Ibn al-QayyimAdh-Dhariyat · 51:21

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:21, continued

وَفِي هَذِه الآلات مآرب أخرى ومَنافع سوى مَنفَعَة الكَلام، فَفي الحنجرة مَسْلَك النسيم البارِد الَّذِي يروح على الفُؤاد بِهَذا النَّفس الدّائِم المتتابع وفي اللِّسان مَنفَعَة الذَّوْق فتذاق بِهِ الطعوم وتدرك لذتها ويميز بها بَينها فَيعرف حَقِيقَة كل واحِد مِنها وفِيه مَعَ ذَلِك مَعُونَة على إساغة الطَّعام وأن يلوكه ويقلبه حَتّى يسهل مسلكه في الحلق وفي الأسنان من المَنافِع ما هو مَعْلُوم من تقطيع الطَّعام كَما تقدم وفيها إسْناد الشفتين وإمساكهما عَن الاسترخاء وتشويه الصُّورَة ولِهَذا ترى من سَقَطت أسنانه كَيفَ تسترخي شفتاه وفي الشفتين مَنافِع عديدة يرشف بها الشَّراب حَتّى يكون الدّاخِل مِنهُ إلى حلقه بِقدر فَلا يشرق بِهِ الشّارِب ثمَّ هما باب مغلق على الفَم الَّذِي إليه يَنْتَهِي إليه ما يخرج من الجوف ومِنه يبتدي ما يلج فَهي فهما عَطاء وطابق عَلَيْهِ يفتحهما البواب مَتى شاءَ ويغلقهما إذا شاءَ وهما أيضا جمال وزينة للْوَجْه وفِيهِما مَنافِع أخرى سوى ذَلِك وانْظُر إلى من سَقَطت شفتاه ما اشوه منظره وقد بأن أن كل واحِد من هَذِه الأعضاء يتَصَرَّف إلى وُجُوه شَتّى من المَنافِع والمآرب والمصالح كَما تتصرف الاداة الواحِدَة في أعمال شَتّى هَذا ولَو رَأيْت الدِّماغ وكشف لَك عَن تركيبه وخلقه لرأيت العجب العجاب وتكشف لَك عَن تركيب يحار فِيهِ العقل قد لف بحجب وأغشيه بَعْضها فَوق بعض لتصونه عَن الإعراض وتَحفظه عَن الِاضْطِراب ثمَّ اطبقت عَلَيْهِ الجمجمة بِمَنزِلَة الخوذة وبيضة الحَدِيد لتقيه حد الصدمة والسقطة والضربة الَّتِي تصل إليه فتتلقاها تِلْكَ البَيْضَة عَنهُ بِمَنزِلَة الخوذة الَّتِي على رأس المُحارب ثمَّ جللت تِلْكَ الجمجمة بِالجلدِ الَّذِي هو فَرْوَة الرأس يستر العظم من البروز للمؤذيات ثمَّ كُسِيت تِلْكَ الفروة حلَّة من الشّعْر الوافر وقاية لَها وسترا من الحر والبرد والأذى وجمالا وزينة لَهُ فسل المُعَطل من الَّذِي حصن الدِّماغ هَذا التحصين وقدره هَذا التَّقْدِير وجعله خزانَة أودع فِيها من المَنافِع والقوى والعجائب ما أودعه ثمَّ احكم سد تِلْكَ الخزانة وحصنها أتم تحصين وصانها أعظم صِيانة وجعلها مَعْدن الحَواس والإدراكات ومن الَّذِي جعل الأجفان على العَينَيْنِ كالغشاء والأشفار كالأشراج والأهداب كالرفوف فوف عَلَيْها إذا فتحت ومن الَّذِي ركب طبقاتها المُخْتَلفَة طبقَة فَوق طبقَة حَتّى بلغت عدد السَّماوات سبعا وجعل لكل طبقَة مَنفَعَة وفائِدَة فَلَو اختلت طبقَة مِنها لاختل البَصَر ومن شقهما في الوَجْه أحسن شقّ وأعطاهما أحسن شكل وأودع الملاحة فيهما وجعلهما مرْآة للقلب وطليعة وحارسا للبدن ورائدا يُرْسِلهُ كالجند في مهماته فَلا يتعب ولا يعيا على كَثْرَة ظعنه وطول سَفَره ومن أودع النُّور الباصر فِيهِ في قدر جرم العدسة فَيرى فِيهِ السَّماوات والأرض والجِبال والشَّمْس والقَمَر والبحار والعجائب من داخل سبع طَبَقات وجعلهما في أعلى الوَجْه بِمَنزِلَة الحارس على الرابية العالِيَة ربيتة للبدن ومن حجب الملك في الصُّدُور وأجْلسهُ هُناكَ على كرْسِي المملكة واقام جند الجَوارِح والأعضاء والقوى الباطِنَة والظّاهِرَة في خدمته وذللها لَهُ فَهي مؤتمرة إذا امرها منتهية إذا نهاها سامعة لَهُ مطيعة تكدح وتسعى في مرضاته فَلا تَسْتَطِيع مِنهُ خلاصا ولا خُرُوجًا عَن أمره فَمِنها رَسُوله ومِنها بريده ومِنها ترجمانه ومِنها أعوانه وكل مِنها على عمل لا يتعداه ولا يتَصَرَّف في غير عمله حَتّى إذا أرادَ الرّاحَة أوعز إليها بالهدو والسكون ليَأْخُذ الملك راحَته فَإذا اسْتَيْقَظَ من مَنامه قامَت جُنُوده بَين يَدَيْهِ على أعمالها وذَهَبت حَيْثُ وجهها دائبة لا تفتر فَلَو شاهدته في مَحل ملكه والاشغال والمراسيم صادرة عَنهُ وواردة والعساكر في خدمته والبرد تَتَرَدَّد بَينه وبَين جنده ورعيته لرأيت لَهُ شَأْنًا عجيبا فَماذا فاتَ الجاهِل الغافل من العَجائِب والمعارف والعبر الَّتِي لا يحْتاج فِيها إلى طول الاسفار وركوب القفار قالَ تَعالى ﴿وَفِي الأرْض آيات للموقنين وفي أنفسكُم أفلا تبصرون﴾ فَدَعا عباده إلى التفكر في أنفسهم والِاسْتِدْلال بها على فاطرها وباريها ولَوْلا هَذا لم نوسع الكَلام في هَذا الباب ولا أطلنا النَّفس إلى هَذِه الغايَة ولَكِن العبْرَة بذلك حاصِلَة والمَنفَعَة عَظِيمَة والفكرة فِيهِ مِمّا يزِيد المُؤمن إيمانا فكم دون القلب من حرس وكم لَهُ من خادِم وكم لَهُ من عبيد ولا يشْعر بِهِ وللَّه ما خلق لَهُ وهيأ لَهُ وأريد مِنهُ وأعد لَهُ من الكَرامَة والنَّعِيم أوْ الهوان والعَذاب فَأما على سَرِير الملك في مقْعد صدق عند مليك مقتدر ينظر إلى وجه ربه ويسمع خطابه وإمّا اسير في السجْن الأعظم بَين اطباق النيران في العَذاب الاليم فَلَو عقل هَذا السُّلْطان ما هيأ لَهُ لضن بِملكه ولسعى في الملك الَّذِي لا ينقطع ولا يبيد ولكنه ضربت عَلَيْهِ حجب الغَفْلَة ﴿ليقضي الله أمرا كانَ مَفْعُولا﴾.

(فصل)

وَمن جعل في الحلق منفذين أحدهما للصوت والنَّفس الواصِل إلى الرئة.

والآخر للطعام والشراب وهو المريء الواصِل إلى المعدة وجعل بَينهما حاجزا يمْنَع عبور أحدهما في طَرِيق الآخر فَلَو وصل الطَّعام من منفذ النَّفس إلى الرئة لأهلك الحَيَوان ومن جعل الرئة مروحة للقلب تروح عَلَيْهِ لا تنى ولا تفتر لكيلا تَنْحَصِر الحَرارَة فِيهِ فَيهْلك ومن جعل المنافذ لفضلات الغذاء وجعل لَها اشراجا تقبضها لكيلا تجرى جَريا دائِما فتفسد على الإنسان عيشه ويمْنَع النّاس من مجالسه بَعضهم بَعْضًا ومن جعل المعدة كأشد ما يكون من العصب لأنها هيئت لطبخ الأطعمة وانضاجها فَلَو كانَت لَحْمًا غضا لانطبخت هي ونضجت فَجعلت كالعصب الشَّديد لتقوى على الطَّبْخ والانضاج ولا تنهكها النّار الَّتِي تحتها ومن جعل الكبد رقيقَة ناعمة لأنها هيئت لقبُول الصفو اللَّطِيف من الغذاء والهضم وعمل هو الطف من عمل المعدة ومن حصن المخ اللَّطِيف الرَّقِيق في انابيب صلبة من العِظام ليحفظها ويصونها فَلا تفْسد ولا تذوب ومن جعل الدَّم السيال مَحْبُوسًا محصورا في العُرُوق بِمَنزِلَة الماء في الوِعاء ليضبط فَلا يجْرِي ومن جعل الأظفار على أطراف الأصابع وقاية لَها وصيانة من الأعمال والصناعات ومن جعل داخل الاذن مستويا كَهَيئَةِ الكَوْكَب ليطرد فِيهِ الصَّوْت حَتّى يَنْتَهِي إلى السّمع الدّاخِل وقد انْكَسَرت حِدة الهَواء فَلا ينكؤه وليتعذر على الهَواء النّفُوذ إليه قبل أن يمسك وليمسك ما عساه أن يَغْشاها من القذى والوسخ ولغير ذَلِك من الحكم ومن جعل على الفخذين والوركين من اللَّحْم أكثر مِمّا على سائِر الأعضاء ليقيها من الأرض فَلا تألم عظامها من كَثْرَة الجُلُوس كَما يألم من قد نحل جِسْمه وقل لَحْمه من طول الجُلُوس حَيْثُ لم يحل بَينه وبَين الأرض حائِل ومن جعل ماء العَينَيْنِ ملحا يحفظها من الذوبان وماء الاذن مرا يحفظها من الذُّباب والهواء والبعوض وماء الفَم عذبا يدْرك بِهِ طعوم الأشياء فَلا يخالطها طعم غَيرها ومن جعل باب الخَلاء في الإنسان في اسْتُرْ مَوضِع كَما أن البناء الحَكِيم بِجعْل مَوضِع التخلي في أستر مَوضِع في الدّار.

وَهَكَذا منفذ الخَلاء من الإنسان في اسْتُرْ مَوضِع لَيْسَ بارزا من خَلفه ولا ناشزا بَين يَدَيْهِ بل مغيب في مَوضِع غامض من البدن يلتقى عَلَيْهِ الفخذان بِما عَلَيْهِما من اللَّحْم متواريا فَإذا جاءَ وقت الحاجة وجلسَ الإنسان لَها برز ذَلِك المخْرج للآرض ومن جعل الأسنان حدادا لقطع الطَّعام وتفصيله والاضراس عراضا لرضه وطحنه ومن سلب الإحساس الحيواني الشُّعُور والأظفار الَّتِي في الآدمي لأنها قد تطول وتمتد وتَدْعُو الحاجة إلى أخذها وتخفيفها، فَلَو أعطاها الحس لآلمته وشق عَلَيْهِ أخذ ما شاءَ مِنها ولَو كانَت تحس لوقع الإنسان مِنها في إحْدى البليتين أما تَركها حَتّى تطول وتفحش وتثقل عَلَيْهِ.

وَأما مقاساة الألم والوجع عند أخذها ومن جعل باطِن الكَفّ غير قابل لانبات الشّعْر لأنه لَو اشعر لتعذر على الإنسان صِحَة اللَّمْس ولشق عَلَيْهِ كثير من الأعمال الَّتِي تباشر بالكف ولهذه الحِكْمَة لم يكن هن الرجل قابلا لانباته لأنه يمنعهُ من الجِماع ولما كانَت المادَّة تَقْتَضِي إنباته هُناكَ نبت حول هن الرجل والمَرْأة ولهذه الحِكْمَة سلب عَن الشفتين وكَذا باطِن الفَم وكَذا أيضا القدَم اخمصها وظاهرها لأنها تلاقي التُّراب والوسخ والطين والشوك فَلَو كانَ هُناكَ شعر لأذى الإنسان جدا وحمل من الأرض كل وقت ما يثقل الإنسان ولَيْسَ هَذا للإنسان وحده بل ترى البَهائِم قد جللها الشّعْر كلها واخليت هَذِه المَواضِع مِنهُ لهَذِهِ الحِكْمَة افلا ترى الصَّنْعَة الإلهية كَيفَ سلبت وُجُوه الخَطَأ والمضرة وجاءَت بِكُل صَواب وكل مَنفَعَة وكل مصلحَة ولما اجْتهد الطاعنون في الحِكْمَة العائبون للخلقة فِيما يطعنون بِهِ عابوا الشُّعُور تَحت الآباط وشعر العانَة وشعر باطِن الأنف وشعر الرُّكْبَتَيْنِ وقالُوا أي حِكْمَة فِيها واي فائِدَة وهَذا من فرط جهلهم وسخافة عُقُولهمْ فَإن الحِكْمَة لا يجب أن تكون بأسرها مَعْلُومَة للبشر ولا أكْثَرها بل لا نِسْبَة لما علموه إلى ما جهلوه فِيها لَو قيست عُلُوم الخَلائق كلهم بِوُجُوه حِكْمَة الله تَعالى في خلقه وأمره إلى ما خَفِي عَنْهُم مِنها كانَت كنقرة عُصْفُور في البَحْر وحسب الفطن اللبيب أن يسْتَدلّ بِما عرف مِنها على ما لم يعرف ويعلم الحِكْمَة فِيما جَهله مِنها مثلها فِيما علمه بل أعظم وادق وما مثل هَؤُلاءِ الحمقى النوكى إلا كَمثل رجل لا علم لَهُ بدقائق الصَّنائِع والعلوم من البناء والهندسة والطب بل والحياكة والخياطة والنجارة إذا رام الِاعْتِراض بعقله الفاسِد على أربابها في شَيْء من آلاتهم وصنائعهم وترتيب صناعتهم فخفيت عَلَيْهِ فَجعل كل ما خَفِي عَلَيْهِ مِنها شَيْء قالَ هَذا لا فائِدَة فِيهِ وأي حِكْمَة تَقْتَضِيه هَذا مَعَ أن أرباب الصَّنائِع بشر مثله يُمكنهُ أن يشاركهم في صنائعهم ويفوقهم فِيها فَما الظَّن بِمن بهرت حكمته العُقُول الَّذِي لا يُشارِكهُ مشارك في حكمته كَما لايشاركه في خلقه فَلا شريك لَهُ بِوَجْه فَمن ظن أن يكتال حكمته بِمِكْيال عقله أوْ يَجْعَل عقله عيارا عَلَيْها فَما ادركه اقربه وما لم يُدْرِكهُ نَفاهُ فَهو من اجهل الجاهِلين وللَّه في كل ما خَفِي على النّاس وجه الحِكْمَة فِيهِ حكم عديدة لاتدفع ولا تنكر فَأعْلَم الان أن تَحت منابت هَذِه الشُّعُور من الحَرارَة والرطوبة ما اقْتَضَت الطبيعة إخْراج هَذِه الشُّعُور عَلَيْها إلا ترى أن العشب ينبتفي مستنقع المِياه بعد نضوب الماء عَنْها لما خصت بِهِ من الرُّطُوبَة ولِهَذا كانَت هَذِه المَواضِع من ارطب مَواضِع البدن وهِي اقبل لنبات الشّعْر واهيًا فَدفعت الطبيعة تِلْكَ الفضلات والرطوبات إلى خارج فَصارَت شعرًا ولَو حبست في داخل البدن لأضرته وآذت باطِنه فخروجها عين مصلحَة الحَيَوان واحتباسها إنَّما يكون لنَقص وآفَة فِيهِ وهَذا كخروج دم الحيض من المَرْأة فَإنَّهُ عين مصلحتها وكمالها ولِهَذا يكون احتباسه لفساد في الطبيعة ونقص فِيها إلا ترى أن من احْتبسَ عَنهُ شعر الرَّأْس واللحية بعد إبانه كَيفَ تراهُ ناقص الطبيعة ناقص الخلقَة ضَعِيف التَّرْكِيب فَإذا شاهدت ذَلِك في الشّعْر الَّذِي عرفت بعض حكمته فمالك لاتعتبره في الشّعْر الَّذِي خفيت عَلَيْك حكمته ومن جعل الرِّيق يجْرِي دائِما إلى الفَم لا يَنْقَطِع عَنهُ ليبل الحلق واللهوات ويسهل الكَلام ويسيغ الطَّعام قالَ بقراط الرُّطُوبَة في الفَم مَطِيَّة الغذاء فَتَأمل حالك عند ما يجِف ريقك بعض الجَفاف ويقل ينبوع هَذِه العين الَّتِي لا يسْتَغْنى عَنهُ.

(فصل)

ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله تَعالى في كَثْرَة بكاء الأطفال وما لَهُم فِيهِ من المَنفَعَة فَإن الأطباء والطبائعيين شهدُوا مَنفَعَة ذَلِك وحكمته وقالُوا في أدمغة الأطفال رُطُوبَة لَو بقيت في أدمغتهم لأحدثت أحداثا عَظِيمَة فالبكاء يسيل ذَلِك ويحدره من ادمغتهم فتقوى ادمغتهم وتَصِح وأيضا فَإن البكاء والعياط يُوسع عَلَيْهِ مجاري النَّفس ويفتح العُرُوق ويصابها ويقوى الأعصاب وكم للطفل من مَنفَعَة ومصلحة فِيما تسمعه من بكائه وصراخه فَإذا كانَت هَذِه الحِكْمَة في البكاء الَّذِي سَببه وُرُود الألم المؤذي وأنت لا تعرفها ولا تكاد تخطر ببالك فَهَكَذا إيلام الأطفال فِيهِ وفي أسبابه وعواقبه الحميدة من الحكم ما قد خَفِي على أكثر النّاس واضطرب عَلَيْهِم الكَلام في حكمه اضْطِراب الارشية وسلكوا في هَذا الباب مسالك.

فَقالَت طائِفَة لَيْسَ إلا مَحْض المَشِيئَة العارِية عَن الحِكْمَة والغاية المَطْلُوبَة وسدوا على أنفسهم هَذا الباب جملَة وكلما سئلوا عَن شَيْء أجابوا بِلا يسال عَمّا يفعل وهَذا من اصدق الكَلام ولَيْسَ المُراد بِهِ نفي حكمته تَعالى وعواقب أفعاله الحميدة وغاياتها المَطْلُوبَة مِنها وإنَّما المُراد بالآية إفْراده بالإلهية والربوبية وإنّهُ لكَمال حكمته لا معقب لحكمه ولا يعْتَرض عَلَيْهِ بالسؤال لأنه لا يفعل شَيْئا سدى ولا خلق شَيْئا عَبَثا وإنَّما يسْأل عَن فعله من خرج عَن الصَّواب ولم يكن فِيهِ مَنفَعَة ولا فائِدَة ألا ترى إلى قَوْله ﴿أمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الأرْضِ هم يُنْشِرُونَ (٢١) لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ وهم يُسْألُونَ (٢٣)﴾

كَيفَ ساق الآية في الإنكار على من اتخذ من دونه آلِهَة لا تساويه فسواها بِهِ مَعَ أعظم الفرق فَقَوله ﴿لا يسْأل عَمّا يفعل﴾ إثبات لحقيقة الإلهية وإفراده لَهُ بالربوبية والإلهية.

وَقَوله ﴿وهم يسْألُون﴾ في صَلاح تِلْكَ الإلهة المتخذة للالهية فإنها مسئولة مربوبة مُدبرَة فَكيف يسوى بَينها وبَينه مَعَ أعظم الفرْقان.

فَهَذا الَّذِي سيق لَهُ الكَلام فَجَعلها الجبرية ملْجأ ومعقلا في إنْكار حكمته وتعليل أفعاله بغاياتها المحمودة وعواقبها السديدة والله المُوفق للصَّواب وقالَت طائِفَة الحِكْمَة في ابتلائهم تعويضهم في الآخرة بالثواب التّام فَقيل لَهُم قد كانَ يُمكن إيصال الثَّواب إليهم بِدُونِ هَذا الإيلام فَأجابُوا بِأن توَسط الإيلام في حَقهم كتوسط التكاليف في حق المُكَلّفين فَقيل لَهُم فَهَذا ينْتَقض عَلَيْكُم بإيلام أطفال الكفّار فَأجابُوا بِأنا لا نقُول أنهم في النّار كَما قالَه من قالَه من النّاس والنّار لا يدخلها أحد إلا بذنب وهَؤُلاء لا ذَنْب لَهُم وكَذا الكَلام مَعَهم في مسألة الأطفال والحجاج فِيها من الجانِبَيْنِ بِما لَيْسَ هَذا مَوْضِعه فأورد عَلَيْهِم ما لا جَواب لَهُم عَنهُ وهو إيلام أطفالهم الَّذين قدر بلوغهم وموتهم على الكفْر فَإن هَذا لا تعويض فِيهِ قطعا ولا هو عُقُوبَة على الكفْر فَإن العقُوبَة لا تكون سلفا وتعجيلا فحاروا في هَذا الموضع واضطربت أصولهم ولم يَأْتُوا بِما يقبله العقل وقالَت طائِفَة ثالِثَة هَذا السُّؤال لَو تَأمله مورده لعلم أنه ساقِط وأن تكلّف الجَواب عَنهُ الزام ما لا يلْزم فَإن هَذِه الآلام وتوابعها وأسبابها من لَوازِم النشأة الإنسانية الَّتِي لم يخلق منفكا عَنْها فَهي كالحرِّ والبرد والجوع والعطش والتعب والنّصب والهم والغَم والضعيف والعجز فالسؤال عَن حكم الحاجة إلى الأكل عند الجُوع والحاجة إلى الشّرْب عند الظمأ وإلى النّوم والراحة عند التَّعَب فَإن هَذِه الآلام هي من لَوازِم النشأة الإنسانية الَّتِي لا يَنْفَكّ عَنْها الإنسان ولا الحَيَوان فَلَو تجرد عَنْها لم يكن إنسانا بل كانَ ملكا أوْ خلقا آخر ولَيْسَت آلام الأطفال بأصعب من آلام البالِغين لَكِن لما صارَت لَهُم عادَة سهل موقعها عِنْدهم وكم بَين ما يقاسيه الطِّفْل ويعانيه البالِغ العاقِل وكل ذَلِك من مُقْتَضى الإنسانية ومُوجب الخلقَة فَلَو لم يخلق كَذَلِك لَكانَ خلقا آخر.

فَيرى أن الطِّفْل إذا جاع أوْ عَطش أوْ برد أوْ تَعب قد خص من ذَلِك بِما لم يمْتَحن بِهِ الكَبِير فإيلامه بِغَيْر ذَلِك من الأوجاع والأسقام كإيلامه بِالجُوعِ والعطش والبرد والحردون ذَلِك أوْ فَوْقه وما خلق الإنسان بل الحَيَوان إلا على هَذِه النشأة.

قالُوا فَإن سَألَ سائل وقالَ: فَلم خلق كَذَلِك وهلا خلق خلقَة غير قابِلَة للألم؟

فَهَذا سُؤال فاسد فَإن الله تَعالى {خلقه في عالم الِابْتِلاء والامتحان من مادَّة ضَعِيفَة فَهي عرضة للآفات وركبة تركيبا معرضًا للأنواع من الآلام وجعل فِيهِ الأخلاط الأربعة الَّتِي لا قوام لَهُ إلّا بها ولا يكون إلا عَلَيْها وهِي لا محالة توجب امتزاجا واختلاطا وتفاعلا يبغى بَعْضها على بعض بكيفيته تارَة وبكميته تارَة وبِهِما تارَة وذَلِكَ مُوجب للآلام قطعا ووُجُود المَلْزُوم بِدُونِ لازمه محال ثمَّ أنه سُبْحانَهُ ركب فِيهِ من القوى والشهوة والإرادة ما يُوجب حركته الدائبة وسعيه في طلب ما يصلحه دفع ما يضرّهُ بِنَفسِهِ تارَة وبمن يُعينهُ تارَة فأحوج النَّوْع بعضه إلى بعض فَحدث من ذَلِك الِاخْتِلاط بَينهم وبغى بَعضهم على بعض فَحدث من ذَلِك الآلام والشرور بِنَحْوِ ما يحدث من امتزاج اخلاطه واختلاطها وبغى بَعْضها على بعض والآلام لا تتخلف عَن هَذا الامتزاج أبدا إلا في دار البَقاء والنَّعِيم المُقِيم لا في دار الِابْتِلاء والامتحان فَمن ظن أن الحِكْمَة في أن تجْعَل خَصائِص تِلْكَ الدّار في هَذِه فقد ظن باطِلا بل الحِكْمَة التّامَّة البالِغَة اقْتَضَت أن تكون هَذِه الدّار ممزوجة عافِيَتها ببلائها وراحتها بعنائها ولذتها بآلامها وصحتها بسقمها وفرحها بغمها فَهي دار ابتلاء تدفع بعض آفاتها بِبَعْض كَما قالَ القائِل:

؎أصبحت في دار بليات ∗∗∗ ادْفَعْ آفات بآفات

وَلَقَد صدق فَإنّك إذا فَكرت في الأكل والشرب واللباس والجِماع والراحة وسائِر ما يستلذ بِهِ رَأيْته يدْفع بها ما قابله من الآلام والبليات أفلا تراك تدفع بالأكل ألم الجُوع وبالشرب ألم العَطش وباللباس ألم الحر والبرد وكَذا سائرها.

وَمن هُنا قالَ بعض العُقَلاء أن لذاتها لنا هي دفع الآلام لا غير فأما اللَّذّات الحَقِيقِيَّة فلها دار أخرى ومحل آخر غير هَذِه فوجود هَذِه الآلام واللَّذّات الممتزجة المختلطة من الأدلة على المعاد وأن الحِكْمَة الَّتِي اقْتَضَت ذَلِك هي أولى باقتضاء دارين دار خالِصَة للذات لا يشوبها الم ما ودار خالِصَة للآلام لا يشوبها لَذَّة ما والدّار الأولى الجنَّة والدّار الثّانِيَة النّار أفلا ترى كَيفَ دلك ذَلِك مَعَ ما أنت مجبول عَلَيْهِ في هَذِه النشأة من اللَّذَّة والألم على الجنَّة والنّار ورأيت شواهدهما وأدلة وجودهما من نَفسك حَتّى كَأنَّك تعاينهما عيانًا وانْظُر كَيفَ دلّ العيان والحس والوجود على حِكْمَة الرب تَعالى وعَلى صدق رسله فِيما أخبروا بِهِ من الجنَّة والنّار.

فَتَأمل كَيفَ قاد النّظر في حِكْمَة الله إلى شَهادَة العُقُول والفطر بِصدق رسله وما أخبروا بِهِ تَفْصِيلًا يدل عَلَيْهِ العقل مُجملا فَأيْنَ هَذا من مقام من اداء علمه إلى المُعارضَة بَين ما جاءَت بِهِ الرُّسُل وبَين شَواهِد العقل وأدلته ولَكِن تِلْكَ العُقُول كادها باريها ووكلها إلى أنفسها فَحلت بها عَساكِر الخذلان من كل جانب وحسبك بِهَذا الفَصْل وعظيم منفعَته من هَذا الكتاب والله المَحْمُود المسؤل تَمام نعْمَته فَهَذِهِ كَلِمات مختصرة نافعة في مَسْألَة إيلام الأطفال لَعَلَّك لا تظفر بها في أكثر الكتب فارْجِع الان إلى نَفسك وفكر في هَذِه الأفعال الطبيعية الَّتِي جعلت في الإنسان وما فِيها من الحِكْمَة والمَنفَعَة وما جعل لكل واحِد مِنها في الطَّبْع المُجَرّد والداعي الَّذِي يَقْتَضِيهِ ويستحثه فالجوع يستحث الأكل ويطلبه لما فِيهِ من قوام البدن وحياته ومماته والكرى يقتضي النّوم ويستحثه لما فِيهِ من راحَة البدن والأعضاء واجمام القوى وعودها إلى قوتها جَدِيدَة غير كالة والشبق يَقْتَضِي الجِماع الَّذِي بِهِ دوام النَّسْل وقضاءالوطر وتَمام اللَّذَّة فتجد هَذِه الدَّواعِي تستحث الإنسان لهَذِهِ الأمور وتتقاضاها مِنهُ بِغَيْر اخْتِياره وذَلِكَ عين الحِكْمَة فَإنَّهُ لَو كانَ الإنسان إنَّما يَسْتَدْعِي هَذِه المستحثات إذا أراد لَأوْشَكَ أن يشْتَغل عَنْها بماي يعروه من العَوارِض مُدَّة فينحل بدنه ويهْلك ويترامى إلى الفساد وهو لا يشْعر كَما إذا احْتاجَ بدنه إلى شَيْء من الدَّواء والصَّلاح فدافعه وأعْرض عَنهُ حَتّى إذا استحكم بِهِ الدّاء أهلكه فاقتضت حِكْمَة اللَّطِيف الخَبِير أن جعلت فِيهِ بواعث ومستحثات تؤزه ازا إلى ما فِيهِ قوامه وبقاؤه ومصلحته وترد عَلَيْهِ بِغَيْر اخْتِياره ولا استدعائه فَجعل لكل واحِد من هَذِه الأفعال محرك من نفس الطبيعة يحركه ويحدوه عَلَيْهِ ثمَّ انْظُر إلى ما يُعْطِيهِ من القوى المُخْتَلفَة الَّتِي بها قوامه فَأعْطى القُوَّة الجاذبة الطالبة المستحثة الَّتِي تَقْتَضِي معلومها من الغذاء فتأخذه ويورده على الأعضاء بِحَسب قبُولها ثمَّ أعطى القُوَّة الممسكة الَّتِي تمسك الطَّعام وتحبسه ريثما تنضجه الطبيعة وتحكم طبخه وتهيؤه لمصارفه وتبعثه لمستحقه ثمَّ أعطى القُوَّة الهاضمة الَّتِي تصرفه في البدن وتهضمه عَن المعدة ثمَّ أعطى القُوَّة الدافعة وهِي الَّتِي تدفع ثقله وما لا مَنفَعَة فِيهِ فتدفعه وتخرجه عَن البدن لِئَلّا يُؤْذِيه وينهكه فَمن أعطاك هَذِه القُوَّة عند شدَّة حاجَتك إليها ومن جعلها خادِمًا لَك ومن أعطاها أفعالها واسْتعْمل كل واحِد مِنها على غير عمل الآخر ومن الف بَينها على تباينها حَتّى اجْتمعت في شخص واحِد ومحل واحِد ولَو عادى بَينها كانَ بَعْضها يذهب بَعْضًا فَمن كانَ يحول بَينه وبَين ذَلِك فلولا القُوَّة الجاذبة كَيفَ كنت متحركا لطلب الغذاء الَّذِي بِهِ قوام البدن ولَوْلا الممسكة كَيفَ كانَ الطَّعام يذهب في الجوف حَتّى تهضمه المعدة ولَوْلا الهاضمة كَيفَ كانَ يطْبخ حَتّى يخلص مِنهُ الصفو إلى سائِر أجزاء البدن وأعماقه ولَوْلا الدافعة كَيفَ كانَ الثّقل المؤذي القاتِل لَو انحبس يخرج أولا فأولا فيستريح البدن فيخف وينشط فَتَأمل كَيفَ وكلت هَذِه القُوَّة بك والقِيام بمصالحك فالبدن كدار اللملك فِيها حشمه وخدمه قد وكل بِتِلْكَ الدّار اقوأما يقومُونَ بمصالحها فبعضهم لاقْتِضاء حوائجها وإيرادها عَلَيْها وبَعْضهمْ لقبض الوارِد وحظفه وخزنه إلى أن يهيأ ويصْلح وبَعْضهمْ يقبضهُ فيهيؤه ويصلحه ويدفعه إلى أهل الدّار ويفرقه عَلَيْهِم بِحَسب حاجاتهم وبَعْضهمْ لمسح الدّار وتنظيفها وكنسها من المَزابِل والاقذار فالملك هو الملك الحق المُبين جلّ جَلاله والدّار أنت والحشم والخدم الأعضاء والجوارح والقوام عَلَيْها هَذِه القوى الَّتِي ذَكرناها تَنْبِيه فرق بَين نظر الطَّبِيب والطبائعي في هَذِه الأمور فنظرهما فيها مقصور على النّظر في حفظ الصِّحَّة ودفع السقم فَهو ينظر فيهامن هَذِه الجِهَة فَقَط وبَين نظر المُؤمن العارِف فِيها فَهو ينظر فِيها من جِهَة دلالتها على خالِقها وباريها وما له فِيها من الحكم البالِغَة، والنعَم السابغة والآلاء الَّتِي دَعا العباد إلى شكرها وذكرها.

(تَنْبِيه)

ثمَّ تَأمل حِكْمَة الله عز وجل في الحِفْظ والنِّسْيان الَّذِي خص بِهِ نوع الإنسان وماله فيهما من الحكم وما للْعَبد فيهما من المصالح فَإنَّهُ لَوْلا القُوَّة الحافظة الَّتِي خص بها لدخل عَلَيْهِ الخلَل في أُمُوره كلها ولم يعرف ماله وما عَلَيْهِ ولا ما أخذ ولا ما أعطى ولا ما سمع ورَأى ولا ما قالَ ولا ما قيل لَهُ ولا ذكر من أحسن إليه ولا من اساء إليه ولا من عامله ولا من نَفعه فَيقرب مِنهُ ولا من ضره فينأى عَنهُ ثمَّ كانَ لايهتدي إلى الطَّرِيق الَّذِي سلكه أول مرّة ولَو سلكه مرارًا ولا يعرف علما ولَو درسه عمره ولا ينْتَفع بتجربة ولا يَسْتَطِيع أن يعْتَبر شَيْئا على ما مضى بل كانَ خليقا أن يَنْسَلِخ من الإنسانية أصلا.

فَتَأمل عَظِيم المَنفَعَة عَلَيْك في هَذِه الخلال وموقع الواحِدَة مِنها فضلا عَن جَمِيعهنَّ.

وَمن أعجب النعم عَلَيْهِ نعْمَة النسْيان فَإنَّهُ لَوْلا النسْيان لما سلا شَيْئا ولا انْقَضتْ لَهُ حسرة ولا تعزى عَن مُصِيبَة ولا ماتَ لَهُ حزن ولا بَطل لَهُ حقد ولا تمتّع بِشَيْء من مَتاع الدُّنْيا مَعَ تذكر الآفات ولا رجا غَفلَة عَدو ولا نقمة من حاسِد فَتَأمل نعْمَة الله في الحِفْظ والنِّسْيان مَعَ اخْتِلافهما وتضادهما وجعله في كل واحِد مِنهُما ضربا من المصلحَة.

(تَنْبِيه)

ثمَّ تَأمل هَذا الخلق الَّذِي خص بِهِ الإنسان دون جَمِيع الحَيَوان وهو خلق الحياء الَّذِي هو من أفضل الأخلاق وأجلها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا بل هو خاصَّة الإنسانية فَمن لا حَياء فِيهِ لَيْسَ مَعَه من الإنسانية إلا اللَّحْم والدَّم وصورتهم الظّاهِرَة كَما أنه لَيْسَ مَعَه من الخَيْر شَيْء ولَوْلا هذا الخلق لم يقر الضَّيْف ولم يوف بالوعد ولم يؤد امانة ولم يقْض لاحَدَّ حاجَة ولا تحرى الرجل الجَمِيل فآثره والقبيح فتجنبه ولا ستر لَهُ عَورَة ولا امْتنع من فاحِشَة وكثير من النّاس لَوْلا الحياء الَّذِي فِيهِ لم يؤد شَيْئا من الأمور المفترضة عَلَيْهِ ولم يرع لمخلوق حَقًا ولم يصل لَهُ رحما ولا بر لَهُ والدًا.

فَإن الباعِث على هَذِه الأفعال إمّا ديني وهو رَجاء عاقبَتها الحميدة.

وَإمّا دُنْيَوِيّ علوي وهو حَياء فاعلها من الخلق.

قد تبين أنه لَوْلا الحياء إمّا من الخالِق أوْ من الخَلائق لم يَفْعَلها صاحبها وفي التِّرْمِذِيّ وغَيره مَرْفُوعا

"اسْتَحْيوا من الله حق الحياء"

قالُوا وما حق الحياء؟

قالَ "أن تحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى وتذكر المَقابِر والبلى"

وَقالَ: "إذا لم تستح فاصْنَعْ ما شِئْت"

وَأصَح القَوْلَيْنِ فِيهِ قَول أبي عبيد والأكثرين أنه تهديد كَقوله تَعالى: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُم﴾ وقَوله ﴿كلوا وتمتعوا قَلِيلا﴾

وَقالَت طائِفَة هو إذن وإباحَة والمعْنى إنَّك إذا اردت أن تفعل فعلا فانْظُر قبل فعله فَإن كانَ مِمّا يستحيا فِيهِ من الله ومن النّاس فَلا تَفْعَلهُ وإن كانَ مِمّا لا يستحيا مِنهُ فافعله فَإنَّهُ لَيْسَ بقبيح وعِنْدِي أن هَذا الكَلام صُورَة صرة الطّلب ومَعْناهُ معنى الخَبَر وهو في قُوَّة قَوْلهم من لا يستحى صنع ما يشتهى فَلَيْسَ بِإذن ولا هو مُجَرّد تهديد وإنَّما هو في معنى الخَبَر والمعْنى أن الرادع عَن القَبِيح إنَّما هو الحياء فَمن لم يستح فَإنَّهُ يصنع ماشاء وإخْراج هَذا المَعْنى في صِيغَة الطّلب لنكته بديعة جدا وهِي أن للإنسان آمرين وزاجرين آمروزاجر من جِهَة الحياء فَإذا اطاعه امْتنع من فعل كل ما يَشْتَهِي وله آمُر وزاجر من جِهَة الهوى والطبيعة فَمن لم يطع آمُر الحياء وزاجره أطاع آمُر الهوى والشهوة ولا بُد فإخراج الكَلام في قالب الطّلب يتَضَمَّن هَذا المَعْنى دون أن يُقال من لا يستحي صنع ما يَشْتَهِي.

(تَنْبِيه)

ثمَّ تَأمل نعْمَة الله على الإنسان بالبيانين البَيان النطقي والبَيان الخطي وقد اعْتد بهما سُبْحانَهُ في جملَة من اعْتد بِهِ من نعمه على العَبْد فَقالَ في أول سُورَة انزلت على رَسُول الله ﴿اقْرَأ باسم رَبك الَّذِي خلق خلق الإنْسان من علق اقْرَأ ورَبك الأكرم الَّذِي علم بالقلم علم الإنْسان ما لم يعلم﴾

فَتَأمل كَيفَ جمع في هَذِه الكَلِمات مَراتِب الخلق كلها وكَيف تَضَمَّنت مَراتِب الوجودات الأربعة بأوجز لفظ وأوضحه وأحسنه فَذكر أولا عُمُوم الخلق وهو إعطاءالوجود الخارِجِي ثمَّ ذكر ثانِيًا خُصُوص خلق الإنسان لأنه مَوضِع العبْرَة والآية فِيهِ عَظِيمَة ومن شُهُوده عَمّا فِيهِ مَحْض تعدد النعم وذكر مادَّة خلقه ها هُنا من العلقَة وفي سائِر المَواضِع يذكر ما هو سابق عَلَيْها إمّا مادَّة الأصل وهو التُّراب والطين أوْ الصلصال الَّذِي كالفخار أوْ مادَّة الفَرْع وهو الماء المهين.

وَذكر في هَذا الموضع أول مبادئ تعلق التخليق وهو العلقَة فَإنَّهُ كانَ قبلها نُطْفَة فَأول انتقالها إنَّما هو إلى العلقَة ثمَّ ذكر ثالِثا التَّعْلِيم بالقلم الَّذِي هو من أعظم نعمه على عباده إذْ بِهِ تخلد العُلُوم وتثبت الحُقُوق وتعلم الوَصايا وتحفظ الشَّهادات ويضبط حِساب المُعامَلات الواقِعَة بَين النّاس وبِه تقيد إخبار الماضين للباقين اللاحقين ولَوْلا الكِتابَة لانقطعت إخبار بعض الازمنة عَن بعض ودرست السّنَن وتخبطت الأحكام ولم يعرف الخلف مَذاهِب السّلف وكانَ مُعظم الخلَل الدّاخِل على النّاس في دينهم ودنياهم إنمايعتريهم من النسْيان الَّذِي يمحو صور العلم من قُلُوبهم فَجعل لَهُم الكتاب وعاء حافِظًا للْعلم من الضّياع كالأوعية الَّتِي تحفظ الامتعة من الذّهاب والبطلان فنعمة الله عَن وجل بتعليم القَلَم بعد القُرْآن من أجل النعم والتعليم بِهِ، وإن كانَ مِمّا يخلص إليه الإنسان بالفطنة والحِيلَة فَإنَّهُ الَّذِي بلغ بِهِ ذَلِك وأوصله إليه عَطِيَّة وهبها الله مِنهُ، وفضل أعطاه الله إيّاه، وزِيادَة في خلقه وفضله فَهو الَّذِي علمه الكِتابَة وإن كانَ هو المتعلم فَفعله فعل مُطاوع لتعليم الَّذِي علم بالقلم فَإن علمه فتعلم كَما أنه علمه الكَلام فَتكلم هَذا ومن أعطاه الذِّهْن الَّذِي يعي بِهِ واللِّسان الَّذِي يترجم بِهِ والبنان الَّذِي يحط بِهِ ومن هيأ ذهنه لقبُول هَذا التَّعْلِيم دون سائِر الحَيَوانات ومن الَّذِي انطق لِسانه وحرك بنانه ومن الَّذِي دعم البنان بالكف ودعم الكَفّ بالساعد فكم لله من آيَة نَحن غافلون عَنْها في التَّعَلُّم بالقلم فقف وقْفَة في حال الكِتابَة.

وَتَأمل حالك وقد أمسكت القَلَم وهو جماد وضعته على القرطاس وهو جماد فتولد من بَينهما أنواع الحكم وأصناف العُلُوم وفنون المراسلات والخطب والنّظم والنثر وجوابات المسائِل فَمن الَّذِي أجرى فلك المعانِي على قَلْبك ورسمها في ذهنك ثمَّ أجرى العبارات الدّالَّة عَلَيْها على لسانك ثمَّ حرك بها بنانك حَتّى صارَت نقشا عجيبا مَعْناهُ أعجب من صورته فتقضى بِهِ مآربك وتبلغ بِهِ حاجَة في صدرك وترسله إلى الاقطار النائية والجهات المتباعدة فَيقوم مقامك ويترجم عَنْك ويتَكَلَّم على لسانك ويقوم مقام رَسُولك ويجدي عَلَيْك ما لا يجدي من ترسله سوى من علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والتعليم بالقلم يتسلزم المَراتِب الثَّلاثَة مرتبَة الوُجُود الذهْنِي والوجود اللَّفْظِيّ والوجود الرسمي فقد دلّ التَّعْلِيم بالقلم على أنه سُبْحانَهُ هو المُعْطِي لهَذِهِ المَراتِب ودلّ قَوْله خلق على أنه يعْطى الوُجُود العَيْنِيّ فدلت هَذِه الآيات مَعَ اختصارها ووجازتها وفصاحتها على أن مَراتِب الوُجُود بأسرها مُسندَة إليه تَعالى ﴿خلقا وتعليما وذكر خلقين وتلعيمين خلقا عاما وخلقا خاصّا وتعليما خاصّا وتعليما عاما وذكر من صِفاته ها هُنا اسْم الأكرم الَّذِي فِيهِ كل خير وكل كَمال فَلهُ كل كَمال وصفا ومِنه كل خير فعلا فَهو الأكرم في ذاته وأوصافه وأفعاله وهَذا الخلق والتعليم إنَّما نَشأ من كرمه وبره وإحسانه لا من حاجَة دَعَتْهُ إلى ذَلِك وهو الغَنِيّ الحميد وقوله تَعالى: {الرَّحْمَن علم القُرْآن خلق الإنْسان علمه البَيان﴾

دلّت هَذِه الكَلِمات على إعْطائِهِ سُبْحانَهُ مَراتِب الوُجُود بأسرها فَقَوله خلق الإنسان إخْبار عَن الايجاد الخارِجِي العَيْنِيّ وخص الإنسان بالخلق لما تقدم وقَوله علم القُرْآن إخْبار عَن إعْطاء الوُجُود العلمي الذهْنِي فَإنَّما تعلم الإنسان القُرْآن بتعليمه كَما أنه إنَّما صار إنْسانا بخلقه فَهو الَّذِي خلقه وعلمه ثمَّ قالَ ﴿علمه البَيان﴾

والبَيان يتَناوَل مَراتِب راتب ثَلاثَة كل مِنها يُسمى بَيانا أحدها البَيان الذهْنِي الَّذِي يُمَيّز فِيهِ بَين المعلومات الثّانِي البَيان

اللَّفْظِيّ الَّذِي يعبر بِهِ عَن تِلْكَ المعلومات ويترجم عَنْها فِيهِ لغيره الثّالِث البَيان الرسمي الخطي الَّذِي يرسم بِهِ تِلْكَ الألفاظ فيتبين النّاظر مَعانِيها كَما يتَبَيَّن للسامع مَعاني الألفاظ فَهَذا بَيان للعين وذاكَ بَيان للسمع والأول بَيان للقلب وكَثِيرًا ما يجمع سُبْحانَهُ بَين هَذِه الثَّلاثَة كَقَوْلِه ﴿إن السّمع والبَصَر والفؤاد كل أُولَئِكَ كانَ عَنهُ مسؤولا﴾

وَقَوله ﴿والله أخرجكم من بطُون أُمَّهاتكُم لا تعلمُونَ شَيْئا وجعل لكم السّمع والأبصار والأفئدة لَعَلَّكم تشكرون﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском