Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:23–31, continued
وَأمّا تَضَمُّنُ ذَلِكَ لِتَرْكِ الدَّعْوى فَإنَّهُ إذا اشْتَغَلَ بِالسَّبَبِ تَخَلَّصَ مِن إشارَةِ الخَلْقِ إلَيْهِ، المُوجِبَةِ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِنَفْسِهِ، المُوجِبِ لِدَعْواهُ. فالسَّبَبُ سَتْرٌ لِحالِهِ ومَقامِهِ. وحِجابٌ مُسْبَلٌ عَلَيْهِ.
وَمِن وجْهٍ آخَرَ، وهو أنْ يَشْهَدَ بِهِ فَقْرُهُ وذُلُّهُ، وامْتِهانُهُ امْتِهانَ العَبِيدِ والفَعَلَةِ. فَيَتَخَلَّصُ مِن رُعُونَةِ دَعْوى النَّفْسِ، فَإنَّهُ إذا امْتَهَنَ نَفْسَهُ بِمُعاطاةِ الأسْبابِ سَلِمَ مِن هَذِهِ الأمْراضِ.
فَيُقالُ: إذا كانَتِ الأسْبابُ مَأْمُورًا بِها فَفِيها فائِدَةٌ أجَلُّ مِن هَذِهِ الثَّلاثِ. وهي المَقْصُودَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، وهَذِهِ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الوَسائِلِ. وهي القِيامُ بِالعُبُودِيَّةِ والأمْرُ الَّذِي خُلِقَ لَهُ العَبْدُ، وأُرْسِلَتْ بِهِ الرُّسُلُ، وأُنْزِلَتْ لِأجْلِهِ الكُتُبُ. وبِهِ قامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. ولَهُ وُجِدَتِ الجَنَّةُ والنّارُ.
فالقِيامُ بِالأسْبابِ المَأْمُورِ بِها مَحْضُ العُبُودِيَّةِ. وحَقُّ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ الَّذِي تَوَجَّهَتْ بِهِ نَحْوَهُ المَطالِبُ. وتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الثَّوابُ والعِقابُ. واللَّهُ سُبْحانَهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ التَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ، وغَضُّ العَيْنِ عَنِ السَّبَبِ؛ اجْتِهادًا لِتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ، وقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ، وتَفَرُّغًا إلى حِفْظِ الواجِباتِ.
قَوْلُهُ: مَعَ إسْقاطِ الطَّلَبِ. أيْ مِنَ الخَلْقِ لا مِنَ الحَقِّ. فَلا يَطْلُبُ مِن أحَدٍ شَيْئًا. وهَذا مِن أحْسَنِ الكَلامِ وأنْفَعِهِ لِلْمُرِيدِ. فَإنَّ الطَّلَبَ مِنَ الخَلْقِ في الأصْلِ مَحْظُورٌ، وغايَتُهُ: أنْ يُباحَ لِلضَّرُورَةِ، كَإباحَةِ المَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ، ونَصَّ أحْمَدُ عَلى أنَّهُ لا يَجِبُ. وكَذَلِكَ كانَ شَيْخُنا يُشِيرُ إلى أنَّهُ لا يَجِبُ الطَّلَبُ والسُّؤالُ.
وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ في السُّؤالِ: هو ظُلْمٌ في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ، وظُلْمٌ في حَقِّ الخَلْقِ، وظُلْمٌ في حَقِّ النَّفْسِ.
أمّا في حَقِّ الرُّبُوبِيَّةِ فَلِما فِيهِ مِنَ الذُّلِّ لِغَيْرِ اللَّهِ، وإراقَةِ ماءِ الوَجْهِ لِغَيْرِ خالِقِهِ، والتَّعَوُّضِ عَنْ سُؤالِهِ بِسُؤالِ المَخْلُوقِينَ، والتَّعَرُّضِ لِمَقْتِهِ إذا سَألَ وعِنْدَهُ ما يَكْفِيهِ يَوْمَهُ.
وَأمّا في حَقِّ النّاسِ فَبِمُنازَعَتِهِمْ ما في أيْدِيهِمْ بِالسُّؤالِ، واسْتِخْراجِهِ مِنهم. وأبْغَضُ ما إلَيْهِمْ مَن يَسْألُهم ما في أيْدِيهِمْ، وأحَبُّ ما إلَيْهِمْ مَن لا يَسْألُهم. فَإنَّ أمْوالَهم مَحْبُوباتُهُمْ، ومَن سَألَكَ مَحْبُوبَكَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِمَقْتِكَ وبُغْضِكَ.
وَأمّا ظُلْمُ السّائِلِ نَفْسَهُ فَحَيْثُ امْتَهَنَها، وأقامَها في مَقامِ ذُلِّ السُّؤالِ. ورَضِيَ لَها بِذُلِّ الطَّلَبِ مِمَّنْ هو مِثْلُهُ، أوْ لَعَلَّ السّائِلَ خَيْرٌ مِنهُ وأعْلى قَدْرًا. وتَرَكَ سُؤالَ مِن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وهو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فَقَدْ أقامَ السّائِلُ نَفْسَهُ مَقامَ الذُّلِّ، وأهانَها بِذَلِكَ. ورَضِيَ أنْ يَكُونَ شَحّاذًا مِن شَحّاذٍ مِثْلِهِ. فَإنَّ مَن تَشْحَذُهُ فَهو أيْضًا شَحّاذٌ مِثْلُكُ. واللَّهُ وحْدَهُ الغَنِيُّ الحَمِيدُ.
فَسُؤالُ المَخْلُوقِ لِلْمَخْلُوقِ سُؤالُ الفَقِيرِ لِلْفَقِيرِ، والرَّبُّ تَعالى كُلَّما سَألْتَهُ كَرُمْتَ عَلَيْهِ، ورَضِيَ عَنْكَ، وأحَبَّكَ. والمَخْلُوقُ كُلَّما سَألْتَهُ هُنْتَ عَلَيْهِ وأبْغَضَكَ ومَقَتَكَ وقَلاكَ، كَما قِيلَ:
؎اللَّهُ يَغْضَبُ إنْ تَرَكْتَ سُؤالَهُ ∗∗∗ وبَنِيُّ آدَمَ حِينَ يُسْألُ يَغْضَبُ
وَقَبِيحٌ بِالعَبْدِ المُرِيدِ: أنْ يَتَعَرَّضَ لِسُؤالِ العَبِيدِ. وهو يَجِدُ عِنْدَ مَوْلاهُ كُلَّ ما يُرِيدُهُ. وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةً - أوْ ثَمانِيَةً، أوْ سَبْعَةً - فَقالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ وكُنّا حَدِيثِي عَهْدٍ بِبَيْعَةٍ. فَقُلْنا: قَدْ بايَعْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: ألا تُبايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ؟ فَبَسَطْنا أيْدِيَنا وقُلْنا: قَدْ بايَعْناكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَعَلامَ نُبايِعُكَ؟ فَقالَ: أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ، ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، والصَّلَواتِ الخَمْسِ - وأسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً - ولا تَسْألُوا النّاسَ شَيْئًا. قالَ: ولَقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ أُولَئِكَ النَّفَرِ يَسْقُطُ سَوْطُ أحَدِهِمْ فَما يَسْألُ أحَدًا أنْ يُناوِلَهُ إيّاهُ».
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا تَزالُ المَسْألَةُ بِأحَدِكم حَتّى يَلْقى اللَّهَ ولَيْسَ في وجْهِهِ مِزْعَةُ لَحْمٍ».
وَفِيهِما أيْضًا عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ - وهو عَلى المِنبَرِ، وذَكَرَ الصَّدَقَةَ والتَّعَفُّفَ عَنِ المَسْألَةِ - واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى. واليَدُ العُلْيا هي المُنْفِقَةُ، والسُّفْلى هي السّائِلَةُ».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن سَألَ النّاسَ تَكَثُّرًا فَإنَّما يَسْألُ جَمْرًا. فَلْيَسْتَقِلَّ أوْ لِيَسْتَكْثِرْ».
وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المَسْألَةَ كَدٌّ يَكُدُّ بِها الرَّجُلُ وجْهَهُ، إلّا أنْ يَسْألَ الرَّجُلُ سُلْطانًا، أوْ في الأمْرِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ». قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «مَن أصابَتْهُ فاقَةٌ، فَأنْزَلَها بِالنّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقَتُهُ. ومَن أنْزَلَها بِاللَّهِ فَيُوشِكُ اللَّهُ لَهُ بِرِزْقٍ عاجِلٍ أوْ آجِلٍ».
وَفِي السُّنَنِ والمُسْنَدِ عَنْ ثَوْبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَكَفَّلَ لِي أنْ لا يَسْألَ النّاسَ شَيْئًا، أتَكَفَّلُ لَهُ بِالجَنَّةِ، فَقُلْتُ: أنا. فَكانَ لا يَسْألُ أحَدًا شَيْئًا».
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ قَبِيصَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إنَّ المَسْألَةَ لا تَحِلُّ إلّا لِأحَدِ ثَلاثَةٍ: رَجُلٌ تَحَمَّلَ حَمالَةً فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتّى يُصِيبَها ثُمَّ يُمْسِكَ. ورَجُلٌ أصابَتْهُ جائِحَةٌ اجْتاحَتْ مالَهُ. فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتّى يُصِيبَ قِوامًا مِن عَيْشٍ - أوْ قالَ: سَدادًا مِن عَيْشٍ - ورَجُلُ أصابَتْهُ فاقَةٌ حَتّى يَقُولَ ثَلاثَةٌ مِن ذَوِي الحِجى مِن قَوْمِهِ: لَقَدْ أصابَتْ فَلانًا فاقَةٌ، فَحَلَّتْ لَهُ المَسْألَةُ حَتّى يُصِيبَ قِوامًا مِن عَيْشٍ - أوْ قالَ: سِدادًا مِن عَيْشٍ - فَما سِواهُنَّ مِنَ المَسْألَةِ يا قَبِيصَةُ فَسُحْتٌ يَأْكُلُها صاحِبُها سُحْتًا».
فالتَّوَكُّلُ مَعَ إسْقاطِ هَذا الطَّلَبِ والسُّؤالِ هو مَحْضُ العُبُودِيَّةِ.
قَوْلُهُ: " وغَضِّ العَيْنِ عَنِ التَّسَبُّبِ، اجْتِهادًا في تَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ ".
مَعْناهُ: أنَّهُ يُعْرِضُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالسَّبَبِ، لِتَصْحِيحِ التَّوَكُّلِ بِامْتِحانِ النَّفْسِ؛ لِأنَّ المُتَعاطِيَ لِلسَّبَبِ قَدْ يَظُنُّ أنَّهُ حَصَّلَ التَّوَكُّلَ. ولَمْ يُحَصِّلْهُ لِثِقَتِهِ بِمَعْلُومِهِ، فَإذا أعْرَضَ عَنِ السَّبَبِ صَحَّ لَهُ التَّوَكُّلُ.
وَهَذا الَّذِي أشارَ إلَيْهِ مَذْهَبُ قَوْمٍ مِنَ العُبّادِ والسّالِكِينَ. وكَثِيرٌ مِنهم كانَ يَدْخُلُ البادِيَةَ بِلا زادٍ. ويَرى حَمْلَ الزّادِ قَدْحًا في التَّوَكُّلِ. ولَهم في ذَلِكَ حِكاياتٌ مَشْهُورَةٌ، وهَؤُلاءِ في خِفارَةِ صِدْقِهِمْ، وإلّا فَدَرَجَتُهم ناقِصَةٌ عَنِ العارِفِينَ. ومَعَ هَذا فَلا يُمْكِنُ بَشَرًا ألْبَتَّةَ تَرَكُ الأسْبابِ جُمْلَةً.
فَهَذا إبْراهِيمُ الخَوّاصُ كانَ مُجَرَّدًا في التَّوَكُّلِ يُدَقِّقُ فِيهِ. ويَدْخُلُ البادِيَةَ بِغَيْرِ زادٍ. وكانَ لا تُفارِقُهُ الإبْرَةُ والخَيْطُ والرَّكْوَةُ والمِقْراضُ. فَقِيلَ لَهُ: لِمْ تَحْمِلُ هَذا وأنْتَ تَمْنَعُ مِن كُلِّ شَيْءٍ؟ فَقالَ: مِثْلُ هَذا لا يُنْقِصُ مِنَ التَّوَكُّلِ لِأنَّ لِلَّهِ عَلَيْنا فَرائِضَ. والفَقِيرُ لا يَكُونُ عَلَيْهِ إلّا ثَوْبٌ واحِدٌ، فَرُبَّما تَخَرَّقَ ثَوْبُهُ. فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إبْرَةٌ وخُيُوطٌ تَبْدُو عَوْرَتُهُ، فَتَفْسُدُ عَلَيْهِ صَلاتُهُ. وإذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ رَكْوَةٌ فَسَدَتْ عَلَيْهِ طَهارَتُهُ. وإذا رَأيْتَ الفَقِيرَ بِلا رَكْوَةٍ ولا إبْرَةٍ ولا خُيُوطٍ فاتَّهِمْهُ في صَلاتِهِ.
أفَلا تَراهُ لَمْ يَسْتَقِمْ لَهُ دِينُهُ إلّا بِالأسْبابِ؟ أوَلَيِسَتْ حَرَكَةُ أقْدامِهِ ونَقْلُها في الطَّرِيقِ والِاسْتِدْلالُ عَلى أعْلامِها - إذا خَفِيَتْ عَلَيْهِ - مِنَ الأسْبابِ؟
فالتَّجَرُّدُ مِنَ الأسْبابِ جُمْلَةً مُمْتَنِعٌ عَقْلًا وشَرْعًا وحِسًّا.
نَعَمْ، قَدْ تَعْرِضُ لِلصّادِقِ أحْيانًا قُوَّةُ ثِقَةٍ بِاللَّهِ. وحالٌ مَعَ اللَّهِ تَحْمِلُهُ عَلى تَرْكِ كُلِّ سَبَبٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْهِ. كَما تَحْمِلُهُ عَلى إلْقاءِ نَفْسِهِ في مَواضِعَ الهِلْكَةِ. ويَكُونُ ذَلِكَ الوَقْتُ بِاللَّهِ لا بِهِ. فَيَأْتِيهِ مَدَدٌ مِنَ اللَّهِ عَلى مُقْتَضى حالِهِ. ولَكِنْ لا تَدُومُ لَهُ هَذِهِ الحالُ. ولَيْسَتْ في مُقْتَضى الطَّبِيعَةِ. فَإنَّها كانَتْ هَجْمَةٌ هَجَمَتْ عَلَيْهِ بِلا اسْتِدْعاءٍ فَحَمَلَ عَلَيْها. فَإذا اسْتَدْعى مِثْلَها وتَكَلَّفَها لَمْ يُجَبْ إلى ذَلِكَ. وفي تِلْكَ الحالِ إذا تَرَكَ السَّبَبَ يَكُونُ مَعْذُورًا لِقُوَّةِ الوارِدِ، وعَجْزِهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِالسَّبَبِ. فَيَكُونُ في وارِدِهِ عَوْنٌ لَهُ. ويَكُونُ حامِلًا لَهُ. فَإذا تَعاطى تِلْكَ الحالَ بِدُونِ ذَلِكَ الوارِدِ وقَعَ في الحالِ.
وَكُلُّ تِلْكَ الحِكاياتِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي تُحْكى عَنِ القَوْمِ فَهي جُزْئِيَّةٌ حَصَلَتْ لَهم أحْيانًا، لَيْسَتْ طَرِيقًا مَأْمُورًا بِسُلُوكِها، ولا مَقْدُورَةً، وصارَتْ فِتْنَةً لِطائِفَتَيْنِ.
طائِفَةٌ ظَنَّتْها طَرِيقًا ومَقامًا، فَعَمِلُوا عَلَيْها. فَمِنهم مَنِ انْقَطَعَ، ومِنهم مَن رَجَعَ، ولَمْ يُمْكِنْهُ الِاسْتِمْرارُ عَلَيْها، بَلِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ.
وَطائِفَةٌ قَدَحُوا في أرْبابِها، وجَعَلُوهم مُخالِفِينَ لِلشَّرْعِ والعَقْلِ. مُدَّعِينَ لِأنْفُسِهِمْ حالًا أكْمَلَ مِن حالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، إذْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أحَدٌ قَطُّ يَفْعَلُ ذَلِكَ. ولا أخَلَّ بِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ. وقَدْ «ظاهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَ أُحُدٍ». ولَمْ يَحْضُرِ الصَّفَّ قَطُّ عُرْيانًا. كَما يَفْعَلُهُ مَن لا عِلْمَ عِنْدِهِ ولا مَعْرِفَةَ. واسْتَأْجَرَ دَلِيلًا مُشْرِكًا عَلى دِينِ قَوْمِهِ، يَدُلُّهُ عَلى طَرِيقِ الهِجْرَةِ. وقَدْ هَدى اللَّهُ بِهِ العالَمِينَ، وعَصَمَهُ مِنَ النّاسِ أجْمَعِينَ، «وَكانَ يَدَّخِرُ لِأهْلِهِ قُوتَ سَنَةٍ» وهو سَيِّدُ المُتَوَكِّلِينَ. وكانَ إذا سافَرَ في جِهادٍ أوْ حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ حَمَلَ الزّادَ والمَزادَ وجَمِيعَ أصْحابِهِ، وهم أُولُو التَّوَكُّلِ حَقًّا.
وَأكْمَلُ المُتَوَكِّلِينَ بَعْدَهم هو مَنِ اشْتَمَّ رائِحَةَ تَوَكُّلِهِمْ مِن مَسِيرَةٍ بَعِيدَةٍ، أوْ لَحِقَ أثَرًا مِن غُبارِهِمْ. فَحالُ النَّبِيِّ ﷺ وحالُ أصْحابِهِ مَحَكُّ الأحْوالِ ومِيزانُها. بِها يُعْلَمُ صَحِيحُها مِن سَقِيمِها. فَإنَّ هِمَمَهم كانَتْ في التَّوَكُّلِ أعْلى مِن هِمَمِ مَن بَعْدَهم. فَإنَّ تَوَكُّلَهم كانَ في فَتْحِ بَصائِرِ القُلُوبِ. وأنْ يُعْبَدَ اللَّهُ في جَمِيعِ البِلادِ، وأنْ يُوَحِّدَهُ جَمِيعُ العِبادِ، وأنْ تُشْرِقَ شُمُوسُ الدِّينِ الحَقِّ عَلى قُلُوبِ العِبادِ، فَمَلَئُوا بِذَلِكَ التَّوَكُّلِ القُلُوبَ هُدًى وإيمانًا. وفَتَحُوا بِلادَ الكُفْرِ وجَعَلُوها دارَ إيمانٍ. وهَبَّتْ رِياحُ رَوْحِ نَسَماتِ التَّوَكُّلِ عَلى قُلُوبِ أتْباعِهِمْ فَمَلَأتْها يَقِينًا وإيمانًا. فَكانَتْ هِمَمُ الصَّحابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - أعْلى وأجَلُّ مِن أنْ يَصْرِفَ أحَدُهم قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ واعْتِمادِهِ عَلى اللَّهِ في شَيْءٍ يَحْصُلُ بِأدْنى حِيلَةٍ وسَعْيٍ، فَيَجْعَلُهُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، ويَحْمِلُ عَلَيْهِ قُوى تَوَكُّلِهِ.
قَوْلُهُ: وقَمْعًا لِشَرَفِ النَّفْسِ. يُرِيدُ أنَّ المُتَسَبِّبَ قَدْ يَكُونُ مُتَسَبِّبًا بِالوِلاياتِ الشَّرِيفَةِ في العِبادَةِ، أوِ التِّجاراتِ الرَّفِيعَةِ، والأسْبابِ الَّتِي لَهُ بِها جاهٌ وشَرَفٌ في النّاسِ. فَإذا تَرَكَها يَكُونُ تَرْكُها قَمْعًا لِشَرَفِ نَفْسِهِ، وإيثارًا لِلتَّواضُعِ.
وَقَوْلُهُ: وتَفَرُّغًا لِحِفْظِ الواجِباتِ؛ أيْ يَتَفَرَّغُ بِتَرْكِها لِحِفْظِ واجِباتِها الَّتِي تُزاحِمُها تِلْكَ الأسْبابُ. واللَّهُ أعْلَمُ.
[فَصْلٌ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ التَّوَكُّلُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّوَكُّلِ]
قالَ: الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: التَّوَكُّلُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّوَكُّلِ، النّازِعَةِ إلى الخَلاصِ مِن عِلَّةِ التَّوَكُّلِ. وهي أنْ يَعْلَمَ أنَّ مِلْكَةَ الحَقِّ تَعالى لِلْأشْياءِ هي مِلْكَةُ عَزَّةٍ. لا يُشارِكُهُ فِيها مُشارِكٌ. فَيَكِلُ شَرِكَتَهُ إلَيْهِ. فَإنَّ مِن ضَرُورَةِ العُبُودِيَّةِ: أنْ يَعْلَمَ العَبْدُ أنَّ الحَقَّ سُبْحانَهُ هو مالِكُ الأشْياءِ وحْدَهُ.
يُرِيدُ أنَّ صاحِبَ هَذِهِ الدَّرَجَةِ مَتى قَطَعَ الأسْبابَ والطَّلَبَ، وتَعَدّى تَيْنِكَ الدَّرَجَتَيْنِ، فَتَوَكُّلُهُ فَوْقَ تَوَكُّلِ مَن قَبْلَهُ. وهو إنَّما يَكُونُ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ بِحَقِيقَةِ التَّوَكُّلِ، وأنَّهُ دُونَ مَقامِهِ، فَتَكُونُ مَعْرِفَتُهُ بِهِ وبِحَقِيقَتِهِ نازِعَةً - أيْ باعِثَةً وداعِيَةً - إلى تَخَلُّصِهِ مِن عِلَّةِ التَّوَكُّلِ، أيْ لا يَعْرِفُ عِلَّةَ التَّوَكُّلِ حَتّى يَعْرِفَ حَقِيقَتَهُ. فَحِينَئِذٍ يَعْرِفُ التَّوَكُّلَ المَعْرِفَةَ الَّتِي تَدْعُوهُ إلى التَّخَلُّصِ مِن عِلَّتِهِ.
ثُمَّ بَيَّنَ المَعْرِفَةَ الَّتِي يَعْلَمُ بِها عِلَّةَ التَّوَكُّلِ. فَقالَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّ مِلْكَةَ الحَقِّ لِلْأشْياءِ
مَلِكَةُ عَزَّةٍ؛ أيْ مِلْكَةُ امْتِناعٍ وقُوَّةٍ وقَهْرٍ، تَمْنَعُ أنْ يُشارِكَهُ في مُلْكِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ مُشارِكٌ. فَهو العَزِيزُ في مُلْكِهِ، الَّذِي لا يُشارِكُهُ غَيْرُهُ في ذَرَّةٍ مِنهُ. كَما هو المُنْفَرِدُ بِعِزَّتِهِ الَّتِي لا يُشارِكُهُ فِيها مُشارِكٌ.
فالمُتَوَكِّلُ يَرى أنَّ لَهُ شَيْئًا قَدْ وكَّلَ الحَقَّ فِيهِ، وأنَّهُ سُبْحانَهُ صارَ وكَيْلَهُ عَلَيْهِ. وهَذا مُخالِفٌ لِحَقِيقَةِ الأمْرِ؛ إذْ لَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأمْرِ مَعَ اللَّهِ شَيْءٌ. فَلِهَذا قالَ: لا يُشارِكُهُ فِيهِ مُشارِكٌ. فَيَكِلُ شَرِكَتَهُ إلَيْهِ. فَلِسانُ الحالِ يَقُولُ لِمَن جَعَلَ الرَّبَّ تَعالى وكِيلَهُ: في ماذا وكَّلْتُ رَبَّكَ؟ أفِيما هو لَهُ وحْدَهُ؟ أوْ لَكَ وحْدَكَ؟ أوْ بَيْنَكُما؟ فالثّانِي والثّالِثُ مُمْتَنِعٌ بِتَفَرُّدِهِ بِالمُلْكِ وحْدَهُ. والتَّوْكِيلُ في الأوَّلِ مُمْتَنِعٌ، فَكَيْفَ تُوَكِّلُهُ فِيما لَيْسَ لَكَ مِنهُ شَيْءٌ ألْبَتَّةَ؟
فَيُقالُ: هاهُنا أمْرانِ: تَوَكُّلٌ، وتَوْكِيلٌ. فالتَّوَكُّلُ: مَحْضُ الِاعْتِمادِ والثِّقَةِ والسُّكُونِ إلى مَن لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ. وعِلْمُ العَبْدُ بِتَفَرُّدِ الحَقِّ تَعالى وحْدَهُ بِمِلْكِ الأشْياءِ كُلِّها، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُشارِكٌ في ذَرَّةٍ مِن ذَرّاتِ الكَوْنِ: مِن أقْوى أسْبابِ تَوَكُّلِهِ، وأعْظَمِ دَواعِيهِ.
فَإذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عِلْمًا ومَعْرِفَةً. وباشَرَ قَلْبَهُ حالًا: لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنَ اعْتِمادِ قَلْبِهِ عَلى الحَقِّ وحْدَهُ، وثِقَتِهِ بِهِ، وسُكُونِهِ إلَيْهِ وحْدَهُ، وطُمَأْنِينَتِهِ بِهِ وحْدَهُ، لِعِلْمِهِ أنَّ حاجاتِهِ وفاقاتِهِ وضَرُوراتِهِ، وجَمِيعَ مَصالِحِهِ كُلِّها: بِيَدِهِ وحْدَهُ. لا بِيَدِ غَيْرِهِ. فَأيْنَ يَجِدُ قَلْبَهُ مَناصًا مِنَ التَّوَكُّلِ بَعْدَ هَذا؟
فَعِلَّةُ التَّوَكُّلِ حِينَئِدٍ: التِفاتُ قَلْبِهِ إلى مَن لَيْسَ لَهُ شِرْكَةً في مُلْكِ الحَقِّ. ولا يَمْلِكُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ في السَّماواتِ ولا في الأرْضِ. هَذِهِ عِلَّةُ تَوَكُّلِهِ. فَهو يَعْمَلُ عَلى تَخْلِيصِ تَوَكُّلِهِ مِن هَذِهِ العِلَّةِ.
نَعَمْ، ومِن عِلَّةٍ أُخْرى. وهي رُؤْيَةُ تَوَكُّلِهِ. فَإنَّهُ التِفاتٌ إلى عَوالِمِ نَفْسِهِ.
وَعِلَّةٌ ثالِثَةٌ: وهي صَرْفُهُ قُوَّةَ تَوَكُّلِهِ إلى شَيْءٍ غَيْرِهِ أحَبِّ إلى اللَّهِ مِنهُ.
فَهَذِهِ العِلَلُ الثَّلاثُ: هي عِلَلُ التَّوْكِيلِ.
وَأمّا التَّوَكُّلُ: فَلَيْسَ المُرادُ مِنهُ إلّا مُجَرَّدَ التَّفْوِيضِ. وهو مِن أخَصِّ مَقاماتِ العارِفِينَ. كَما كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إنِّي أسْلَمْتُ نَفَسِي إلَيْكَ، وفَوَّضْتُ أمْرِي إلَيْكَ»، وقالَ تَعالى عَنْ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ: ﴿وَأُفَوِّضُ أمْرِي إلى اللَّهِ إنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾ [غافر: ٤٤]
فَكانَ جَزاءُ هَذا التَّفْوِيضِ قَوْلَهُ: ﴿فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥]، فَإنْ كانَ التَّوَكُّلُ مَعْلُولًا بِما ذَكَرَهُ، فالتَّفْوِيضُ أيْضًا كَذَلِكَ. ولَيْسَ فَلَيْسَ.
وَلَوْلا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ، وأنَّ كُلَّ ما عَدا اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَمَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِ ومَتْرُوكٌ، وهو عُرْضَةُ الوَهْمِ والخَطَإ، لَما اعْتَرَضْنا عَلى مَن لا نَلْحَقُ غُبارَهُمْ، ولا نَجْرِي مَعَهم في مِضْمارِهِمْ، ونَراهم فَوْقَنا في مَقاماتِ الإيمانِ، ومَنازِلِ السّائِرِينَ، كالنُّجُومِ الدَّرارِيِّ. ومَن كانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ فَلْيُرْشِدْنا إلَيْهِ. ومَن رَأى في كَلامِنا زَيْغًا، أوْ نَقْصًا وخَطَأً، فَلْيَهْدِ إلَيْنا الصَّوابَ. نَشْكُرُ لَهُ سَعْيَهُ. ونُقابِلُهُ بِالقَبُولِ والإذْعانِ والِانْقِيادِ والتَّسْلِيمِ. واللَّهُ أعْلَمُ. وهو المُوَفِّقُ.
5:24Page 112
قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ ٢٤
They said, "O Moses, indeed we will not enter it, ever, as long as they are within it; so go, you and your Lord, and fight. Indeed, we are remaining right here."
No commentary for this ayah
5:25Page 112
قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٥
[Moses] said, "My Lord, indeed I do not possess [i.e., control] except myself and my brother, so part us1 from the defiantly disobedient people."
No commentary for this ayah
5:26Page 112
قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
[Allāh] said, "Then indeed, it is forbidden to them for forty years [in which] they will wander throughout the land. So do not grieve over the defiantly disobedient people."
No commentary for this ayah
5:27Page 112
۞ وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧
And recite to them the story of Adam's two sons, in truth, when they both made an offering [to Allāh], and it was accepted from one of them but was not accepted from the other. Said [the latter], "I will surely kill you." Said [the former], "Indeed, Allāh only accepts from the righteous [who fear Him].
No commentary for this ayah
5:28Page 112
لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨
If you should raise your hand toward me to kill me - I shall not raise my hand toward you to kill you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds.
No commentary for this ayah
5:29Page 112
إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩
Indeed, I want you to obtain [thereby] my sin and your sin so you will be among the companions of the Fire. And that is the recompense of wrongdoers."
No commentary for this ayah
5:30Page 112
فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠
And his soul permitted to him1 the murder of his brother, so he killed him and became among the losers.
No commentary for this ayah
5:31Page 112
فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ ٣١
Then Allāh sent a crow searching [i.e., scratching] in the ground to show him how to hide the disgrace1 of his brother. He said, "O woe to me! Have I failed to be like this crow and hide the disgrace [i.e., body] of my brother?" And he became of the regretful.
(فصل)
ثمَّ تَأمل حِكْمَة عَجِيبَة جعلت للبهائم والوحوش والسِّباع والدَّواب على كثرتها لا يرى مِنها شَيْء ولَيْسَ شَيْئا قَلِيلا فتخفى لقلتها بل قد قيل إنها أكثر من النّاس، واعْتبر ذَلِك بِما تراهُ في الصحاري من أسراب الظباء والبَقر والوعول والذئاب والنُّمُور وضروب الهَوام على اختلافها وسائِر دَواب الأرض وأنواع الطُّيُور الَّتِي هي أضعاف أضعاف بني آدم لا تكاد ترى مِنها شَيْئا مَيتا لا في كناسَة ولا في أوكاره ولا في مساقطه ولا في مراعيه بِطرقِهِ وموارده ومناهله ومعاقله ومعاصمه إلا ما عدا عَلَيْهِ عاد، إمّا افترسه سبع أوْ رَماه صائد أوْ عدا عَلَيْهِ عاد أشغله وأشغل بني جنسه عَن إحراز جِسْمه وإخفاء جيفته، فَدلَّ ذَلِك على أنها إذا احست بِالمَوْتِ ولم تغلب على أنفسها كمنت حَيْثُ لا يُوصل إلى أجسامها وقبرت جيفها قبل نزُول البَين بها، ولَوْلا ذَلِك لامتلأت الصحاري بجيفها وأفسدت الهَواء بروائحها، فَعاد ضَرَر ذَلِك بِالنّاسِ وكانَ سَبِيلا إلى وُقُوع الوباء، وقد دلّ على هَذا قوله تَعالى في قصَّة ابْني آدم ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْءَةَ أخِيهِ قالَ ياوَيْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي فَأصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾
وَأما ما جعل عيشه بَين النّاس كالأنعام والدَّواب فلقدرة الإنسان على نَقله واحتياله في دفع أذيته منع مِمّا جعل في الوحوش كالسباع فَتَأمل هَذا الَّذِي حار بَنو آدم فِيهِ وفِيما يَفْعَلُونَ بِهِ كَيفَ جعل طبعا في البَهائِم، وكَيف تعلموه من الطير.
وَتَأمل الحِكْمَة في إرسال الله تَعالى لِابْنِ آدم الغُراب المُؤَذّن اسْمه بغربة القاتِل من أخيه وغربته هو من رَحْمَة الله تَعالى وغربته من أبيه وأهله واستيحاشه مِنهُم واستيحاشهم مِنهُ.
وَهُوَ من الطُّيُور الَّتِي تنفر مِنها الإنس ومن نعيقها وتستوحش بها، فَأرْسل إليه مثل هَذا الطّائِر حَتّى صار كالمُعلِّم لَهُ والأستاذ وصارَ بِمَنزِلَة المتعلم والمستند، ولا تنكر حكمة هَذا الباب وارتباط المسميات فِيهِ بأسمائها فقد قالَ النَّبِي ﷺ "إذا بعثتم إلي بريدا فابعثوه حسن الِاسْم حسن الوَجْه"
وَكانَ يسْأل عَن اسْم الأرض إذا نزلها واسم الرَّسُول إذا جاءَ إليه، ولما جاءَهُم سُهَيْل ابْن عَمْرو يَوْم الحُدَيْبِيَة قالَ قد سهل أمركم، ولما أراد تَغْيِير اسْم حزن بسهل قالَ لم يزل معنى اسْمه فِيهِ وفي ذريته.
وَلما سَألَ عمر بن الخطاب الرجل عَن اسْمه واسم أبيه وداره ومنزله فأخبره أنه جَمْرَة بن شهاب وأن داره بالحرقة وأن مَسْكَنه مِنها ذات لظى.
قالَ لَهُ ادَّرَكَ بَيْتك فقد احْتَرَقَ فَكانَ كَما قالَ.
وشواهد هَذا الباب أكثر من أن نذْكر هاها هُنا وهَذا باب لطيف المنزع شَدِيد المُناسبَة بَين الأسماء والمسببات وكَثِيرًا ما أولع النّاس قَدِيما وحديثا بنعيق الغُراب واستدلالهم بِهِ على البَين والاغتراب وينسبونه إلى الشؤم وينفرون مِنهُ وينفر مِنهُم فَكانَ جَدِيرًا أن يُرْسل هَذا الطّائِر إلى القاتِل من ابْني آدم دون غَيره من الطُّيُور فَكَأنَّهُ صُورَة طائِره الَّذِي ألزمهُ في عُنُقه وطار عنه من عمله، ولا تظن أن إرسال الغُراب وقع اتِّفاقًا خالِيا من الحِكْمَة فَإنّك إذا خَفِي عَلَيْك وجه الحِكْمَة فَلا تنكرها، واعْلَم أن خفاءها من لطفها وشرفها، وللَّه تَعالى فِيما يخفي وجه الحِكْمَة فِيهِ على البشر الحكم الباهرة المتضمنة للغايات المحمودة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences