Ibn al-QayyimAdh-Dhariyat · 51:21

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:21, continued

ثم انفذ من ساحة الصدر إلى مشاهدة القلب تجد ملكًا عظيمًا جالسًا على سرير مملكته يأمر وينهى ويولى ويعزل وقد حف به الأمراء والوزراء والجند كلهم في خدمته إن استقام استقاموا وإن زاغ زاغوا وإن صح صحوا وإن فسد فسدوا فعليه المعول وهو محل نظر الرب تعالى ومحل معرفته ومحبته وخشيته والتوكل عليه والإنابة إليه والرضى به وعنه والعبودية عليه أولًا وعلى رعيته وجنده تبعًا فأشرف ما في الإنسان قلبه فهو العالم بالله الساعي إليه المحب له وهو محل الإيمان والعرفان وهو المخاطب المبعوث إليه الرسل المخصوص بأشرف العطايا من الإيمان والعقل وإنما الجوارح أتباع للقلب يستخدمها استخدام الملوك للعبيد والراعي للرعية والذي يسري إلى الجوارح من الطاعات والمعاصي إنما هي آثاره فإن أظلم أظلمت الجوارح وإن استنار استنارت ومع هذا فهو بين إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل

فسبحان مقلب القلوب ومودعها ما يشاء من أسرار الغيوب الذي يحول بين المرء وقلبه ويعلم ما ينطوي عليه من طاعته ودينه مصرف القلوب كيف أراد وحيث اراد أوحى إلى قلوب الأولياء أن أقبلي إلي فبادرت وقامت بين يدي رب العالمين وكره عز وجل انبعاث آخرين فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين كانت أكثر يمين رسول الله ﷺ

"لا ومقلب القلوب"

وكان من دعائه

"اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك" قال بعض السلف القلب أشد تقلبًا من القدر إذا استجمعت غليانها وقال آخر القلب أشد تقلبًا من الريشة بأرض فلاة في يوم ريح عاصف

ويطلق القلب على معنيين أحدهما أمر حسي وهو العضو اللحمي الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر وفي باطنه تجويف وفي التجويف دم أسود وهو منبع الروح والثاني أمر معنوي وهو لطيفة ربانية رحمانية روحانية لها بهذا العضو تعلق واختصاص وتلك اللطيفة هي حقيقة الإنسانية

وللقلب جندان جند يرى بالأبصار وجند يرى بالبصائر فأما جنده المشاهد فالأعضاء الظاهرة والباطنة وقد خلقت خادمة له لا تستطيع له خلافًا فإذا امر العين بالانفتاح انفتحت وإذا أمر اللسان بالكلام تكلم وإذا امر اليد بالبطش بطشت وإذا أمر الرجل بالسعي سعت وكذا جميع الأعضاء ذلك له تذليلا

ولما خلق القلب للسفر إلى الله والدار الآخرة وحصل في هذا العالم ليتزود منه افتقر إلى المركب والزاد لسفره الذي خلق لأجله فأعين بالأعضاء والقوى وسخرت له وأقيمت له في خدمته لتجلب له ما يوافقه من الغذاء والمنافع ويدفع عنه ما يضره ويهلكه فافتقر إلى جندين باطن وهو الإرادة والشهوة والقوى وظاهر وهو الأعضاء فخلق في القلب من الإرادات والشهوات ما احتاج إليه وخلقت له الأعضاء التي هي آلة الإرادة واحتاج في دفع المضار إلى جندين باطن وهو الغضب الذي يدفع المهلكات، وينتقم به من الأعداء وظاهر وهو الأعضاء التي ينفذ بها غضبه كالأسلحة للقتال ولا يتم ذلك إلا بمعرفته ما يجلب وما يدفع فأعين الجند من العلم بما يكشف له حقائق ما ينفعه وما يضره

ولما سلطت عليه الشهوة والغضب والشيطان أعين بجند من الملائكة وجعل له محل من الحلال ينفذ فيه شهواته وجعل بإزائه أعداء له ينفذ فيهن غضبه فما ابتلى بصفة من الصفات إلا وجعل لها مصرفًا ومحلًا ينفذها فيه فجعل لقوة الحسد فيه مصرفًا وهو المنافسة في فعل الخير والغبطة عليه والمسابقة إليه ولقوة الكبر مصرفًا وهو التكبر على أعداء الله تعالى وإهانتهم وقد قال النبي ﷺ لمن رآه يختال بين الصفين في الحرب "إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن" وقد أمر الله سبحانه بالغلظة على أعدائه

وجعل لقوة الحرص مصرفا وهو الحرص على ما ينفع كما قال النبي ﷺ "احرص على ما ينفعك" ولقوة الشهوة مصرفا وهو التزوج بأربع والتسري بما شاء ولقوة حب المال مصرفًا وهو إنفاقه في مرضاته تعالى والتزود منه لمعاده فمحبة المال على هذا الوجه لا تذم ولمحبة الجاه مصرفًا وهو استعماله في تنفيذ أوامره وإقامة دينه ونصر المظلوم وإغاثة الملهوف وإعانة الضعيف وقمع أعداء الله فمحبة الرياسة والجاه على هذا الوجه عبادة وجعل لقوة اللعب واللهو مصرفًا وهو لهوه مع امرأته أو بقوسه وسهمه أو تأديبه فرسه وكل ما أعان على الحق وجعل القوة التحيل والمكر فيه مصرفًا وهو التحيل على عدوه وعدو الله تعالى بأنواع التحيل حتى يراغمه ويرده خاسئًا ويستعمل معه من أنواع المكر ما يستعمله عدوه معه وهكذا جميع القوى التي ركبت فيه جعل لها مصرفًا وقد ركبها الله فيه لمصالح اقتضتها حكمته ولا يطلب تعطيلها وإنما تصرف مجاريها من محل إلى محل ومن موضع إلى موضع ومن تأمل هذا الموضع وتفقه فيه علم شدة الحاجة إليه وعظم الانتفاع به

(فصل)

وجماع الطرق والأبواب التي يصان منها القلب وجنوده أربعة فمن ضبطها وعدلها وأصلح مجاربها وصرفها في محالها اللائقة بها استفاد منها قلبه وجوارحه ولم يشمت به عدوه وهي الحرص والشهوة والغضب والحسد فهذه الأربعة هي أصول مجامع طرق الشر والخير وكما هي طرق إلى العذاب السرمدي فهي طرق إلى النعيم الأبدي فآدم أبو البشر أخرج من الجنة بالحرص ثم أدخل إليها بالحرص ولكن فرق بين حرصه الأول وحرصه الثاني وأبو الجن أخرج منها بالحسد ثم لو يوفق لمنافسة وحسد يعيده إليها وقد قال النبي ﷺ:

"لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالًا وسلطه على هلكته في الحق ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وأطراف النهار"

وأما الغضب فهو غول العقل يغتاله كما يغتال الذئب الشاة وأعظم ما يفترسه الشيطان عند غضبه وشهوته وإذا كان حرصه إنما هو على ما ينفعه وحسده منافسة في الخير وغضبه لله على أعدائه وشهوته مستعملة فيما أبيح له وعونًا له على ما أمر به لم تضره هذه الأربعة بل انتفع بها أعظم الانتفاع

(فصل)

وإذا تأملت حال القلب مع الملك والشيطان رأيت أعجب العجائب فهذا يلم به مرة وهذا يلم به مرة فإذا ألم به الملك حدث من لمته الانفساح والانشراح والنور والرحمة والاخلاص والإنابة ومحبة الله وإيثاره على ما سواه وقصر الأمل والتجافي عن دار البلاء والامتحان والغرور فلو دامت له تلك الحالة لكان في أهنأ عيش وألذه وأطيبه ولكن تأتيه لمة الشيطان فتحدث له من الضيق والظلمة والهم والغم والخوف والسخط على المقدور والشك في الحق والحرص على الدنيا

وعاجلها والغفلة عن الله ما هو من أعظم عذاب القلب

ثم للناس في هذه المحنة مراتب لا يحصيها إلا الله فمنهم من تكون لمة الملك أغلب من لمة الشيطان وأقوى فإذا ألم به الشيطان وجد من الألم والضيق والحصر وسوء الحال بحسب ما عنده من حياة القلب فيبادر إلى طرد تلك الملة ولا يدعها تستحكم فيصعب تداركها فهو دائمًا في حرب بين اللمتين يدال له مرة ويدال عليه مرة أخرى والعاقبة للتقوى

ومنهم من تكون لمة الشيطان أغلب عليه وأقوى فلا تزال تغلب لمة الملك حتى تستحكم ويصير الحكم لها فيموت القلب ولا يحس ما ناله الشيطان به مع أنه في غاية العذاب والضيق والحصر ولكن سكر الشهوة والغفلة حجب عنه الإحساس بذلك الألم فإذا كشف أمكنه تداركه بالدواء وحسمه وإن عاد الغطاء عاد الأمر كما كان حتى ينكشف عنه وقت المفارقة للدنيا فتظهر حينئذ تلك الآلام والهموم والغموم والأحزان وهي لم تتجدد له وإنما كانت كامنة تواريها الشواغل فلما زالت الشواغل ظهر ما كان كامنا وتجدد له أضعافه

(فصل)

والشيطان يلم بالقلب لما كان هناك من جواذب تجذبه وهي نوعان صفات وإرادات فإذا كانت الجواذب صفات قوى

سلطانه هناك واستفحل أمره ووجد موطئا ومقرا فتأتي الأذكار والدعوات والتعوذات كحديث النفس لا تدفع سلطان الشيطان لأن مركبه صفة لازمة فإذا قلع العبد تلك الصفات وعمل على التطهر منها والاغتسال بقي الشيطان بالقلب خطرات ووساوس ولمات من غير استقرار وذلك يضعفه ويقوي لمة الملك فتأتي الاذكار والدعوات والتعوذات فتدفعه بأسهل شيء

وإذا أردت لذلك مثالًا مطابقًا فمثله مثل كلب جائع شديد الجوع وبينك وبينه لحم أو خبز وهو يتأملك ويراك لا تقاومه وهو أقرب منك فأنت تزجره وتصيح عليه وهو يأبى إلا التحوم عليك والغارة على ما بين يديك فالأذكار بمنزلة الصياح عليه والزجر له ولكن معلومه ومراده عندك وقد قربته عليك فإذا لم يكن بين يديك شيء يصلح له وقد تأملك فرآك أقوى منه فإنك تزجره وتصيح عليه فيذهب وكذلك القلب الخالي عن قوة الشيطان ينزجر بمجرد الذكر

وأما القلب الذي فيه تلك الصفات التي هي مركبه وموطنه فيقع الذكر في حواشيه وجوانبه ولا يقوى على إخراج العدو منه ومصداق ذلك تجده في الصلاة فتأمل في الحال وانظر هل تخرج الصلاة بأذكارها وقراءتها الشيطان من قلبك وتفرغه كله لله تعالى بكليته وتقيمه بين يدي ربه مقبلًا بكليته عليه يصلي لله تعالى، كأنه يراه قد اجتمع همه كله على الله وصار ذكره ومراقبته ومحبته والإنس به في محل الخواطر والوساوس أم لا والله المستعان

وهاهنا نكتة ينبغي التفطن لها وهي أن القلوب الممتلئة بالأخلاط الرديئة فالعبادات والأذكار والتعوذات أدوية لتلك الأخلاط كما يثير الدواء أخلاط البدن فإن لم يكن قبل الدواء وبعده حمية لم يزد الدواء على إثارته وإن أزال منه شيئًا ما فمدار الأمر على على شيئين الحمية واستعمال الأدوية

(فصل)

وأول ما يطرق القلب الخطرة فإن دفعها استراح مما بعدها وإن لم يدفعها قويت فصارت وسوسة فكان دفعها أصعب فإن بادر ودفعها وإلا قويت وصارت شهوة فإن عالجها وإلا صارت إرادة فإن عالجها وإلا صارت عزيمة ومتى وصلت إلى هذه الحال لم يمكن دفعها واقترن بها الفعل ولا بد وما يقدر عليه مرة بدون مقدماته وحينئذ ينتقل العلاج إلى أقوى الأدوية وهو الاستفراغ التام بالتوبة النصوح ولا ريب أن دفع مبادئ هذا الداء من أوله أيسر وأهون من استفراغه بعد حصوله إن ساعد القدر وأعان التوفيق وإن الدفع أولى به وإن تألمت النفس بمفارقة المحبوب فليوازن بين فوات هذا المحبوب الأخس المنقطع النكد المشوب بالآلام والهموم وبين فوات المحبوب الأعظم الدائم الذي لا نسبة لهذا المحبوب إليه ألبتة لا في قدره ولا في بقائه وليوازن بين ألم فوته وبين ألم فوت المحبوب الأخس وليوازن بين لذة الإنابة والاقبال على الله تعالى والتنعم بحبه وذكره وطاعته ولذة الاقبال على الرذائل والاتيان بالقبائح وليوازن بين لذة الظفر بالذنب ولذة الظفر بالعدو وبين لذة الذنب ولذة العفة ولذة الذنب ولذة القوة وقهر العدو وبين لذة الذنب ولذة إرغام عدوه ورده خاسئًا ذليلًا وبين لذة الذنب ولذة الطاعة التي تحول بينه وبين مراده وبين فوت مراده وفوت ثناء الله تعالى وملائكته عليه وفوت حسن جزائه وجزيل ثوابه وبين فرحة إدراكه وفرحة تركه لله تعالى عاجلًا وفرحة ما يثنيه عليه في دنياه وآخرته والله المستعان.

وهذا فصل جره الكلام في قوله تعالى ﴿وَفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾

أشرنا إليه إشارة ولو استقصيناه لاستدعى عدة أسفار ولكن فيما ذكرناه تنبيه على ما تركناه وبالله التوفيق.

(فصل)

وقال في (شفاء العليل)

الأعضاء الموجودة في الشخص إذا تأملتها وتأملت أفعالها ومنافعها وما تضمنه كل واحد منها من حكمة اختصت به كشكله ووصفه ومزاجه ووضعه من الشخص بذلك الموضع المعين علمت علما يقينا أن ذلك صادر عن خالق واحد ومدبر واحد وحكيم واحد.

فانتقل من هذا إلى أشخاص العالم شخصا شخصا من النوع الإنساني تجد الحكمة الواحدة الظاهرة في تلك الأفراد الكثيرة قد نفعت بعضهم بعض، وأعانت بعضهم ببعض حراثا لزارع وزراعا لحاصد، وحائكا لخياط وخياطا لنجار، ونجارا لبناء، فهذا يعين هذا بيده، وهذا برجله، وهذا يعينه بعينه، وهذا بأُذنه، وهذا بلسانه، وهذا بماله.

وإذ لا يقدر أحدهم على جميع مصالحه ولا يقوم بحاجاته، ولا توجد في كل واحد منهم جميع خواص نوعه فهم بأشخاصهم الكثير كإنسان واحد يقوم بعضه بمصالح بعض، قد كمل خواص الإنسانية في صفاته وأفعاله وصنائعه وما يراد منه، فإن الواحد منهم لا يفي بأن يجمع جميع الفضائل العلمية والعملية والقوة والبقاء، فجعل ذلك في النوع الإنساني بجملته، والله سبحانه قد فرق كمالات النوع في أشخاصه وجعل لكل شخص منها ما هو مستعد قابل له بحيث لو قيل أكثر من ذلك لأعطاه فإنه جواد لذاته، قد فاض جوده وخيره على العالم كله، وفضل عنه أضعاف ما فاض عليه، فهو يفيضه على تعاقب الآنات أبدا.

وكذلك يفضل في الجنة فضل عن أهلها، فينشئ لها خلقا يسكنهم فضلها، وإنما يتخصص فضله بحسب استعداد العوامل والمعدات وذلك بمشيئته وحكمته، فهو الذي أوجدها وهو الذي أعدها وهو الذي أمدها، ولما كان جوده وفضله أوسع من حاجة الخلق لم يكن بد من بقاء كثير منه مبذولا في الوجود مهملا، وهذا كضوء الشمس مثلا فإن مصالح الحيوان لا تتم إلا به وهي تشرق على مواضع فضلت عن حوائج بني آدم والحيوان، وكذلك المطر والنبات وسائر النعم ومع ذلك فلم يعطل وجودها عن حكم ومصالح وعبر ودلالات، وعطاء الرب ونعمه أوسع من حوائج خلقه، فلا بد أن يبقى في المياه والأقوات والنبات وغير ذلك أجزاء مهملة.

ولا يقال ما الحكمة في خلقها؟

فإن هذا سؤال جاهل ظالم فإن الحكمة في خلق الأرض وما عليها ظاهرة لكل بصير والمعمور بعضها لا كلها والرب تعالى واسع الجود دائمه فجوده وخيره عام دائم فلا يكون إلا كذلك فإن ذلك من لوازم علمه وقدرته وحكمته ولعلمه وقدرته وحكمته العموم والشمول والكمال المطلق بكل اعتبار فيعلم من استقراء العالم وأحواله انتهاؤه إلى عالم واحد وقادر واحد وحكيم واحد أتقن نظامه أحسن الإتقان، وأوجده على أتم الوجود، وهو سبحانه ناظم أفعال الفاعلين مع كثرتها ورابط بعضها ببعض ومعين بعضها ببعض، وجاعل بعضها سببا لبعض وغاية لبعض، وهذا من أدل الدليل على أنه خالق واحد ورب واحد وقادر واحد دل على قدرته كثرة أفعاله وتنوعها في الوقت الواحد وتعاقبها على تتالي الآنات، وتعين تصرفاته في مخلوقاته على كثرتها، ودل على علمه وحكمته كون كل شيء كبير وصغير ودقيق وجليل داخلا في النظام الحكمي ليس منها شيء حتى مسام الشعر في الجلد، ومراشح اللعاب في الفم، ومجاري الشعب الدقيقة من العروق في أصغر الحيوانات التي تعجز عنها أبصارنا ولا تنالها قدرتنا وهذا فيما دق لصغره وفيما جل لعظمه كالرياح الحاملة للسحب إلى الأرض الجرز التي لا نبات بها فيمطرها عليها فيخرج بها نباتا ويحيي بها حيوانا ويجعل فيها جزأين من الطعام والشراب والأقوات والأدوية دع ما فوق ذلك من تسخير الشمس والقمر والنجوم واختلاف مطالعها ومغاربها لإقامة دولة الليل والنهار وفصول العام التي بها نظام مصالح من عليها.

فإذا تأملت العالم وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع عباده فالسماء سقفه والأرض بساطه والنجوم زينته والشمس سراجه ومصالح سكانه والليل سكنهم والنهار معاشهم والمطر سقياهم والنبات غذاؤهم ودواهم وفاكهتهم والحيوان خدمهم ومنه قوتهم ولباسهم والجواهر كنوزهم وذخائرهم كل شيء منها لما يصلح له فضروب النبات لجميع حاجاتهم وصنوف الحيوانات معدة لجميع مصالحهم، وذلك أدل دليل على وحدانية خالقه وقدرته.

(فصل)

أعِدِ النّظر في نَفسك وحِكْمَة الخلاق العَلِيم في خلقك وانْظُر إلى الحَواس الَّتِي مِنها تشرف على الأشياء كَيفَ جعلها الله في الرأس كالمصابيح فَوق المنارة لتتمكن بها من مطالعة الأشياء ولم تجْعَل في الأعضاء الَّتِي تمتهن كاليدين والرّجلَيْنِ فتتعرض للآفات بِمُباشَرَة الأعمال والحركات ولاجعلها في الأعضاء الَّتِي في وسط البدن كالبطن والظّهْر فيعسر عَلَيْك التلفت والاطلاع على الأشياء فَلَمّا لم يكن لَها في شَيْء من هَذِه الأعضاء مَوضِع كانَ الراس اليق المَواضِع بها وأجملها فالراس صومعة الحَواس ثمَّ تَأمل الحِكْمَة في أن جعل الحَواس خمْسا في مُقابلَة المحسوسات الخمس ليلقى خمْسا بِخمْس كي لا يبْقى شَيْء من المحسوسات لا يَنالهُ بحاسة فَجعل البَصَر في مُقابلَة المبصرات والسمع في مُقابلَة الأصوات والشم في مُقابلَة أنْواع الروائح المختلفات والذوق في مُقابلَة الكيفيات المذوقات واللمس في مُقابلَة الملموسات فَأي محسوس بَقِي بِلا حاسة ولَو كانَ في المحسوسات شَيْء غير هَذِه لاعطاك لَهُ حاسة سادسة ولما كانَ ما عَداها إنَّما يدْرك بالباطن اعطاك الحَواس الباطِنَة وهِي هَذِه الاخماس الَّتِي جرت عَلَيْها السّنة العامَّة والخاصة حَيْثُ يَقُولُونَ في المفكر المتأمل ضرب اخماسه في أسداسه فأخماسه حواسه الخمس واسداسه جهانه السِّت وأرادُوا بذلك أنه جذبه القلب وسار بِهِ في الاقطار والجهات حَتّى قلب حواسه الخمس في جهاته ألَسْت وضربها فِيها لشدَّة فكره.

(فصل)

ثمَّ أعينت هَذِه الحَواس بمخلوقات أخر مُنْفَصِلَة عَنْها تكون واسِطَة في إحساسها فأعينت حاسة البَصَر بالضياء والشعاع فلولاه لم ينْتَفع النّاظر ببصره فَلَو منع الضياء والشعاع لم تَنْفَع العين شَيْئا وأعينت حاسة السّمع بالهواء يحمل الأصوات في الجو ثمَّ يلقيها إلى الاذن فتحويه ثمَّ تقلبه إلى القُوَّة السامعة ولَوْلا الهَواء لم يسمع الرجل شَيْئا وأعينت حاسة الشم بالنسيم اللَّطِيف يحمل الرّائِحَة ثمَّ يُؤَدِّيها إليها فتدركها فلولا هو لم تشم شَيْئا وأعينت حاسة الذَّوْق بالريق المتحلل في الفَم تدْرك القُوَّة الزائقة بِهِ طعوم الأشياء ولِهَذا لم يكن لَهُ طعم لا حُلْو ولا حامض ولا مالح ولا حريف لأنه كانَ يحِيل تِلْكَ الطعوم إلى طعمه ولا يحصل بِهِ مَقْصُوده، وأعينت حاسة اللَّمْس بِقُوَّة جعلها الله فِيها تدْرك بها الملموسات ولم تحتج إلى شَيْء من خارج بِخِلاف غَيرها من الحَواس بل تدْرك الملموسات بِلا واسِطَة بَينها وبَينها لأنها إنَّما تدركها بالاجتماع والمُلامَسَة فَلم تحتج إلى واسِطَة.

(فصل)

ثمَّ تَأمل حال من عدم البَصَر وما يَنالهُ من الخلَل في أُمُوره فَإنَّهُ لا يعرف مَوضِع قدمه ولا يبصر ما بَين يَدَيْهِ ولا يفرق بَين الالوان والمناظر الحَسَنَة من القبيحة ولا يتَمَكَّن من استفادة علم من كتاب يقرأه ولايتهيأ لَهُ الِاعْتِبار والنَّظَر في عجائب ملك الله هَذا مَعَ أنه لا يشْعر بِكَثِير من مَصالِحه ومضاره فَلا يشْعر بحفرة يهوي فِيها ولا بحيوان يَقْصِدهُ كالسبع فيتحرز لَهُ ولا بعدو يهوى نَحوه ليَقْتُلهُ ولا يتَمَكَّن من هرب أن طلب بل هو ملق السّلم لمن رامه بأذى ولَوْلا حفظ خاص من الله لَهُ قريب من حفظ الوَلِيد وكلاءته لَكانَ عطبه أقْربْ من سَلامَته فَإنَّهُ بِمَنزِلَة لحم على وضم ولذَلِك جعل الله ثَوابه إذا صَبر واحتسب الجنَّة ومن كَمال لطفه أن عكس نوربصره إلى بصيرته فَهو أقوى النّاس بَصِيرَة وحدسا وجمع عَلَيْهِ همه فقلبه مَجْمُوع عَلَيْهِ غير مشتت ليهنأ لَهُ العَيْش وتتم مصْلحَته ولا يظنّ أنه مغموم حَزِين متاسف هَذا حكم من ولد أعمى.

فَأما من أصيب بِعَيْنيهِ بعدالبصر فَهو بِمَنزِلَة سائِر أهل البلاء المنتقلين من العافِيَة إلى البلية فالمحنة عَلَيْهِ شَدِيدَة لأنه قد حيل بَينه وبَين ما الفه من المرائِي والصور ووجوه الِانْتِفاع ببصره فَهَذا لَهُ حكم آخر وكَذَلِكَ من عدم السّمع فَإنَّهُ يفقد روح المخاطبة والمحاورة ويعدم لَذَّة المذاكرة ونغمة الأصوات الشجية وتعظم المُؤْنَة على النّاس في خطابه ويتبرمون بِهِ ولا يسمع شَيْئا من إخبار النّاس وأحاديثهم فَهو بَينهم شاهد كغائب وحي كميت وقَرِيب كبعيد وقد اخْتلف النظار في ايهما أقْربْ إلى الكَمال واقل اختلالا لأموره الضَّرِير أوْ الاطرش وذكروا في ذَلِك وُجُوهًا وهَذا مَبْنِيّ على أصل آخر وهو أي الصفتين أكمل صفة السّمع أوْ صفة البَصَر وقد ذكرنا الخلاف فيهما فِيما تقدم من هَذا الكتاب وذكرنا أقوال النّاس وأدلتهم والتَّحْقِيق في ذَلِك.

فَأي الصفتين كانَت أكمل فالضرر بعدمها أقوى والَّذِي يَلِيق بِهَذا الموضع أن يُقال عادم البَصَر أشدهما ضَرَرا وأسلمهما دينا واحمدهما عاقِبَة وعادم السّمع أقلهما ضَرَرا في دُنْياهُ واجهلهما بِدِينِهِ واسَوْا عاقِبَة فَإنَّهُ إذا عدم السّمع عدم المواعظ والنصائح وانسدت عَلَيْهِ أبواب العُلُوم النافعة وانفتحت لَهُ طرق الشَّهَوات الَّتِي يُدْرِكها البَصَر ولا يَنالهُ من العلم ما يكفه عَنْها فضرره في دينه أكثر وضرر الأعمى في دُنْياهُ أكثر، ولِهَذا لم يكن في الصَّحابَة اطرش وكانَ فيهم جماعَة أضراء وقل أن يبتلي الله أولياءه بالطرش ويبتلي كثيرا مِنهُم بالعمى.

فَهَذا فصل الخطاب في هَذِه المسألة، فمضرة الطرش في الدّين، ومضرة العَمى في الدُّنْيا، والمعافى من عافاه الله مِنهُما ومتعه بسمعه وبصره وجعلهما الوارِثين مِنهُ.

(فصل)

وَأما من عدم البيانين بَيان القلب وبَيان اللِّسان فَذَلِك بِمَنزِلَة الحَيَوانات البَهِيمَة بل هي أحسن حالا مِنهُ فَإن فِيها ما خلقت لَهُ من المَنافِع والمصالح الَّتِي تسْتَعْمل فِيها وهَذا يجهل كثيرا مِمّا تهتدي إليه البَهائِم ويلقى نَفسه فِيما تكف البَهائِم أنفسها عَنهُ وأن عدم بَيان اللِّسان دون بَيان القلب ومن عدم خاصَّة الإنسان وهِي النُّطْق اشتدت المؤمنة بِهِ وعَلِيهِ وعظمت حسرته وطالَ تأسفه على رد الجَواب ورجع الخطاب فَهو كالمقعد الَّذِي يرى ما هو مُحْتاج إليه ولا تمتد إليه يَده ولا رجله فكم لله على عَبده من نعْمَة سابغة فيهذه الأعضاء والجوارح والقوى والمَنافِع الَّتِي فِيهِ فَهو لا يلْتَفت إليها ولا يشْكر الله عَلَيْها ولَو فقد شَيْئا مِنها لتمنى أنه لَهُ بالدنيا وما عَلَيْها فَهو يتقلب في نعم الله بسلامة اعضائه وجوارحه وقواهُ وهو عار من شكرها ولوعرضت عَلَيْهِ الدُّنْيا ما فِيها بِزَوال واحِدَة مِنها لابي المُعاوضَة وعلم أنها مُعاوضَة غبن أن الإنسان لظلوم كفور

فصل ثمَّ تَأمل حكمته في الأعضاء الَّتِي خلقت فِيك آحادا ومثنى وثَلاث ورباع وما في ذَلِك من الحكم البالِغَة فالراس واللِّسان والأنف والذكر خلق كل مِنهُما واحِدًا فَقَط إذ لا مصلحَة في كَونه أكثر من ذَلِك إلا ترى أنه لَو اضيف إلى الراس راس آخر لاثقلا بدنه من غير حاجَة إليه لأن جَمِيع الحَواس الَّتِي يحْتاج إليها مجتمعة في رَأس واحِد ثمَّ أن الإنسان كانَ يَنْقَسِم براسه قسمَيْنِ فَإن تكلم من أحدهما وسمع بِهِ وأبصر وشم وذاق بَقِي الآخر معطلا لا أرب فِيهِ وإن تكلم وأبصر وسمع بهما مَعًا كلاما واحِدًا وسمعا واحِدًا وبصرا واحِدًا كانَ الآخر فَضله لا فائِدَة فِيهِ وإن اخْتلف إدراكهما اخْتلفت عَلَيْهِ أحواله وإدراكاته وكَذَلِكَ لَو كانَ لَهُ لسانان في فَم واحِد فَإن تكلم بهما كلاما واحِدًا كانَ أحدهما ضائعا وإن تكلم بأحدهما دون الآخر فَكَذَلِك وإن تكلم بهما مَعًا كلامين مُخْتَلفين خلط على السّامع ولم يدر باي الكَلامَيْنِ يَأْخُذ وكَذَلِكَ لَو كانَ لَهُ هنوان وفمان لَكانَ مَعَ قبح الخلقَة أحدهما فضلَة لا مَنفَعَة فِيهِ وهَذا بِخِلاف الأعضاء الَّتِي خلقت مثنى كالعينين والأذنين والشفتين واليَدَيْنِ والرّجلَيْنِ والساقين والفخذين والوركين والثديين فَإن الحِكْمَة فِيها ظاهِرَة والمصلحة بَينه والجمال والزينة عَلَيْها بادية فَلَو كانَ الإنسان بِعَين واحِدَة لَكانَ مُشَوه الخلقَة ناقصها وكَذَلِكَ الحاجبان.

وَأما اليدان والرجلانِ والساقان والفخذان فتعددهما ضَرُورِيّ للإنسان لا تتمّ مصْلحَته إلا بذلك إلا ترى من قطعت أحدى يَدَيْهِ أوْ رجلَيْهِ كَيفَ تبقى حاله وعجزه فَلَو أن النجار والخياط والحداد والخباز والبناء وأصحاب الصَّنائِع الَّتِي لا تتأتى إلا باليدين شلت يَد أحدهما لتعطلت عَلَيْهِ صَنعته فاقتضت الحِكْمَة أن أعطى من هَذا الضَّرْب من الجَوارِح والأعضاء اثْنَيْنِ اثْنَي وكَذَلِكَ أعطى شفتين لأنه لا تكمل مصْلحَته إلّا بهما وفِيهِما ضروب عديدة من المَنافِع ومن الكَلام والذوق وغطاء الفَم والجمال والزينة والقبلة وغير ذَلِك.

وَأما الأعضاء الثَّلاثَة فَهي جَوانِب انفه وحيطانه وقد ذكرنا حِكْمَة ذَلِك فِيما تقدم وأما الأعضاء الرّباعِيّة فالكعاب الأربعة الَّتِي هي مجمع القَدَمَيْنِ والممسكة لَهما وبِهِما قُوَّة القَدَمَيْنِ وحركتهما وفِيهِما مَنافِع السّاقَيْن وكَذَلِكَ أجفان العَينَيْنِ فِيها من الحكم والمَنافِع أنها غطاء للعينين ووقاية لَهما وجمال وزينة وغير ذَلِك من الحكم فاقتضت الحِكْمَة البالِغَة أن جعلت الأعضاء على ما هي عَلَيْهِ من العدَد والشكل والهيئة فَلَو زادَت أوْ نقصت لَكانَ نقصا في الخلقَة ولِهَذا يُوجد في النَّوْع الإنساني من زائِد في الخلقَة وناقص مِنها ما يدل على حِكْمَة الرب تَعالى {وَأنه لَو شاءَ لجعل خلقه كلهم هَكَذا وليعلم الكامِل الخلقَة تَمام النِّعْمَة عَلَيْهِ وأنه خلق خلقا سويا معتدلا لم يزدْ في خلقه ما لا يحْتاج إليه ولم ينقص مِنهُ ما يحْتاج إليه كَما يراهُ في غَيره فَهو أجدر أن لم يزْداد شكرا وحمدا لرَبه ويعلم أن ذَلِك لَيْسَ من صنع الطبيعة وإنَّما ذَلِك صنع الله الَّذِي اتقن كل شَيْء خلقه وأنه يخلق ما يَشاء.

(فصل)

من أيْنَ للطبيعة هَذا الِاخْتِلاف والفرق الحاصِل في النَّوْع الإنسان بَين صورهم فَقل أن يرى اثْنان متشابهان من كل وجه وذَلِكَ من أندر ما في العالم بِخِلاف أصناف الحَيَوان كالنعم والوحوش والطير وسائِر الدَّوابّ فَإنّك ترى السرب من الظباء والثلة من الغنم والذود من الابل والصوار من البَقر تتشابه حَتّى لا يفرق بَين واحِد مِنهُما وبَين الآخر إلّا بعد طول تَأمل أوْ بعلامة ظاهِرَة والنّاس مُخْتَلفَة صورهم وخلقتهم فَلا يكاد اثْنان مِنهُم يَجْتَمِعانِ في صفة واحِدَة وخلقة واحِدَة بل ولا صَوت واحِد وحنجرة واحِدَة والحكمَة البالِغَة في ذَلِك أن النّاس يَحْتاجُونَ إلى أن يتعارفوا بأعينهم وحلاهم لما يجرى بَينهم من المُعامَلات فلولا الفرق والِاخْتِلاف في الصُّور لفسدت أحوالهم وتشت نظامهم ولم يعرف الشّاهِد من المَشْهُود عَلَيْهِ ولا المَدِين من رب الدّين ولا البائِع من المُشْتَرِي ولا كانَ الرجل يعرف عرسه من غَيرها للاختلاط ولا هي تعرف بَعْلها من غَيره وفي ذَلِك أعظم الفساد والخلل فَمن الَّذِي ميز بَين حلاهم وصورهم وأصواتهم وفرق بَينها بفروق لا تنالها العبارَة ولا يُدْرِكها الوَصْف فسل المُعَطل أهذا فعل الطبيعة؟

وَهل في الطبيعة اقْتِضاء هَذا الِاخْتِلاف والافتراق في النَّوْع وأيْنَ قَول الطبائعيين أن فعلها متشابه لأنها واحِدَة في نَفسها لا تفعل بِإرادَة ولا مَشِيئَة فَلا يُمكن اخْتِلاف أفعالها فَكيف يجمع المُعَطل بَين هَذا وهَذا؟

﴿فَإنَّها لا تعمى الأبصار ولَكِن تعمى القُلُوب الَّتِي في الصُّدُور﴾

وَرُبما وقع في النَّوْع الإنساني تشابه بَين اثْنَيْنِ لا يكاد يُمَيّز بَينهما فتعظم عَلَيْهِم المُؤْنَة في معاملتهما وتشتد الحاجة إلى تَمْيِيز المُسْتَحق مِنهُما والمؤاخذ بِذَنبِهِ ومن عَلَيْهِ الحق.

وَإذا كانَ هَذا يعرض في التشابه في الأسماء كثيرا ويلقى الشّاهِد والحاكِم من ذَلِك ما يلقى فَما الظَّن لَو وضع التشابه في الخلقَة والصُّورَة ولما كانَ الحَيَوان البهيم والطير والوحوش لا يَضرها هَذا التشابه شَيْئا لم تدع الحِكْمَة إلى الفرق بَين كل زَوْجَيْنِ مِنها فَتَبارَكَ الله أحسن الخالِقِينَ الَّذِي وسعت حكمته كل شَيْء.

(فصل)

ثمَّ تَأمل لم صارَت المَرْأة والرجل إذا أدركا اشْتَركا في نَبات العانَة ثمَّ ينْفَرد الرجل عَن المَرْأة باللحية فَإن الله عز وجل لما جعل الرجل قيمًا على المَرْأة وجعلها كالخول لَهُ والعاني في يَدَيْهِ ميزه عَلَيْها بِما فِيهِ لَهُ المهانة والعز والوَقار والجَلالَة لكماله وحاجته إلى ذَلِك ومنعتها المَرْأة لكَمال الِاسْتِمْتاع بها والتلذذ لتبقى نضارة وجهها وحسنه لا يشينه الشّعْر واشتراكا في سائِر الشُّعُور للحكمة والمَنفَعَة الَّتِي فِيها.

(فصل)

ثمَّ تَأمل هَذا الصَّوْت الخارِج من الحلق وتهيئة آلاته والكَلام وانتظامه والحروف ومخارجها وأدواتها ومقاطعها وأجراسها تَجِد الحِكْمَة الباهرة في هَواء ساذج يخرج من الجوف فيسلك في أنبوبة الحنجرة حَتّى يَنْتَهِي إلى الحلق واللِّسان والشفتين والأسنان فَيحدث لَهُ هُناكَ مقاطع ونهايات وأجراس يسمع لَهُ عند كل مقطع ونِهايَة جرس مُبين مُنْفَصِل عَن الآخر يحدث بِسَبَبِهِ الحَرْف فَهو صَوت واحِد ساذج يجري في قَصَبَة واحِدَة حَتّى يَنْتَهِي إلى مقاطع وحدود تسمع لَهُ مِنها تِسْعَة وعشْرين حرفا يَدُور عَلَيْها الكَلام كُله أمره ونَهْيه وخَبره واستخباره ونظمه ونثرة وخطبه ومواعظه وفضوله فَمِنهُ المضحك ومِنه المبكي ومِنه المؤيس ومِنه المطمع ومِنه المخوف ومِنه المرجي والمسلى والمحزن والقابض للنَّفس والجوارح والمنشط لَها والَّذِي يسقم الصَّحِيح ويُبرئ السقيم ومِنه ما يزِيل النعم ويحل النقم ومِنه ما يستدفع بِهِ البلاء ويستجلب بِهِ النعماء وتستمال بِهِ القُلُوب ويؤلف بِهِ بَين المتباغضين ويوالي بِهِ بَين المتعاديين ومِنه ما هو بضد ذَلِك ومِنه الكَلِمَة الَّتِي لا يلقى لَها صاحبها بالا يهوى بها في النّار ابعد ما بَين المشرق والمغْرب والكلمة الَّتِي لا يلقى لَها بالا صاحبها يرْكض بها في أعلا عليين في جوار رب العالمين.

فسبحان من أنشأ ذَلِك كُله من هَواء ساذج يخرج من الصَّدْر لا يدْرِي ما يُراد بِهِ ولا أيْن يَنْتَهِي ولا أيْن مستقره هَذا إلى ما في ذَلِك من اخْتِلاف الالسنة واللغات الَّتِي لا يحصيها إلا الله فيجتمع الجمع من النّاس من بِلاد شَتّى فيتكلم كل مِنهُم بلغته فَتسمع لُغات مُخْتَلفَة كلاما منتظما مؤلفا ولا يدْرِي كل مِنهُم ما يَقُول الآخر واللِّسان الَّذِي هو جارحة واحِد في الشكل والمنظر وكَذَلِكَ الحلق والاضراس والشفتان والكَلام مُخْتَلف متفاوت أعظم تفاوت فالآية في ذَلِك كالآية في الأرض الَّتِي تسقى بِماء واحِد وتخرج مَعَ ذَلِك من أنواع النَّبات والاأزهار والحبوب والثِّمار تِلْكَ الأنواع المُخْتَلفَة المتباينة ولِهَذا أخبر الله سُبْحانَهُ في كِتابه أن في كل مِنهُما آيات فَقالَ ومن آياته خلق السَّماوات والأرض واخْتِلاف السنتكم والونكم إن في ذَلِك لآيات للْعالمين.

وَقالَ ﴿وَفِي الأرْض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنْوان وغير صنْوان يسقى بِماء واحِد﴾ الآية.

فانْظُر الان في الحنجرة كَيفَ هي كالأنبوب لخُرُوج الصَّوْت واللِّسان والشفتان والأسنان لصياغة الحُرُوف والنغمات إلا ترى أن من سَقَطت أسنانه لم يقم الحُرُوف الَّتِي تخرج مِنها ومن اللِّسان ومن سَقَطت شفته كَيفَ لم يقم الرّاء واللّام ومن عرضت لَهُ آفَة في حلقه كَيفَ لم يتَمَكَّن من الحُرُوف الحلقية وقد شبه أصحاب التشريح مخرج الصَّوْت بالمزمار والرئة بالزق الَّذِي ينْفخ فِيهِ من تَحْتَهُ ليدْخل الرّيح فِيهِ والفضلات الَّتِي تقبض على الرئة ليخرج الصَّوْت من الحنجرة بالأكف الَّتِي تقبض على الزق حَتّى يخرج الهَواء في القصب والشفتين والأسنان الَّتِي تصوغ الصَّوْت حروفا ونغما بالأصابع الَّتِي تخْتَلف على المزمار فتصوغه الحانا والماقطع الَّتِي يَنْتَهِي إليها الصَّوْت بالابخاش الَّتِي في القصبة حَتّى قيل أن المزمار إنَّما اتخذ على مِثال ذَلِك من الإنسان فَإذا تعجبت من الصِّناعَة الَّتِي تعملها اكف النّاس حَتّى تخرج مِنها تِلْكَ الأصوات فَما احراك بطول التَّعَجُّب من الصِّناعَة الإلهية الَّتِي أخرجت تِلْكَ الحُرُوف والأصوات من اللَّحْم والدَّم والعُرُوق والعِظام ويا بعد ما بَينهما ولَكِن المألوف المُعْتاد لا يَقع عند النُّفُوس موقع التَّعَجُّب فَإذا رَأتْ ما لا نِسْبَة لَهُ إليه أصلا إلا أنه غَرِيب عِنْدها تَلَقَّتْهُ بالتعجب وتسبيح الرب تَعالى وعِنْدها من آياته العجيبة الباهرة ما هو أعظم من ذَلِك مِمّا لا يُدْرِكهُ القياس ثمَّ تَأمل اخْتِلاف هَذِه النغمات وتباين هَذِه الأصوات مَعَ تشابه الحَناجِر والحلوق والالسنة والشفاة والأسنان فَمن الَّذِي ميز بَينها أتم تَمْيِيز مَعَ تشابه محالها سوى الخلاق العَلِيم.

(فصل)

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском