل إبْراهِيم إنَّك حميد مجيد وهَذا مَوْقُوف
وَعامة الأحادِيث في الصِّحاح والسّنَن كَما ذكرنا أولا بالاقتصار على الآل أو إبْراهِيم في المَوْضِعَيْنِ أو الآل في أحدهما وإبْراهِيم في الآخر وكَذَلِكَ في حَدِيث أبي هُرَيْرَة المُتَقَدّم في أول الكتاب وغَيره من الأحادِيث فَحَيْثُ جاءَ ذكر إبْراهِيم وحده في المَوْضِعَيْنِ فَلِأنَّهُ الأصْل في الصَّلاة المخبر بها وآله تبع لَهُ فِيها فَدلَّ ذكر المَتْبُوع على التّابِع واندرج فِيهِ وأغنى عَن ذكره وحَيْثُ جاءَ ذكر آله فَقَط فَلِأنَّهُ داخل في آله كَما تقدم تَقْرِيره فَيكون ذكر آل إبْراهِيم مغنيًا عَن ذكره وذكر آله بلفظين وحَيْثُ جاءَ في أحدهما ذكره فَقَط وفي الآخر ذكر آله فَقَط كانَ ذَلِك جمعا بَين الأمريْنِ فَيكون قد ذكر المَتْبُوع الَّذِي هو الأصْل وذكر أتْباعه بِلَفْظ يدْخل هو فيهم
يبْقى أن يُقال فَلم جاءَ ذكر مُحَمَّد بالاقتران دون الِاقْتِصار على أحدهما في عامَّة الأحادِيث وجاء الِاقْتِصار على إبْراهِيم وآله في عامتها
وَجَواب ذَلِك أن الصَّلاة على النَّبِي ﷺ وعَلى آله ذكرت في مقام الطّلب والدُّعاء.
وَأما الصَّلاة على إبْراهِيم فَإنَّما جاءَت في مقام الخَبَر وذكر الواقِع لِأن قَوْله ﷺ اللَّهُمَّ صل على مُحَمَّد وعَلى آل مُحَمَّد جملَة طلبية وقَوله كَما صليت على آل إبْراهِيم جملَة خبرية والجُمْلَة الطلبية إذا وقعت موقع الدُّعاء والسُّؤال كانَ بسطها وتطويلها أنسب من اختصارها وحذفها ولِهَذا يشرع تكرارها وإبداؤها وإعادتها فَإنَّها دُعاء والله يحب الملحين في الدُّعاء ولِهَذا تَجِد كثيرا من أدعية النَّبِي ﷺ فِيها من بسط الألْفاظ وذكر كل معنى بِصَرِيح لَفظه دون الِاكْتِفاء بِدلالَة اللَّفْظ الآخر عَلَيْهِ ما يشْهد لذَلِك كَقَوْلِه ﷺ في حَدِيث عَليّ رَضِي الله عَنهُ الَّذِي رَواهُ مُسلم في صَحِيحه اللَّهُمَّ أغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت وما أنْت أعلم بِهِ مني أنْت المُقدم وأنت المُؤخر لا إلَه إلّا أنْت ومَعْلُوم أنه لَو قيل اغْفِر لي كل ما صنعت كانَ أوجز ولَكِن ألْفاظ الحَدِيث في مقام الدُّعاء والتضرع وإظْهار العُبُودِيَّة والافتقار واستحضار الأنْواع الَّتِي يَتُوب العَبْد مِنها تَفْصِيلًا أحسن وأبلغ من الإيجاز والاختصار
وَكَذَلِكَ قَوْله في الحَدِيث الآخر اللَّهُمَّ أغفر لي ذَنبي كُله دقه وجله سره وعلانيته أوله وآخره
وَفِي الحَدِيث اللَّهُمَّ أغفر لي خطيئتي وجهلي وإسرافي في أمْرِي وما أنْت أعلم بِهِ مني اللَّهُمَّ اغْفِر لي جدي وهزلي وخطئي وعمدي وكل ذَلِك عِنْدِي
وَهَذا كثير في الأدْعِيَة المأثورة فَإن الدُّعاء عبودية لله تَعالى وافتقار إلَيْهِ وتذلل بَين يَدَيْهِ فَكلما كثره العَبْد وطوله وأعادَهُ وأبداه ونَوع جمله كانَ ذَلِك أبلغ في عبوديته وإظْهار فقره وتذلله وحاجته وكانَ ذَلِك أقرب لَهُ من ربه وأعظم لثوابه، وهَذا بِخِلاف المَخْلُوق فَإنّك كلما كثرت سُؤاله وكررت حوائجك إلَيْهِ أبرمته وثقلت عَلَيْهِ وهنت عَلَيْهِ وكلما تركت سُؤاله كانَ أعظم عِنْده وأحب إلَيْهِ والله سُبْحانَهُ وتَعالى كلما سَألته كنت أقرب إلَيْهِ وأحب إلَيْهِ وكلما ألححت عَلَيْهِ في الدُّعاء أحبك ومن لم يسْأله يغْضب عَلَيْهِ
؎(فالله يغْضب إن تركت سُؤاله ∗∗∗ وبني آدم حِين يسْأل يغْضب)
فالمطلوب يزِيد بِزِيادَة الطّلب وينْقص بنقصانه
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences