Ibn al-QayyimAn‑Nisa · 4:157–159

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

An-Nisa 4:157–159, continued

وَقالَ المَسِيحُ لِتَلامِذَتِهِ: مَن قَبِلَكم فَقَدْ قَبِلَنِي، ومَن قَبِلَنِي فَقَدْ قَبِلَ مَن أرْسَلَنِي.

وَقالَ المَسِيحُ لِتَلامِذَتِهِ أيْضًا: مَن أنْكَرَنِي قُدّامَ النّاسِ أنْكَرْتُهُ قُدّامَ المَلائِكَةِ.

وَقالَ لِلَّذِي يَضْرِبُ عِنْدَ رَئِيسِ الكَهَنَةِ: اغْمِدْ سَيْفَكَ. ولا تَظُنُّ أنِّي لا أسْتَطِيعُ أنْ أدْعُوَ اللَّهَ الأبَ فَيُقِيمَ لِي أكْثَرَ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنَ المَلائِكَةِ.

فَهَلْ يَقُولُ هَذا مَن هو رَبُّ المَلائِكَةِ وإلَهُهم وخالِقُهُمْ؟

وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ بِما نَقَلْتُمُوهُ عَنْ أشْعِيا: تَخْرُجُ عَصا مِن بَيْتِ نَبِيٍّ ويَخْرُجُ مِنها نُورٌ ويَحِلُّ فِيهِ رُوحُ القُدُسِ، رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الكَلِمَةِ والفَهْمِ، رُوحُ الحِيَلِ والقُوَّةِ، رَوْحُ الحِلْمِ وخَوْفُ اللَّهِ وبِهِ يُؤْمِنُونَ وعَلَيْهِ يَتَّكِلُونَ ويَكُونُ لَهُمُ التّاجُ والكَرامَةُ إلى دَهْرِ الدّاهِرَيْنِ.

قِيلَ لَكُمْ: هَذا الكَلامُ بَعْدَ المُطالَبَةِ بِصِحَّةِ نَقْلِهِ عَنْ أشْعِيا، وصِحَّةِ التَّرْجَمَةِ لَهُ بِاللِّسانِ العَرَبِيِّ، وأنَّهُ لَمْ تُحَرِّفْهُ التَّراجِمُ، هو حُجَّةٌ عَلى المُثَلِّثَةِ عُبّادِ الصَّلِيبِ لا لَهُمْ، فَإنَّهُ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، بَلْ يَدُلُّ عَلى مِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، وأنَّ المَسِيحَ أُيِّدَ بِرُوحِ القُدُسِ، فَإنَّهُ قالَ: ويَحِلُّ فِيهِ رُوحُ اللَّهِ، رُوحُ الكَلِمَةِ والفَهْمِ، رُوحُ الحِيَلِ والقُوَّةِ، رُوحُ العِلْمِ وخَوْفُ اللَّهِ. ولَمْ يَقُلْ: تَحِلُّ فِيهِ حَياةُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحِلَّ اللَّهُ فِيهِ ويَتَّحِدَ بِهِ، ويَتَّخِذَ حِجابًا مِن ناسُوتِهِ. وهَذِهِ الرُّوحُ تَكُونُ مَعَ الأنْبِياءِ والصِّدِّيقِينَ، وعِنْدَهم في التَّوْراةِ: إنَّ الَّذِينَ كانُوا يَعْمَلُونَ في قُبَّةِ الزَّمانِ حَلَّتْ فِيهِمْ رُوحُ الحِكْمَةِ ورُوحُ الفَهْمِ والعِلْمِ وهي ما يَحْصُلُ بِهِ الهُدى والنَّصْرُ والتَّأْيِيدُ.

وَقَوْلُهُ: رُوحُ اللَّهِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّها صِفَتُهُ، فَضْلًا أنْ يَكُونَ هو اللَّهُ، وجِبْرِيلُ يُسَمّى رُوحُ اللَّهِ، والمَسِيحُ اسْمُهُ رُوحُ اللَّهِ.

والمُضافُ إلى اللَّهِ إذا كانَ ذاتًا قائِمَةً بِنَفْسِها فَهو إضافَةُ مَمْلُوكٍ إلى مالِكٍ كَبَيْتِ اللَّهِ، وناقَةِ اللَّهِ ورُوحِ اللَّهِ، لَيْسَ المُرادُ بِهِ بَيْتًا يَسْكُنُهُ، ولا ناقَةً يَرْكَبُها، ولا رُوحًا قائِمَةً بِهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإيمانَ وأيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ، وقالَ تَعالى: {وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا﴾.

فَهَذِهِ الرُّوحُ أيَّدَ بِها عِبادَهُ المُؤْمِنِينَ.

وَأمّا قَوْلُهُ: وبِهِ يُؤْمِنُونَ وعَلَيْهِ يَتَوَكَّلُونَ فَهو عائِدٌ إلى اللَّهِ تَعالى لا إلى العَصا الَّتِي تَنْبُتُ مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ.

وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ قُلْ هو الرَّحْمَنُ آمَنّا بِهِ وعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا

وَقالَ مُوسى ﴿ياقَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾.

وَهُوَ كَثِيرٌ في القُرْآنِ، وقَدْ أخْبَرَ أنَّهُ أيَّدَهُ اللَّهُ بِرُوحِ العِلْمِ وخَوْفِ اللَّهِ، فَجَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ والخَشْيَةِ وهُما الأصْلانِ اللَّذانِ جَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَهُما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَخْشى اللَّهَ مِن عِبادِهِ العُلَماءُ﴾.

وَفِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: أنا أعْلَمُكم بِاللَّهِ وأشَدُّكم لَهُ خَشْيَةً.

وَهَذا شَأْنُ العَبْدِ المَحْضِ. وأمّا الإلَهُ الحَقُّ رَبُّ العالَمِينَ فَلا يَلْحَقُهُ خَوْفٌ ولا خَشْيَةٌ ولا يَعْبُدُ غَيْرَهُ، والمَسِيحُ كانَ قائِمًا بِأوْرادِ العِباداتِ لِلَّهِ أتَمَّ القِيامِ.

وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةُ بِقَوْلٍ أشْعِيا: إنَّ غُلامًا وُلِدَ لَنا، وإَنَّنا أعْطَيْناهُ كَذا وكَذا رِئاسَةً عَلى عاتِقَيْهِ وبَيْنَ مَنكِبَيْهِ، ويُدْعى اسْمُهُ مَلِكًا عَظِيمًا إلَهًا قَوِيًّا مُسَلَّطًا رَئِيسًا، قَوِيَّ السَّلامَةِ في كُلِّ الدُّهُورِ، وسُلْطانُهُ كامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَناءٌ. قِيلَ لَكُمْ: لَيْسَ في هَذِهِ البِشارَةِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها المَسِيحُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

وَلَوْ كانَ المُرادُ بِها المَسِيحَ لَمْ يَدُلَّ عَلى مَطْلُوبِهِمْ، أمّا المَقامُ الأوَّلُ: فَدَلالَتُها عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أظْهَرُ مِن دَلالَتِها عَلى المَسِيحِ، فَإنَّهُ هو الَّذِي رِئاسَتُهُ عَلى عاتِقِهِ وبَيْنَ مَنكِبَيْهِ مِن جِهَتَيْنِ: مِن جِهَةِ أنَّ خاتَمَ النُّبُوَّةِ عَلى بَعْضِ كَتِفَيْهِ، وهو مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ الَّتِي أخْبَرَتْ بِهِ الأنْبِياءُ، وعَلامَةُ خَتْمِ دِيوانِهِمْ، ولِذَلِكَ كانَ في ظَهْرِهِ مِن جِهَةِ أنَّهُ بُعِثَ بِالسَّيْفِ الَّذِي تَقَلَّدَ بِهِ عَلى عاتِقِهِ، ويَرْفَعُهُ إذا ضَرَبَ بِهِ عَلى عاتِقِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَئِيسٌ مُسَلَّطٌ قَوِيُّ السَّلامَةِ، وهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ المُؤَيَّدِ المَنصُورِ المُسَلَّطِ رَئِيسِ السَّلامَةِ، فَإنَّ دِينَهُ الإسْلامُ، ومَنِ اتَّبَعَهُ سَلِمَ مِن خِزْيِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ ومِنَ اسْتِيلاءِ عَدُوِّهِ عَلَيْهِ.

والمَسِيحُ لَمْ يُسَلَّطْ عَلى أعْدائِهِ كَما سُلِّطَ مُحَمَّدٌ ﷺ، بَلْ كانَ أعْداؤُهُ مُسَلَّطِينَ عَلَيْهِ قاهِرِينَ لَهُ حَتّى عَمِلُوا بِهِ ما عَمِلُوا عِنْدَ المُثَلِّثَةِ عُبّادِ الصَّلِيبِ. فَأيْنَ مُطابَقَةُ هَذِهِ الصِّفاتِ لِلْمَسِيحِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؟ وهي مُطابِقَةٌ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ مِن كُلِّ وجْهٍ، وهو الَّذِي سُلْطانُهُ كامِلٌ لَيْسَ لَهُ فَناءٌ إلى آخِرِ الدَّهْرِ.

فَإنْ قِيلَ: إنَّكم لا تَدْعُونَ مُحَمَّدًا إلَهًا بَلْ هو عِنْدَكم عَبْدٌ مَحْضٌ؟ قِيلَ: نَعَمْ، واللَّهِ إنَّهُ لَكَذَلِكَ عَبْدٌ مَحْضٌ، والعُبُودِيَّةُ أجَلُّ مَراتِبِهِ، واسْمُ الإلَهِ مِن جِهَةِ التَّراجِمِ جاءَ، والمُرادُ بِهِ السَّيِّدُ المُطاعُ لا إلَهَ لَهُ، المَعْبُودُ الخالِقُ الرّازِقُ.

وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ مِن قَوْلٍ أشْعِيا فِيما زَعَمْتُمْ: ها هي العَذْراءُ تَحْبَلُ وتَلِدُ ابْنًا يُدْعى اسْمَهُ عَمانْوِيلَ، وعَمانُوئِيلُ كَلِمَةٌ عِبْرانِيَّةٌ تَفْسِيرُها بِالعَرَبِيَّةِ: إلَهُنا مَعَنا.

فَقَدْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ أنَّهُ إلَهٌ.

قِيلَ لَكم بَعْدَ ثُبُوتِ هَذا الكَلامِ وتَفْسِيرِهِ: لا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَذْراءَ ولَدَتْ رَبَّ العالَمِينَ وخالِقَ السَّماواتِ والأرَضِينَ، فَإنَّهُ قالَ: تَلِدُ ابْنًا وهَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ نَبِيٌّ مِن جُمْلَةِ النَّبِيِّينَ لَيْسَ هو رَبُّ العالَمِينَ.

وَأمّا قَوْلُهُ: ويُدْعى اسْمَهُ عَمانْوِيلَ فَإنَّما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ كَما تُسَمِّي النّاسُ أبْناءَهم بِأنْواعٍ مِنَ الصِّفاتِ والأسْماءِ والأفْعالِ والجُمَلِ المُرَكَّبَةِ مِنَ اسْمَيْنِ أوِ اسْمٍ وفِعْلٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يُسَمُّونَ أوْلادَهم عَمانْوِيلَ.

وَمِن عُلَمائِكم مَن يَقُولُ: المُرادُ بِالعَذْراءِ هاهُنا غَيْرُ مَرْيَمَ، ويَذْكُرُ في ذَلِكَ قِصَّةً، ويَدُلُّ عَلى هَذا أنَّ المَسِيحَ لا يُعْرَفُ اسْمُهُ عَمانْوِيلُ، وإنْ كانَ ذَلِكَ اسْمُهُ، فَكَوْنُهُ يُسَمّى " إلَهُنا مَعَنا " أوْ " بِاللَّهِ حَسْبِي "، أوِ اللَّهُ وحْدَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ إلَهٌ.

وَقَدْ حَرَّفَ بَعْضُ المُثَلِّثَةِ عُبّادُ الصَّلِيبِ هَذِهِ الكَلِمَةَ وقالَ: مَعْناها اللَّهُ مَعَنا، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُ مَن أنْصَفَ مِن عُلَمائِهِمْ وحَكَّمَ رُشْدَهُ عَلى هَواهُ، وهَداهُ اللَّهُ لِلْحَقِّ وبَصَّرَهُ مِن عَماهُ، وقالَ: (أهَذا هو القائِلُ: أنا الرَّبُّ، ولا إلَهَ غَيْرِي، وأنا أُحْيِي وأُمِيتُ وأخْلُقُ وأرْزُقُ؟

أمْ هو القائِلُ لِلَّهِ: إنَّكَ أنْتَ الإلَهُ الحَقُّ وحْدَكَ الَّذِي أرْسَلْتَ يُوسَعَ المَسِيحَ).

قالَ: والأوَّلُ باطِلٌ، والثّانِي هو الَّذِي شَهِدَ بِهِ الإنْجِيلُ، ويَجِبُ تَصْدِيقُ الإنْجِيلِ وتَكْذِيبُ مَن زَعَمَ أنَّ المَسِيحَ إلَهٌ مَعْبُودٌ.

قالَ: ولَيْسَ المَسِيحُ مَخْصُوصًا بِهَذا الِاسْمِ، بَلْ عَمانُوئِيلُ اسْمٌ تُسَمِّي بِهِ النَّصارى واليَهُودُ أوْلادَها. قالَ: وهَذا مَوْجُودٌ في عَصْرِنا هَذا، ومَعْنى هَذِهِ التَّسْمِيَةِ بَيْنَهم شَرِيفُ القَدْرِ.

قالَ: وكَذَلِكَ السُّرْيانُ يُسَمُّونَ أوْلادَهم عَمانْوِيلَ والمُسْلِمُونَ وغَيْرُهم يَقُولُونَ لِلرَّجُلِ: اللَّهُ مَعَكَ، فَإذا سُمِّيَ الرَّجُلُ بِقَوْلِ: اللَّهُ مَعَكَ، أوِ: اللَّهُ مَعَنا، كانَ هَذا تَبَرُّكًا بِمَعْنى هَذِهِ الِاسْمِ.

وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ بِقَوْلِ حَبْقُوقَ فِيما حَكاهُ عَنْهُ: إنَّ اللَّهَ في الأرْضِ يَتَزَيّا ويَخْتَلِطُ مَعَ النّاسِ ويَمْشِي مَعَهم.

وَيَقُولُ أرْمِيا أيْضًا بَعْدَ هَذا: اللَّهُ يَظْهَرُ في الأرْضِ ويَتَقَلَّبُ مَعَ البَشَرِ، قِيلَ لَكُمْ: هَذا بَعْدَ احْتِياجِهِ إلى ثُبُوتِ هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ أوَّلًا، وإلى ثُبُوتِ هَذا النَّقْلِ عَنْهُما، وإلى مُطابَقَةِ التَّرْجَمَةِ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ - وهَذِهِ ثَلاثُ مَقاماتٍ يَعِزُّ عَلَيْكم إثْباتُها - لا تَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ هو خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ، وأنَّهُ إلَهٌ حَقٌّ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ ولا مَصْنُوعٍ، فَفي التَّوْراةِ ما هو مِن هَذا الجِنْسِ وأبْلَغُ ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مُوسى إلَهٌ، ولا أنَّهُ خارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ العَبِيدِ لِلَّهِ.

وَقَوْلُهُ يَتَزَيّا مِثْلَ: تَجَلّى اللَّهُ وظَهَرَ واسْتَعْلَنَ ونَحْوَ ذَلِكَ مِن ألْفاظِ التَّوْراةِ وغَيْرِها مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ.

وَقَدْ ذُكِرَ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَجَلّى وتَزَيّا لِإبْراهِيمَ وغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى الإلَهِيَّةِ لِأحَدٍ مِنهُمْ، ولَمْ يَزَلْ في عُرْفِ النّاسِ ومُخاطَبَتِهِمْ أنْ يَقُولُوا: فُلانٌ مَعَنا وهو بَيْنَ أظْهُرِنا ولَمْ يَمُتْ، إذا كانَ عَمَلُهُ وسُنَّتُهُ وسِيرَتُهُ بَيْنَهم ووَصاياهُ يُعْمَلُ بِها بَيْنَهم.

وَكَذَلِكَ يَقُولُ القائِلُ لِمَن ماتَ والِدُهُ: ما ماتَ مَن خَلَّفَ مِثْلَكَ، وأنا والِدُكَ. وإذا رَأوْا تِلْمِيذَ العالِمِ يُعَلِّمُ عِلْمَهُ قالُوا: هَذا فُلانٌ باسِمِ أُسْتاذِهِ، كَما كانَ يُقالُ عَنْ عِكْرِمَةَ: هَذا ابْنُ عَبّاسٍ، وعَنْ أبِي حامِدٍ: هَذا الشّافِعِيُّ.

وَإذا بَعَثَ المَلِكُ نائِبًا يَقُومُ مَقامَهُ في بَلَدٍ يَقُولُ النّاسَ: جاءَ المَلِكُ وحَكَمَ ورَسَمَ المَلِكُ.

وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الإلَهِيِّ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ: عَبْدِي مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، فَيُقالُ: يا رَبِّ وكَيْفَ أعُودُكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: أما عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أما لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ، عَبْدِي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمْنِي، فَيَقُولُ: يا رَبِّ كَيْفَ أُطْعِمُكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ قالَ: أما إنَّ عَبْدِي فُلانًا اسْتَطْعَمَكَ فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أمّا لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. عَبْدِي اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي، فَيَقُولُ: يا رَبِّ وكَيْفَ أسْقِيكَ وأنْتَ رَبُّ العالَمِينَ؟ فَيَقُولُ: أما إنَّ عَبْدِي فُلانًا عَطِشَ فاسْتَقاكَ فَلَمْ تَسْقِهِ، أمّا لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي. وأبْلَغُ مِن هَذا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أيْدِيهِمْ، ومِن هَذا قَوْلُهُ تَعالى: {مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾، فَلَوِ اسْتَحَلَّ المُسْلِمُونَ ما اسْتَحْلَلْتُمْ لَكانَ اسْتِدْلالُهم بِذَلِكَ عَلى أنَّ مُحَمَّدًا إلَهٌ مِن جِنْسِ اسْتِدْلالِكم لا فَرْقَ بَيْنَهُما!.

وَإنْ أوْجَبْتُمْ لَهُ الإلَهِيَّةَ بِقَوْلِهِ في السِّفْرِ الثّالِثِ مِن أسْفُرِ المُلُوكِ: والآنَ يا رَبِّ إلَهَ إسْرائِيلَ، يَتَحَقَّقُ كَلامُكَ لِداوُدَ لِأنَّهُ حَقٌّ أنْ يَكُونَ آيَةً، سَيَسْكُنُ اللَّهُ مَعَ النّاسِ عَلى الأرْضِ، اسْمَعُوا أيَّتُها الشُّعُوبُ كُلُّكُمْ، ولْتَنْصِتِ الأرْضُ وكُلُّ مَن فِيها، فَيَكُونُ الرَّبُّ عَلَيْهِمْ شاهِدًا، ويَخْرُجُ مِن مَوْضِعِهِ، ويَنْزِلُ ويَطَأُ عَلى مَشارِقِ الأرْضِ في شَأْنِ خَطِيئَةِ بَنِي يَعْقُوبَ.

قِيلَ لَكُمْ: هَذا السِّفْرُ يَحْتاجُ أوَّلًا إلى أنْ يُثْبَتَ، وأنَّ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ نَبِيٌّ، وأنَّ هَذا لَفَظَهُ، وأنَّ التَّرْجَمَةَ مُطابِقَةٌ لَهُ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْلُومٍ. وبَعْدَ ذَلِكَ فالقَوْلُ في هَذا الكَلامِ كالقَوْلِ في نَظِيرِهِ مِمّا ذَكَرْتُمُوهُ وما لَمْ تَذْكُرُوهُ ولَيْسَ في هَذا الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المَسِيحَ خالِقُ السَّماواتِ والأرْضِ كَأنَّهُ إلَهٌ غَيْرُ مَصْنُوعٍ ولا مَخْلُوقٍ، وإنَّ قَوْلَهُ:

إنَّ اللَّهَ سَيَسْكُنُ مَعَ النّاسِ في الأرْضِ، هو مِثْلَ كَوْنِهِ مَعَهُمْ، وإذا صارَ في الأرْضِ نُورُهُ وهُداهُ ودِينُهُ ونَبِيُّهُ كانَتْ هَذِهِ سُكْناهُ، لا أنَّهُ بِذاتِهِ المُقَدَّسَةِ يَنْزِلُ عَنْ عَرْشِهِ ويَسْكُنُ مَعَ أهْلِ الأرْضِ، ولَوْ قُدِّرَ تَقْدِيرُ المُحالاتِ أنَّ ذَلِكَ واقِعٌ لَمْ يَلْزَمْ أنْ يَكُونَ هو المَسِيحُ، فَقَدْ سَكَنَ الرُّسُلُ والأنْبِياءُ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ فَما المُوجَبُ لِأنْ يَكُونَ المَسِيحُ هو الإلَهُ دُونَ إخْوانِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، أتَرى ذَلِكَ لِلْقُوَّةِ والسُّلْطانِ الَّذِي كانَ لَهُ وهو في الأرْضِ، وقَدْ قُلْتُمْ إنَّهُ قُبِضَ عَلَيْهِ وفُعِلَ بِهِ ما فُعِلَ مِن غايَةِ الإهانَةِ والإذْلالِ والقَهْرِ، فَهَذا ثَمَرَةُ سُكْناهُ في الأرْضِ مَعَ خَلْقِهِ؟

وَإنْ قُلْتُمْ: سُكْناهُ في الأرْضِ مَعَ خَلْقِهِ هو ظُهُورُهُ في ناسُوتِ المَسِيحِ، قِيلَ لَكُمْ: أمّا الظُّهُورُ المُمْكِنُ المَعْقُولُ وهو ظُهُورُ مَحَبَّتِهِ ومَعْرِفَتِهِ ودِينِهِ وكَلامِهِ، فَهَذا لا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ ناسُوتِ المَسِيحِ وناسُوتِ سائِرِ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ، ولَيْسَ في هَذا اللَّفْظِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ما يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِهِ بِناسُوتِ المَسِيحِ.

وَأمّا الظُّهُورُ المُسْتَحِيلُ الَّذِي تَأْباهُ العُقُولُ والفِطَرُ والشَّرائِعُ وجَمِيعُ النُّبُوّاتِ، وهو ظُهُورُ ذاتِ الرَّبِّ في ناسُوتِ مَخْلُوقٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، واتِّحادِهِ بِهِ وامْتِزاجِهِ واخْتِلاطِهِ فَهَذا مُحالٌ عَقْلًا وشَرْعًا، فَلا يُمْكِنُ أنْ تَنْطِقَ بِهِ نُبُوَّةٌ أصْلًا، بَلِ النُّبُوّاتُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها مُتَّفِقَةٌ عَلى أُصُولٍ:

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدِيمٌ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ في مُلْكِهِ ولا نِدَّ ولا ضِدَّ ولا وزِيرَ ولا مُشِيرَ ولا ظَهِيرَ ولا شافِعَ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ لا والِدَ لَهُ ولا ولَدَ ولا كُفْؤَ ولا نَسِيبَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ولا زَوْجَةَ.

الثّالِثُ: أنَّهُ غَنِيٌّ بِذاتِهِ فَلا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ خَلْقُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ.

الرّابِعُ: أنَّهُ لا يَتَغَيَّرُ ولا تَعْرِضُ لَهُ الآفاتُ مِنَ الهَرَمِ والمَرَضِ والسِّنَةِ والنَّوْمِ والنِّسْيانِ والنَّدَمِ والخَوْفِ والهَمِّ والحُزْنِ ونَحْوَ ذَلِكَ.

الخامِسُ: أنَّهُ لا يُماثِلُ شَيْئًا مِن مَخْلُوقاتِهِ بَلْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لا في ذاتِهِ ولا في صِفاتِهِ.

السّادِسُ: أنَّهُ لا يَحِلُّ في شَيْءٍ مِن مَخْلُوقاتِهِ، ولا يَحِلُّ في ذاتِهِ شَيْءٌ مِنها، بَلْ هو بائِنٌ عَنْ خَلْقِهِ بِذاتِهِ، والخَلْقُ بائِنُونَ عَنْهُ.

السّابِعُ: أنَّهُ أعْظَمُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وأكْبَرُ مِن كُلِّ شَيْءٍ وفَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ وغالِبٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ ولَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ.

الثّامِنُ: أنَّهُ قادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَلا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ بَلْ هو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ.

التّاسِعُ: أنَّهُ عَلّامٌ بِكُلِّ شَيْءٍ، يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى ويَعْلَمُ ما كانَ وما يَكُونُ وما لَمْ يَكُنْ لَوْ كانَ كَيْفَ يَكُونُ وما تَسْقُطُ مِن ورَقَةٍ إلّا يَعْلَمُها ولا حَبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرْضِ ولا رَطْبٍ ولا يابِسٍ ولا ساكِنٍ ولا مُتَحَرِّكٍ إلّا وهو يَعْلَمُهُ عَلى حَقِيقَتِهِ.

العاشِرُ: أنَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ يَسْمَعُ ضَجِيجَ الأصْواتِ بِاخْتِلافِ اللُّغاتِ عَلى تَفَنُّنِ الحاجاتِ، ويَرى دَبِيبَ النَّمْلَةِ السَّوْداءِ عَلى الصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، قَدْ أحاطَ سَمْعُهُ بِجَمِيعِ المَسْمُوعاتِ، وبَصَرُهُ بِجَمِيعِ المُبْصِراتِ، وعِلْمُهُ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ، وقُدْرَتُهُ بِجَمِيعِ المَقْدُوراتِ، ونَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ في جَمِيعِ البَرِيّاتِ، وعَمَّتْ رَحْمَتُهُ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، ووَسِعَ كُرْسِيُّهُ الأرْضَ والسَّماواتِ.

الحادِي عَشَرَ: أنَّهُ الشّاهِدُ الَّذِي لا يَغِيبُ ولا يَسْتَخْلِفُ أحْدًا عَلى تَدْبِيرِ مُلْكِهِ، ولا يَحْتاجُ إلى مَن يَرْفَعُ إلَيْهِ حَوائِجَ عِبادِهِ أوْ يُعاوِنُهُ عَلَيْها، أوْ يَسْتَعْطِفُهُ عَلَيْهِمْ ويَسْتَرْحِمُهُ لَهم.

الثّانِي عَشَرَ: أنَّهُ الأبَدِيُّ الباقِي الَّذِي لا يَضْمَحِلُّ ولا يَتَلاشى ولا يُعْدَمُ ولا يَمُوتُ.

الثّالِثَ عَشَرَ: أنَّهُ المُتَكَلِّمُ المُكَلِّمُ الآمِرُ النّاهِي قائِلُ الحَقِّ وهادِي السَّبِيلِ ومُرْسِلُ الرُّسُلِ ومُنْزِلُ الكُتُبِ والقائِمُ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، ويُجازِي المُحْسِنَ عَلى إحْسانِهِ، والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ.

الرّابِعَ عَشَرَ: أنَّهُ الصّادِقُ في وعْدِهِ وخَبَرِهِ، فَلا أصْدَقَ مِنهُ قِيلًا. ولا أصْدَقَ مِنهُ حَدِيثًا، وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ.

الخامِسَ عَشَرَ: أنَّهُ تَعالى صَمَدٌ، بِجَمِيعِ مَعانِي الصَّمَدِيَّةِ، فَيَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ ما يُناقِضُ صَمَدِيَّتَهُ.

السّادِسَ عَشَرَ: أنَّهُ قُدُّوسٌ سَلامٌ، فَهو المُبَرَّأُ مِن كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ وآفَةٍ.

السّابِعَ عَشَرَ: أنَّهُ الكامِلُ الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ.

الثّامِنَ عَشَرَ: أنَّهُ العَدْلُ الَّذِي لا يَجُورُ ولا يَظْلِمُ ولا يَخافُ عِبادُهُ مِنهُ ظُلْمًا.

فَهَذا مِمّا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ جَمِيعُ الكُتُبِ والرُّسُلِ، وهو مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي لا يَجُوزُ أنْ تَأْتِيَ شَرِيعَةٌ بِخِلافِهِ ولا يُخْبِرَ نَبِيٌّ بِخِلافِهِ أصْلًا.

فَتَرَكَ المُثَلِّثَةُ عُبّادُ الصَّلِيبِ هَذا كُلَّهُ، وتَمَسَّكُوا بِالمُتَشابِهِ مِنَ المَعانِي والمُجْمَلِ مِنَ الألْفاظِ، وأقْوالِ مَن ضَلُّوا مِن قَبْلُ، وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ.

وَأُصُولُ المُثَلِّثَةِ ومَقالَتُهم في رَبِّ العالَمِينَ تُخالِفُ هَذا كُلَّهُ أشَدَّ المُخالَفَةِ وتُبايِنُهُ أعْظَمَ المُبايَنَةِ.

فَصْلٌ: في أنَّهُ لَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ سائِرِ الأنْبِياءِ، فَظُهُورُ نُبُوَّتِهِ تَصْدِيقٌ لِشَهادَتِهِمْ وشَهادَةٌ لَهم بِالصِّدْقِ، فَإرْسالُهُ مِن آياتِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ، وقَدْ أشارَ سُبْحانَهُ إلى هَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ في قَوْلِهِ: بَلْ جاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ.

فَإنَّ المُرْسَلِينَ بَشَّرُوا بِهِ وأخْبَرُوا بِمَجِيئِهِ، فَمَجِيئُهُ هو نَفْسُ صِدْقِ خَبَرِهِ، فَكَأنَّ مَجِيئَهُ تَصْدِيقٌ لَهم إذْ هو تَأْوِيلُ ما أخْبَرُوا بِهِ، ولا تَنافِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ القَوْلِ الآخَرِ: إنَّ تَصْدِيقَهُ المُرْسَلِينَ بِشَهادَتِهِ بِصِدْقِهِمْ وإيمانِهِ بِهِمْ، فَإنَّهُ صَدَّقَهم بِقَوْلِهِ ومَجِيئِهِ فَشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِنَفْسِ مَجِيئِهِ، وشَهِدَ بِصِدْقِهِمْ بِقَوْلِهِ. ومِثْلُ هَذا قَوْلُ المَسِيحِ: مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ ومُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أحْمَدُ.

فَإنَّ التَّوْراةَ لَمّا بَشَّرَتْ بِهِ وبِنُبُوَّتِهِ كانَ نَفْسُ ظُهُورِهِ تَصْدِيقًا لَها، ثُمَّ بَشَّرَ بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِهِ، فَكانَ ظُهُورُ الرَّسُولِ المُبَشَّرِ بِهِ تَصْدِيقًا لَهُ، كَما كانَ ظُهُورُهُ تَصْدِيقًا لِلتَّوْراةِ، فَعادَةُ اللَّهِ في رُسُلِهِ أنَّ السّابِقَ يُبَشِّرُ بِاللّاحِقِ، واللّاحِقَ يُصَدِّقُ السّابِقَ، فَلَوْ لَمْ يَظْهَرْ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ ولَوْ لَمْ يُبْعَثْ لَبَطَلَتْ نُبُوَّةُ الأنْبِياءِ قَبْلَهُ.

واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يُخْلِفُ وعْدَهُ ولا يَكْذِبُ خَبَرُهُ وقَدْ كانَ بَشَّرَ إبْراهِيمَ وهاجَرَ بِبِشاراتٍ بَيِّناتٍ ولَمْ نَرَها تَمَّتْ ولا ظَهَرَتْ إلّا بِظُهُورِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدَ بُشِّرَتْ هاجَرُ مِن ذَلِكَ بِما لَمْ تُبَشَّرْ بِهِ امْرَأةٌ مِنَ العالَمِينَ غَيْرُ مَرْيَمَ ابْنَةِ عِمْرانَ بِالمَسِيحِ، عَلى أنَّ مَرْيَمَ بُشِّرَتْ بِهِ مَرَّةً واحِدَةً، وبُشِّرَتْ هاجَرُ بِإسْماعِيلَ مَرَّتَيْنِ، وبُشِّرَ بِهِ إبْراهِيمُ مِرارًا.

ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاجَرَ وبَعْدَ وفاتِها كالمُخاطِبِ لَها عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَفي التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ قالَ لِإبْراهِيمَ: قَدْ أجَبْتُ دَعاكَ في إسْماعِيلَ، وبارَكْتُ عَلَيْهِ، وكَثَّرْتُهُ، وعَظَّمْتُهُ جِدًّا جِدًّا. وسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ عَظِيمًا، هَكَذا تَرْجَمَةُ بَعْضِ المُتَرْجِمِينَ.

وَأمّا في التَّرْجَمَةِ الَّتِي تَرْجَمَها اثْنانِ وسَبْعُونَ حَبْرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ فَإنَّهُ يَقُولُ: وسَيَلِدُ اثْنَيْ عَشَرَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ وفِيها: لَمّا هَرَبَتْ هاجَرُ مِن سارَّةَ تَزايا لَها مَلَكُ اللَّهِ، وقالَ: يا هاجَرُ أمَةَ سارَّةَ مِن أيْنَ أقْبَلْتِ؟ وإلى أيْنَ تَذْهَبِينَ؟ قالَتْ: هَرَبْتُ مِن سَيِّدَتِي، فَقالَ لَها المَلَكُ:

ارْجِعِي إلى سَيِّدَتِكِ واخْضَعِي لَها، فَإنِّي سَأُكَثِّرُ ذُرِّيَّتَكِ وزَرْعَكِ حَتّى لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً، ها أنْتِ تَحْبَلِينَ وتَلِدِينَ ابْنًا تُسَمِّيهِ إسْماعِيلَ، لِأنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ تَذَلُّلَكِ وخُضُوعَكِ وخُشُوعَكِ، وهو يَكُونُ عَيْنَ النّاسِ، وتَكُونُ يَدُهُ فَوْقَ الجَمِيعِ مَبْسُوطَةً إلَيْهِ بِالخُضُوعِ، ويَكُونُ مَسْكَنُهُ عَلى تُخُومِ جَمِيعِ إخْوَتِهِ.

وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ قِصَّةُ إسْكانِها وابْنِها إسْماعِيلَ في بَرِّيَّةِ فارانَ، وفِيها: فَقالَ المَلَكُ: يا هاجَرُ لِيَفْرَحْ رَوْعُكِ. فَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ تَعالى صَوْتَ الصَّبِيِّ، قُومِي فاحْمِلِيهِ وتَمَسَّكِي بِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى جاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى فَتَحَ عَلَيْها فَإذا بِئْرُ ماءٍ فَذَهَبَتْ ومَلَأتِ المَزادَةَ مِنهُ، وسَقَتِ الصَّبِيَّ مِنهُ، وكانَ اللَّهُ مَعَها ومَعَ الصَّبِيِّ حَتّى تَرَبّى، وكانَ مَسْكَنُهُ في بَرِّيَّةِ فارانَ.

فَهَذِهِ أرْبَعُ بِشاراتٍ خالِصَةٍ لِأُمِّ إسْماعِيلَ، نَزَلَتِ اثْنَتانِ مِنها عَلى إبْراهِيمَ واثْنَتانِ عَلى هاجَرَ. وفي التَّوْراةِ بِشاراتٌ أُخْرى بِإسْماعِيلَ ووَلَدِهِ وأنَّهم أُمَّةٌ عَظِيمَةٌ جِدًّا، وأنَّ نُجُومَ السَّماءِ تُحْصى ولا يُحْصَوْنَ، وهَذِهِ البِشارَةُ إنَّما تَمَّتْ بِظُهُورِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وأُمَّتِهِ. وإنَّ بَنِي إسْحاقَ كانُوا لَمْ يَزالُوا مَطْرُودِينَ مُشَرَّدِينَ خَوَلًا لِلْفَراعِنَةِ والقِبْطِ حَتّى أنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِنَبِيِّهِ وكَلِيمِهِ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وأوْرَثَهم أرْضَ الشّامِ، فَكانَتْ كُرْسِيَّ مَمْلَكَتِهِمْ، ثُمَّ سَلَبَهم ذَلِكَ وقَطَّعَهم في الأرْضِ أُمَمًا مَسْلُوبًا عِزُّهم ومُلْكُهُمْ، قَدْ أخَذَتْهم سُيُوفُ السُّودانِ، وعَلَتْهم أعْلاجُ الحُمْرانِ حَتّى ظَهَرَتْ تِلْكَ البِشاراتُ بَعْدَ دَهْرٍ طَوِيلٍ وعَلَتْ وانْتَشَرَتْ في آفاقِ الدُّنْيا، ومُدَّتْ وعَلَتْ بَنُو إسْماعِيلَ عَلى مَن حَوْلَهم فَهَشَّمُوهم هَشْمًا، وطَحَنُوهم طِحْنًا، وانْتَشَرُوا في آفاقِ الدُّنْيا، ومَدَّتِ الأُمَمُ أيْدِيَهم إلَيْهِمْ بِالذُّلِّ والخُضُوعِ، وعَلَوْهم عُلُوَّ الثُّرَيّا فِيما بَيْنَ الهِنْدِ والحَبَشَةِ والسُّوسِ الأقْصى وبِلادِ التُّرْكِ والصَّقالِبَةِ والخَزَرِ، ومَلَكُوا ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ وحَيْثُ مُلْتَقى أمْواجِ البَحْرَيْنِ. وظَهَرَ ذِكْرُ إبْراهِيمَ عَلى ألْسِنَةِ الأُمَمِ، فَلَيْسَ صَبِيٌّ مِن بَعْدِ ظُهُورِ النَّبِيِّ ﷺ ولا امْرَأةٌ ولا حُرٌّ ولا عَبْدٌ ولا ذَكَرٌ ولا أُنْثى إلّا وهو يَعْرِفُ إبْراهِيمَ والِدَ إسْماعِيلِ.

وَأمّا النَّصْرانِيَّةُ وإنْ كانَتْ قَدْ ظَهَرَتْ في أُمَمٍ كَثِيرَةٍ جَلِيلَةٍ، فَإنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهم في مَحَلِّ إسْماعِيلَ وأُمِّهِ هاجَرَ سُلْطانٌ ظاهِرٌ ولا عِزٌّ قاهِرٌ ألْبَتَّةَ، ولا صارَتْ أيْدِي هَذِهِ الأُمَّةِ فَوْقَ أيْدِي الجَمِيعِ، ولا امْتَدَّتْ إلَيْهِمْ أيْدِي الأُمَمُ بِالخُضُوعِ، وكَذَلِكَ سائِرُ ما تَقَدَّمَ مِنَ البِشاراتِ، ويُفِيدُ مَجْمُوعُها العِلْمَ القَطْعِيَّ بِأنَّ المُرادَ بِها مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ وعَلى أُمَّتِهِ. فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَقَعْ تَأْوِيلُها بِظُهُورِهِ ﷺ لَبَطَلَتِ النُّبُوّاتُ.

وَلِهَذا لَمّا عَلِمَ الكُفّارُ مِن أهْلِ الكِتابِ أنَّهُ لا يُمْكِنُ الإيمانُ بِالأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ إلّا بِالإيمانِ بِالنَّبِيِّ ﷺ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، قالُوا: نَحْنُ في انْتِظارِهِ ولَمْ يَجِئْ بَعْدُ.

وَلَمّا عَلِمَ بَعْضُ الغُلاةِ في كُفْرِهِ وتَكْذِيبِهِ مِنهم أنَّ هَذا النَّبِيَّ في ولَدِ إسْماعِيلَ أنْكَرُوا أنْ يَكُونَ لِإبْراهِيمَ ابْنٌ اسْمُهُ إسْماعِيلُ، وأنَّ هَذا لَمْ يَخْلُقْهُ اللَّهُ تَعالى.

وَلا يَكْثُرُ عَلى أُمَّةِ البَهْتِ وإخْوانِ القُرُودِ وقَتَلَةِ الأنْبِياءِ مِثْلُ ذَلِكَ، كَما لَمْ يَكْثُرْ عَلى المُثَلِّثَةِ وعُبّادِ الصَّلِيبِ الَّذِينَ سَبُّوا رَبَّ العالَمِينَ أعْظَمَ مِسَبَّةٍ أنْ يَطْعَنُوا في دِينِنا، ويَنْتَقِصُوا نَبِيَّنا ﷺ.

4:158Page 103

بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨

Rather, Allāh raised him to Himself. And ever is Allāh Exalted in Might and Wise.

No commentary for this ayah

4:159Page 103

وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩

And there is none from the People of the Scripture but that he will surely believe in him [i.e., Jesus] before his death.1 And on the Day of Resurrection he will be against them a witness.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском