Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Ghafir 40:36–44
40:36–37Page 471
وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ ٣٦
And Pharaoh said, "O Hāmān, construct for me a tower that I might reach the ways1 -
أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ ٣٧
The ways into the heavens - so that I may look at the deity of Moses; but indeed, I think he is a liar." And thus was made attractive to Pharaoh the evil of his deed, and he was averted from the [right] way. And the plan of Pharaoh was not except in ruin.
قرأ أهل الكوفة «وَصُدَّ» على البناء للمفعول، حملا على «زُيِّنَ»
وقرأه الباقون «وَصَدَّ» بفتح الصاد، ويحتمل معنيين.
أحدهما: أعرض، فيكون لازما.
والثاني: يكون صد ومنع غيره، فيكون متعديا، والقراءتان كالآيتين لا يتناقضان.
وأما الشد على القلب ففي قوله تعالى: {وَقالَ مُوسى رَبَّنا إنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ زِينَةً وأمْوالًا في الحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ واشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ (٨٨) قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فاسْتَقِيما ... (٨٩).
فهذا الشد على القلب: هو الصد والمنع.
ولهذا قال ابن عباس: يريد منعها، والمعنى قسّها واطبع عليها، حتى لا تلين، ولا تنشرح للإيمان.
وهذا مطابق لما في التوراة: إن الله سبحانه قال لموسى: اذهب إلى فرعون، فإني سأقسي قلبه، فلا يؤمن حتى أظهر آياتي وعجائبي بمصر.
وهذا الشد والتقسية، من كمال عدل الرب سبحانه في أعدائه، فإنه جعله عقوبة لهم على كفرهم وإعراضهم، كعقوبته لهم بالمصائب، ولهذا كان محمودا، فهو حسن منه، وأقبح شيء منهم، فإنه عدل منه وحكمة، وهو ظلم منهم وسفه. فالقضاء والقدر فعل عادل حكيم غني عليم، يضع الخير والشر في أليق المواضع لهما والمقضي المقدر يكون من العبد ظلما وجورا وسفها، وهو فعل جاهل ظالم سفيه.
(فصل)
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ياهامانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أبْلُغُ الأسْبابَ أسْبابَ السَّماواتِ فَأطَّلِعَ إلى إلَهِ مُوسى﴾
دَلَّ عَلى أنَّ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ يَقُولُ: إلَهِي في السَّماءِ وفِرْعَوْنُ يَظُنُّهُ كاذِبًا، فَإنِ احْتَجَّ أحَدٌ عَلَيْنا فِيما قَدَّمْناهُ.
وَقالَ: لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَأشْبَهَ المَخْلُوقاتِ لَأنَّ ما أحاطَتْ بِهِ الأمْكِنَةُ واحْتَوَتْهُ فَهو مَخْلُوقٌ، فَشَيْءٌ لا يَلْزَمُ ولا مَعْنى لَهُ لِأنَّهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِن خَلْقِهِ ولا يُقاسُ بِشَيْءٍ مِن بَرِّيَّتِهِ، ولا يُدْرَكُ بِقِياسٍ ولا يُقاسُ بِالنّاسِ كانَ قَبْلَ الأمْكِنَةِ ويَكُونُ بَعْدَها لا إلَهَ إلّا هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا شَرِيكَ لَهُ، وقَدِ اتَّفَقَ المُسْلِمُونَ وكُلُّ ذِي لُبٍّ أنَّهُ لا يَعْقِلُ كائِنٌ إلّا في مَكانٍ ما وما لَيْسَ في مَكانٍ فَهو عَدَمٌ وقَدْ صَحَّ في العُقُولِ وثَبَتَ بِالدَّلائِلِ أنَّهُ كانَ في الأزَلِ لا في مَكانٍ ولَيْسَ بِمَعْدُومٍ فَكَيْفَ يُقاسُ عَلى شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ؟ أوْ يَجْرِي بَيْنَهُ وبَيْنَهم تَمْثِيلٌ أوْ تَشْبِيهٌ؟ تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَإنْ قالَ قائِلٌ: إذا وصَفْنا رَبَّنا تَعالى أنَّهُ كانَ في الأزَلِ لا في مَكانٍ ثُمَّ خَلَقَ الأماكِنَ فَصارَ في مَكانٍ وفي ذَلِكَ إقْرارٌ مِنّا بِالتَّغْيِيرِ والِانْتِقالِ إذْ زالَ عَنْ صِفَتِهِ في الأزَلِ وصارَ في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ.
قِيلَ لَهُ: وكَذَلِكَ " زَعَمْتَ " أنْتَ أنَّهُ كانَ لا في مَكانٍ ثُمَّ صارَ في كُلِّ مَكانٍ فَنَقَلَ صِفَتَهُ مِنَ الكَوْنِ لا في مَكانٍ إلى صِفَةٍ هي الكَوْنُ في كُلِّ مَكانٍ فَقَدْ تَغَيَّرَ عِنْدَكَ مَعْبُودٌ وانْتَقَلَ مِن لا مَكانَ إلى كُلِّ مَكانٍ فَإنْ قالَ: إنَّهُ كانَ في الأزَلِ في كُلِّ مَكانٍ كَما هو الآنَ فَقَدْ أوْجَبَ الأماكِنَ والأشْياءَ مَوْجُودَةً مَعَهُ في أزَلِيَّتِهِ وهَذا فاسِدٌ.
فَإنْ قالَ: فَهَلْ يَجُوزُ عِنْدَكَ أنْ يَنْتَقِلَ مَن لا مَكانَ في الأزَلِ إلى مَكانٍ.
قِيلَ لَهُ: أمّا الِانْتِقالُ وتَغَيُّرُ الحالِ فَلا سَبِيلَ إلى إطْلاقِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِأنَّ كَوْنَهُ في الأزَلِ لا يُوجِبُ مَكانًا وكَذَلِكَ نَقْلَتُهُ لا تُوجِبُ مَكانًا ولَيْسَ في ذَلِكَ كالخَلْقِ لِأنَّ كَوْنَ ما كَوْنُهُ يُوجِبُ " مَكانًا " مِنَ الخَلْقِ ونَقْلَتُهُ تُوجِبُ مَكانًا ويَصِيرُ مُنْتَقِلًا مِن مَكانٍ إلى مَكانٍ واللَّهُ تَعالى لَيْسَ كَذَلِكَ. . . ولَكِنّا نَقُولُ: اسْتَوى مِن لا مَكانَ إلى مَكانٍ ولا نَقُولُ: انْتَقَلَ وإنْ كانَ المَعْنى في ذَلِكَ واحِدًا. كَما نَقُولُ: لَهُ عَرْشٌ ولا نَقُولُ: لَهُ سَرِيرٌ، ونَقُولُ: هو الحَكِيمُ ولا نَقُولُ: هو العاقِلُ، ونَقُولُ: خَلِيلُ إبْراهِيمَ ولا نَقُولُ: صَدِيقُ إبْراهِيمَ، وإنْ كانَ المَعْنى في ذَلِكَ واحِدًا لِأنّا لا نُسَمِّيهِ ولا نَصِفُهُ ولا نُطْلِقُ عَلَيْهِ إلّا ما سَمّى بِهِ نَفْسَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ، ولا نَدْفَعُ ما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ لِأنَّهُ دَفْعٌ لِلْقُرْآنِ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢]
وَلَيْسَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً ولا زَوالًا ولا انْتِقالًا لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا كانَ الجائِيُ جِسْمًا أوْ جَوْهَرًا فَلَمّا ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ لَمْ يَجِبْ أنْ يَكُونَ مَجِيئُهُ حَرَكَةً ولا نَقْلَةً، ولَوِ اعْتَبَرْتَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ جاءَتْ فُلانًا قِيامَتُهُ، وجاءَهُ المَوْتُ، وجاءَهُ المَرَضُ، وشِبْهُ ذَلِكَ مِمّا هو مَوْجُودٌ نازِلٌ بِهِ ولا مَجِيءَ، لَبانَ لَكَ وبِاللَّهِ العِصْمَةُ والتَّوْفِيقُ.
فَإنْ قالَ: إنَّهُ لا يَكُونُ مُسْتَوِيًا عَلى مَكانٍ إلّا مَقْرُونًا بِالكَيْفِ قِيلَ لَهُ: قَدْ يَكُونُ الِاسْتِواءُ واجِبًا والتَّكْيِيفُ مُرْتَفِعٌ ولَيْسَ رَفْعُ التَّكْيِيفِ يُوجِبُ رَفْعَ الِاسْتِواءِ ولَوْ لَزِمَ هَذا لَزِمَ التَّكْيِيفُ في الأزَلِ، لِأنَّهُ لا يَكُونُ كائِنًا في مَكانٍ ولا مَقْرُونًا بِالتَّكْيِيفِ. فَإنْ قالَ إنَّهُ كانَ ولا مَكانَ وهو غَيْرُ مَقْرُونٍ بِالتَّكْيِيفِ وقَدْ عَقَلْنا وأدْرَكْنا بِحَواسِّنا أنَّ لَنا أرْواحًا في أبْدانِنا ولا نَعْلَمُ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ ولَيْسَ جَهْلُنا بِكَيْفِيَّةِ الأرْواحِ يُوجِبُ أنْ لَيْسَ لَنا أرْواحٌ وكَذَلِكَ لَيْسَ جَهْلُنا بِكَيْفِيَّتِهِ عَلى عَرْشِهِ يُوجِبُ أنَّهُ لَيْسَ عَلى عَرْشِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي رَزِينٍ العُقَيْلِيِّ قالَ:
«قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أيْنَ كانَ رَبُّنا تَبارَكَ وتَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ؟ قالَ كانَ في عَماءٍ ما فَوْقَهُ هَواءٌ».
قالَ أبُو القاسِمِ العَماءُ: مَمْدُودٌ وهو السَّحابُ، والعَمى مَقْصُورٌ: الظُّلْمَةُ، وقَدْ رُوِيَ الحَدِيثُ بِالمَدِّ والقَصْرِ فَمَن رَواهُ بِالمَدِّ فَمَعْناهُ عِنْدَهُ كانَ في عَماءِ سَحابٍ ما تَحْتَهُ وما فَوْقَهُ هَواءٌ والهاءُ راجِعَةٌ عَلى العَماءِ ومَن رَواهُ بِالقَصْرِ فَمَعْناهُ عِنْدَهُ كانَ في عَمى عَنْ خَلْقِهِ لِأنَّهُ مِن عَمِيَ عَنْ شَيْءٍ فَقَدْ أظْلَمَ عَنْهُ.
قالَ سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ بَيْنَ العَرْشِ وبَيْنَ المَلائِكَةِ لَسَبْعِينَ حِجابًا مِن نُورٍ وحِجابًا مِن ظُلْمَةٍ، ورَوى أيْضًا سُنَيْدٌ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: ما بَيْنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ إلى الأُخْرى مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما بَيْنَ السَّماءِ السّابِعَةِ إلى الكُرْسِيِّ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، " وما بَيْنَ الكُرْسِيِّ إلى الماءِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ "، والعَرْشُ عَلى الماءِ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى العَرْشِ ويَعْلَمُ أعْمالَكم.
وَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أيْضًا: إنَّهُ فَوْقَ العَرْشِ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم. قالَ أبُو القاسِمِ: يُرِيدُ فَوْقَ العَرْشِ، لِأنَّ العَرْشَ آخِرُ المَخْلُوقاتِ لَيْسَ فَوْقَهُ مَخْلُوقٌ واللَّهُ تَعالى عَلى المَخْلُوقاتِ دُونَ تَكْيِيفٍ ولا مُماسَّةٍ ولا أعْلَمُ في هَذا البابِ حَدِيثًا مَرْفُوعًا إلّا حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنِ الأحْنَفِ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبَدِ المُطَّلِبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ إلى سَحابَةٍ فَقالَ ما تُسَمُّونَ هَذِهِ؟ قالُوا: السَّحابُ، قالَ: والمُزْنُ. قالُوا: والمُزْنُ.
قالَ: والعَنانُ. قالُوا: والعَنانُ قالَ: كَمْ تَرَوْنَ بَيْنَكم وبَيْنَ السَّماءِ؟ قالُوا لا نَدْرِي، قالَ بَيْنَكم وبَيْنَهُ إمّا واحِدٌ أوِ اثْنانِ أوْ ثَلاثٌ وسَبْعُونَ سَنَةً والسَّماءُ فَوْقَها كَذَلِكَ بَيْنَهُما مِثْلُ ذَلِكَ حَتّى عَدَّ سَبْعَ سَماواتٍ ثُمَّ فَوْقَ السَّماءِ السّابِعَةِ بَحْرٌ أعْلاهُ وأسْفَلُهُ كَما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ فَوْقَ ذَلِكَ ثَمانِيَةُ أوْعالٍ بَيْنَ أظْلافِهِمْ ورُكَبِهِمْ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ عَلى ظُهُورِهِمُ العَرْشُ بَيْنَ أسْفَلِهِ وأعْلاهُ مِثْلُ ما بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ ثُمَّ اللَّهُ تَعالى فَوْقَ ذَلِكَ»
هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ.
40:38–39Page 471
وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ ٣٨
And he who believed said, "O my people, follow me; I will guide you to the way of right conduct.
يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩
O my people, this worldly life is only [temporary] enjoyment, and indeed, the Hereafter - that is the home of [permanent] settlement.
فَأخْبَرَهم أنَّ الدُّنْيا يُسْتَمْتَعُ بِها إلى غَيْرِها، وأنَّ الآخِرَةَ هي المُسْتَقَرُّ.
وَإذا عَرَفْتَ أنَّ لَذّاتِ الدُّنْيا ونَعِيمَها مَتاعٌ، ووَسِيلَةٌ إلى لَذّاتِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ خُلِقَتِ الدُّنْيا ولَذّاتُها، فَكُلُّ لَذَّةٍ أعانَتْ عَلى لَذَّةِ الآخِرَةِ وأوْصَلَتْ إلَيْها لَمْ يُذَمَّ تَناوُلُها، بَلْ يُحْمَدُ بِحَسَبِ إيصالِها إلى لَذَّةِ الآخِرَةِ.
إذا عُرِفَ هَذا فَأعْظَمُ نَعِيمِ الآخِرَةِ ولَذّاتِها: هو النَّظَرُ إلى وجْهِ الرَّبِّ جَلَّ جَلالُهُ، وسَماعُ كَلامِهِ مِنهُ، والقُرْبُ مِنهُ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحِ في حَدِيثِ الرُّؤْيَةِ: «فَواللَّهِ ما أعْطاهم شَيْئًا أحَبَّ إلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلَيْهِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّهُ إذا تَجَلّى لَهم ورَأوْهُ؛ نَسُوا ما هم فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ».
(فصل)
والله سبحانه وتعالى إنما خلق الخلق لدار القرار وجعل اللذة كلها بأسرها فيها كما قال الله تعالى ﴿وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الأنْفُسُ وتَلَذُّ الأعْيُنُ﴾ وقال تعالى ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ﴾
وقال النبي ﷺ "يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ ذُخْرًا بَلْهَ ما أُطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ".
أي غير ما اطلعتم عليه.
وهذا هو الذي قصده الناصح لقومه الشفيق عليهم حيث قال ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أهْدِكم سَبِيلَ الرَّشادِ يا قَوْمِ إنَّما هَذِهِ الحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وإنَّ الآخِرَةَ هي دارُ القَرارِ﴾
فأخبرهم أن الدنيا متاع يتمتع بها إلى غيرها والآخرة هي المستقر والغاية
فصل: وإذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الدار الآخرة ولذلك خلقت كما قال النبي ﷺ "الدنيا متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة "
فكل لذة أعانت على لذات الدار الآخرة فهي محبوبة مرضية للرب تعالى فصاحبها يلتذ بها من وجهين من جهة تنعمه وقرة عينه بها ومن جهة إيصالها له إلى مرضاة ربه وإفضائها إلى لذة أكمل منها فهذه هي اللذة التي ينبغي للعاقل أن يسعى في تحصيلها لا اللذة التي تعقبه غاية الألم وتفوت عليه أعظم اللذات ولهذا يثاب المؤمن على كل ما يلتذ به من المباحات إذا قصد به الإعانة والتوصل إلى لذة الآخرة ونعيمها فلا نسبة بين لذة صاحب الزوجة أو الأمة الجميلة التي يحبها وعينه قد قرت بها فإنه إذا باشرها والتذ قلبه وبدنه ونفسه بوصالها أثيب على تلك اللذة في مقابلة عقوبة صاحب اللذة المحرمة على لذته كما قال النبي ﷺ
" وفي بضع أحدكم أجر. قالوا يا رسول الله ﷺ: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟
قال أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا نعم.
قال فكذلك إذا وضعها في الحلال يكون له أجر "
واعلم أن هذه اللذة تتضاعف وتتزايد بحسب ما عند العبد من الإقبال على الله وإخلاص العمل له والرغبة في الدار الآخرة فإن الشهوة والإرادة المنقسمة في الصور اجتمعت له في صورة واحدة والخوف والهم والغم الذي في اللذة المحرمة معدوم في لذته فإذا اتفق له مع هذا صورة جميلة ورزق حبها ورزقت حبه وانصرفت دواعي شهوته إليها وقصرت بصره عن النظر إلى سواها ونفسه عن التطلع إلى غيرها فلا مناسبة بين لذته ولذة صاحب الصورة المحرمة وهذا أطيب نعيم ينال من الدنيا وجعله النبي ﷺ ثالث ثلاثة بها ينال خير الدنيا والآخرة وهي قلب شاكر ولسان ذاكر وزوجة حسناء إن نظر إليها سرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله فالله المستعان.
40:40Page 471
مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٤٠
Whoever does an evil deed will not be recompensed except by the like thereof; but whoever does righteousness, whether male or female, while he is a believer - those will enter Paradise, being given provision therein without account.
No commentary for this ayah
40:41Page 472
۞ وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ ٤١
And O my people, how is it that I invite you to salvation while you invite me to the Fire?
No commentary for this ayah
40:42Page 472
تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ ٤٢
You invite me to disbelieve in Allāh and associate with Him that of which I have no knowledge, and I invite you to the Exalted in Might, the Perpetual Forgiver.1
No commentary for this ayah
40:43Page 472
لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ ٤٣
Assuredly, that to which you invite me has no [response to a] supplication in this world or in the Hereafter; and indeed, our return is to Allāh, and indeed, the transgressors will be companions of the Fire.
No commentary for this ayah
40:44Page 472
فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٤٤
And you will remember what I [now] say to you, and I entrust my affair to Allāh. Indeed, Allāh is Seeing of [His] servants."
[فَصْلٌ مَنزِلَةُ التَّفْوِيضِ]
وَمِن مَنازِلِ: ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ التَّفْوِيضِ.
قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":
وَهُوَ ألْطَفُ إشارَةً، وأوْسَعُ مَعْنًى مِنَ التَّوَكُّلِ، فَإنَّ التَّوَكُّلَ بَعْدَ وُقُوعِ السَّبَبِ، والتَّفْوِيضُ قَبْلَ وُقُوعِهِ وبَعْدَهُ. وهو عَيْنُ الِاسْتِسْلامِ. والتَّوَكُّلُ شُعْبَةٌ مِنهُ.
يَعْنِي أنَّ المُفَوِّضَ يَتَبَرَّأُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، ويُفَوِّضُ الأمْرَ إلى صاحِبِهِ، مِن غَيْرِ أنْ يُقِيمَهُ مَقامَ نَفْسِهِ في مَصالِحِهِ. بِخِلافَ التَّوَكُّلِ. فَإنَّ الوِكالَةَ تَقْتَضِي أنْ يَقُومَ الوَكِيلُ مَقامَ المُوَكِّلِ.
فالتَّفْوِيضُ: بَراءَةٌ وخُرُوجٌ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وتَسْلِيمُ الأمْرِ كُلِّهِ إلى مالِكِهِ.
فَيُقالُ: وكَذَلِكَ التَّوَكُّلُ أيْضًا. وما قَدَحْتُمْ بِهِ في التَّوَكُّلِ يَرِدُ عَلَيْكم نَظِيرُهُ في التَّفْوِيضِ سَواءٌ.
فَإنَّكَ كَيْفَ تُفَوِّضُ شَيْئًا لا تَمْلِكُهُ ألْبَتَّةَ إلى مالِكِهِ؟ وهَلْ يَصِحُّ أنْ يُفَوِّضَ واحِدٌ مِن آحادِ الرَّعِيَّةِ المُلْكَ إلى مَلِكِ زَمانِهِ؟
فالعِلَّةُ إذَنْ في التَّفْوِيضِ أعْظَمُ مِنها في التَّوَكُّلِ. بَلْ لَوْ قالَ القائِلُ: التَّوَكُّلُ فَوْقَ التَّفْوِيضِ وأجَلُّ مِنهُ وأرْفَعُ، لَكانَ مُصِيبًا. ولِهَذا كانَ القُرْآنُ مَمْلُوءًا بِهِ أمْرًا، وإخْبارًا عَنْ خاصَّةِ اللَّهِ وأوْلِيائِهِ، وصَفْوَةِ المُؤْمِنِينَ، بِأنَّ حالَهُمُ التَّوَكُّلُ. وأمَرَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ في أرْبَعَةِ مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، وسَمّاهُ المُتَوَكِّلَ كَما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قَرَأْتُ في التَّوْراةِ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، سَمَّيْتُهُ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ، ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ بِالأسْواقِ.
وَأخْبَرَ عَنْ رُسُلِهِ بِأنَّ حالَهم كانَ التَّوَكُّلَ. وبِهِ انْتَصَرُوا عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السَّبْعِينَ ألْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ أنَّهم أهْلُ مَقامِ التَّوَكُّلِ.
وَلَمْ يَجِئِ التَّفْوِيضُ في القُرْآنِ إلّا فِيما حَكاهُ عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مِن قَوْلِهِ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ﴾ [غافر: ٤٤].
وَقَدْ أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأنْ يَتَّخِذَهُ وكِيلًا. فَقالَ: ﴿رَبُّ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ لا إلَهَ إلّا هو فاتَّخِذْهُ وكِيلًا﴾ [المزمل: ٩].
وَهَذا يُبْطِلُ قَوْلَ مَن قالَ مِن جَهَلَةِ القَوْمِ: إنَّ تَوْكِيلَ الرَّبِّ فِيهِ جَسارَةٌ عَلى البارِّي؛ لِأنَّ التَّوَكُّلَ يَقْتَضِي إقامَةَ الوَكِيلِ مَقامَ المُوَكِّلِ. وذَلِكَ عَيْنُ الجَسارَةِ.
قالَ: ولَوْلا أنَّ اللَّهَ أباحَ ذَلِكَ ونَدَبَ إلَيْهِ: لَما جازَ لِلْعَبْدِ تَعاطِيهِ.
وَهَذا مِن أعْظَمِ الجَهْلِ. فَإنَّ اتِّخاذَهُ وكِيلًا هو مَحْضُ العُبُودِيَّةِ، وخالِصُ التَّوْحِيدِ،
إذا قامَ بِهِ صاحِبُهُ حَقِيقَةً.
وَلِلَّهِ دَرُّ سَيِّدِ القَوْمِ، وشَيْخِ الطّائِفَةِ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيِّ؛ إذْ يَقُولُ: العِلْمُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّعَبُّدِ. والتَّعَبُّدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الوَرَعِ. والوَرَعُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ الزُّهْدِ، والزُّهْدُ كُلُّهُ بابٌ مِنَ التَّوَكُّلِ.
فالَّذِي نَذْهَبُ إلَيْهِ: أنَّ التَّوَكُّلَ أوْسَعُ مِنَ التَّفْوِيضِ، وأعْلى وأرْفَعُ.
[التَّفْوِيضُ أعَمُّ مِنَ التَّوَكُّلِ]
قَوْلُهُ: فَإنَّ التَّوَكُّلَ بَعْدَ وُقُوعِ السَّبَبِ، والتَّفْوِيضِ قَبْلَ وُقُوعِهِ وبَعْدَهُ.
يَعْنِي بِالسَّبَبِ: الِاكْتِسابَ. فالمُفَوَّضُ قَدْ فَوَّضَ أمْرَهُ إلى اللَّهِ قَبْلَ اكْتِسابِهِ وبَعْدَهُ. والمُتَوَكِّلُ قَدْ قامَ بِالسَّبَبِ. وتَوَكَّلَ فِيهِ عَلى اللَّهِ. فَصارَ التَّفْوِيضُ أوْسَعُ.
فَيُقالُ: والتَّوَكُّلُ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ السَّبَبِ ومَعَهُ وبَعْدَهُ. فَيَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ أنْ يُقِيمَهُ في سَبَبٍ يُوَصِّلُهُ إلى مَطْلُوبِهِ. فَإذا قامَ بِهِ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ حالَ مُباشَرَتِهِ. فَإذا أتَمَّهُ تَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ في حُصُولِ ثَمَراتِهِ. فَيَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ قَبْلَهُ، ومَعَهُ، وبَعْدَهُ.
فَعَلى هَذا: هو أوْسَعُ مِنَ التَّفْوِيضِ عَلى ما ذَكَرَ.
قَوْلُهُ: وهو عَيْنُ الِاسْتِسْلامِ؛ أيِ التَّفْوِيضُ عَيْنُ الِانْقِيادِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ. ولا يُبالِي أكانَ ما يَقْضِي لَهُ الخَيْرَ. أمْ خِلافَهُ؟ والمُتَوَكِّلُ يَتَوَكَّلُ عَلى اللَّهِ في مَصالِحِهِ.
وَهَذا القَدْرُ هو الَّذِي لَحَظَهُ القَوْمُ في هَضْمِ مَقامِ التَّوَكُّلِ، ورَفَعِ مَقامِ التَّفْوِيضِ عَلَيْهِ.
وَجَوابُهُ مِن وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّ المُفَوِّضَ لا يُفَوِّضُ أمْرَهُ إلى اللَّهِ إلّا لِإرادَتِهِ أنْ يَقْضِيَ لَهُ ما هو خَيْرٌ لَهُ في مَعاشِهِ ومَعادِهِ. وإنْ كانَ المَقْضِيُّ لَهُ خِلافَ ما يَظُنُّهُ خَيْرًا. فَهو راضٍ بِهِ؛ لِأنَّهُ يَعْلَمُ أنَّهُ خَيْرٌ لَهُ. وإنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ جِهَةُ المَصْلَحَةِ فِيهِ. وهَكَذا حالُ المُتَوَكِّلِ سَواءٌ، بَلْ هو أرْفَعُ مِنَ المُفَوِّضِ؛ لِأنَّ مَعَهُ مِن عَمَلِ القَلْبِ ما لَيْسَ مَعَ المُفَوِّضِ. فَإنَّ المُتَوَكِّلَ مُفَوِّضٌ وزِيادَةٌ. فَلا يَسْتَقِيمُ مَقامَ التَّوَكُّلِ إلّا بِالتَّفْوِيضِ. فَإنَّهُ إذا فَوَّضَ أمْرَهُ إلَيْهِ اعْتَمَدَ بِقَلْبِهِ كُلِّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ تَفْوِيضِهِ.
وَنَظِيرُ هَذا: أنَّ مَن فَوَّضَ أمَرَهُ إلى رَجُلٍ، وجَعَلَهُ إلَيْهِ. فَإنَّهُ يَجِدُ مِن نَفْسِهِ - بَعْدَ تَفْوِيضِهِ - اعْتِمادًا خاصًّا، وسُكُونًا وطُمَأْنِينَةً إلى المُفَوَّضِ إلَيْهِ أكْثَرَ مِمّا كانَ قَبْلَ التَّفْوِيضِ. وهَذا هو حَقِيقَةُ التَّوَكُّلِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ أهَمَّ مَصالِحِ المُتَوَكِّلِ: حُصُولُ مَراضِي مَحْبُوبِهِ ومَحابِّهِ. فَهو يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في تَحْصِيلِها لَهُ. فَأيُّ مَصْلَحَةٍ أعْظَمُ مِن هَذِهِ؟
وَأمّا التَّفْوِيضُ: فَهو تَفْوِيضُ حاجاتِ العَبْدِ المَعِيشِيَّةِ وأسْبابِها إلى اللَّهِ. فَإنَّهُ لا يُفَوِّضُ إلَيْهِ مَحابَّهُ. والمُتَوَكِّلُ يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ في مَحابِّهِ.
والوَهْمُ إنَّما دَخَلَ مِن حَيْثُ يَظُنُّ الظّانُّ: أنَّ التَّوَكُّلَ مَقْصُورٌ عَلى مَعْلُومِ الرِّزْقِ، وقُوَّةِ البَدَنِ، وصِحَّةِ الجِسْمِ. ولا رَيْبَ أنَّ هَذا التَّوَكُّلَ ناقِصٌ بِالنِّسْبَةِ إلى التَّوَكُّلِ في إقامَةِ الدِّينِ والدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ.
[دَرَجاتُ التَّفْوِيضِ]
[الدَّرَجَةُ الأُولى أنْ يَعْلَمَ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ قَبْلَ عَمَلِهِ اسْتِطاعَةً]
قالَ: وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: الأُولى: أنْ يَعْلَمَ أنَّ العَبْدَ لا يَمْلِكُ قَبْلَ عَمَلِهِ اسْتِطاعَةً. فَلا يَأْمَنُ مِن مَكْرٍ، ولا يَيْأسُ مِن مَعُونَةٍ، ولا يُعَوِّلُ عَلى نِيَّةٍ.
أيْ يَتَحَقَّقُ أنَّ اسْتِطاعَتَهُ بِيَدِ اللَّهِ، لا بِيَدِهِ، فَهو مالِكُها دُونَهُ. فَإنَّهُ إنْ لَمْ يُعْطِهِ الِاسْتِطاعَةَ فَهو عاجِزٌ. فَهو لا يَتَحَرَّكُ إلّا بِاللَّهِ، لا بِنَفْسِهِ.
فَكَيْفَ يَأْمَنُ المَكْرَ، وهو مُحَرَّكٌ لا مُحَرِّكٌ؟ يُحَرِّكُهُ مَن حَرَكَتُهُ بِيَدِهِ، فَإنْ شاءَ ثَبَّطَهُ وأقْعَدَهُ مَعَ القاعِدِينَ.
كَما قالَ فِيمَن مَنَعَهُ هَذا التَّوْفِيقَ: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهم فَثَبَّطَهم وقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ القاعِدِينَ﴾ [التوبة: ٤٦].
فَهَذا مَكْرُ اللَّهِ بِالعَبْدِ: أنْ يَقْطَعَ عَنْهُ مَوادَّ تَوْفِيقِهِ. ويُخَلِّي بَيْنَهُ وبَيْنَ نَفْسِهِ، ولا يَبْعَثَ دَواعِيهِ، ولا يُحَرِّكَهُ إلى مِراضَيْهِ ومَحابِّهِ. ولَيْسَ هَذا حَقًّا عَلى اللَّهِ. فَيَكُونُ ظالِمًا بِمَنعِهِ، تَعالى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا. بَلْ هو مُجَرَّدُ فَضْلِهِ الَّذِي يُحْمَدُ عَلى بَذْلِهِ لِمَن بَذَلَهُ، وعَلى مَنعِهِ لِمَن مَنعَهُ إيّاهُ. فَلَهُ الحَمْدُ عَلى هَذا وهَذا.
وَمَن فَهِمَ هَذا فَهِمَ بابًا عَظِيمًا مِن سِرِّ القَدَرِ، وانْجَلَتْ لَهُ إشْكالاتٌ كَثِيرَةٌ. فَهو سُبْحانَهُ لا يُرِيدُ مِن نَفْسِهِ فِعْلًا يَفْعَلُهُ بِعَبْدِهِ يَقَعُ مِنهُ ما يُحِبُّهُ ويَرْضاهُ. فَيَمْنَعُهُ فِعْلَ نَفْسِهِ بِهِ، وهو تَوْفِيقُهُ؛ لِأنَّهُ يَكْرَهُهُ، ويَقْهَرُهُ عَلى فِعْلِ مَساخِطِهِ، بَلْ يَكِلُهُ إلى نَفْسِهِ وحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، ويَتَخَلّى عَنْهُ. فَهَذا هو المَكْرُ.
قَوْلُهُ: ولا يَيْأسُ مِن مَعُونَةٍ، يَعْنِي إذا كانَ المُحَرِّكُ لَهُ هو الرَّبُّ جَلَّ جَلالُهُ. وهو أقْدَرُ القادِرِينَ. وهو الَّذِي تَفَرَّدَ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ. وهو أرْحَمُ الرّاحِمِينَ. فَكَيْفَ يَيْأسُ مِن مَعُونَتِهِ لَهُ؟
قَوْلُهُ: ولا يُعَوِّلُ عَلى نِيَّةٍ، أيْ لا يَعْتَمِدُ عَلى نِيَّتِهِ وعَزْمِهِ، ويَثِقُ بِها. فَإنَّ نِيَّتَهُ وعَزْمَهُ بِيَدِ اللَّهِ تَعالى لا بِيَدِهِ. وهي إلى اللَّهِ لا إلَيْهِ. فَلْتَكُنْ ثِقَتُهُ بِمَن هي في يَدِهِ حَقًّا، لا بِمَن هي جارِيَةٌ عَلَيْهِ حُكْمًا.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ مُعايَنَةُ الِاضْطِرارِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: مُعايَنَةُ الِاضْطِرارِ. فَلا يَرى عَمَلًا مُنْجِيًا، ولا ذَنْبًا مُهْلِكًا، ولا سَبَبًا حامِلًا.
أيْ يُعايِنُ فَقْرَهُ وفاقَتَهُ وضَرُورَتَهُ التّامَّةَ إلى اللَّهِ، بِحَيْثُ إنَّهُ يَرى في كُلِّ ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِهِ الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ ضَرُورَةً، وفاقَةً تامَّةً إلى اللَّهِ. فَنَجاتُهُ إنَّما هي بِاللَّهِ لا بِعَمَلِهِ. وأمّا قَوْلُهُ: ولا ذَنْبًا مُهْلِكًا، فَإنْ أرادَ بِهِ: أنَّ هَلاكَهُ بِاللَّهِ لا بِسَبَبِ ذُنُوبِهِ: فَباطِلٌ، مَعاذَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ. وإنْ أرادَ بِهِ: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ وسَعَتَهُ ومَغْفِرَتَهُ ورَحْمَتَهُ، ومُشاهَدَةَ شِدَّةِ ضَرُورَتِهِ وفاقَتِهِ إلَيْهِ يُوجِبُ لَهُ أنْ لا يَرى ذَنْبًا مُهْلِكًا، فَإنَّ افْتِقارَهُ وفاقَتَهُ وضَرُورَتَهُ تَمْنَعُهُ مِنَ الهَلاكِ بِذُنُوبِهِ، بَلْ تَمْنَعُهُ مِنَ اقْتِحامِ الذُّنُوبِ المُهْلِكَةِ؛ إذْ صاحِبُ هَذا المَقامِ لا يُصِرُّ عَلى ذُنُوبٍ تُهْلِكُهُ. وهَذا حالُهُ - فَهَذا حَقٌّ. وهو مِن مَشاهِدِ أهْلِ المَعْرِفَةِ.
وَقَوْلُهُ: ولا سَبَبًا حامِلًا. أيْ: يَشْهَدُ أنَّ الحامِلَ لَهُ هو الحَقُّ تَعالى، لا الأسْبابُ الَّتِي يَقُومُ بِها. فَإنَّهُ وإيّاها مَحْمُولانِ بِاللَّهِ وحْدَهُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ شُهُودُ انْفِرادِ الحَقِّ بِمِلْكِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: شُهُودُ انْفِرادِ الحَقِّ بِمِلْكِ الحَرَكَةِ والسُّكُونِ، والقَبْضِ والبَسْطِ، ومَعْرِفَتِهِ بِتَصْرِيفِ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ.
هَذِهِ الدَّرَجَةُ تَتَعَلَّقُ بِشُهُودِ وصْفِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى وشَأْنِهِ. والَّتِي قَبْلَها تَتَعَلَّقُ بِشُهُودِ حالِ العَبْدِ ووَصْفِهِ. أيْ يَشْهَدُ حَرَكاتِ العالَمِ وسُكُونَهُ صادِرَةً عَنِ الحَقِّ تَعالى في كُلِّ مُتَحَرِّكٍ وساكِنٍ، فَيَشْهَدُ تَعَلُّقَ الحَرَكَةِ بِاسْمِهِ الباسِطِ وتَعَلُّقَ السُّكُونِ بِاسْمِهِ القابِضِ فَيَشْهَدُ تَفَرُّدَهُ سُبْحانَهُ بِالبَسْطِ والقَبْضِ.
وَأمّا مَعْرِفَتُهُ بِتَصْرِيفِ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ فَأنْ يَكُونَ المُشاهِدُ عارِفًا بِمَواضِعِ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ.
والمُرادُ بِالتَّفْرِقَةِ: نَظَرُ الِاعْتِبارِ، ونِسْبَةُ الأفْعالِ إلى الخَلْقِ.
والمُرادُ بِالجَمْعِ: شُهُودُ الأفْعالِ مَنسُوبَةً إلى مُوجِدِها الحَقِّ تَعالى.
وَقَدْ يُرِيدُونَ بِالتَّفْرِقَةِ والجَمْعِ مَعْنًى وراءَ هَذا الشُّهُودِ. وهو حالُ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ.
فَحالُ التَّفْرِقَةِ: تَفَرُّقُ القَلْبِ في أوْدِيَةِ الإراداتِ وشِعابِها. وحالُ الجَمْعِ: جَمْعِيَّتُهُ عَلى مُرادِ الحَقِّ وحْدَهُ. فالأوَّلُ: عِلْمُ التَّفْرِقَةِ والجَمْعِ. والثّانِي: حالُهُما. واللَّهُ أعْلَمُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences