Ibn al-QayyimGhafir · 40:45–50

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Ghafir 40:45–50, continued

أحدهما: ما تشهد به العقول والفطر.

والثاني: ما لا تدركه العقول بمجردها كالغيوب التي أخبروا بها عن تفاصيل البرزخ واليوم الآخر وتفاصيل الثواب والعقاب، ولا يكون خبرهم محالا في العقول أصلا، وكل خبر يظن أن العقل يحيله فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون الخبر كذبا عليهم، أو يكون ذلك العقل فاسدا، وهو شبهة خيالية يظن صاحبها أنها معقولة صريحة قال تعالى: ﴿ويَرى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ هو الحَقَّ ويَهْدِي إلى صِراطِ العَزِيزِ الحَمِيدِ﴾ وقال تعالى: ﴿فَمَن يَعْلَمُ أنَّما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحَقُّ كَمَن هو أعْمى﴾

وقال تعالى: ﴿والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ ومِنَ الأحْزابِ مَن يُنْكِرُ بَعْضَهُ﴾

والنفوس لا تفرح بالمحال، وقال تعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَتْكم مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكم وشِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ وهُدىً ورَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾

والمحال لا يشفى ولا يحصل به هدى ولا رحمة ولا يفرح به.

فهذا أمر من لم يستقر في قلبه خير ولم يثبت له على الإسلام قدم وكان أحسن أحواله الحيرة والشك.

الأمر الثاني: أن يفهم عن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم مراده غير علو ولا تقصير، فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده، وما قصده من الهدى والبيان.

وقد حصل بإهمال ذلك، والعدل عنه من الضلال، والعدول عن الصواب ما لا يعلمه، إلا اللّه، بل سوء الفهم عن اللّه ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام، بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما أن أضيف إليه سوء القصد، فيتفق سوء الفهم في بعض الأشياء من المتبوع مع حسن قصده، وسوء القصد من التابع في محنة الدين وأهله واللّه المستعان.

وهل أوقع القدرية والمرجئة والخوارج والمعتزلة والجهمية وسائر طوائف أهل البدع إلا سوء الفهم عن اللّه ورسوله حتى صار الدين بأيدي أكثر الناس هو موجب هذه الأفهام، والذي فهمه الصحابة ومن تتبعهم عن اللّه ورسوله فمهجور لا يلتفت إليه ولا يرفع هؤلاء به رأسا، ولكثرة أمثلة هذه القاعدة تركناها، فإننا لو ذكرناها لزادت على عشرة ألوف، حتى أنك لتمر على الكتاب من أوله إلى آخره فلا تجد صاحبه فهم عن اللّه ورسوله ومراده كما ينبغي في موضع واحد.

وهذا إنما يعرفه من عرف ما عند الناس وعرضه على ما جاء به الرسول، وأما من عكس الأمر بعرض ما جاء به الرسول على ما اعتقده وانتحله وقلد فيه من أحسن به الظن فليس يجدي الكلام معه شيئا فدعه، وما اختاره لنفسه وعليه ما تولى وأحمد الذي عافاك مما ابتلاه به.

الأمر الثالث: أن اللّه سبحانه جعل الدور ثلاثا: دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل لكل دار أحكاما تختص بها، وركب هذا الإنسان من بدن ونفس، وجعل أحكام دار الدنيا على الأبدان والأرواح تبعا لها، ولهذا جعل أحكامه الشرعية مرتبة على ما يظهر من حركات اللسان والجوارح وإن أضمرت النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على الأرواح والأبدان تبعا لها، فكما تبعت الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا فتألمت بألمها والتذت براحتها وكانت هي التي باشرت أسباب النعيم والعذاب تبعت الأبدان الأرواح في نعيمها وعذابها، والأرواح حينئذ هي التي تباشر العذاب والنعيم، فالأبدان هنا ظاهرة، والأرواح خفية.

والأبدان كالقبور لها، والأرواح هناك ظاهرة، والأبدان خفية في قبورها، تجري أحكام البرزخ على الأرواح فتسري إلى أبدانها نعيما أو عذابا، كما تجري أحكام الدنيا على الأبدان فتسري إلى أرواحها نعيما أو عذابا، فأحط بهذا الموضع علما وأعرفه كما ينبغي يزيل عنك كل إشكال يورد عليك من داخل وخارج.

وقد أرانا اللّه سبحانه بلطفه ورحمته وهدايته من ذلك أنموذجا في الدنيا من حال النائم، فإن ما ينعم به أو يعذب في نومه يجري على روحه أصلا والبدن تبع له، وقد يقوى حتى يؤثر في البدن تأثيرا مشاهدا، فيرى النائم في نومه أنه ضرب فيصبح وأثر الضرب في جسمه، ويرى أنه قد أكل أو شرب فيستيقظ وهو يجد أثر الطعام والشراب في فيه، ويذهب عنه الجوع والظمأ.

وأعجب من ذلك أنك ترى النائم يقوم في نومه ويضرب ويبطش ويدافع كأنه يقظان وهو نائم لا شعور له بشيء من ذلك، وذلك أن الحكم لما جرى على الروح استعانت بالبدن من خارجه، ولو دخلت فيه لاستيقظ وأحس، فإذا كانت الروح تتألم وتنعم ويصل ذلك إلى بدنها بطريق الاستتباع فهكذا في البرزخ بل أعظم، فإن تجرد الروح هنالك أكمل وأقوى، وهي متعلقة ببدنها لم تنقطع عنه كل الانقطاع، فإذا كان يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم صار الحكم والنعيم والعذاب في الأرواح والأجساد ظاهرا باديا أصلا.

ومتى أعطيت هذا الموضع حقه تبين لك أن ما أخبر به الرسول من عذاب القبر ونعيمه وضيقه وسعته وضمه، وكونه حفرة من حفر النار أو روضة من رياض الجنة، مطابق للعقل، وأنه حق لا مرية فيه، وأن من أشكل عليه ذلك فمن سوء فهمه وقلة علمه أتى كما قيل:

؎وكم من عائب قولا صحيحا ∗∗∗ وآفته من الفهم السقيم

وأعجب من ذلك أنك تجد النائم في فراش واحد، وهذا روحه في النعيم ويستيقظ وأثر النعيم على بدنه، وهذا روحه في العذاب ويستيقظ وأثر العذاب على بدنه، وليس عند أحدهما خبر بما عند الآخر، فأمر البرزخ أعجب من ذلك.

الأمر الرابع: أن اللّه سبحانه جعل أمر الآخرة وما كان متصلا بها غيبا وحجبها عن إدراك المكلفين في هذه الدار، وذلك من كمال حكمته، وليتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم، فأول ذلك أن الملائكة تنزل على المحتضر وتجلس قريبا منه ويشاهدهم عيانا ويتحدثون عنده، ومعهم الأكفان والحنوط، إما من الجنة، وإما من النار، ويؤمنون على دعاء الحاضرين بالخير والشر، وقد يسلمون على المحتضر، ويرد عليهم تارة بلفظة، وتارة بإشارته، وتارة بقلبه، حيث لا يتمكن من نطق ولا إشارة.

وقد سمع بعض المحتضرين يقول: أهلا وسهلا ومرحبا بهذه الوجوه.

(وأخبرني) شيخنا عن بعض المحتضرين، فلا أدري أشاهده وأخبره عنه أنه سمع وهو يقول: عليك السلام هاهنا فأجلس، وعليك السلام هاهنا فاجلس».

(وقصة) خبر النساج رحمه اللّه مشهورة حيث قال عند الموت: اصبر عافاك اللّه، فإن ما أمرت به لا يفوت، وما أمرت به يفوت، ثم استدعى بماء فتوضأ وصلى ثم قال: امض لما أمرت به، ومات.

[فصل: ماهية النار والخضرة في القبر]

الأمر الخامس والسادس: أن النار التي في القبر والخضرة ليست من نار الدنيا ولا من زروع الدنيا، فيشاهده من شاهد نار الدنيا وخضرها، وإنما هي من نار الآخرة وخضرها، وهي أشد من نار الدنيا، فلا يحس به أهل الدنيا، فإن اللّه سبحانه يحمي عليه ذلك التراب والحجارة التي عليه وتحته حتى يكون أعظم حرا من جمر الدنيا، ولو مسها أهل الدنيا لم يحسوا بذلك، بل أعجب من هذا أن الرجلين يدفنان، أحدهما إلى جنب الآخر، وهذا في حفرة من حفر النار لا يصل حرها إلى جاره، وذلك في روضة من رياض الجنة لا يصل روحها ونعيمها إلى جاره.

وقدرة الرب تعالى أوسع وأعجب من ذلك، وقد أرانا اللّه من آيات قدرته في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك بكثير، ولكن النفوس مولعة التكذيب بما لم تحط به علما إلا من وفقه اللّه وعصمه.

فيفرش للكافر لوحان من نار، فيشتعل عليه قبره بهما كما يشتعل التنور، فإذا شاء اللّه سبحانه أن يطلع على ذلك بعض عبيده أطلعه وغيبه عن غيره، إذ لو اطلع العباد كلهم لزالت كلمة التكليف والإيمان بالغيب، ولما تدافن الناس كما في الصحيحين عنه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لو لا أن لا تدافنوا لدعوت اللّه أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع».

و لما كانت هذه الحكمة منفية في حق البهائم سمعت ذلك وأدركته كما حادث برسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بلغته وكادت تلقيه لما مر بمن يعذب في قبره.

(وحدثني) صاحبنا أبو عبد اللّه محمد بن الرزيز الحراني أنه خرج من داره بعد العصر بآمد إلى بستان، قال: فلما كان قبل غروب الشمس توسطت القبور، فإذا بقبر منها وهو جمرة نار مثل كوز الزجاج، والميت في وسطه، فجعلت أمسح عيني وأقول: أنائم أنا أم يقظان؟ ثم التفت إلى سور المدينة وقلت: واللّه ما أنا بنائم، ثم ذهبت إلى أهلي وأنا مدهوش «١»، فأتوني بطعام فلم أستطع أن آكل، ثم دخلت البلد، فسألت عن صاحب القبر، فإذا به مكاس «٢» قد توفي ذلك اليوم.

فرؤية هذه النار في القبر كرؤية الملائكة، والجن تقع أحيانا لمن شاء اللّه أن يريه ذلك.

(وقد ذكر) ابن أبي الدنيا في كتاب (القبور) عن الشعبي أنه ذكر رجلا، قال للنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: مررت ببدر فرأيت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج فيفعل ذلك، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «ذلك أبو جهل بن هشام يعذب إلى يوم القيامة».

(وذكر) من حديث حماد بن سلمة عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد اللّه عن أبيه قال: بينا أنا أسير بين مكة والمدينة على راحلة وأنا محقب إدارة، إذ مررت بمقبرة، فإذا رجل خارج من قبره يلتهب نارا وفي عنقه سلسلة يجرها، فقال: يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، فو اللّه ما أدري أعرفني باسمي أم كما تدعو الناس، قال: فخرج آخر، فقال: يا عبد اللّه لا تنضح ثم اجتذب السلسلة فأعاده في قبره.

(وقال) ابن أبي الدنيا، وحدثني أبي، وحدثنا موسى بن داود، وحدثنا حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة عن أبيه، قال: بينما راكب يسير بين مكة والمدينة إذ مر بمقبرة، فإذا برجل قد خرج من قبره يلتهب نارا مصفدا في الحديد، فقال: يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، يا عبد اللّه انضح، قال: وخرج آخر يتلوه فقال: يا عبد اللّه لا تنضح يا عبد اللّه لا تنضح قال: وغشي على الراكب وعدلت به راحلته إلى العرج، قال: وأصبح قد ابيض شعره، فأخبر عثمان بذلك، فنهى أن يسافر الرجل وحده.

(وذكر) من حديث سفيان، حدثنا داود بن شابور عن أبي قزعة قال: مررنا في بعض المياه التي بيننا وبين البصرة، فسمعنا نهيق حمار، فقلنا لهم: ما هذا النهيق؟ قالوا: هذا رجل كان عندنا كانت أمه تكلمه بالشيء فيقول لها: انهقي نهيقك، فلما مات سمع هذا النهيق من قبره كل ليلة.

(وذكر) أيضا عن عمرو بن دينار قال: كان رجل من أهل المدينة وكانت له أخت في ناحية المدينة، فاشتكت، وكان يأتيها يعودها، ثم ماتت فدفنها، فلما رجع ذكر أنه نسي شيئا في القبر كان معه، فاستعان برجل من أصحابه، قال:

فنبشنا القبر ووجدت ذلك المتاع، فقال للرجل: تنح حتى أنظر على أي حال أختي، فرفع بعض ما على اللحد فإذا القبر مشتعل نارا فرده وسوى القبر، فرجع إلى أمه فقال: ما كان حال أختي؟ فقال: ما تسأل عنها وقد هلكت، فقال:

لتخبريني، قالت: كانت تؤخر الصلاة ولا تصلي فيما أظن بوضوء، وتأتي أبواب الجيران فتلقم أذنها أبوابهم وتخرج حديثهم.

(وذكر) عن حصين الأسدي قال: سمعت مرثد بن حوشب قال: كنت جالسا عند يوسف بن عمر، وإلى جنبه رجل كأن شقة وجهه صفحة من حديد، فقال له يوسف: حدث مرثدا بما رأيت؟، فقال: كنت شابا قد أتيت هذه الفواحش، فلما وقع الطاعون قلت: أخرج إلى ثغر من هذه الثغور، ثم رأيت أن أحفر القبور، فإذا بي ليلة بين المغرب والعشاء قد حفرت وأنا متكئ على تراب قبر آخر، إذ جي ء بجنازة رجل حتى دفن في ذلك وسووا عليه، فأقبل طائران أبيضان من المغرب مثل البعيرين، حتى سقط أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، ثم أثاراه، ثم تدلى أحدهما في القبر والآخر على شفيره، فجئت حتى جلست على شفير القبر، وكنت رجلا لا يملأ جوفي شيء، قال: فسمعته يقول: ألست الزائر أصهارك في ثوبين ممصرين «١» تسحبهما كبرا تمشيا لخيلاء فقال: أنا أضعف من ذلك، قال: فضربه ضربة امتلأ القبر حتى فاض ماء ودهنا، ثم عاد فأعاد إليه القول حتى ضربه ثلاث ضربات كل ذلك يقول ذلك ويذكر أن القبر يفيض ماء ودهنا، قال: ثم رفع رأسه فنظر إلي فقال: انظر أين هو جالس بلسه} «١» اللّه، قال: ثم ضرب جانب وجهي فسقطت، فمكثت ليلتي حتى أصبحت، قال: ثم أخذت أنظر إلى القبر فإذا هو على حاله.

فهذا الماء والدهن في رأي العين لهذا الرائي وهو نار تأجج للميت كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن الدجال أنه يأتي معه بماء ونار، فالنار ماء بارد والماء نار تأجج} «٢».

(وذكر) ابن أبي الدنيا أن رجلا سأل أبا إسحاق الفزاري عن النباش} «٣» هل له توبة؟ فقال: نعم إن صحت نيته وعلم اللّه منه الصدق، فقال له الرجل: كنت أنبش القبور وكنت أجد قوما وجوههم لغير القبلة، فلم يكن عند الفزاري في ذلك شيء، فكتب إلى الأوزاعي يخبره بذلك، فكتب إليه الأوزاعي: تقبل توبته إذا صحت نيته وعلم اللّه الصدق من قلبه، وأما قوله أنه كان يجد قوما وجوههم لغير القبلة: فأولئك قوم ماتوا على غير السنّة.

(وقال) ابن أبي الدنيا حدثني عبد المؤمن بن عبد اللّه بن عيسى القيسي أنه قيل لنباش تاب: ما أعجب ما رأيت؟ قال: نبشت رجلا فإذا هو مسمر بالمسامير في سائر جسده ومسمار كبير في رأسه وآخر في رجليه.

(وقيل) وقيل لنباش آخر: ما أعجب ما رأيت؟ قال: رأيت جمجمة إنسان مصبوب فيها رصاصا.

(قال) وقيل لنباش آخر: ما كان سبب توبتك؟ قال: عامة من كنت أنبش كنت أراه محول الوجه عن القبلة.

(قلت) وحدثني صاحبنا أبو عبد اللّه محمد بن مساب السلامي وكان من خيار عباد اللّه وكان يتحرى الصدق قال: جاء رجل إلى سوق الحدادين ببغداد فباع مسامير صغار المسمار برأسين، فأخذها الحداد وجعل يحمي عليها فلا تلين معه حتى عجز عن ضربها، فطلب البائع فوجده، فقال: من أين لك هذه المسامير؟

فقال: لقيتها، فلم يزل به حتى أخبره أنه وجد قبرا مفتوحا وفيه عظام ميت منظومة بهذه المسامير، قال: فعالجتها على أن أخرجها فلم أقدر، فأخذت حجرا فكسرت عظامه وجمعتها، وقال: وأنا رأيت تلك المسامير، قلت له: فكيف صفتها؟ قال المسمار صغير برأسين.

(قال) ابن أبي الدنيا، وحدثني عن أبي بن جريش عن أمه، قالت: لما حفر أبو جعفر خندق الكوفة حوّل الناس موتاهم، فرأينا شابا ممن حولنا عاضا على يده.

(وذكر) عن سماك بن حرب قال: مر أبو الدرداء بين القبور فقال: ما أسكن ظواهرك وفي داخلك الدواهي.

(وقال) ثابت البناني «١»: بينما أنا أمشي في المقابر وإذا صوت خلفي وهو يقول: يا ثابت لا يغرنك سكوتها فكم من مغموم فيها، فالتفت فلم أر أحدا.

(ومر) الحسن على مقبرة فقال: يا لهم من عسكر ما أسكنهم، وكم فيهم من مكروب.

(وذكر) ابن أبي الدنيا أن عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة بن عبد الملك:

يا مسلمة من دفن أباك؟ قال: مولاي فلان، قال: فمن دفن الوليد؟ قال: مولاي فلان، قال: فأنا أحدثك ما حدثني به، إنه لما دفن أباك الوليد فوضعهما في قبورهما وذهب ليحل العقد عنهما وجد وجوههما قد حولت في أقفيتهما، فانظر يا مسلمة إذا أنا مت، فالتمس وجهي فانظر: هل نزل بي ما نزل بالقوم، أو هل عوفيت من ذلك، قال مسلمة: فلما مات عمر وضعته في قبره فلمست وجهه فإذا هو مكانه.

(وذكر) ابن أبي الدنيا عن بعض السلف قال: ماتت ابنة لي فأنزلتها القبر، فذهبت أصلح اللبنة فإذا هي قد حولت عن القبلة، فاغتممت لذلك غما شديدا، فأريتها في النوم فقالت: يا أبت اغتممت لما رأيت، فإن عامة من حولي محولين عن القبلة، قال: كأنها تريد الذين ماتوا مصرين على الكبائر.

(وقال) عمرو بن ميمون: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: كنت في من دلى الوليد بن عبد الملك في قبره، فنظرت إلى ركبتيه قد جمعتا في عنقه، فقال ابنه: عاش أبي ورب الكعبة، فقالت: عوجل أبوك ورب الكعبة فاتعظ بها عمر بعده.

(وقال) عمر بن عبد العزيز ليزيد بن المهلب لما استعمله على العراق:

يا يزيد اتق اللّه، فإني حين وضعت الوليد في لحده فإذا هو يركض في أكفانه.

(وقال) يزيد بن هارون: أخبر هشام بن حسان عن واصل مولى أبي عيينة عن عمر بن زهدم عن عبد الحميد بن محمود قال: كنت جالسا عند ابن عباس، فأقبل قوم، فقالوا: إنا خرجنا حجاجا ومعنا صاحب لنا، إذ أتينا فإذا الصفاح مات، فهيأناه، ثم انطلقنا فحفرنا له ولحدنا له، فلما فرغنا من لحده إذا نحن بأسْود قد ملأ اللحد، فحفرنا له آخر فإذا به قد ملأ لحده، فحفرنا له آخر فإذا به، فقال: ابن عباس: ذاك الغل الذي يغل به، انطلقوا فادفنوه في بعضها، فوالذي نفسي بيده لو حفرتم الأرض كلها لوجدتموه فيه، فانطلقنا فوضعناه في بعضها، فلما رجعنا أتينا أهله بمتاع له معنا، فقلنا لامرأته: ما كان يعمل زوجك؟

قالت: كان يبيع الطعام فيأخذ منه كل يوم قوت أهله، ثم يقرض الفضل مثله فيلقيه فيه.

(وقال) ابن أبي الدنيا: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثني أبو إسحاق صاحب الشاط قال: دعيت إلى ميت لأغسله، فلما كشفت الثوب عن وجهه إذا بحية قد تطوقت على حلقة فذكر من غلظها، قال: فخرجت فلم أغسله، فذكروا أنه كان يسب الصحابة رضي اللّه عنهم «١».

(وذكر) ابن أبي الدنيا عن سعيد بن خالد بن يزيد الأنصاري عن رجل من أهل البصرة كان يحفر القبور قال: حفرت قبرا ذات يوم ووضعت رأسي قريبا منه، فأتتني امرأتان في منامي، فقالت إحداهما: يا عبد اللّه ناشدتك باللّه إلا صرفت عنا هذه المرأة ولم تجاورنا بها، فاستيقظت فزعا، فإذا بجنازة امرأة قد جي ء بها، فقلت: القبر وراءكم فصرفتهم عن ذلك القبر، فلما كان بالليل إذا أنا بالمرأتين في منامي، تقول إحداهما: جزاك ٢ اللّه عنا خيرا فلقد صرفت عنا شرا طويلا، قلت:

ما لصاحبتك لا تكلمني كما تكلميني أنت؟ قالت: إن هذه ماتت عن غير وصية، وحق لمن مات عن غير وصية أن لا يتكلم إلى يوم القيامة.

وهذه الأخبار وأضعافها وأضاف أضعافها مما لا يتسع لها الكتاب مما أراه اللّه سبحانه لبعض عباده من عذاب القبر ونعيمه عيانا.

وأما رؤية المنام فلو ذكرناها لجاءت عدة أسفار، ومن أراد الوقوف عليها فعليه بكتاب (المنامات) لابن أبي الدنيا وكتاب (البستان) للقيرواني وغيرهما من الكتب المتضمنة لذلك، وليس عند الملاحدة والزنادقة إلا التكذيب بما لم يحيطوا بعلمه.

الأمر السابع: أن اللّه سبحانه وتعالى يحدث في هذه الدار ما هو أعجب من ذلك، فهذا جبريل كان ينزل على النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، ويتمثل له رجلا فيكلمه بكلام يسمعه، ومن إلى جانب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لا يراه ولا يسمعه، وكذلك غيره من الأنبياء وأحيانا يأتيه الوحي في مثل صلصلة الجرس، ولا يسمعه غيره من الحاضرين، وهؤلاء الجن يتحدثون ويتكلمون بالأصوات المرتفعة، بيننا ونحن لا نسمعهم، وقد كانت الملائكة تضرب الكفار بالسياط، وتضرب رقابهم وتصيح بهم، والمسلمون معهم لا يرونهم ولا يسمعون كلامهم، واللّه سبحانه قد حجب بني آدم عن كثير مما يحدثه في الأرض وهو بينهم، وقد كان جبريل يقرئ النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم ويدارسه القرآن والحاضرون لا يسمعونه.

وكيف يستنكر من يعرف اللّه سبحانه ويقر بقدرته أن يحدث حوادث يصرف عنها أبصار بعض خلقه حكمة منه ورحمة بهم، لأنهم لا يطيقون رؤيتها وسماعها، والبعد أضعف بصرا وسمعا من أن يثبت لمشاهدة عذاب القبر، وكثيرا ممن أشهده اللّه ذلك صعق وغشي عليه ولم ينتفع بالعيش زمنا، وبعضهم كشف قناع قلبه فمات، فكيف ينكر في الحكمة الإلهية أسبال غطاء يحول بين المكلفين وبين مشاهدة ذلك، حتى إذا كشف الغطاء رأوه وشاهدوه عيانا.

ثم إن العبد قادر على أن يزيل الزئبق والخردل عن عين الميت وصدره ثم يرده بسرعة، فكيف يعجز عنه الملك، وكيف لا يقدر عليه من هو على كل شيء قدير، وكيف تعجز قدرته على إبقائه في عينيه وعلى صدره لا يسقط عنه، وهل قياس أمر البرزخ على ما يشاهده الناس في الدنيا إلا محض الجهل والضلال، وتكذيب أصدق الصادقين، وتعجيز رب العالمين وذلك غاية الجهل والظلم.

وإذا كان أحدنا يمكنه توسعة القبر عشرة أذرع ومائة ذراع وأكثر طولا وعرضا وعمقا، ويستر توسيعه عن الناس، ويطلع عليه من يشاء، فكيف يعجز رب العالمين أن يوسعه ما يشاء على من يشاء، ويستر ذلك على أعين بني آدم، فيراه بنو آدم عميقا، وهو أوسع شيء وأطيبه ريحا وأعظمه إضاءة ونورا، وهم لا يرون ذلك.

وسر المسألة: أن هذه السعة والضيق والإضاءة والخضرة والنار ليس من جنس المعهود في هذا العالم، واللّه سبحانه إنما أشهد بني آدم في هذه الدار ما كان فيها ومنها، فأما ما كان من أمر الآخرة فقد أسبل عليه الغطاء ليكون الإقرار والإيمان به سببا لسعادتهم، فإذا كان كشف عنهم الغطاء صار عيانا مشاهدا، فلو كان الميت بين الناس موضوعا لم يمتنع أن يأتيه الملكان ويسألانه من غير أن يشعر الحاضرون بذلك، ويجيبهما من غير أن يسمعوا كلامه، ويضربانه من غير أن يشاهد الحاضرون ضربه، وهذا الواحد منا ينام إلى جنب صاحبه فيعذب في النوم ويضرب ويألم، وليس عند المستيقظ خبر من ذلك البتة، وقد سرى أثر الضرب والألم إلى جسده.

ومن أعظم الجهل استبعاد شق الملك الأرض والحجر وقد جعلهما اللّه سبحانه له كالهواء للطير، ولا يلزم من حجبها للأجسام الكثيفة أن تتولج حجبها للأرواح اللطيفة، وهل هَذا إلَّا من أفسد القياس، وبِهَذا وأمْثاله كذبت الرُّسُل صلوات اللّه وسلامه عليهم.

الأمر الثامن: أنه غير ممتنع أن ترد الروح إلى المصلوب والغريق والمحرق ونحن لا نشعر بها، لأن ذلك الرد نوع آخر غير المعهود، فهذا المغمي عليه والمسكوت والمبهوت أحياء، وأرواحهم معهم ولا تشعر بحياتهم، ومن تفرقت أجزاؤه لا يمتنع على من هو على كل شيء قدير أن يجعل للروح اتصالا بتلك الأجزاء على تباعد ما بينها وقربه، ويكون في تلك الأجزاء شعور بنوع من الألم واللذة، وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى قد جعل للجمادات شعورا وإدراكا تسبح ربها به، وتسقط الحجارة من خشيته، وتسجد له الجبال والشجر وتسبحه الحصى والمياه والنبات قال تعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْ ءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

ولو كان التسبيح هو مجرد دلالتها على صانعها لم يقل: ﴿ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

فإن كان عاقل يفقه دلالتها على صانعها، وقال تعالى: ﴿إنّا سَخَّرْنا الجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالعَشِيِّ والإشْراقِ﴾

والدلالة على الصانع لا تختص بهذين الوقتين، وكذلك قوله تعالى: ﴿يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ﴾ والدلالة لا تختص

معيته وحده وكذب على اللّه من قال: التأويب رجع الصدى، فإن هذا يكون لكل مصوت، وقال تعالى: ﴿أ لَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ﴾

والدلالة على الصانع لا تختص بكثير من الناس، وقد قال تعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ فهذه صلاة وتسبيح حقيقة يعلمها اللّه، وإن جحدها الجاهلون المكذبون، وقد أخبر تعالى عن الحجارة أن بعضها يزول عن مكانه ويسقط من خشيته، وقد أخبر عن الأرض والسماء أنهما يأذنان له وقولهما ذلك أي يستمعان كلامه، وأنه خاطبهما فسمعا خطابه وأحسنا جوابه، فقال لهما: ﴿ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾

وقد كان الصحابة يسمعون تسبيح الطعام وهو يؤكل، وسمعوا حنين الجذع اليابس في المسجد، فإذا كانت هذه الأجسام فيها الإحساس والشعور، فالأجسام التي كانت فيها الروح والحياة أولى بذلك، وقد أشهد اللّه سبحانه عباده في هذه الدار إعادة حياة كاملة إلى بدن قد فارقته الروح، فتكلم ومشى وأكل وشرب وتزوج وولد له الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وهم أُلُوفٌ حَذَرَ المَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْياهم أوْ كالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وهي خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أنّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ}

وكقتيل بني إسرائيل أو كالذين قالوا لموسى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾

فأماتهم اللّه ثم بعثهم من بعد موتهم، وكأصحاب الكهف وقصة إبراهيم في الطيور الأربعة، فإذا أعاد الحياة التامة إلى هذه الأجساد بعد ما بردت بالموت فكيف تمتنع على قدرته الباهرة أن يعيد إليها بعد موتها حياة غير مستقرة يقضي بها ما أمره فيها ويستنطقها بها ويعذبها أو ينعمها بأعمالها، وهل إنكار ذلك إلا مجرد تكذيب وعناد وجحود وباللّه التوفيق.

[فصل: عدم ذكر القرآن لعذاب القبر]

وهي قول السائل: ما الحكمة في كون عذاب القبر لم يذكر في القرآن مع شدة الحاجة إلى معرفته والإيمان به ليحذر ويتقي؟ فالجواب من وجهين:

مجمل، ومفصل.

أما المجمل: فهو أن اللّه سبحانه وتعالى أنزل على رسوله وحيين، وأوجب على عباده الإيمان بهما، والعمل بما فيهما، وهما الكتاب والحكمة، وقال تعالى وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ}

وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾

وقال تعالى ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾.

والكتاب: هو القرآن، والحكمة: هي السنّة باتفاق السلف، وما أخبر به الرسول عن اللّه فهو في وجوب تصديقه والإيمان به كما أخبر به الرب تعالى على لسان رسوله، هذا أصل متفق عليه بين أهل الإسلام لا ينكر، إلا من ليس منهم.

وقد قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إني أوتيت الكتاب ومثله معه».

وأما الجواب المفصل: فهو أن نعيم البرزخ وعذابه مذكور في القرآن في غير موضع. فمنها قوله تعالى ﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ في غَمَراتِ المَوْتِ والمَلائِكَةُ باسِطُوا أيْدِيهِمْ أخْرِجُوا أنْفُسَكُمُ اليَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ وكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وهذا خطاب لهم عند الموت، وقد أخبرت الملائكة وهم الصادقون أنهم حينئذ يجزون عذاب الهون، ولو تأخر عنهم ذلك إلى انقضاء الدنيا لما صح أن يقال لهم اليوم تجزون.

ومنها: قوله تعالى ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ العَذابِ. النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾

فذكر عذاب الدارين ذكرا صريحا لا يحتمل غيره.

(ومنها) قوله تعالى فَذَرْهم حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ. يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهم كَيْدُهم شَيْئًا ولا هم يُنْصَرُونَ. وإنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذابًا دُونَ ذلِكَ ولكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ} «٣» وهذا يحتمل أن يراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا، وأن يراد به عذابهم في البرزخ، وهو أظهر، لأن كثيرا منهم مات ولم يعذب في الدنيا، وقد يقال وهو أظهر: إن من مات منهم عذاب في البرزخ، ومن بقي منها عذب في الدنيا بالقتل وغيره، فهو وعيد بعذابهم في الدنيا وفي البرزخ.

(ومنها) قوله تعالى ﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾

وقد احتج بهذه الآية جماعة منهم عبد اللّه بن عباس على عذاب القبر وفي الاحتجاج بها شيء، لأن هذا عذاب في الدنيا يستدعي به رجوعهم عن الكفر، ولم يكن هذا مما يخفى على حبر الأمة وترجمان القرآن، ولكن فقهه في القرآن ودقة فهمه فيه فهم منها عذاب القبر، فإنه سبحانه أخبر أن له فيهم عذابين أدنى وأكبر، فأخبر أنه يذيقهم بعض الأدنى ليرجعوا، فدل على أنه بقي لهم من الأدنى بقية يعذبون بها بعد عذاب الدنيا، ولهذا قال: من العذاب الأدنى، ولم يقل ولنذيقنهم العذاب الأدنى فتأمله.

وهذا نظير قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «فيفتح له طاقة إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها»، ولم يقل: فيأتيه حرها وسمومها، فإن الذي وصل إليه بعض ذلك وبقي له أكثره، والذي ذاقه أعداء اللّه في الدنيا بعض العذاب وبقي لهم ما هو أعظم منه.

(ومنها) قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ (٨٣) وأنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِنكم ولَكِنْ لا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلا إنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٨٧) فَأمّا إنْ كانَ مِنَ المُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ وجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وأمّا إنْ كانَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ (٩٠) فَسَلامٌ لَكَ مِن أصْحابِ اليَمِينِ (٩١) وأمّا إنْ كانَ مِنَ المُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِن حَمِيمٍ (٩٣) وتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إنَّ هَذا لَهو حَقُّ اليَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ (٩٦)﴾.

فذكر هاهنا أحكام الأرواح عند الموت، وذكر في أول السورة أحكامها يوم المعاد الأكبر، وقدم ذلك على هذا تقديم الغاية للعناية، إذ هي أهم وأولى بالذكر، وجعلهم عند الموت ثلاثة أقسام، كما جعلهم في الآخرة ثلاثة أقسام.

(ومنها) قوله تعالى: ﴿يا أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فادْخُلِي في عِبادِي وادْخُلِي جَنَّتِي﴾

وقد اختلف السلف: متى يقال لها ذلك؟ فقالت طائفة: يقال لها عند الموت، وظاهر اللفظ مع هؤلاء، فإنه خطاب للنفس التي تجردت عن البدن وخرجت منه، وقد فسر ذلك النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم بقوله في حديث البراء وغيره: فيقال لها اخرجي راضية مرضيا عنك، وسيأتي تمام تقرير في هذا في المسألة التي يذكر فيها مستقر الأرواح في البرزخ إن شاء اللّه تعالى وقوله تعالى فادْخُلِي في عِبادِي مطابق لقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «اللهم الرفيق الأعلى».

وأنت إذا تأملت أحاديث عذاب القبر ونعيمه وجدتها تفصيلا وتفسيرا لما دل عليه القرآن وباللّه التوفيق.

40:47Page 472

وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ ٤٧

And [mention] when they will argue within the Fire, and the weak will say to those who had been arrogant, "Indeed, we were [only] your followers, so will you relieve us of a share of the Fire?"

No commentary for this ayah

40:48Page 472

قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ ٤٨

Those who had been arrogant will say, "Indeed, all [of us] are in it. Indeed, Allāh has judged between the servants."

No commentary for this ayah

40:49Page 472

وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٤٩

And those in the Fire will say to the keepers of Hell, "Supplicate your Lord to lighten for us a day from the punishment."

No commentary for this ayah

40:50Page 473

قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ ٥٠

They will say, "Did there not come to you your messengers with clear proofs?" They will say, "Yes." They will reply, "Then supplicate [yourselves], but the supplication of the disbelievers is not except in error [i.e., futility]."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском