Ibn al-QayyimAn‑Nisa · 4:157

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:157, continued

والآبُّ في لُغَتِهِمُ الرَّبُّ المُرَبِّي، أيْ لا تَقُولُوا: إلَهُكم ورَبُّكم في الأرْضِ، ولَكِنَّهُ في السَّماءِ، ثُمَّ أنْزَلَ نَفْسَهُ المَنزِلَةَ الَّتِي أنْزَلَهُ بِها رَبُّهُ ومالِكُهُ، وهو أنَّ غايَتَهُ أنَّهُ يُعَلِّمُ في الأرْضِ، وإلَهُهم هو الَّذِي في السَّماءِ.

وَفِي إنْجِيلِ لُوقا، حِينَ دَعا اللَّهَ فَأحْيا ولَدَ المَرْأةِ، فَقالُوا: إنَّ هَذا النَّبِيَّ لَعَظِيمٌ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ تَفَقَّدَ أُمَّتَهُ.

وَفِي إنْجِيلِ يُوحَنّا أنَّ المَسِيحَ أعْلى صَوْتَهُ في البَيْتِ، وقالَ لِلْيَهُودِ: قَدْ عَرَفْتُمُونِي ومَوْضِعِي، ولَمْ آتِ مِن ذاتِي، وقَدْ بَعَثَنِي الحَقُّ وأنْتُمْ تَجْهَلُونَهُ، فَإنْ قُلْتُ إنِّي أجْهَلُهُ كُنْتُ كاذِبًا مِثْلَكُمْ، وأنا أعْلَمُ أنِّي مِنهُ وهو بَعَثَنِي.

فَما زادَ في دَعْواهُ عَلى ما ادَّعاهُ الأنْبِياءُ فَأمْسَكَتِ المُثَلِّثَةُ قَوْلَهُ: إنِّي مِنهُ، وقالُوا: إلَهٌ حَقٌّ مِن إلَهٍ حَقٍّ، وفي القُرْآنِ: رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ، وقالَ هُودٌ: ولَكِنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، وكَذَلِكَ قالَ صالِحٌ! ولَكِنَّ أُمَّةَ الضَّلالِ كَما أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ ويَرُدُّونَ المُحْكَمَ. وفي الإنْجِيلِ أيْضًا أنَّهُ قالَ لِلْيَهُودِ، وقَدْ قالُوا لَهُ: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ فَقالَ: لَوْ كانَ أباكم لَأطَعْتُمُونِي لِأنِّي رَسُولٌ مِنهُ، خَرَجْتُ مُقْبِلًا، ولَمْ أُقْبِلْ مِن ذاتِي، ولَكِنْ هو بَعَثَنِي، ولَكِنَّكم لا تَقْبَلُونَ وصِيَّتِي، وتَعْجِزُونَ عَنْ سَماعِ كَلامِي، إنَّما أنْتُمْ أبْناءُ الشَّيْطانِ، وتُرِيدُونَ إتْمامَ شَهَواتِهِ.

وَفِي الإنْجِيلِ أنَّ اليَهُودَ حاطَتْ بِهِ، وقالَتْ لَهُ: إلى مَتى تُخْفِي أمْرَكَ إنْ كُنْتَ المَسِيحَ الَّذِي نَنْتَظِرُهُ فَأعْلِمْناهُ بِذَلِكَ؟

وَلَمْ تَقُلْ إنْ كُنْتَ اللَّهَ أوِ ابْنَ اللَّهِ، فَإنَّهُ لَمْ يَدَّعِ ذَلِكَ، ولا فَهْمِهُ عَنْهُ أحَدٌ مِن أعْدائِهِ ولا أتْباعِهِ.

وَفِي الإنْجِيلِ أيْضًا: أنَّ اليَهُودَ أرادُوا القَبْضَ عَلَيْهِ فَبَعَثُوا الأعْوانَ وأنَّ الأعْوانَ رَجَعُوا إلى قُوّادِهِمْ، فَقالُوا لَهُمْ: لِمَ لَمْ تَأْخُذُوهُ؟ فَقالُوا: ما سَمِعْنا آدَمِيًّا أنْصَفَ مِنهُ، فَقالَتِ اليَهُودُ: وأنْتُمْ أيْضًا مَخْدُوعُونَ، أتَرَوْنَ أنَّهُ آمَنَ بِهِ أحَدٌ مِنَ القُوّادِ ومِن رُؤَساءِ أهْلِ الكِتابِ؟ فَقالَ لَهم بَعْضُ أكابِرِهِمْ: أتَرَوْنَ كِتابَكم يَحْكُمُ عَلى أحَدٍ قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ مِنهُ؟ فَقالُوا لَهُ: اكْشِفِ الكُتُبَ تَرى أنَّهُ لا يَجِيءُ مِن جِلْجالَ نَبِيٌّ. فَما قالَتِ اليَهُودُ ذَلِكَ إلّا وقَدْ أنْزَلَ نَفْسَهُ بِالمَنزِلَةِ الَّتِي أنْزَلَهُ بِها رَبُّهُ ومالِكُهُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَوْ عَلِمَتْ مِن دَعْواهُ الإلَهِيَّةِ لَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ وأنْكَرَتْهُ عَلَيْهِ، وكانَ أعْظَمَ أسْبابِ التَّنْفِيرِ عَنْ طاعَتِهِ، لِأنَّ كَذِبَهُ كانَ يُعْلَمُ بِالحِسِّ والعَقْلِ والفِطْرَةِ واتِّفاقِ الأنْبِياءِ.

وَلَقَدْ كانَ يَجِبُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ - لَوْ سَبَقَ في حِكْمَتِهِ أنَّهُ يَبْرُزُ لِعِبادِهِ، ويَنْزِلُ عَنْ كُرْسِيِّ عَظَمَتِهِ، ويُباشِرُهم بِنَفْسِهِ - أنْ لا يَدْخُلَ في فَرْجِ امْرَأةٍ، ويُقِيمُ في بَطْنِها بَيْنَ البَوْلِ والنَّجْوِ والدَّمِ عِدَّةَ أشْهُرٍ، وإذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ. لا يَخْرُجُ صَبِيًّا، يَرْضَعُ ويَبْكِي، وإذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، لا يَأْكُلُ مَعَ النّاسِ ولا يَشْرَبُ مَعَ النّاسِ ولا يَنامُ مَعَهُمْ، وإذْ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَلا يَبُولُ ولا يَتَغَوَّطُ، ويَمْتَنِعُ مِنَ الخَرَأةِ إذْ هي مَنقَصَةٌ ابْتُلِيَ بِها الإنْسانُ في هَذِهِ الدّارِ لِنَقْصِهِ وحاجَتِهِ، وهو تَعالى المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ، المَنعُوتِ بِنُعُوتِ الجَلالِ، الَّذِي ما وسِعَتْهُ سَماواتُهُ ولا أرْضُهُ، وكُرْسِيُّهُ وسِعَ السَّماواتِ والأرْضَ، فَكَيْفَ وسِعَهُ فَرْجُ امْرَأةٍ، تَعالى رَبُّ العالَمِينَ - وكُلُّكم مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ المَسِيحَ كانَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويَبُولُ ويَتَغَوَّطُ ويَنامُ.

فَيا مَعْشَرَ المُثَلِّثَةِ وعُبّادَ الصَّلِيبِ، أخْبِرُونا مَن كانَ المُمْسِكَ لِلسَّماواتِ والأرْضِ حِينَ كانَ رَبُّها وخالِقُها مَرْبُوطًا عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، وقَدْ شُدَّتْ يَداهُ ورِجْلاهُ بِالحِبالِ، وسُمِّرَتِ اليَدُ الَّتِي أتْقَنَتِ العَوالِمَ؟ فَهَلْ بَقِيَتِ السَّماواتُ والأرْضُ خَلْوًا مِن إلَهِها وفاطِرِها؟

وَقَدْ جَرى عَلَيْهِ هَذا الأمْرُ العَظِيمُ؟ أمْ تَقُولُونَ اسْتَخْلَفَ عَلى تَدْبِيرِها غَيْرَهُ، وهَبَطَ عَنْ عَرْشِهِ لِرَبْطِ نَفْسِهِ عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، ولِيَذُوقَ حَرَّ المَسامِيرِ ولِيُوجِبَ اللَّعْنَةَ عَلى نَفْسِهِ، حَيْثُ قالَ في التَّوْراةِ: مَلْعُونٌ مَن تَعَلَّقَ بِالصَّلِيبِ، أمْ تَقُولُونَ: - وهو في الحَقِيقَةِ قَوْلُكم - لا نَدْرِي ولَكِنْ هَذا في الكُتُبِ، وقَدْ قالَهُ الآباءُ، وهُمُ القُدْوَةُ، والجَوابُ عَلَيْهِمْ.

فَنَقُولُ لَكُمْ: وإلّا يا مَعاشِرَ المُثَلِّثَةِ عُبّادَ الصَّلِيبِ، ما الَّذِي دَلَّكم عَلى إلَهِيَّةِ المَسِيحِ؟

(الشُّبْهَةُ الأوْلى)

فَإنْ كُنْتُمُ اسْتَدْلَلْتُمْ عَلَيْها بِالقَبْضِ مِن أعْدائِهِ عَلَيْهِ بِزَعْمِكم وسَوْقِهِ إلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ وعَلى رَأْسِهِ تاجٌ مِنَ الشَّوْكِ، وهم يَبْصُقُونَ في وجْهِهِ ويَصْفَعُونَهُ، ثُمَّ أرْكَبُوهُ ذَلِكَ المَرْكَبَ الشَّنِيعَ، وشَدُّوا يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ بِالحِبالِ، وضَرَبُوا فِيها المَسامِيرَ، وهو يَسْتَغِيثُ وتَعَلَّقَ ثُمَّ فاضَتْ نَفْسُهُ وأوْدَعَ ضَرِيحَهُ.

فَما أصَحَّهُ مِنَ اسْتِدْلالٍ عِنْدَ أمْثالِكم مِمَّنْ هو أضَلُّ مِنَ الأنْعامِ، وهم عارٌ عَلى جَمِيعِ الأنامِ.

وَإنْ قُلْتُمْ: إنَّما اسْتَدْلَلْنا عَلى كَوْنِهِ إلَهًا بِأنَّهُ لَمْ يُوَلَدْ مِنَ البَشَرِ، ولَوْ كانَ مَخْلُوقًا لَكانَ مَوْلُودًا مِنَ البَشَرِ، فَإنْ كانَ هَذا الِاسْتِدْلالُ صَحِيحًا فَآدَمُ إلَهُ المَسِيحِ، وهو أحَقُّ بِأنْ يَكُونَ إلَهًا مِنهُ لِأنَّهُ لا أُمَّ لَهُ ولا أبَّ لَهُ والمَسِيحُ لَهُ أُمٌّ.

وَحَوّاءُ أيْضًا اجْعَلُوها إلَهًا خامِسًا؛ لِأنَّها لا أُمَّ لَها، وهي أعْجَبُ مِن خَلْقِ المَسِيحِ.

واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ نَوَّعَ خَلْقَ آدَمَ وبَنِيهِ إظْهارًا لِقُدْرَتِهِ وأنَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ، فَخَلَقَ آدَمَ لا مِن ذَكَرٍ ولا مِن أُنْثى، وخَلَقَ زَوْجَهُ حَوّاءَ مَن ذَكَرٍ لا مِن أُنْثى، وخَلَقَ عَبْدَهُ المَسِيحَ مِن أُنْثى لا مِن ذَكَرٍ، وخَلَقَ سائِرَ النَّوْعِ مِن ذِكْرٍ وأُنْثى.

وَإنْ قُلْتُمْ: اسْتَدْلَلْنا عَلى كَوْنِهِ إلَهًا بِأنَّهُ أحْيا المَوْتى، ولا يُحْيِيهِمْ إلّا اللَّهُ، فاجْعَلُوا مُوسى إلَهًا آخَرَ، فَإنَّهُ أتى مِن ذَلِكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَأْتِ المَسِيحُ بِنَظِيرِهِ ولا ما يُقارِبُهُ، وهو جَعْلُ الخَشَبَةِ حَيَوانًا عَظِيمًا، وهَذا أبْلَغُ مِن إعادَةِ الحَياةِ إلى جِسْمٍ كانَتْ فِيهِ أوَّلًا، فَإنْ قُلْتُمْ: هَذا غَيْرُ إحْياءِ المَوْتى، فَهَذا اليَسَعُ النَّبِيُّ أتى بِإحْياءِ المَوْتى، وهم يُقِرُّونَ بِذَلِكَ.

وَكَذَلِكَ إيلِيا النَّبِيُّ أيْضًا أحْيا صَبِيًّا بِإذْنِ اللَّهِ، وهَذا مُوسى قَدْ أحْيا بِإذْنِ اللَّهِ السَّبْعِينَ الَّذِينَ ماتُوا مِن قَوْمِهِ.

وَفِي كُتُبِكم مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ عَنِ الأنْبِياءِ والحَوارِيِّينَ: فَهَلْ صارَ أحَدٌ مِنهم إلَهًا بِذَلِكَ؟

وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا لِلْعَجائِبِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ، فَعَجائِبُ مُوسى أعْجَبُ وأعْجَبُ.

وَهَذا إيلِياءُ النَّبِيُّ بارَكَ عَلى دَقِيقِ العَجُوزِ ودُهَنِها فَلَمْ يَنْفُذْ ما في جِرابِها مِنَ الدَّقِيقِ وما في قارُورَتِها مِنَ الدُّهْنِ سَبْعَ سِنِينَ.

وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِكَوْنِهِ أطْعَمَ مِن أرْغِفَةٍ يَسِيرَةٍ آلافًا مِنَ النّاسِ، فَهَذا مُوسى قَدْ أطْعَمَ أُمَّتَهُ أرْبَعِينَ سَنَةً مِنَ المَنِّ والسَّلْوى! وهَذا مُحَمَّدٌ ﷺ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَدْ أطْعَمَ العَسْكَرَ كُلَّهُ مِن زادٍ يَسِيرُ جِدًّا حَتّى شَبِعُوا ومَلَئُوا أوْعِيَتَهُمْ، وسَقاهم كُلَّهم مِن ماءٍ يَسِيرٍ لا يَغْمُرُ اليَدَ حَتّى مَلَئُوا كُلَّ سِقاءٍ في العَسْكَرِ، وهَذا مَنقُولٌ عَنْهُ بِالتَّواتُرِ.

وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ صاحَ بِالبَحْرِ فَسَكَنَتْ أمْواجُهُ، فَقَدْ ضَرَبَ مُوسى البَحْرَ بِعَصاهُ فانْفَلَقَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا وقامَ الماءُ بَيْنَ الطُّرُقِ كالحِيطانِ، وفَجَّرَ مِنَ الحَجَرِ الصَّلْدِ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا سارِحَةً.

وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّهُ أبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأحْيى المَوْتى فَآياتُ مُوسى ومُحَمَّدٍ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ أعْجَبُ مِن ذَلِكَ.

وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّهُ ادَّعى ذَلِكَ فَلا يَخْلُو إمّا أنْ يَكُونَ الأمْرُ كَما تَقُولُونَ عَنْهُ، أوْ يَكُونَ إنَّما ادَّعى العُبُودِيَّةَ والِافْتِقارَ وأنَّهُ مَرْبُوبٌ ومَصْنُوعٌ مَخْلُوقٌ، فَإنْ كَما كانَ كَما ادَّعَيْتُمْ عَلَيْهِ فَهَذا أخُو المَسِيحِ الدَّجّالِ، ولَيْسَ بِمُؤْمِنٍ ولا صادِقٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ نَبِيًّا كَرِيمًا، وجَزاؤُهُ جَهَنَّمَ وبِئْسَ المَصِيرُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهم إنِّي إلَهٌ مِن دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾.

وَكُلُّ مَنِ ادَّعى الإلَهِيَّةَ مَن دُونِ اللَّهِ فَهو مَن أعْظَمِ أعْداءِ اللَّهِ، كَفِرْعَوْنَ ونَمْرُودَ وأمْثالِهِما مِن أعْداءِ اللَّهِ، فَأخْرَجْتُمُ المَسِيحَ عَنْ كَرامَةِ اللَّهِ ونُبُوَّتِهِ ورِسالَتِهِ، وجَعَلْتُمُوهُ أعْظَمَ أعْداءِ اللَّهِ، ولِهَذا كُنْتُمْ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلْمَسِيحِ في صُورَةِ مُحِبٍّ مُوالٍ! ومِن أعْظَمِ ما يُعْرَفُ بِهِ كَذِبُ المَسِيحِ الدَّجّالِ أنَّهُ يَدَّعِي الإلَهِيَّةَ فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ ورَسُولَهُ مَسِيحَ الهُدى ابْنَ مَرْيَمَ فَيَقْتُلُهُ، ويُظْهِرُ لِلْخَلائِقِ أنَّهُ كانَ كاذِبًا مُفْتَرِيًا، ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يُقْتَلْ، فَضْلًا عَنْ أنْ يُصْلَبَ ويُسَمَّرَ ويُبْصَقَ في وجْهِهِ!

وَإنْ كانَ المَسِيحُ إنَّما ادَّعى أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ كَما شَهِدَتْ بِهِ الأناجِيلُ كُلُّها ودَلَّ عَلَيْهِ العَقْلُ والفِطْرَةُ وشَهِدْتُمْ أنْتُمْ لَهُ بِالإلَهِيَّةِ - وهَذا هو الواقِعُ - فَلَمْ تَأْتُوا عَلى إلَهِيَّتِهِ بِبَيِّنَةٍ غَيْرِ تَكْذِيبِهِ في دَعْواهُ، وقَدْ ذَكَرْتُمْ عَنْهُ في أناجِيلِكم في مَواضِعَ عَدِيدَةٍ ما يُصَرِّحُ بِعُبُودِيَّتِهِ، وأنَّهُ مَرْبُوبٌ مَخْلُوقٌ، وأنَّهُ ابْنُ البَشَرِ، وأنَّهُ لَمْ يَدَّعِ غَيْرَ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، فَكَذَّبْتُمُوهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ، وصَدَّقْتُمْ مَن كَذَبَ عَلى اللَّهِ وعَلَيْهِ!

وَإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ أخْبَرَ بِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الأُمُورِ، كَذَلِكَ كانَ الأنْبِياءُ، بَلْ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ يُخْبِرُ بِما يَكُونُ بَعْدَهُ مِنَ الأُمُورِ ويُخْبِرُ عَنْ حَوادِثَ في المُسْتَقْبَلِ جُزْئِيَّةٍ ويَكُونُ ذَلِكَ كَما أخْبَرَ بِهِ.

وَيَقَعُ مِن ذَلِكَ كَثِيرٌ لِلْكُهّانِ والمُنَجِّمِينَ والسَّحَرَةِ! وإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ سَمّى نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الإنْجِيلِ، كَقَوْلِهِ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي، وإنِّي سائِلُ أبِي، ونَحْوَ ذَلِكَ، وابْنُ الإلَهِ إلَهٌ، قِيلَ: فاجْعَلُوا أنْفُسَكم آلِهَةً كُلُّكُمْ، فَإنَّ في الإنْجِيلِ في غَيْرِ مَوْضِعٍ أنَّهُ سَمّاهُ أباهُ وأباهُمْ، كَقَوْلِهِ: إنِّي ذاهِبٌ إلى أبِي وأبِيكم.

وَفِيهِ: لا تَنَسِبُوا أباكم عَلى الأرْضِ فَإنَّ أباكُمُ الَّذِي في السَّماءِ وحْدَهُ، وهَذا كَثِيرٌ في الإنْجِيلِ وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ الأبَّ عِنْدَهُمْ: الرَّبُّ.

وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّ تَلامِيذَهُ ادَّعَوْا ذَلِكَ، وهم أعْلَمُ النّاسِ بِهِ كَذَّبَتْكم أناجِيلُكُمُ الَّتِي بِأيْدِيكُمْ، وكُلُّها صَرِيحَةٌ أظْهَرَ صَراحَةٍ بِأنَّهم ما ادَّعَوْا لَهُ إلّا ما ادَّعاهُ لِنَفْسِهِ مِن أنَّهُ عَبْدٌ.

فَهَذا مَتّى يَقُولُ في الفَصْلِ التّاسِعِ مِن إنْجِيلِهِ مُحْتَجًا بِنُبُوَّةِ أشْعِيا في المَسِيحِ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: هَذا عَبْدِي الَّذِي اصْطَفَيْتُ وحَبِيبِي الَّذِي ارْتاحَتْ نَفْسِي لَهُ.

وَفِي الفَصْلِ الحادِي عَشَرَ مِن إنْجِيلِهِ: إنِّي أشْكُرُكَ يا رَبَّ السَّماواتِ والأرْضِ.

وَهَذا لُوقا يَقُولُ في آخِرِ إنْجِيلِهِ: إنَّ المَسِيحَ عَرَضَ لَهُ ولِآخَرَ مِن تَلامِيذِهِ في الطَّرِيقِ مَلَكٌ وهُما مَحْزُونانِ، فَقالَ لَهُما وهُما لا يَعْرِفانِهِ: ما بالِكُما مَحْزُونَيْنِ؟ فَقالا: كَأنَّكَ غَرِيبٌ في بَيْتِ المَقْدِسِ، إذْ كُنْتَ لا تَعْلَمُ ما حَدَثَ فِيها في هَذِهِ الأيّامِ مِن أمْرِ يَسُوعَ النّاصِرِيِّ، فَإنَّهُ كانَ رَجُلًا نَبِيًّا قَوِيًّا تَقِيًّا في قَوْلِهِ وفِعْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ وعِنْدَ الأُمَّةِ، أخَذُوهُ وقَتَلُوهُ. وهَذا كَثِيرٌ جِدًّا في الإنْجِيلِ! وإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا لِأنَّهُ صَعِدَ إلى السَّماءِ فَهَذا أخْنُوخُ وإلْياسُ قَدْ صَعِدا إلى السَّماءِ وهُما حَيّانِ مُكَرَّمانِ لَمْ تَشُكْهُما شَوْكَةٌ ولا طَمَعَ فِيهِما طامِعٌ.

والمُسْلِمُونَ مُجْمِعُونَ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا ﷺ صَعِدَ إلى السَّماءِ وهو عَبْدٌ مَحْضٌ وهَذِهِ المَلائِكَةُ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ، وهَذِهِ أرْواحُ المُؤْمِنِينَ تَصْعَدُ إلى السَّماءِ بَعْدَ مُفارَقَتِها الأبْدانُ، ولا تَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنِ العُبُودِيَّةِ، وهَلْ كانَ الصُّعُودُ إلى السَّماءِ مُخْرِجٌ عَنِ العُبُودِيَّةِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟

وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّ الأنْبِياءَ سَمَّتْهُ إلَهًا ورَبًّا وسَيِّدًا ونَحْوَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ كَثِيرٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ تَقَعُ عَلى غَيْرِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الأُمَمِ وفي سائِرِ الكُتُبِ، وما زالَتِ الرُّومُ والفُرْسُ والهِنْدُ والسُّرْيانِيُّونَ والعِبْرانِيُّونَ والقِبْطُ وغَيْرُهم يُسَمُّونَ مُلُوكَهم آلِهَةً وأرْبابًا.

وَفِي السِّفْرِ الأوَّلِ مِنَ التَّوْراةِ: أنَّ بَنِي اللَّهِ دَخَلُوا عَلى بَناتِ النّاسِ ورَأوْهُنَّ بارِعاتِ الجَمالِ فَتَزَوَّجُوا مِنهُنَّ.

وَفِي السِّفْرِ الثّانِي مِنَ التَّوْراةِ قِصَّةُ المَخْرَجِ مِن مِصْرَ إنِّي جَعَلْتُكَ إلَهًا لِفِرْعَوْنَ، وفي المَزْمُورِ الثّانِي والثَّمانِينَ: وقامَ اللَّهُ في جَمِيعِ الآلِهَةِ.

هَذا في العِبْرانِيَّةِ، وأمّا مَن نَقَلَهُ إلى السُّرْيانِيَّةِ فَإنَّهُ حَرَّفَهُ، فَقالَ: قامَ اللَّهُ في جَماعَةِ المَلائِكَةِ، وقالَ في هَذا المَزْمُورِ وهو يُخاطِبُ قَوْمًا بِالرُّوحِ: لَقَدْ ظَنَنْتُ أنَّكم آلِهَةً وأنَّكم أبْناءُ اللَّهِ كُلُّكُمْ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ عَبْدَهُ بِالمَلِكِ كَما سَمّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ.

وَسَمّى نَبِيَّهُ بِالرَّءُوفِ الرَّحِيمِ كَما سَمّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وسَمّاهُ بِالعَزِيزِ وسَمّى نَفْسَهُ كَذَلِكَ، واسْمُ الرَّبِّ واقِعٌ عَلى غَيْرِ اللَّهِ تَعالى في لُغَةِ أُمَّةِ التَّوْحِيدِ، كَما يُقالُ: هو رَبُّ الدّارِ، ورَبُّ المَنزِلِ، ورَبُّ الإبِلِ، ورَبُّ هَذا المَتاعِ.

وَقَدْ قالَ أشْعِيا: عَرَفَ الثَّوْرُ مَنِ اقْتَناهُ، والحِمارُ مَرْبَطَ رَبِّهِ، ولَمْ تَعْرِفْ بَنُو إسْرائِيلَ - يَعْنِي مَن خَلَقَهم.

وَإنْ جَعَلْتُمُوهُ إلَهًا لِأنَّهُ صَنَعَ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ أيْ: صُورَةَ طائِرٍ ثُمَّ نَفَخَ فِيها وصارَتْ لَحْمًا ودَمًا وطائِرًا حَقِيقَةً ولا يَفْعَلُ هَذا إلّا اللَّهُ.

قِيلَ: فاجْعَلُوا مُوسى بْنَ عِمْرانَ إلَهَ الآلِهَةِ فَإنَّهُ ألْقى عَصًا فَصارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا، ثُمَّ أمْسَكَها بِيَدِهِ فَصارَتْ عَصًا كَما كانَ.

وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا بِشَهادَةِ الأنْبِياءِ الرُّسُلِ لَهُ بِذَلِكَ، قالَ عِزْرا حَيْثُ سَباهم بُخْتَ نَصَّرُ إلى أرْضِ بابِلَ، إلى أرْبَعِمِائَةٍ واثْنَيْنِ وثَمانِينَ سَنَةً: يَأْتِي المَسِيحُ ويُخَلِّصُ الشُّعُوبَ والأُمَمَ، وعِنْدَ انْتِهاءِ هَذِهِ المُدَّةِ أتى المَسِيحُ، ومَن يُطِيقُ يُخَلِّصُ الأُمَمَ والشُّعُوبَ غَيْرَ الإلَهِ التّامِّ، قِيلَ لَكُمْ: فاجْعَلُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ آلِهَةً فَإنَّهم خَلَّصُوا الأُمَمَ مِنَ الكُفْرِ والشِّرْكِ وخَلَّصُوهم مِنَ النّارِ بِإذْنِ اللَّهِ وحْدَهُ.

وَلا شَكَّ أنَّ المَسِيحَ خَلَّصَ مَن آمَنَ بِهِ واتَّبَعَهُ مَن ذَلِّ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، كَما خَلَّصَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ مِن فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ، وخَلَّصَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن عَذابِ النّارِ في الآخِرَةِ.

وَخَلَّصَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِمُحَمَّدٍ ﷺ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ مِنَ الأُمَمِ والشُّعُوبِ ما لَمْ يُخَلِّصْهُ نَبِيٌّ سِواهُ، فَإنْ وجَبَتْ بِذَلِكَ الإلَهِيَّةُ لِعِيسى بِذَلِكَ فَمُوسى ومُحَمَّدٌ أحَقُّ بِها مِنهُ.

وَإنْ قُلْتُمْ: أوْجَبْنا لَهُ بِذَلِكَ الإلَهِيَّةَ لِقَوْلِ أرْمِيا النَّبِيِّ عَنْ وِلادَتِهِ: وفي ذَلِكَ الزَّمانِ (يَقُومُ لِداودَ ابْنٌ)، وهو ضَوْءُ النَّهارِ، يَمْلِكُ المُلْكَ، ويُقِيمُ الحَقَّ والعَدْلَ في الأرْضِ، ويُخَلِّصُ مَن آمَنَ بِهِ مِنَ اليَهُودِ ومِن بَنِي إسْرائِيلَ ومِن غَيْرِهِمْ، ويَبْقى بَيْتُ المَقْدِسِ بِغَيْرِ مُقابِلٍ، ويُسَمّى الإلَهَ.

فَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ اسْمَ الإلَهِ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ وغَيْرِها قَدْ أُطْلِقَ عَلى غَيْرِهِ وهو بِمَنزِلَةِ الرَّبِّ والسَّيِّدِ والآبِ، ولَوْ كانَ عِيسى هو اللَّهُ لَكانَ أجَلَّ مَن أنْ يُقالَ: ويُسَمّى الإلَهَ، وكانَ يَقُولُ وهو اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُعْرَفُ بِمِثْلِ هَذا، وفي هَذا الدَّلِيلِ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ بِهِ إلَهًا أعْظَمُ الأدِلَّةِ عَلى أنَّهُ عَبْدٌ، وأنَّهُ ابْنُ البَشَرِ، فَإنَّهُ قالَ: ويَقُومُ لِداوُدَ ابْنٌ، فَهَذا الَّذِي قامَ لِداوُدَ هو الَّذِي سَمّى بِالإلَهِ، فَعُلِمَ أنَّ هَذا الِاسْمَ لِمَخْلُوقٍ مَصْنُوعٍ مَوْلُودٍ لا لِرَبِّ العالَمِينَ وخالِقِ السَّماواتِ والأرَضِينَ.

فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّما جَعَلْناهُ إلَهًا مِن جِهَةِ قَوْلِ أشْعِيا النَّبِيِّ: قُلْ لِصَهْيُونَ يَفْرَحُ ويَتَهَلَّلُ فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِي ويُخَلِّصُ الشُّعُوبَ، ويُخَلِّصُ مَن آمَنَ بِهِ، ويُخَلِّصُ مَدِينَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُظْهِرُ اللَّهُ ذِراعَهُ الطّاهِرَ فِيها لِجَمِيعِ الأُمَمِ المُتَبَدِّدِينَ، ويَجْعَلُهم أُمَّةً واحِدَةٍ، ويُبْصِرُ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ خَلاصَ اللَّهِ، لِأنَّهُ يَمْشِي مَعَهم وبَيْنَ أيْدِيهِمْ ويَجْمَعُهم إلَهُ إسْرائِيلَ.

قِيلَ لَكُمْ: هَذا يَحْتاجُ أوَّلًا إلى أنْ يُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ في نُبُوَّةِ أشْعِيا بِهَذا اللَّفْظِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلَفْظِهِ ولا غَلَطٍ في التَّرْجَمَةِ، وهَذا غَيْرُ مَعْلُومٍ.

وَإنْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ إلَهٌ تامٌّ، وأنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ ولا مَخْلُوقٍ، فَإنَّهُ نَظِيرُ ما في التَّوْراةِ مِن قَوْلِهِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ، ولَيْسَ في هَذا ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مُوسى ومُحَمَّدًا إلَهَيْنِ.

والمُرادُ مَجِيءُ دِينِهِ وكِتابِهِ وشَرْعِهِ وهُداهُ ونُورِهِ.

وَأمّا قَوْلُهُ: ويُظْهِرُ اللَّهُ ذِراعَهُ الطّاهِرَ لِجَمِيعِ الأُمَمِ المُتَبَدَّدِينَ، فَفي التَّوْراةِ مِثْلَ هَذا وأبْلَغُ مِنهُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ.

وَأمّا قَوْلُهُ: ويُبْصِرُ جَمِيعُ أهْلِ الأرْضِ خَلاصَ اللَّهِ لِأنَّهُ يَمْشِي مَعَهم وبَيْنَ يَدَيْهِمْ، فَقَدْ قالَ في التَّوْراةِ في السِّفْرِ الخامِسِ لِبَنِي إسْرائِيلَ: لا تَهابُوهم ولا تَخافُوهُمْ، لِأنَّ اللَّهَ رَبُّكُمُ السّائِرُ بَيْنَ أيْدِيكم وهو مُحارِبٌ عَنْكم.

وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قالَ مُوسى: إنَّ الشَّعْبَ هو شَعْبُكَ، فَقالَ أنا أمْضِي أمامَكَ.

فَقالَ: إنْ لَمْ تَمْضِ أنْتَ أمامَنا، وإلّا فَلا تُصْعِدْنا مِن هاهُنا، وكَيْفَ أعْلَمُ أنا وهَذا الشَّعْبُ أنِّي وجَدْتُ نِعْمَةَ كَذا إلّا بِسَيْرِكَ مَعَنا؟

وَفِي السِّفْرِ الرّابِعِ: إنْ أصْعَدْتَ هَؤُلاءِ بِقُدْرَتِكَ فَيَقُولُونَ لِأهْلِ الأرْضِ الَّذِينَ سَمِعُوا مِنكَ: اللَّهُ فِيما بَيْنَ هَؤُلاءِ القَوْمِ يَرَوْنَهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وغَمامُكَ يُقِيمُ عَلَيْهِمْ، ويَعُودُ غَمامٌ يَسِيرُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ نَهارًا ويَعُودُ نارًا لَيْلًا.

وَفِي التَّوْراةِ أيْضًا يَقُولُ اللَّهُ لِمُوسى: إنِّي آتٍ إلَيْكَ في غِلْظِ الغَمامِ لِكَيْ يَسْمَعَ القَوْمُ مُخاطَبَتِي لَكَ.

وَفِي الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ وكَلامِ الأنْبِياءِ مِن هَذا كَثِيرٌ، وفِيما حَكى خاتَمُ الأنْبِياءِ عَنْ رَبِّهِ تَعالى أنَّهُ قالَ: ولا يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوافِلِ حَتّى أُحِبَّهُ، فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، ويَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِها، ورِجْلُهُ الَّتِي يَمْشِي بِها، فَبِي يَسْمَعُ، وبِي يَبْطِشُ، وبِي يَمْشِي.

وَإنْ قُلْتُمْ جَعَلْناهُ إلَهًا لِقَوْلِ زَكَرِيّا في نُبُوَّتِهِ: افْرَحِي يا بِنْتَ صَهْيُونَ لِأنِّي آتِيكِ وأحُلُّ فِيكِ وأتَراءى، وتُؤْمِنُ بِاللَّهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ الأُمَمُ الكَثِيرَةُ، ويَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا واحِدًا، ويَحِلُّ هو فِيهِمْ ويَعْرِفُونَ أنِّي أنا اللَّهُ القَوِيُّ السّاكِنُ فِيكَ، ويَأْخُذُ اللَّهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ المُلْكَ مَن يَهُوَدا ويَمْلِكُ عَلَيْهِمْ إلى الأبَدِ.

قِيلَ لَكُمْ: إنْ وجَبَتْ لَهُ الإلَهِيَّةُ بِهَذا فَتَجِبُ لِإبْراهِيمَ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، فَإنَّ عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وأنْتُمْ مَعَهُمْ، أنَّ اللَّهَ تَجَلّى عَلى إبْراهِيمَ واسْتَعْلَنَ لَهُ وتَراءى لَهُ.

وَأمّا قَوْلُهُ: وأحِلُّ فِيكِ، لَمْ يُرِدِ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى حُلُولَ ذاتِهِ الَّتِي لَمْ تَسَعْها السَّماواتُ والأرْضُ في بَيْتِ المَقْدِسِ، وكَيْفَ تَحِلُّ ذاتُهُ في مَكانٍ يَكُونُ فِيهِ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا مَعَ شَرارِ الخَلْقِ؟ كَيْفَ وقَدْ قالَ: ويَعْرِفُونَ أنِّي أنا اللَّهُ القَوِيُّ السّاكِنُ فِيكِ؟ أفَتَرى عَرَفُوا قُوَّتَهُ بِالقَبْضِ عَلَيْهِ، وشَدِّ يَدَيْهِ بِالحِبالِ، ورَبْطِهِ عَلى خَشَبَةِ الصَّلِيبِ، ودَقِّ المَسامِيرِ في يَدَيْهِ ورَجْلَيْهِ، ووَضْعِ تاجِ الشَّوْكِ عَلى رَأْسِهِ، وهو يَسْتَغِيثُ ولا يُغاثُ؟ وما كانَ المَسِيحُ يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا وهو مَغْلُوبٌ مَقْهُورٌ مُسْتَخْفٍ في غالِبِ أحْوالِهِ.

وَلَوْ صَحَّ مَجِيءُ هَذِهِ الألْفاظِ صِحَّةً لا تُدْفَعُ، وصَحَّتْ تَرْجَمَتُها كَما ذَكَرُوهُ، لَكانَ مَعْناها أنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ والإيمانَ بِهِ، وذِكْرَهُ ودِينَهُ وشَرْعَهُ حَلَّ في تِلْكَ البُقْعَةِ، وبَيْتُ المَقْدِسِ، لَمّا ظَهَرَ فِيهِ دِينُ المَسِيحِ بَعْدَ رَفْعِهِ حَصَلَ فِيهِ مِنَ الإيمانِ بِاللَّهِ ومَعْرِفَتِهِ ما لَمْ يَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ.

وَجِماعُ الأمْرِ أنَّ النُّبُوّاتِ المُتَقَدِّمَةَ والكُتُبَ الإلَهِيَّةَ لَمْ تَنْطِقْ بِحَرْفٍ واحِدٍ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ ابْنُ البَشَرِ إلَهًا تامًّا، إلَهَ حَقٍّ، وأنَّهُ غَيْرُ مَصْنُوعٍ ولا مَرْبُوبٍ، بَلْ لَمْ يَخُصَّهُ إلّا بِما خُصَّ بِهِ أخُوهُ وأوْلى النّاسِ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ.

وَكُتُبُ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمَةُ وسائِرُ النُّبُوّاتِ مُوافِقَةٌ بِما أخْبَرَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، وذَلِكَ كُلُّهُ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وجَمِيعُ ما تَسْتَدِلُّ بِهِ المُثَلِّثَةُ عُبّادُ الصَّلِيبِ عَلى إلَهِيَّةِ المَسِيحِ مِن ألْفاظٍ وكَلِماتٍ في الكُتُبِ فَإنَّها مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ المَسِيحِ وغَيْرِهِ، كَتَسْمِيَتِهِ ابْنًا وكَلِمَةً ورُوحَ الحَقِّ وإلَهًا، وكَذَلِكَ هو رُوحُ القُدُسِ، أمّا رُوحُ القُدُسِ فَهي سِرُّ اللَّهِ وأمْرُهُ، وقَدْ ورَدَ في الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ لِغَيْرِ المَسِيحِ.

وَقَدْ أُطْلِقَتْ لِمَعانٍ مِنها جِبْرِيلُ، ومِنها اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ، ومِنها الوَحْيُ، وقَدْ أُطْلِقَتْ عَلى المَسِيحِ لِأنَّ رُوحَهُ لَمْ تُخالِطْ نُطْفَةً، والقُدُّوسُ هو الطّاهِرُ، ولِذَلِكَ أُطْلِقَ عَلى المَسِيحِ رُوحُ اللَّهِ، وهَذِهِ الإضافَةُ إضافَةُ تَعْظِيمٍ كَقَوْلِهِ: بَيْتُ اللَّهِ وناقَةُ اللَّهِ وكَما كانَتِ الأُمَمُ الماضِيَةُ يُطْلِقُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ أبْناءَ اللَّهِ، ومِنها القُرْآنُ الَّذِي هو أعَمُّ مِنَ القُرْآنِ المُنَزَّلِ عَلى مُحَمَّدٍ الشّامِلُ لِكُلِّ كِتابٍ مُنَزَّلٍ.

وَأمّا الرُّوحُ الَّتِي بِها الحَياةُ فَهي النَّفْسُ عَلى قاعِدَةِ أهْلِ السُّنَّةُ، وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ ويُشاكِلُ الأجْسامَ المَحْسُوسَةَ تُحْدَثُ، ويُخْرَجُ بِها إلى السَّماءِ بِفَرَحٍ، لا تَمُوتُ ولا تَفْنى، وهي مِمّا لَهُ أوَّلٌ ولَيْسَ لَهُ آخِرٌ كالجَنَّةِ والنّارِ، واَلْأجْسادُ في المَعادِ وهي بِعَيْنَيْنِ ويَدِينِ، وهي ذُو رِيحَةٍ طَيِّبَةٍ أوْ كَرِيهَةٍ بِحَسْبَ مَحَلِّها، وهي إمّا مُنَعَّمَةٌ أوْ مُعَذَّبَةٌ، وذَلِكَ غايَةُ الدَّلِيلِ عَلى حُدُوثِها.

وَإنَّما سُمِّيَ المَسِيحُ رُوحَ اللَّهِ، لِأنَّهُ ذُو رُوحٍ وجَدٍّ مِن غَيْرِ جُزْءٍ مِن ذِي رُوحٍ، كالنُّطْفَةِ المُنْفَصِلَةِ مِنَ الأبِّ الحَيِّ، وإنَّما اخْتُرِعَ اخْتِراعًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقُدْرَتُهُ خالِصَةٌ.

وَسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ لِأنَّهُ وُجِدَ بِكَلِمَتِهِ وأمْرِهِ مِن غَيْرِ واسِطَةِ أبٍّ ولا نُطْفَةٍ وهَذا ظاهِرٌ.

وَكَذَلِكَ ما أُطْلِقَ مِن حُلُولِ رُوحِ القُدُسِ فِيهِ، وظُهُورِ الرَّبِّ فِيهِ أوْ في مَكانِهِ، وقَدْ وقَعَ في نَظِيرِ شِرْكِهِمْ وكُفْرِهِمْ طَوائِفُ مِنَ المُنْتَسِبِينَ إلى الإسْلامِ، واشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ ما يَحِلُّ في قُلُوبِ العارِفِينَ مِنَ الإيمانِ بِهِ ومَعْرِفَتِهِ ونُورِهِ وهُداهُ، فَظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ نَفْسُ ذاتِ الرَّبِّ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَهُ المَثَلُ الأعْلى في السَّماواتِ والأرْضِ وهو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾، وهو ما في قُلُوبِ المَلائِكَةِ وأنْبِيائِهِ وعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الإيمانِ بِهِ ومَعْرِفَتِهِ ومَحَبَّتِهِ وإجْلالِهِ وتَعْظِيمِهِ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ في السَّماواتِ وفي الأرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكم وجَهْرَكم ويَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾

وَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي في السَّماءِ إلَهٌ وفي الأرْضِ إلَهٌ وهو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾

فَأوْلِياءُ اللَّهِ يَعْرِفُونَهُ ويُحِبُّونَهُ، ويُجِلُّونَهُ أنْ يُقالَ هو ما في قُلُوبِهِمْ، والمُرادُ مَحَبَّتُهُ ومَعْرِفَتُهُ والمَثَلُ الأعْلى في قُلُوبِهِمْ لا نَفْسَ ذاتِهِ، وهَذا أمُرُّ تَعْتادُهُ النّاسُ في مُخاطَباتِهِمْ ومُحاوَراتِهِمْ، يَقُولُ الإنْسانُ لِغَيْرِهِ: أنْتَ في قَلْبِي ولا زِلْتَ في عَيْنِي كَما قالَ القائِلُ: ومِن عَجَبٍ أنِّي أحِنُّ إلَيْهُمُ ... وأسْألُ عَنْهم مَن لَقِيتُ، وهم مَعِي ... وتَطْلُبُهم عَيْنِي، وهم في سَوادِها

وَيَشْتاقُهم قَلْبِي، وهم بَيْنَ أضْلُعِي

وَقالَ آخَرُ:

؎خَيالُكَ في عَيْنِي وذِكْرُكَ في فَمِي ∗∗∗ ومَثْواكَ في عَيْنِي فَأيْنَ تَغِيبُ

وَقالَ آخَرُ في المَعْنى وأجادَ:

؎إنْ قُلْتُ غِبْتِ فَقَلْبِي لا يُصَدِّقُنِي ∗∗∗ إذْ أنْتِ فِيهِ فَدَتْكِ النَّفْسُ لَمْ تَغِبِ

؎أوْ قُلْتُ ما غِبْتِ قالَ الطَّرْفُ ذا كَذِبٌ ∗∗∗ فَقَدْ تَحَيَّرْتُ بَيْنَ الصِّدْقِ والكَذِبِ

وَقالَ آخَرُ: (فِي المَعْنى مُفْرَدٌ)

؎أحِنُّ إلَيْهِ وهْوَ في القَلْبِ ساكِنٌ ∗∗∗ فَيا عَجَبًا لِمَن يَحِنُّ لِقَلْبِهِ

وَمَن غَلُظَ طَبْعُهُ، وكَشَفَ فَهْمُهُ عَنْ فَهْمِ مِثْلِ هَذا، لَمْ يَكْثُرْ عَلَيْهِ أنْ يَفْهَمَ مِن ألْفاظِ الكُتُبِ أنَّ ذاتَ اللَّهِ سُبْحانَهُ تَحِلُّ في الصُّورَةِ البَشَرِيَّةِ وتَتَّحِدُ بِها وتَمْتَزِجُ بِها، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.

وَإنْ قُلْتُمْ: أوْجَبْنا لَهُ الإلَهِيَّةَ مِن قَوْلِ أشْعِيا: مِن أعْجَبِ الأعاجِيبِ أنَّ رَبَّ المَلائِكَةِ سَيُولَدُ مِنَ البَشَرِ.

قِيلَ: لَكم هَذا، مَعَ أنَّ هَذا يَحْتاجُ إلى صِحَّةِ الكَلامِ عَنْ أشْعِيا، وأنَّهُ لَمْ يُحَرَّفْ بِالنَّقْلِ مِن تَرْجَمَةٍ إلى تَرْجَمَةٍ، وأنَّهُ كَلامٌ مُنْقَطِعٌ عَمّا قَبْلَهُ وبَعْدَهُ، تَنْبِيهٌ ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مَخْلُوقٌ مَصْنُوعٌ، وأنَّهُ ابْنُ البَشَرِ يُوَلَدُ مِنهُ، لا مِنَ الأحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ.

وَإنْ قُلْتُمْ: جَعَلْناهُ إلَهًا مِن قَوْلِ مَتّى في الإنْجِيلِ: إنَّ ابْنَ الإنْسانِ يُرْسِلُ مَلائِكَتَهُ ويَجْمَعُونَ كُلَّ المُلُوكِ فَيُلْقُونَهم في أتُونِ النّارِ.

قِيلَ: هَذا كالَّذِي قَبْلَهُ، ولَمْ يُرِدْ أنَّ المَسِيحَ هو رَبُّ الأرْبابِ ولا أنَّهُ خالِقُ المَلائِكَةِ، ومِمّا يَشْهَدُ لِذَلِكَ وأنَّ الضَّمِيرَ في الهاءِ مِنَ المَلائِكَةِ راجِعٌ إلى اللَّهِ لا إلى المَسِيحِ، قَوْلُ مُرْقُسَ في إنْجِيلِهِ في هَذا المَحَلِّ في هَذا المَعْنى: فابْنُ الإنْسانِ يَفْضَحُهُ إذا جاءَ في مِحْرابِهِ ومَلائِكَتِهِ المُقَدِّسِينَ، فافْهَمْ ذَلِكَ.

وَيُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ المَسِيحَ سَفِيرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ بَعْضِ مَلائِكَةِ العَذابِ في جَمِيعِ مُلُوكِ الكُفْرِ مِنَ المُنْتَسِبِينَ لِدِينِهِ مِن عَرَصاتِ القِيامَةِ وإدْخالِهِمُ النّارَ.

والضَّمِيرُ في المَلائِكَةِ عائِدٌ إلى اللَّهِ لا إلى المَسِيحِ، وإنَّما القَوْمُ جَهَلَةٌ بِمَقامِ الرُّبُوبِيَّةِ ومَقامِ المَلائِكَةِ، واللِّسانِ العَرَبِيِّ المُتَرْجَمِ بِهِ عَنْ لُغَتِهِمْ ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن هادٍ وحاشَ لِلَّهِ أنْ يُطْلِقَ عَلَيْهِ أنَّهُ رَبُّ المَلائِكَةِ بَلْ هَذا مِن أقْبَحِ الكَذِبِ والِافْتِراءِ، بَلْ ورَبُّ المَلائِكَةِ أوْصاهم بِحِفْظِ المَسِيحِ وتَأْيِيدِهِ بِشَهادَةِ النَّبِيِّ القائِلِ عِنْدَهُمْ: إنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلائِكَتَهُ بِكَ لِيَحْفَظُوكَ. ثُمَّ بِشَهادَةِ لُوقا: إنَّ اللَّهَ أرْسَلَ لَهُ مَلَكًا مِنَ السَّماءِ لِيُقَوِّيَهُ.

هَذا الَّذِي نَطَقَتْ بِهِ الكُتُبُ، فَحَرَّفَ الكَذّابُونَ عَلى اللَّهِ وعَلى مَسِيحِهِ ذَلِكَ، ونَسَبُوا إلى الأنْبِياءِ أنَّهم قالُوا: هو رَبُّ المَلائِكَةِ.

وَإذا شَهِدَ الإنْجِيلُ واتَّفَقَ الأنْبِياءُ والرُّسُلُ أنَّ اللَّهَ يُوصِي مَلائِكَتَهُ بِالمَسِيحِ لِيَحْفَظُوهُ، عُلِمَ أنَّ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ عَبِيدُ اللَّهِ مُنْقادُونَ لِأمْرِهِ، لَيْسُوا أرْبابًا ولا آلِهَةً.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском