Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
An-Nisa 4:157
4:157Page 103
وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧
And [for] their saying, "Indeed, we have killed the Messiah, Jesus the son of Mary, the messenger of Allāh." And they did not kill him, nor did they crucify him; but [another] was made to resemble him to them. And indeed, those who differ over it are in doubt about it. They have no knowledge of it except the following of assumption. And they did not kill him, for certain.1
قال ابن السراج: "إذا كان الاستثناء منقطعا فلا بد من أن يكون الكلام الذي قبل (إلا) قد دل على ما يستثنى؛ فعلى الأول لا يحتاج إلى تقدير وعلى الثاني فلا بد من تقدير الرد ولنذكر لذلك أمثلة:
المثال الأول: قوله تعالى: ﴿ما لَهم بِهِ مِن عِلْمٍ إلاّ اتِّباعَ الظَّنّ﴾ فمن لم يشترط التقدير أجراه مجرى المفرغ والمعنى ما عندهم أو ما لهم إلا اتباع الظن وليس اتباع الظن متعلقا بالعلم أصلا ومن اشترط التقدير قال المعنى ما لهم من شعور إلا اتباع الظن والظن وإن لم يدخل في العلم تحقيقا فهو داخل فيه تقدير إذ هو مستحضر بذكره وقائم مقامه في كثير من المواضع فكان في اللفظ إشعاره به صح به دخوله وإخراجه وهذا بعد تقريره فيه ما فيه فإن المستثنى هو اتباع الظن لا الظن نفسه فهو غير داخل في المستثنى منه تحقيقا ولا تقديرا فالأحسن فيه عندي أن يكون التقدير ما لهم به من علم فيتبعونه ويلقون به إن يتبعون إلا الظن فليس اتباع الظن مستثنى من العلم وإنما هو مستثنى من المقصود بالعلم والمراد به هو اتباعه فتأمله.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ فَقِيلَ المَعْنى: ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم لِلَّذِينِ صَلَبُوهُ، بِأنْ أُلْقِيَ شَبَهُهُ عَلى غَيْرِهِ فَصَلَبُوا الشَّبَهَ.
وَقِيلَ المَعْنى: ولَكِنْ شُبِّهَ لَهم لِلنَّصارى، أيْ حَصَلَتْ لَهُمُ الشُّبْهَةُ في أمْرِهِ ولَيْسَ لَهم عِلْمٌ بِأنَّهُ ما قُتِلَ ولا صُلِبَ، ولَكِنْ لَمّا قالَ أعْداؤُهُ: إنَّهم قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ واتَّفَقَ رَفْعُهُ مِنَ الأرْضِ وقَعَتِ الشُّبْهَةُ في أمْرِهِمْ وصَدَّقَهُمُ النَّصارى في صَلْبِهِ لِتَتِمَّ الشَّناعَةُ عَلَيْهِمْ.
وَكَيْفَ كانَ، فالمَسِيحُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ، لَمْ يُقْتَلْ ولَمْ يُصْلَبْ يَقِينًا لا شَكَّ فِيهِ، ثُمَّ تَفَرَّقَ الحَوارِيُّونَ في البِلادِ بَعْدَ رَفْعِهِ عَلى دِينِهِ ومِنهاجِهِ يَدْعُونَ الأُمَمَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ ودِينِهِ والإيمانِ بِعَبْدِهِ ورَسُولِهِ ومَسِيحِهِ، فَدَخَلَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ في دِينِهِ ما بَيْنَ ظاهِرٍ ومَسْتُورٍ: ظاهِرٌ مَشْهُورٌ ومُخْتَفٍ مَسْتُورٌ.
وَأعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ في غايَةِ الشِّدَّةِ والأذى لِأصْحابِهِ وأتْباعِهِ.
وَلَقِيَ تَلامِيذُ المَسِيحِ وأتْباعُهُ مِنَ اليَهُودِ ومِنَ الرُّومِ شِدَّةً شَدِيدَةً مِن قَتْلٍ وعَذابٍ وتَشْرِيدٍ وحَبْسٍ وغَيْرِ ذَلِكَ.
(فَصْلٌ نفيس)
وَإنْ كانَ المُعَيِّرُ لِلْمُسْلِمِينَ مِن أُمَّةِ الضَّلالِ وعُبّادِ الصَّلِيبِ والصُّوَرِ المَدْهُونَةِ في الحِيطانِ والسُّقُوفِ فَيُقالُ لَهُ: ألا يَسْتَحِي مَن أصْلُ دِينِهِ الَّذِي يَدِينُ بِهِ ويَعْتَقِدُهُ: أنَّ رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ تَبارَكَ وتَعالى نَزَلَ عَنْ كُرْسِيِّ عَظْمَتِهِ وعَرْشِهِ ودَخَلَ في فَرْجِ امْرَأةٍ تَأْكُلُ وتَشْرَبُ وتَبُولُ وتَتَغَوَّطُ فالتَحَمَ بِبَطْنِها، وأقامَ هُناكَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ يَتَلَبَّطُ بَيْنَ نَجْوٍ وبَوْلٍ ودَمِ طَمْثٍ، ثُمَّ خَرَجَ إلى القِماطِ والسَّرِيرِ كُلَّما بَكى ألْقَمَتْهُ أُمُّهُ ثَدْيَها، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى المَكْتَبِ بَيْنَ الصِّبْيانِ، ثُمَّ آلَ أمْرُهُ إلى لَطْمِ اليَهُودِ خَدَّيْهِ، وصَفْعِهِمْ قَفاهُ، وبَصْقِهِمْ في وجْهِهِ، ووَضْعِهِمْ تاجًا مِنَ الشَّوْكِ عَلى رَأْسِهِ، والقَصَبَةِ في يَدِهِ اسْتِخْفافًا بِهِ وانْتِهاكًا لِحُرْمَتِهِ، ثُمَّ قَرَّبُوهُ مِن مَرْكَبٍ خُصَّ بِالبَلاءِ، فَشَدُّوهُ عَلَيْهِ ورَبَطُوهُ بِالحِبالِ، وسَمَّرُوا يَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ، وهو يَصِيحُ ويَبْكِي ويَسْتَغِيثُ مِن حَرِّ الحَدِيدِ وألَمِ الصَّلِيبِ.
هَذا وهو بِزَعْمِهِمُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وقَسَّمَ الأرْزاقَ والآجالَ، ولَكِنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ ورَحِمْتُهُ أنْ مَكَّنَ أعْداءَهُ مِن نَفْسِهِ لِيَنالُوا مِنهُ ما نالُوا فَيَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ العَذابَ والسِّجْنَ في الجَحِيمِ، ويَفْدِي أنْبِياءَهُ ورُسُلَهُ وأوْلِياءَهُ، فَيُخْرِجُهم مِن سِجْنِ إبْلِيسَ، فَإنَّ رُوحَ آدَمَ وإبْراهِيمَ ونُوحٍ وسائِرِ النَّبِيِّينَ عِنْدَهم كانَتْ في سِجْنِ إبْلِيسَ في النّارِ حَتّى خَلَّصَها مِن سِجْنِهِ بِتَمْكِينِ أعْدائِهِ مِن صَلْبِهِ.
وَأمّا قَوْلُهم في مَرْيَمَ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّها أُمٌّ المَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ في الحَقِيقَةِ، ووالِدَتُهُ في الحَقِيقَةِ، لا أُمَّ لِابْنِ اللَّهِ إلّا هي والِدَةٌ، ولا والِدَةَ لَهُ غَيْرُها، ولا أبَ إلّا اللَّهُ، ولا والِدَ لَهُ سِواهُ، وإنَّ اللَّهَ اخْتارَها لِنَفْسِهِ ولِوِلادَةِ ولَدِهِ وابْنِهِ مِن بَيْنِ سائِرِ النِّساءِ، ولَوْ كانَتْ كَسائِرِ النِّساءِ لَما ولَدَتْ إلّا عَنْ وطْءِ الرِّجالِ لَها، ولَكِنِ اخْتُصَّتْ عَنِ النِّساءِ بِأنَّها حَبِلَتْ بِابْنِ اللَّهِ، ووَلَدَتِ ابْنَهُ الَّذِي لا ابْنَ لَهُ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ، ولا والِدَ لَهُ سِواهُ، وإنَّها عَلى العَرْشِ جالِسَةٌ عَنْ يَسارِ الرَّبِّ تَعالى والِدِ ابْنِها، وابْنُها عَنْ يَمِينِهِ. والنَّصارى يَدْعُونَها ويَسْألُونَها سَعَةَ الرِّزْقِ، وصِحَّةَ البَدَنِ، وطُولَ العُمُرِ، ومَغْفِرَةَ الذُّنُوبِ، وأنْ يَكُونَ لَهم عِنْدَ ابْنِها ووالِدِهِ - الَّذِي يَعْتَقِدُ عامَّتُهم أنَّهُ زَوْجُها، ولا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ - سُورًا وسَنَدًا وذُخْرًا وشَفِيعًا ورُكْنًا، ويَقُولُونَ في دُعائِهِمْ:
يا والِدَةَ الإلَهِ اشْفَعِي لَنا!
وَهم يُعَظِّمُونَها ويَرْفَعُونَها عَلى المَلائِكَةِ وعَلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ، ويَسْألُونَها ما يُسْألُ الإلَهَ مِنَ العافِيَةِ والرِّزْقِ والمَغْفِرَةِ.
حَتّى أنَّ اليَعْقُوبِيَّةَ يَقُولُونَ في مُناجاتِهِمْ لَها: يا مَرْيَمُ، يا والِدَةَ الإلَهِ، كُونِي لَنا سُورًا وسَنَدًا وذُخْرًا ورُكْنًا.
والنَّسْطُورِيَّةُ تَقُولُ: يا والِدَةَ المَسِيحِ كَوْنِي لَنا كَذَلِكَ.
وَيَقُولُونَ لِلْيَعْقُوبِيَّةِ: لا تَقُولُوا: يا والِدَةَ الإلَهِ، وقُولُوا يا والِدَةَ المَسِيحِ، فَقالَتْ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ: المَسِيحُ عِنْدَنا وعِنْدَكم إلَهٌ في الحَقِيقَةِ، فَأيُّ فَرْقٍ بَيْنَنا وبَيْنَكم في ذَلِكَ؟ ولَكِنَّكم أرَدْتُمْ مُصالَحَةَ المُسْلِمِينَ، ومُقارَنَتَهم في التَّوْحِيدِ.
هَذا والأوْقاحُ الَأرْجاسُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الضّالَّةِ تَعْتَقِدُ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى اخْتارَ مَرْيَمَ لِنَفْسِهِ، وتَخَطّاها كَما يَتَخَطّى الرَّجُلُ المَرْأةَ.
قالَ النَّظّامُ بَعْدَ أنْ حَكى ذَلِكَ عَنْهُمْ: وهم يُفْصِحُونَ بِهَذا عِنْدَ مَن يَثِقُونَ بِهِ، وقَدْ قالَ ابْنُ الإخْشِيدِ هَذا عَنْهم في المَعُونَةِ.
وَقالَ: إلَيْهِ يُشِيرُونَ، ألا تَرَوْنَ أنَّهم يَقُولُونَ: مَن لَمْ يَكُنْ والِدًا يَكُونُ عَقِيمًا والعُقْمُ آفَةٌ وعَيْبٌ.
وَهَذا قَوْلُ جَمِيعِهِمْ، وإلى المُباضَعَةِ يُشِيرُونَ، ومَن خالَطَ القَوْمَ وطاوَلَهم وباطَنَهم عَرَفَ ذَلِكَ مِنهم.
فَهَذا كُفْرُهم وشِرْكُهم بِرَبِّ العالَمِينَ ومَسَبَّتُهم لَهُ، ولِهَذا قالَ فِيهِمْ أحَدُ الخُلَفاءِ الرّاشِدِينَ: أهِينُوهم ولا تَظْلِمُوهُمْ، فَلَقَدْ سَبُّوا اللَّهَ مَسَبَّةً ما سَبَّهُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ.
وَقَدْ أخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: شَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وكَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، أمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا، وأنا الأحَدُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ ألِدْ ولَمْ أُوَلَدْ ولَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أحَدٌ، وأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَما بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بِأهْوَنَ عَلَيَّ مِن إعادَتِهِ.
فَلَوْ أتى المُوَحِّدُونَ بِكُلِّ ذَنْبٍ وفَعَلُوا كُلَّ قَبِيحٍ وارْتَكَبُوا كُلَّ مَعْصِيَةٍ، ما بَلَغَتْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في جَنْبِ هَذا الكُفْرِ العَظِيمِ بِرَبِّ العالَمِينَ، ومَسَبَّتِهِ هَذا السَّبَّ، وقَوْلِ العَظائِمِ فِيهِ، فَما ظَنُّ هَذِهِ الطّائِفَةِ بِرَبِّ العالَمِينَ أنْ يَفْعَلَ بِهِمْ إذا لَقَوْهُ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ويُسْألُ المَسِيحُ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ وهم يَسْمَعُونَ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولَ المَسِيحُ مُكَذِّبًا لَهُمْ: سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.
(فَصْلٌ)
فَهَذا أصْلُ دِينِهِمْ وأساسُهُ الَّذِي قامَ عَلَيْهِ.
وَأمّا فُرُوعُهُ وشَرائِعُهُ فَهم مُخالِفُونَ لِلْمَسِيحِ في جَمِيعِها، وأكْثَرُ ذَلِكَ بِشَهادَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ ولَكِنْ يُحِيلُونَ عَلى البَتارِكَةِ والأساقِفَةِ، فَإنَّ المَسِيحَ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ كانَ يَتَدَيَّنُ بِالطَّهارَةِ، ويَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ، ويُوجِبُ غُسْلَ الحائِضِ، وطَوائِفُ النَّصارى عِنْدَهم أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ غَيْرُ واجِبٍ، وأنَّ الإنْسانَ يَقُومُ مِن عَلى بَطْنِ المَرْأةِ يَبُولُ ويَتَغَوَّطُ ولا يَمَسُّ ماءً ولا يَسْتَنْجِي، والبَوْلُ والنَّجْوُ يَنْحَدِرُ عَلى ساقِهِ وفَخْذِهِ ويُصَلِّي كَذَلِكَ وصَلاتُهُ صَحِيحَةٌ تامَّةٌ، ولَوْ تَغَوَّطَ وبالَ وهو يُصَلِّي لَمْ يَضُرَّهُ، فَضْلًا عَنْ أنْ يَفْسُوَ ويَضْرَطَ.
وَيَقُولُونَ: إنَّ الصَّلاةَ بِالبَوْلِ والغائِطِ أفْضَلُ مِنَ الصَّلاةِ بِالطَّهارَةِ، لِأنَّها حِينَئِذٍ أبْعَدُ مِن صَلاةِ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ وأقْرَبُ إلى مُخالَفَةِ الأُمَّتَيْنِ.
وَيَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بِالتَّصْلِيبِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وهَذِهِ الصَّلاةُ رَبُّ العالَمِينَ بَرِيءٌ مِنها، وكَذَلِكَ المَسِيحُ وسائِرُ الحَوارِيِّينَ المُبَيِّنِينَ، فَإنَّ هَذا بِالِاسْتِهْزاءِ أشْبَهُ مِنها بِالعِبادَةِ، وحاشا المَسِيحَ أنْ تَكُونَ هَذِهِ صَلاتُهُ أوْ صَلاةُ أحَدٍ مِنَ الحَوارِيِّينَ.
والمَسِيحُ كانَ يَقْرَأُ في صَلاتِهِ ما كانَ الأنْبِياءُ وبَنُو إسْرائِيلَ يَقْرَءُونَ في صَلاتِهِمْ مِنَ التَّوْراةِ، والزَّبُورِ.
وَطَوائِفُ النَّصارى إنَّما يَقْرَءُونَ في صَلاتِهِمْ كَلامًا قَدْ لَحَّنَهُ لَهُمُ الَّذِينَ يَتَقَدَّمُونَ ويُصَلُّونَ بِهِمْ، يَجْرِي مَجْرى النَّوْحِ والأغانِي، فَيَقُولُونَ: هَذا قُدّاسُ فُلانٍ يَنْسِبُونَهُ إلى الَّذِينَ وضَعُوهُ لَهم.
وَهم يُصَلُّونَ إلى الشَّرْقِ، وما صَلّى المَسِيحُ إلى الشَّرْقِ قَطُّ، وما صَلّى إلى أنْ تَوَفّاهُ اللَّهُ إلّا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهي قِبْلَةُ داوُدَ والأنْبِياءِ قَبْلَهُ، وقِبْلَةُ بَنِي إسْرائِيلَ.
والمَسِيحُ اخْتَتَنَ وأوْجَبَ الخِتانَ كَما أوْجَبَهُ مُوسى وهارُونُ والأنْبِياءُ قَبْلَهُ.
والمَسِيحُ حَرَّمَ الخِنْزِيرَ، ولَعَنَ آكِلَهُ، وبالَغَ في ذَمِّهِ - والنَّصارى تُصِرُّ بِذَلِكَ - ولَقَدْ رُفِعَ إلى اللَّهِ وما طَعِمَ مِن لَحْمِهِ وزْنَ شَعِيرَةٍ، والنَّصارى تَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِأكْلِهِ.
والمَسِيحُ ما شَرَعَ لَهم هَذا الصَّوْمَ الَّذِي يُصُومُونَهُ قَطُّ، ولا صامَهُ في عُمُرِهِ مَرَّةً واحِدَةً، ولا أحَدٌ مِن أصْحابِهِ، لا صامَ العَذارى في عُمُرِهِ، ولا أكْلَ في الصَّوْمِ ما يَأْكُلُونَهُ، ولا حَرَّمَ ما يُحَرِّمُونَهُ، ولا عَطَّلَ السَّبْتَ يَوْمًا واحِدًا حَتّى لَقِيَ اللَّهَ، ولا اتَّخَذَ الأحَدَ عِيدًا قَطُّ.
والنَّصارى تُقِرُّ أنَّهُ رَقى مَرْيَمَ المَجْدَلانِيَّةَ فَأخْرَجَ مِنها سَبْعَ شَياطِينٍ، وأنَّ الشَّياطِينَ قالَتْ لَهُ: أيْنَ تَأْوِي؟ فَقالَ لَها: اسْلُكِي هَذِهِ الدّابَّةَ النَّجِسَةَ يَعْنِي الخِنْزِيرَ. فَهَذِهِ حِكايَةُ النَّصارى عَنْهُ.
وَهم يَزْعُمُونَ أنَّ الخِنْزِيرَ مِن أطْهَرَ الدَّوابِّ وأجْمَلِها، وأطْيَبِها.
والمَسِيحُ سائِرٌ في الذَّبائِحِ والمُناكَحِ والطَّلاقِ والمَوارِيثِ سِيرَةَ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، ولَيْسَ عِنْدَ النَّصارى عَلى مَن زَنى أوْ لاطَ أوْ سَكِرَ حَدٌّ في الدُّنْيا أبَدًا، ولا عَذابٌ في الآخِرَةِ، لِأنَّ القِسَّ والرّاهِبَ يَغْفِرُهُ لَهُمْ، فَكُلَّما أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أهْدى لِلْقِسِّ هَدِيَّةً وأعْطاهُ دِرْهَمًا أوْ غَيْرَها لِيَغْفِرَ لَهُ، وإذا أذْنَبَتِ امْرَأةُ أحَدِهِمْ بَيَّتَها عِنْدَ القِسِّ لِيُطَيِّبَها لَهُ، فَإذا انْصَرَفَتْ مِن عِنْدِهِ وأخْبَرَتْ زَوْجَها أنَّ القِسَّ طَيَّبَها، قَبِلَ ذَلِكَ مِنها وتَبَرَّكَ بِهِ.
وَهم يُقِرُّونَ أنَّ المَسِيحَ قالَ: إنَّما جِئْتُكم لَأعْمَلَ بِالتَّوْراةِ وبِوَصايا الأنْبِياءِ قَبْلِي، وما جِئْتُ ناقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، ولَأنْ تَقَعُ السَّماءُ عَلى الأرْضِ أيْسَرُ عَلى اللَّهِ مِن أنْ أنْقُضَ شَيْئًا مِن شَرِيعَةِ مُوسى، ومَن نَقَضَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ يُدْعى ناقِضًا في مَلَكُوتِ السَّماءِ.
وَما زالَ هو وأصْحابُهُ كَذَلِكَ إلى أنْ خَرَجَ مِنَ الدُّنْيا، وقالَ لِأصْحابِهِ: اعْمَلُوا بِما رَأيْتُمُونِي أعْمَلُ، ووَصُّوا النّاسَ بِما وصَّيْتُكم بِهِ، وكُونُوا مَعَهم كَما كُنْتُ مَعَكُمْ، وكُونُوا لَهم كَما كُنْتُ لَكم.
وَما زالَ أصْحابُ المَسِيحِ بَعْدَهُ عَلى ذَلِكَ قَرِيبًا مِن ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، ثُمَّ أخَذَ القَوْمَ في التَّغْيِيرِ والتَّبْدِيلِ والتَّقَرُّبِ إلى النّاسِ بِما يَهْوَوْنَ وما تَكْرَهُ اليَهُودُ ومُناقَضَتِهِمْ بِما فِيهِ تَرْكُ دِينِ المَسِيحِ، والِانْسِلاخُ مِنهُ جُمْلَةً، فَرَأوُا اليَهُودَ أنَّهم قالُوا في المَسِيحِ: إنَّهُ ساحِرٌ مُمَخْرِقٌ ولَدُ زِنا، فَقالُوا: هو الرَّتامُ وهو ابْنُ اللَّهِ! ورَأوُا اليَهُودَ يَخْتَتِنُونَ فَتَرَكُوا الخِتانَ! ورَأوْهم يُبالِغُونَ في الطَّهارَةِ فَتَرَكُوها جُمْلَةً! ورَأوْهم يَجْتَنِبُونَ مِن مُؤاكَلَةِ الحائِضِ ومُلامَسَتِها، فَجامَعُوها هُمْ! ورَأوْهم يُحَرِّمُونَ الخِنْزِيرَ، فَأباحُوهُ وجَعَلُوهُ شِعارَ دِينِهِمْ، ورَأوْهم يُحَرِّمُونَ كَثِيرًا مِنَ الذَّبائِحِ والحَيَوانِ فَأباحُوا ما دُونُ الفِيلِ إلى البَعُوضَةِ، وقالُوا: كُلْ ما شِئْتَ ودَعْ ما شِئْتَ لا حَرَجَ.
وَرَأوْهم يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ في الصَّلاةِ فاسْتَقْبَلُوا هُمُ الشَّرْقَ، ورَأوْهم يُحَرِّمُونَ عَلى اللَّهِ نَسْخَ شَرِيعَةٍ شَرَعَها، فَجَوَّزُوا هم لِأساقِفَتِهِمْ وبَطارِكَتِهِمْ أنْ يَنْسَخُوا ما شاءُوا ويُحَلِّلُوا ما شاءُوا ويُحَرِّمُوا ما شاءُوا.
وَرَأوْهم يُحَرِّمُونَ السَّبْتَ ويَحْفَظُونَهُ فَحَرَّمُوا هُمُ الأحَدَ، وأحَلُّوا السَّبْتَ مَعَ إقْرارِهِمْ بِأنَّ المَسِيحَ كانَ يُعَظِّمُ السَّبْتَ ويَحْفَظُهُ.
وَرَأوْهم يَنْفِرُونَ مِنَ الصَّلِيبِ، فَإنَّ في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ مَلْعُونٌ مَن تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، والنَّصارى تُقِرُّ بِهَذا، فَعَبَدُوا هُمُ الصَّلِيبَ، كَما أنَّ في التَّوْراةِ تَحْرِيمَ الخِنْزِيرِ نَصًّا فَتَعَبَّدُوا هم بِأكْلِهِ.
وَفِيها الأمْرُ بِالِاخْتِتانِ، فَتَعَبَّدُوا بِتَرْكِهِ، مَعَ إقْرارِ النَّصارى أنَّ المَسِيحَ قالَ لِأصْحابِهِ: إنَّما جِئْتُكم لِأعْمَلَ بِالتَّوْراةِ ووَصايا الأنْبِياءِ قَبْلِي، وما جِئْتُ ناقِضًا بَلْ مُتَمِّمًا، ولَأنْ تَقَعَ السَّماءُ عَلى الأرْضِ، أيْسَرُ عِنْدَ اللَّهِ مِن أنْ أنْقُضَ شَيْئًا مِن شَرِيعَةِ مُوسى.
فَذَهَبَتِ النَّصارى تَنْقُضُها شَرِيعَةً شَرِيعَةً في مُكايَدَةِ اليَهُودِ ومُغايَظَتِهِمْ، وانْضافَ إلى هَذا السَّبَبِ ما في كِتابِهِمُ المَعْرُوفِ عِنْدَهم بِإفْراكِيسَ.
(أنَّ قَوْمًا مِنَ النَّصارى خَرَجُوا مِن بَيْتِ المَقْدِسِ وأتَوْا أنْطاكِيَةَ وغَيْرَها - مِنَ الشّامِ - فَدَعَوُا النّاسَ إلى دِينِ المَسِيحِ الصَّحِيحِ، فَدَعَوْهم إلى العَمَلِ في التَّوْراةِ، وتَحْرِيمِ ذَبائِحِ مَن لَيْسَ أهْلِها، وإلى الخِتانِ وإقامَةِ السَّبْتِ، وتَحْرِيمِ الخِنْزِيرِ، وتَحْرِيمِ ما حَرَّمَتْهُ التَّوْراةُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى الأُمَمِ واسْتَثْقَلُوهُ، فاجْتَمَعَ النَّصارى بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وتَشاوَرُوا فِيما يَحْتالُونَ بِهِ عَلى الأُمَمِ لِيُجِيبُوهم إلى دِينِ المَسِيحِ، ويَدْخُلُوا فِيهِ، فاتَّفَقَ رَأْيُهم عَلى مُداخَلَةِ الأُمَمِ، والتَّرْخِيصِ لَهم والِاخْتِلاطِ بِهِمْ، وأكْلِ ذَبائِحِهِمْ، والِانْحِطاطِ في أهْوائِهِمْ، والتَّخَلُّقِ بِأخْلاقِهِمْ وإنْشاءِ شَرِيعَةٍ تَكُونُ بَيْنَ شَرِيعَةِ الإنْجِيلِ وما عَلَيْهِ الأُمَمُ، وأنْشَئُوا في ذَلِكَ كِتابًا، فَهَذا أحَدُ مَجامِعِهِمُ الكِبارِ - وكانُوا كُلَّما أرادُوا إحْداثَ شَيْءٍ اجْتَمَعُوا مَجْمَعًا - وافْتَرَوْا فِيهِ عَلى ما يُرِيدُونَ إحْداثَهُ إلى أنِ اجْتَمَعُوا المَجْمَعَ الَّذِي لَمْ يَجْتَمِعُ لَهم أكْبَرُ مِنهُ في زَمَنِ قُسْطَنْطِينَ الرُّومِيِّ ابْنِ هِيلانَةَ الحَرّانِيَّةِ الفَنْدَقِيَّةِ).
وَفِي زَمَنِهِ بُدِّلَ دِينُ المَسِيحِ وهو الَّذِي شادَ دِينَ النَّصْرانِيَّةِ المُبْتَدَعَ، وقامَ بِهِ وقَعَدَ، وكانَ عِدَّتُهم زُهاءَ ألْفَيْ رَجُلٍ، فَقَرَّرُوا تَقْرِيرًا ثُمَّ رَفَضُوهُ ولَمْ يَرْتَضُوهُ، ثُمَّ اجْتَمَعَ ثَلاثُمِائَةٍ وثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنهُمْ، والنَّصارى يُسَمُّونَهُمُ الآباءَ، فَقَرَّرُوا هَذا التَّقْرِيرَ الَّذِي هم عَلَيْهِ اليَوْمَ، وهو أصْلُ الأُصُولِ عِنْدَ جَمِيعِ طَوائِفِهِمْ، لا تَتِمُّ لِأحَدٍ مِنهم نَصْرانِيَّةٌ إلّا بِهِ، ويُسَمُّونَهُ سَنْهُودِسَ وهي الأمانَةُ! ولَفْظُها:
نُؤْمِنُ بِاللَّهِ الأبِّ الواحِدِ خالِقِ ما يُرى وما لا يُرى، وبِالرَّبِّ الواحِدِ يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِ اللَّهِ، بِكْرِ أبِيهِ ولَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، إلَهٌ حَقٍّ مِن إلَهٍ حَقٍّ، مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، الَّذِي بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ وخالِقُ كُلَّ شَيْءٍ، الَّذِي مِن أجْلِنا مَعاشِرَ النّاسِ ومِن أجْلِ خَلاصِنا نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وتَجَسَّدَ مِنَ الرُّوحِ القُدُسِ، ومِن مَرْيَمَ البَتُولِ، وحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ البَتُولُ، وأُخِذَ وصُلِبَ أيّامَ بِلاطِسَ الرُّومِيِّ، وماتَ ودُفِنَ، وقامَ في اليَوْمِ الثّالِثِ - كَما هو مَكْتُوبٌ - وصَعِدَ إلى السَّماءِ وجَلَسَ عَنْ يَمِينِ أبِيهِ، وهو مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تارَةً أُخْرى لِلْقَضاءِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ، ونُؤْمِنُ بِالرَّبِّ الواحِدِ الَّذِي يَخْرُجُ مِن أبِيهِ رُوحُ مَحَبَّتِهِ، وبِمَعْمُودِيَّةٍ واحِدَةٍ لِغُفْرانِ الخَطايا، وبِجَماعَةٍ واحِدَةٍ قِدِّيسِيَّةٍ سَلِيحِيَّةٍ جاثِلِيقِيَّةٍ، وبِقِيامِ أبْدانِنا، وبِالحَياةِ الدّائِمَةِ إلى أبَدَ الآبِدِينَ.
فَصَرَّحُوا فِيها بِأنَّ المَسِيحَ رَبٌّ، وأنَّهُ ابْنُ اللَّهِ وأنَّهُ بِكْرُهُ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ غَيْرَهُ، وأنَّهُ لَيْسَ بِمَصْنُوعٍ، أيْ لَيْسَ بِعَبْدٍ مَخْلُوقٍ بَلْ هو رَبٌّ خالِقٌ، وأنَّهُ إلَهٌ حَقٌّ اسْتُلَّ ووُلِدَ مِن إلَهٍ حَقٍّ، وأنَّهُ مُساوٍ لِأبِيهِ في الجَوْهَرِ، وأنَّهُ بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ، وهَذِهِ اليَدُ الَّتِي أُتْقِنَتِ العَوالِمُ بِها عِنْدَهُمْ، هي الَّتِي ذاقَتْ حَرَّ المَسامِيرِ كَما صَرَّحُوا بِهِ في كُتُبِهِمْ، وهَذِهِ ألْفاظُهُمْ:
قالُوا: وقَدْ قالَ القُدْوَةُ عِنْدَنا: إنَّ اليَدَ الَّتِي سَمَّرَها اليَهُودُ في الخَشَبَةِ، هي اليَدُ الَّتِي عَجَنَتْ طِينَ آدَمَ وخَلَقَتْهُ، وهي اليَدُ الَّتِي شَبَرَتِ السَّماءَ، وهي اليَدُ الَّتِي كَتَبَتِ التَّوْراةَ لِمُوسى، قالُوا: وقَدْ وصَفُوا صَنِيعَ اليَهُودِ بِهِ - وهَذِهِ ألْفاظُهم - وإنَّهم لَطَمُوا الإلَهَ وضَرَبُوهُ عَلى رَأْسِهِ.
قالُوا: وفي بِشارَةِ الأنْبِياءِ بِهِ أنَّ الإلَهَ تَحْبَلُ بِهِ امْرَأةٌ عَذْراءُ وتَلِدُهُ ويُؤْخَذُ ويُصْلَبُ ويُقْتَلُ.
قالُوا: وأمّا سَنْهُودِسُ دُونَ الأُمَمِ، قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ سَبْعُمِائَةٍ مِنَ الآباءِ وهُمُ القُدْوَةُ وفِيهِ: أنَّ مَرْيَمَ حَبِلَتْ بِالإلَهِ وأوْلَدَتْهُ وأرْضَعَتْهُ وسَقَتْهُ وأطْعَمَتْهُ، قالُوا: وعِنْدَنا أنَّ المَسِيحَ ابْنَ آدَمَ وهو رَبُّهُ وخالِقُهُ ورازِقُهُ، وابْنُ ولَدِهِ إبْراهِيمَ ورَبُّهُ وخالِقُهُ ورازِقُهُ، وابْنُ إسْرائِيلَ ورَبُّهُ وخالِقُهُ ورازِقُهُ، وابْنُ مَرْيَمَ ورَبُّها وخالِقُها ورازِقُها.
قالُوا: وقَدْ قالَ عُلَماؤُنا: ومَن هو القُدْوَةُ عِنْدَ جَمِيعِ طَوائِفِنا: يَسُوعُ في البَدْءِ لَمْ يَزَلْ كَلِمَةً، والكَلِمَةُ لَمْ تَزَلِ اللَّهَ، واللَّهُ هو الكَلِمَةُ، فَذاكَ الَّذِي ولَدَتْهُ مَرْيَمُ وعايَنَّهُ النّاسُ وكانَ بَيْنَهم هو اللَّهُ، وهو ابْنُ اللَّهِ وهو كَلِمَةُ اللَّهِ.
هَذِهِ ألْفاظُهُمْ، قالُوا: فالقَدِيمُ الأزَلِيُّ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ هو الَّذِي عايَنَهُ النّاسُ بِأبْصارِهِمْ ولَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهو الَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ وخاطَبَ النّاسَ مِن بَطْنِها، حَيْثُ قالَ لِلْأعْمى: أنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ؟ قالَ الأعْمى: ومَن هو حَتّى أُؤْمِنَ بِهِ؟ قالَ: هو المُخاطِبُ لَكَ. فَقالَ: آمَنتُ بِكَ وخَرَّ ساجِدًا.
قالُوا: فالَّذِي حَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ هو اللَّهُ، وابْنُ اللَّهِ، وكَلِمَةُ اللَّهِ، قالُوا: وهو الَّذِي وُلِدَ ورَضَعَ وفُطِمَ وأُخِذَ وصُلِبَ وصُفِعَ وكُتِّفَتْ يَداهُ وسُمِّرَ في وجْهِهِ وماتَ ودُفِنَ وذاقَ ألَمَ الصَّلْبِ والتَّسْمِيرِ والقَتْلِ لِأجْلِ خَلاصِ النَّصارى مِن خَطاياهم.
قالُوا: ولَيْسَ المَسِيحُ عِنْدَ طَوائِفِنا الثَّلاثَةِ بِنَبِيٍّ ولا عَبْدٍ صالِحٍ بَلْ هو رَبُّ الأنْبِياءِ، وخالِقُهم وباعِثُهم ومُرْسِلُهم وناصِرُهم ومُؤَيِّدُهم ورَبُّ المَلائِكَةِ.
قالُوا: ولَيْسَ مَعَ أُمِّهِ بِمَعْنى الخَلْقِ والتَّدْبِيرِ واللُّطْفِ والمَعُونَةِ، فَإنَّهُ لا يَكُونُ لَها بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلى سائِرِ الإناثِ ولا الحَيَواناتِ، ولَكِنَّهُ مَعَها بِحَبَلِها بِهِ واحْتِواءِ بَطْنِها عَلَيْهِ، فَلِهَذا فارَقَتْ جَمِيعَ إناثِ الحَيَوانِ، وفارَقَ ابْنُها جَمِيعَ الخَلْقِ، فَصارَ اللَّهُ وابْنُهُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّماءِ، وحَبِلَتْ بِهِ مَرْيَمُ ووَلَدْتُهُ إلَهًا واحِدًا ومَسِيحًا واحِدًا، ورَبًّا واحِدًا، وخالِقًا واحِدًا، لا يَقَعُ بَيْنَهُما فَرْقٌ، ولا يَبْطَلُ الِاتِّحادُ بَيْنَهُما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ لا في حَبَلٍ، ولا في وِلادَةٍ، ولا في حالِ نَوْمٍ، ولا مَرَضٍ، ولا صَلْبٍ، ولا مَوْتٍ، ولا دَفْنٍ، بَلْ هو مُتَحِدٌ بِهِ في حالِ الحَبَلِ، فَهو في تِلْكَ الحالِ مَسِيحٌ واحِدٌ، وخالِقٌ واحِدٌ، وإلَهٌ واحِدٌ، ورَبٌّ واحِدٌ، وفي حالِ الوِلادَةِ كَذَلِكَ، وفي حالِ الصَّلْبِ والمَوْتِ كَذَلِكَ، قالُوا: فَمِنّا مَن يُطْلِقُ في لَفْظِهِ وعِبارَتِهِ حَقِيقَةَ هَذا المَعْنى فَيَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالإلَهِ، ووَلَدَتِ الإلَهَ، وماتَ الإلَهُ، ومِنّا مَن يَمْتَنِعُ مِن هَذِهِ العِبارَةِ لِبَشاعَةِ لَفْظِها، ويُعْطى مَعْناها وحَقِيقَتَها، ويَقُولُ: مَرْيَمُ حَبِلَتْ بِالمَسِيحِ في الحَقِيقَةِ، ووَلَدَتِ المَسِيحَ في الحَقِيقَةِ، وهي أُمُّ المَسِيحِ في الحَقِيقَةِ، والمَسِيحُ إلَهٌ في الحَقِيقَةِ، ورَبٌّ في الحَقِيقَةِ، وابْنُ اللَّهِ في الحَقِيقَةِ، وكَلِمَةُ اللَّهِ في الحَقِيقَةِ، لا ابْنَ لِلَّهِ في الحَقِيقَةِ سِواهُ، ولا أبَّ لِلْمَسِيحِ في الحَقِيقَةِ إلّا هو.
قالُوا: فَهَؤُلاءِ يُوافِقُونَ في المَعْنى قَوْلَ مَن يَقُولُ حَبِلَتْ بِالإلَهِ، ووَلَدَتِ الإلَهَ، وقُتِلَ الإلَهُ، وصُلِبَ الإلَهُ ودُفِنَ الإلَهُ، وإنْ مَنَعُوا اللَّفْظَ والعِبارَةَ.
قالُوا: وإنَّما مَنَعْنا هَذِهِ العِبارَةَ الَّتِي أطْلَقَها إخْوانُنا، لِئَلّا يُتَوَهَّمَ عَلَيْنا إذا قُلْنا: حَبِلَتْ بِالإلَهِ، ووَلَدَتِ الإلَهَ، وأُمُّ إلَهٍ، أنَّ هَذا كُلَّهُ حَلَّ ونَزَلَ بِالإلَهِ الَّذِي هو أبٌ، ولَكِنّا نَقُولُ: حَلَّ هَذا كُلُّهُ ونَزَلَ بِالمَسِيحِ، والمَسِيحُ عِنْدَنا وعِنْدَ طَوائِفِنا إلَهٌ تامٌّ مِن إلَهٍ تامٍّ مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، فَنَحْنُ وإخْوانُنا في الحَقِيقَةِ شَيْءٌ واحِدٌ لا فَرْقَ بَيْنَنا إلّا في العِبارَةِ فَقَطْ، قالُوا: فَهَذا حَقِيقَةُ دِينِنا وإيمانِنا، والآباءُ والقُدْوَةُ قَدْ قالُوا قَبْلَنا وسَنُّوهُ لَنا ومَهَّدُوهُ وهم أعْلَمُ بِالمَسِيحِ مِنّا.
وَلا يَخْتَلِفُ المُثَلِّثَةُ عُبّادُ الصَّلِيبِ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ أنَّ المَسِيحَ لَيْسَ بِنَبِيٍّ ولا عَبْدٍ صالِحٍ، ولَكِنَّهُ إلَهٌ حَقٌّ مِن إلَهٍ حَقٍّ مِن جَوْهَرِ أبِيهِ، وأنَّهُ إلَهٌ تامٌّ مِن إلَهٍ تامٍّ، وأنَّهُ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، والأوَّلِينَ والآخَرِينَ، ورازِقُهم ومُحْيِيهم وُمُمِيتُهم وباعِثُهم مِنَ القُبُورِ، وحاشِرُهم ومُحاسِبُهُمْ، ومُثِيبُهم ومُعاقِبُهم.
والنَّصارى تَعْتَقِدُ أنَّ الأبَ انْخَلَعَ مِن مُلْكِهِ كُلِّهِ، وجَعْلُهُ لِابْنِهِ، فَهو الَّذِي يَخْلُقُ ويُرْزُقُ ويُمِيتُ ويُحْيِي ويُدَبِّرُ أمْرَ السَّماواتِ والأرْضِ.
ألا تَراهم يَقُولُونَ في أمانَتِهِمْ: ابْنُ اللَّهِ وبِكْرُ أبِيهِ، ولَيْسَ بِمَصْنُوعٍ - إلى قَوْلِهِمْ - بِيَدِهِ أُتْقِنَتِ العَوالِمُ وخَلَقَ كُلُّ شَيْءٍ - إلى قَوْلِهِمْ - وهو مُسْتَعِدٌّ لِلْمَجِيءِ تارَةً أُخْرى لِلْفَصْلِ بَيْنَ الأمْواتِ والأحْياءِ؟
وَيَقُولُونَ في صَلَواتِهِمْ ومُناجاتِهِمْ: أنْتَ أيُّها المَسِيحُ يَسُوعُ تُحْيِينا وتُمِيتُنا، وتَرْزُقُنا وتَخْلُقُ أوْلادَنا، وتُقِيمُ أجْسادَنا وتَبْعَثُنا وتُجازِينا.
وَقَدْ تَضْمَنُ هَذا كُلُّهُ تَكْذِيبَهُمُ الصَّرِيحَ لِلْمَسِيحِ، وإنْ أوْهَمَتْهم ظُنُونُهُمُ الكاذِبَةُ أنَّهم يُصَدِّقُونَهُ، فَإنَّ المَسِيحَ قالَ لَهُمْ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ، وإلَهِي وإلَهُكم.
فَشَهِدَ عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ مَرْبُوبٌ مَصْنُوعٌ، كَما أنَّهم كَذَلِكَ، وأنَّهُ مِثْلُهم في العُبُودِيَّةِ والحاجَةِ والفاقَةِ إلى اللَّهِ تَعالى.
وَذَكَرَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى خَلْقِهِ كَما أرْسَلَ الأنْبِياءَ قَبْلَهُ.
فَفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا: أنَّ المَسِيحَ قالَ في دُعائِهِ: إنَّ الحَياةَ الدّائِمَةَ إنَّما تَجِبُ لِلنّاسِ بِأنْ يَشْهَدُوا أنَّكَ اللَّهُ الواحِدُ الحَقُّ، وأنَّكَ أرْسَلْتَ يَسُوعَ المَسِيحَ.
وَهَذا حَقِيقَةُ شَهادَةِ المُسْلِمِينَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: بَلْ تُرِيدُونَ قَتْلِي وأنا رَجُلٌ قُلْتُ لَكُمُ الحَقَّ الَّذِي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ، فَذَكَرَ غايَتَهُ أنَّهُ رَجُلٌ بَلَّغَهم ما قالَهُ اللَّهُ، ولَمْ يَقُلْ وأنا إلَهٌ ولا ابْنُ إلَهٍ، عَلى مَعْنى التَّوالُدِ، وقالَ: إنِّي لَمْ أجِئْ لِأعْمَلَ بِمَشِيئَةِ نَفْسِي ولَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَن أرْسَلَنِي، وقالَ: إنَّ الكَلامَ الَّذِي تَسْمَعُونَهُ مِنِّي لَيْسَ هو لِي، ولَكِنْ لِلَّذِي أرْسَلَنِي، والوَيْلُ لِي إنْ قُلْتُ شَيْئًا مِن تِلْقاءِ نَفْسِي، ولَكِنْ بِمَشِيئَةِ مَن أرْسَلَنِي.
وَكانَ يُواصِلُ العِبادَةَ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ، ويَقُولُ: ما جِئْتُ لِأُخْدَمَ، بَلْ جِئْتُ لِأخْدِمَ، فَأنْزَلَ نَفْسَهُ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أنْزَلَهُ اللَّهُ بِها، وهي مَنزِلَةُ الخُدّامِ لِلَّهِ، وقالَ: لَسْتُ أُدِينُ العِبادَ بِأعْمالِهِمْ ولا أُحاسِبُهم بِأعْمالِهِمْ، ولَكِنَّ الَّذِي أرْسَلَنِي هو الَّذِي يَلِي ذَلِكَ مِنهم.
كُلُّ هَذا في الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ، وفِيهِ أنَّ المَسِيحَ قالَ: يا رَبُّ، قَدْ عَلِمُوا أنَّكَ قَدْ أرْسَلْتَنِي، وقَدْ ذَكَرْتُ لَهُمُ اسْمَكَ، فَأخْبَرَ أنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وأنَّهُ عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.
وَفِيهِ: إنَّ اللَّهَ الواحِدَ رَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أرْسَلَ مَن أرْسَلَ مِنَ البَشَرِ إلى جَمِيعِ العالَمِ لِيُقْبِلُوا إلى الحَقِّ. وفِيهِ أنَّهُ قالَ: إنَّ الأعْمالَ الَّتِي أعْمَلُ هي الشّاهِداتُ لِي بِأنَّ اللَّهَ أرْسَلَنِي إلى هَذا العالَمِ. وفِيهِ ما أبْعَدَنِي وأتْعَبَنِي إنْ أحْدَثْتُ شَيْئًا مِن قِبَلِ نَفْسِي، ولَكِنْ أتَكَلَّمُ وأُجِيبُ بِما عَلَّمَنِي رَبِّي. وقالَ: إنَّ اللَّهَ مَسَحَنِي وأرْسَلَنِي، وإنَّما أعْبُدُ اللَّهَ الواحِدَ لِيَوْمِ الخَلاصِ.
قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ما أكَلَ ولا يَأْكُلُ وما شَرِبَ ولا يَشْرَبُ ولَمْ يَنَمْ ولا يَنامُ ولا ولَدَ ولا يَلِدُ، وما رَآهُ أحَدٌ إلّا ماتَ.
وَبِهَذا يَظْهَرُ لَكَ سِرُّ قَوْلِهِ تَعالى في القُرْآنِ العَظِيمِ: ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ، تَذْكِيرًا لِلنَّصارى بِما قالَ لَهُمُ المَسِيحُ.
وَقالَ في دُعائِهِ لَمّا سَألَ رَبَّهُ أنْ يُحْيِيَ المَيِّتَ: أنا أشْكُرُكَ وأحْمَدُكَ لِأنَّكَ تُجِيبُ دُعائِي في هَذا الوَقْتِ وفي كُلِّ وقْتٍ، فَأسْألُكَ أنْ تُحْيِيَ هَذا المَيِّتَ لِتَعْلَمَ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّكَ أرْسَلْتَنِي وأنَّكَ تُجِيبُ دُعائِي.
وَفِي الإنْجِيلِ: إنَّ المَسِيحَ حِينَ خَرَجَ مِنَ السّامِرِيَّةِ ولَحِقَ بِجَلْجالَ قالَ: لَمْ يُكْرَمْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ في وطَنٍ، فَلَمْ يَزِدْ عَلى دَعْوى النُّبُوَّةِ.
وَفِي إنْجِيلِ لُوقا: لَمْ يُقْبَلْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ في وطَنِهِ، فَكَيْفَ تَقْبَلُونَنِي، وفي إنْجِيلِ مُرْقُسَ: أنَّ رَجُلًا أقْبَلُ إلى المَسِيحِ وقالَ: أيُّها المُعَلِّمُ الصّالِحُ، أيَّ خَيْرٍ أعْمَلُ لِأنالَ الحَياةَ الدّائِمَةَ؟ فَقالَ لَهُ المَسِيحُ: لِمَ قُلْتَ صالِحًا؟ إنَّما الصّالِحُ اللَّهُ وحْدَهُ، وقَدْ عَرَفْتَ الشُّرُوطَ، لا تَسْرِقْ ولا تَزْنِ ولا تَشْهَدْ بِالزُّورِ ولا تَخُنْ، وأكْرِمْ أباكَ وأُمَّكَ.
وَفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا: أنَّ اليَهُودَ لَمّا أرادُوا قَبْضَهُ رَفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، وقالَ: قَدْ دَنا الوَقْتُ يا إلَهِي فَشَرِّفْنِي لَدَيْكَ، واجْعَلْ لِي سَبِيلًا أنْ أُمَلِّكَ كُلَّ مَن مَلَّكْتَنِي الحَياةَ الدّائِمَةَ. وإنَّما الحَياةُ الباقِيَةُ أنْ يُؤْمِنُوا بِكَ إلَهًا واحِدًا وبِالمَسِيحِ الَّذِي بَعَثْتَ، وقَدْ عَظَّمْتُكَ عَلى أهْلِ الأرْضِ، واحْتَمَلْتُ الَّذِي أمَرْتَنِي بِهِ فَشَرِّفْنِي.
فَلَمْ يَدَّعِ سِوى أنَّهُ عَبْدٌ مُرْسَلٌ مَأْمُورٌ مَبْعُوثٌ، وفي إنْجِيلِ مَتّى: لا تَنْسِبُوا أباكم عَلى الأرْضِ فَإنَّ أباكم واحِدٌ الَّذِي في السَّماءِ وحْدَهُ، ولا تَدْعُوا مُعَلِّمِينَ فَإنَّما مُعَلِّمُكُمُ المَسِيحُ وحْدَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences