Ibn al-QayyimAdh-Dhariyat · 51:21–29

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:21–29, continued

ويذم من عدم الِانْتِفاع بها في اكْتِساب الهدى والعلم النافع كَقَوْلِه ﴿صم بكم عمي﴾ وقَوله ﴿ختم الله على قُلُوبهم وعَلى سمعهم وعَلى أبْصارهم غشاوة﴾ وقد تقدم بسط هَذا الكَلام تَنْبِيه ثمَّ تَأمل حِكْمَة اللَّطِيف الخَبِير فِيما أعطى الإنسان علمه بِما فِيهِ صَلاح معاشه ومعاده ومنع عَنهُ علم ما لا حاجَة لَهُ بِهِ فجهله بِهِ لا يضر وعلمه بِهِ لا ينْتَفع بِهِ انتفاعا طائلا ثمَّ يسر عَلَيْهِ طرق ما هو مُحْتاج إليه من العلم أتم تيسير وكلما كانَت حاجته إليه من العلم أعظم كانَ تيسيره إياه عَلَيْهِ أتم فأعطاه معرفَة خالقه وبارئه ومبدعه سُبْحانَهُ والإقرار بِهِ ويسر عَلَيْهِ طرق هَذِه المعرفَة فَلَيْسَ في العُلُوم ما هو أجل مِنها ولا أظهر عند العقل والفطرة ولَيْسَ في طرق العُلُوم الَّتِي تنال بها أكثر من طرقها ولا أدل ولا أبين ولا أوضح فَكلما تراهُ بِعَيْنِك أوْ تسمعه بأذنك اوتعقله بقلبك وكلما يخْطر ببالك وكلما نالته حاسة من حواسك فَهو دَلِيل على الرب تبارك وتَعالى فطرق العلم بالصانع فطرية ضَرُورِيَّة لَيْسَ في العُلُوم اجلي مِنها وكل ما اسْتدلَّ بِهِ على الصّانِع فالعلم بِوُجُودِهِ أظهر من دلالَته ولِهَذا قالَت الرُّسُل لأممهم افي الله شكّ فخاطبوهم مُخاطبَة من لا يَنْبَغِي أن يخْطر لَهُ شكّ ما في وجود الله سُبْحانَهُ ونصب من الأدلة على وجوده وحدانيته وصفات كَماله الأدلة على اخْتِلاف أنواعها ولا يُطيق حصرها إلّا الله ثمَّ ركز ذَلِك في الفطْرَة ووَضعه في العقل جملَة ثمَّ بعث الرُّسُل مذكرين بِهِ ولِهَذا يَقُول تَعالى ﴿وذكر فَإن الذكرى تَنْفَع المُؤمنِينَ﴾ وقَوله ﴿فَذكر إن نَفَعت الذكرى﴾ وقَوله ﴿إنَّما أنْت مُذَكّر﴾ وقَوله ﴿فَما لَهُم عَن التَّذْكِرَة معرضين﴾

وَهُوَ كثير في القُرْآن ومفصلين لما في الفطْرَة والعقل العلم بِهِ جملَة فانْظُر كَيفَ وجد الإقرار بِهِ وبتوحيده وصفات كَماله ونعوت جَلاله وحكمته في خلقه وأمره المُقْتَضِيَة إثْبات رِسالَة رسله ومجازات المحسن بإحسانه والمسيء بإسائته مودعا في الفطْرَة مركوزا فِيها فَلَو خليت على ما خلقت عَلَيْهِ لم يعرض لَها ما يُفْسِدها ويحولها ويغيرها عَمّا فطرت عَلَيْهِ ولأقرت بوحدنيه ووُجُوب شكره وطاعته وبصفاته وحكمته في أفعاله وبالثواب والعِقاب ولكنها لما فَسدتْ وانحرفت عَن المنْهَج الَّذِي خلقت

عَلَيْهِ أنكرت ما أنكرت وجحدت ما جحدت فَبعث الله رسله مذكرين لأصحاب الفطر الصَّحِيحَة السليمة فانقادوا طَوْعًا واختيارا ومحبة وإذعانا بِما جعل من شَواهِد ذَلِك في قُلُوبهم حَتّى أن مِنهُم من لم يسْأل عَن المعجزة والخارق بل علم صِحَة الدعْوَة من ذاتها وعلم أنها دَعْوَة حق برهانها فِيها ومعذرين ومقيمين البَيِّنَة على أصحاب الفطر الفاسِدَة لِئَلّا نحتج على الله بِأنَّهُ ما ارشدها ولا هداها فيحق القَوْل عَلَيْها بِإقامَة الحجَّة فَلا يكون سُبْحانَهُ ظالِما لَها بتعذيبها واشقائها وقد بَين ذَلِك سُبْحانَهُ في قَوْله ﴿إن هو إلّا ذكر وقُرْآن مُبين لينذر من كانَ حَيا ويحق القَوْل على الكافرين﴾

فَتَأمل كَيفَ ظَهرت معرفَة الله والشَّهادَة لَهُ بِالتَّوْحِيدِ وإثبات أسمائه وصِفاته ورسالة رسله والبعث للجزاء مسطورة مثبتة في الفطر ولم يكن ليعرف بها أنها ثابِتَة في فطرته فَلَمّا ذكرته الرُّسُل ونبهته رأى ما أخْبرُوهُ بِهِ مُسْتَقرًّا في فطرته شاهدا بِهِ عقله بل وجوارحه ولسان حاله وهَذا أعظم ما يكون من الإيمان وهو الَّذِي كتبه سُبْحانَهُ في قُلُوب أوليائه وخاصته فَقالَ ﴿أُولَئِكَ كتب في قُلُوبهم الإيمان﴾ فَتدبر هَذا الفَصْل فَإنَّهُ من الكُنُوز في هَذا الكتاب وهو حقيق بِأن تثنى عَلَيْهِ الخناصر وللَّه الحَمد والمنة.

والمَقْصُود أن الله سُبْحانَهُ أعطى العَبْد من هَذِه المعارف وطرقها ويسرها عَلَيْهِ ما لم يُعْطه من غَيرها لعظم حاجته في معاشه ومعاده إليها، ثمَّ وضع في العقل من الإقرار بِحسن شَرعه ودينه الَّذِي هو ظله في أرضه وعدله بَين عباده ونوره في العالم ما لو اجْتمعت عقول العالمين كلهم فَكانُوا على عقل أعقل رجل واحِد مِنهُم لما أمكنهم أن يقترحوا شَيْئا أحسن مِنهُ، ولا أعْدِلْ ولا أصلح ولا أنفع للخليقة في معاشها ومعادها.

فَهُوَ أعظم آياته وأوضح بيناته، وأظْهر حججه على أنه الله الَّذِي لا إلَه إلّا هو وأنّهُ المتصف بِكُل كَمال المنزه عَن كل عيب ومِثال، فضلا عَن أن يحْتاج إلى إقامَة شاهد من خارج عَلَيْهِ بالأدلة والشواهد لتكثير طرق الهدى وقطع المعذرة وإزاحة العلَّة والشبهة ﴿لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ ويَحْيى مَن حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وإنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (٤٢)﴾

فَأثْبت في الفطْرَة حسن العدْل والإنصاف والصدق والبر والإحسان والوَفاء بالعهد والنصيحة لِلْخلقِ ورَحْمَة المِسْكِين ونصر المَظْلُوم ومواساة أهل الحاجة والفاقة وأداء الأمانات ومقابلة الإحسان بالإحسان والإساءة بِالعَفو والصفح والصَّبْر في مَواطِن الصَّبْر والبذل في مَواطِن البَذْل والانتقام في مَوضِع الانتقام والحلم في مَوضِع الحلم والسكينة والوَقار والرأفة والرفق والتؤدة وحسن الأخلاق وجَمِيل المعاشرة مَعَ الأقارب والأباعد وستر العورات وإقالة العثرات والإيثار عند الحاجات وإغاثة اللهفات وتفريج الكربات والتعاون على أنواع الخَيْر والبر والشجاعة والسماحة والبصيرة والثبات والعزيمة والقُوَّة في الحق واللين لأهله والشدة على أهل الباطِل والغلظة عَلَيْهِم والإصلاح بَين النّاس والسَّعْي في إصْلاح ذات البَين وتعظيم من يسْتَحق التَّعْظِيم وإهانة من يسْتَحق الإهانة وتنزيل النّاس مَنازِلهمْ وإعطاء كل ذِي حق حَقه، وأخذ ما سهل عَلَيْهِم وطوعت بِهِ أنفسهم من الأعمال والأموال والأخلاق، ولإرشاد ضالهم وتَعْلِيم جاهلهم واحْتِمال جفوتهم واستواء قريبهم وبعيدهم في الحق فأقربهم إليه أولاهم بِالحَقِّ وإن كانَ بَعيدا وأبعدهم عَنهُ أبعدهم من الحق وإن كانَ حبيبا قَرِيبا إلى غير ذَلِك من معرفَة العقل الَّذِي وضعه بَينهم في المُعامَلات والمناكحات والجنآيات وما أودع في فطرهم من حسن شكره وعبادته وحده لا شريك لَهُ، وأن نعمه عَلَيْهِم توجب بذل قدرتهم وطاقتهم في شكره والتقرب إليه وإيثاره على ما سواهُ وأثبت في الفطر علمها بقبيح اضداد ذَلِك ثمَّ بعث رسله في الأمر بِما اثْبتْ في الفطر حسنه وكماله والنَّهْي عَمّا اثْبتْ فِيها قبحه وعيبه وذمه.

فطابقت الشَّرِيعَة المنزلَة للفطرة المكملة مُطابقَة التَّفْصِيل بجملته، وقامَت وشواهد دينه في الفطْرَة تنادي للإيمان حَيّ على الفَلاح، وصدعت تِلْكَ الشواهد والآيات دياجي ظلم الآباء، كَما صدع اللَّيْل ضوء الصَّباح وقبل حاكم الشَّرِيعَة شَهادَة العقل والفطرة لما كانَ الشّاهِد غير مُتَّهم ولا معرض للجراح.

51:22–23Page 521

وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ ٢٢

And in the heaven is your provision and whatever you are promised.

فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ ٢٣

Then by the Lord of the heaven and earth, indeed, it is truth - just as [sure as] it is that you are speaking.

أما الرزق ففسر بالمطر وفسر بالجنة وفسر برزق الدنيا والآخرة ولا ريب أن المطر من الرحمة وأن الجنة مستقر الرحمة فرزق الدارين في السماء التي هي في العلو وقوله تعالى: ﴿وما توعدون﴾ قال عطاء رضي الله عنه من الثواب والعقاب وقال الكلبي من الخير والشر وقال مجاهد من الجنة والنار وقال ابن سيرين من أمر الساعة

قلت كون الجنة والخير في السماء فلا إشكال فيه وكون النار في السماء وما يوعد به اهلها يحتاج إلى تبيين فإذا نظرت إلى أسباب الخير والشر وأسباب دخول الجنة والنار وافتراق الناس وانقسامهم إلى شقي وسعيد وجدت ذلك كله بقضاء الله وقدره النازل من السماء وذلك كله مثبت في السماء في صحف الملائكة وفي اللوح المحفوظ قبل العمل وبعده فالأمر كله من السماء وقول من قال من أمر الساعة يكشف عن هذا المعنى فإن أمر الساعة يأتي من السماء وهو الموعود بها فالجنة والنار الغاية التي لأجلها قامت الساعة فصح كل ما قال السلف في ذلك والله أعلم.

(فصل)

ثم أقسم سبحانه أعظم قسم بأعظم مقسم به على أجل مقسم عليه وأكد الإخبار بهذا القسم ثم أكد بتشبيهه بالأمر المحقق الذي لا يشك فيه ذو حاسة سليمة فقال ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾

قال ابن عباس رضي الله عنهما يريد إنه لحق واقع كما أنكم تنطقون وقال الفراء إنه لحق كما أن

الآدمي ناطق.

وقال الزجاج هذا كما تقول في الكلام: إن هذا لحق كما أنك هاهنا.

قلت وفي الحديث إنه لحق كما أنك هاهنا فشبه سبحانه تحقيق ما أخبر به بتحقيق نطق الآدمي ووجوده والواحد منا يعرف أنه ناطق ضرورة ولا يحتاج نطقه إلى الاستدلال على وجوده ولا يخالجه شك في أنه ناطق فكذلك ما أخبر الله عنه من أمر التوحيد والنبوة والمعاد وأسمائه وصفاته حق ثابت في نفس الأمر يشبه بثبوت نطقكم ووجوده وهذا باب يعرفه الناس في كلامهم يقول أحدهم هذا حق مثل الشمس وأفصح الشاعر عن هذا بقوله:

؎وليس يصح في الأذهان شيء ∗∗∗ إذا احتاج النهار إلى دليل

وهاهنا أمر ينبغي التفطن له وهو أن الرب تعالى شهد بصحة ما أخبر به وهو أصدق الصادقين وأقسم عليه وهو أبر المقسمين وأكده بتشبيهه بالواقع الذي لا يقبل الشك بوجه وأقام عليه من الأدلة العيانية والبرهانية ما جعله معاينًا مشاهدًا بالبصائر وإن لم يعاين بالأبصار ومع ذلك فأكثر النفوس في غفلة عنه لا تستعد له ولا تأخذ له أهبة والمستعد له الآخذ له أهبة لا يعطيه حقه منهم إلا الفرد بعد الفرد فأكثر الخلق لا ينظرون في المراد من إيجادهم وإخراجهم إلى هذه الدار ولا يتفكرون في قلة مقامهم في دار الغرور ولا في رحيلهم وانتقالهم عنها ولا إلى أين يرحلون وأين يستقرون قد ملكهم الحس وقل نصيبهم من العقل وشملتهم الغفلة وغرتهم الأماني التي هي كالسراب وخدعهم طول الأمل وكأن المقيم لا يرحل وكأن أحدهم لا يبعث ولا يسأل وكأن مع كل مقيم توقيع من الله لفلان بن فلان بالأمان من عذابه والفوز بجزيل ثوابه فأما اللذات الحسية والشهوات النفسية كيفما حصلت فإنهم حصلوها ومن أي وجه لاحت أخذوها غافلين عن المطالبة آمنين من العاقبة يسعون لما يدركون ويتركون ماهم به مطالبون ويعمرون ما هم عنه منتقلون ويخربون ما هم إليه صائرون وهم عن الآخرة هم غافلون ألهتهم شهوات نفوسهم فلا ينظرون في مصالحها ولا يأخذون في جمع زادها في سفرها ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهم أُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾

والعجب كل العجب من غفلة من تعد علمه لحظاته وتحصى عليه أنفاسه ومطايا الليل والنهار تسرع به ولا يتفكر إلى أين يحمل ولا إلى أي منزل ينقل:

؎وكيف تنام العين وهي قريرة ∗∗∗ ولم تدر في أي المحلين تنزل

وإذا نزل بأحدهم الموت قلق لخراب ذاته وذهاب لذاته لا لما سبق من جناياته ولا لسوء منقلبه بعد مماته فإن خطرت على أحدهم خطرة من ذلك اعتمد العفو أو الرحمة وكان يتيقن أن ذلك نصيبه ولا بد فلو أن العاقل أحضر ذهنه ما استحضر عقله وسار بفكره وأمعن النظر وتأمل الآيات لفهم المراد من إيجاده ولنظرت عين الراحل إلى الطريق ولأخذ المسافر في التزود والمريض في التداوي والحازم ما يجوز أن يأتي فما الظن بأمر متيقن كما أنه لصدق إيمانه وقوة إيقانهم وكأنهم يعاينون الأمر فأضحت ربوع الإيمان من أهلها خالية ومعالمه على عروشها خاوية

قال ابن وهب أخبرني مسلم بن علي عن الأوزاعي قال كان السلف إذا طلع الفجر أو قبله كأنما على رؤسهم الطير مقبلين على أنفسهم حتى لو أن حبيبا لأحدهما غاب عنه حينًا ثم قدم لما التفت إليه فلا يزالون كذلك إلى طلوع الشمس ثم يقوم بعضهم إلى بعض فيتخلفون بأول ما يقتضون فيه أمر معادهم وما هم صائرون إليه ثم يأخذون في الفقه.

(فائدة: في إفراد السماء]

وتأمل كيف جاءت [السماء] مفردة في قوله: ﴿فَوَرَبِّ السَّماءِ والأرْضِ إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾

إرادة لهذين الجنسين.

أي رب كل ما علا وكل ما سفل فلما كان المراد عموم ربوبيته أتى بالاسم الشامل لكل ما يسمى سماء، وكل ما يسمى أرضا.

وهو أمر حقيقي لا يتبدل ولا يتغير.

وإن تبدلت عين السماء والأرض فانظر كيف جاءت مجموعة في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾

في جميع الصور لما كان المراد الإخبار عن تسبيح سكانها على كثرتهم، وتباين مراتبهم لم يكن بد من جمع محلهم.

وانظر كيف جاءت مفردة في قوله: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكم وما تُوعَدُونَ﴾

فالرزق المطر وما وعدنا به الجنة، وكلاهما في هذه الجهة، لا أنهما في كل واحدة واحدة من السماوات.

فكان لفظ الإفراد أليق بها.

(موعظة)

فرغ خاطرك للهم بِما أمرت بِهِ ولا تشغله بِما ضمن لَك فَإن الرزق والأجَل قرينان مضمونان فَما دامَ الأجَل باقِيا كانَ الرزق آتِيا.

وَإذا سد عَلَيْك بِحِكْمَتِهِ طَرِيقا من طرقه فتح لَك برحمته طَرِيقا أنْفَع لَك مِنهُ.

فتأمّل حال الجَنِين يَأْتِيهِ غذاؤه وهو الدَّم من طَرِيق واحِدَة وهو السُّرَّة، فَلَمّا خرج من بطن الأُم وانقطعت تِلْكَ الطَّرِيق فتح لَهُ طَرِيقين اثْنَيْنِ، وأجرى لَهُ فيهما رزقا أطيب وألذ من الأول لَبَنًا خالِصا سائغا، فَإذا تمت مُدَّة الرَّضاع وانقطعت الطريقان بالفطام فتح طرقًا أرْبَعَة أكمل مِنها طعامان وشرابان.

فالطعامان من الحَيَوان والنبات، والشرابان من المِياه والألبان، وما يُضاف إلَيْهِما من المَنافِع والملاذ.

فَإذا ماتَ انْقَطَعت عَنهُ هَذِه الطّرق الأرْبَعَة لكنه سُبْحانَهُ فتح لَهُ - إن كانَ سعيدا - طرقا ثَمانِيَة وهِي أبْواب الجنَّة الثَّمانِية يدْخل من أيها شاءَ.

فَهَكَذا الرب سُبْحانَهُ لا يمْنَع عَبده المُؤمن شَيْئا من الدُّنْيا إلّا ويؤتيه أفضل مِنهُ، وأنفع لَهُ ولَيْسَ ذَلِك لغير المُؤمن، فَإنَّهُ يمنعهُ الحَظ الأدْنى الخسيس، ولا يرضى لَهُ بِهِ ليعطيه الحَظ الأعْلى النفيس.

والعَبْد لجهله بمصالح نَفسه وجهله بكرم ربه وحكمته ولطفه لا يعرف التَّفاوُت بَين ما منع مِنهُ، وبَين ما ذخر لَهُ، بل هو مولع بحب العاجل وإن كانَ دنيئا، وبقلة الرَّغْبَة في الآجل وإن كانَ عليا.

وَلَو أنصف العَبْد ربه - وأنى لَهُ بذلك - لعلم أن فَضله عَلَيْهِ فِيما مَنعه من الدُّنْيا ولذاتها ونَعِيمها أعظم من فَضله عَلَيْهِ فِيما آتاهُ من ذَلِك، فَما مَنعه إلّا ليعطيه، ولا ابتلاه إلّا ليعافيه، ولا امتحنه إلّا ليصافيه، ولا أماتَهُ إلّا ليحييه، ولا أخرجه إلى هَذِه الدّار إلّا ليتأهب مِنها للقدوم عَلَيْهِ، وليسلك الطَّرِيق الموصلة إلَيْهِ فَـ ﴿جعل اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أوْ أرادَ شكُورًا﴾ و ﴿أبى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا﴾. والله المُسْتَعان.

51:24Page 521

هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤

Has there reached you the story of the honored guests of Abraham?1 -

ففي هذا ثناء على إبراهيم من وجوه متعددة.

أحدها: أنه وصف ضيفه بأنهم مكرمون.

وهذا على أحد القولين:

أنه بإكرام إبراهيم لهم.

والثاني: أنهم المكرمون عند الله.

ولا تنافي بين القولين: فالآية تدل على معنيين.

51:25Page 521

إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥

When they entered upon him and said, "[We greet you with] peace." He answered, "[And upon you] peace; [you are] a people unknown."

الثاني: قوله تعالى: «إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ» فلم يذكر استئذانهم.

ففي هذا دليل على أنه ﷺ كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم.

فصار منزله مضيفة مطروقا لمن ورده، لا يحتاج إلى الاستئذان، بل استئذان الداخل إليه دخوله.

وهذا غاية ما يكون من الكرم.

الثالث: قوله «سلام» بالرفع. وهم سلموا عليه بالنصب.

والسلام بالرفع أكمل. فإنه يدل على الجملة الاسمية الدالة على الثبوت والتجدد، والمنصوب يدل على الفعلية الدالة على الحدوث والتجدد.

فإبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم.

فإن قولهم «سلاما» يدل على: سلمنا سلاما وقوله: «سلام» أي سلام عليكم.

الرابع: أنه حذف المبتدأ من قوله: «قوم منكرون» فإنه لما أنكرهم ولم يعرفهم احتشم من مواجهتهم بلفظ ينفر الضيف لو قال: أنتم مكرمون، فحذف المبتدأ هنا من ألطف الكلام.

الخامس: أنه بنى الفعل للمفعول، وحذف فاعله، فقال:

«منكرون» ولم يقل: إني أكرمكم.

وهو أحسن في هذا المقام، وأبعد من التنفير والمواجهة بالخشونة.

[بَحْثٌ في الرَّدِّ عَلى المُسَلِّمِ بِـ وعَلَيْكَ السَّلامُ والفَرْقُ بَيْنَهُما وبَيْنَ الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ]

وَكانَ يَرُدُّ عَلى المُسَلِّمِ " وعَلَيْكَ السَّلامُ " بِالواوِ، وبِتَقْدِيمِ " عَلَيْكَ " عَلى لَفْظِ السَّلامِ.

وَتَكَلَّمَ النّاسُ هاهُنا في مَسْألَةٍ، وهي لَوْ حَذَفَ الرّادُّ " الواوَ " فَقالَ: " عَلَيْكَ السَّلامُ "، هَلْ يَكُونُ صَحِيحًا؟ فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمُ المتولي وغَيْرُهُ: لا يَكُونُ جَوابًا، ولا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الرَّدِّ، لِأنَّهُ مُخالِفٌ لِسُنَّةِ الرَّدِّ، ولِأنَّهُ لا يُعْلَمُ هَلْ هو رَدٌّ، أوِ ابْتِداءُ تَحِيَّةٍ؟ فَإنَّ صُورَتَهُ صالِحَةٌ لَهُما، ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ، فَقُولُوا: " وعَلَيْكُمْ» فَهَذا تَنْبِيهٌ مِنهُ عَلى وُجُوبِ الواوِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الإسْلامِ، فَإنَّ " الواوَ " في مِثْلِ هَذا الكَلامِ تَقْتَضِي تَقْرِيرَ الأوَّلِ وإثْباتَ الثّانِي، فَإذا أُمِرَ بِالواوِ في الرَّدِّ عَلى أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: السّامُ عَلَيْكُمْ، فَقالَ «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ، فَقُولُوا: " وعَلَيْكُمْ» فَذِكْرُها في الرَّدِّ عَلى المُسْلِمِينَ أوْلى وأحْرى.

وَذَهَبَتْ طائِفَةٌ أُخْرى إلى أنَّ ذَلِكَ رَدٌّ صَحِيحٌ، كَما لَوْ كانَ بِالواوِ، ونَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ الكَبِيرِ، واحْتَجَّ لِهَذا القَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ [الذاريات: ٢٤]

أيْ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، لا بُدَّ مِن هَذا، ولَكِنْ حَسُنَ الحَذْفُ في الرَّدِّ، لِأجْلِ الحَذْفِ في الِابْتِداءِ، واحْتَجُّوا بِما في " الصَّحِيحَيْنِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا، فَلَمّا خَلَقَهُ، قالَ لَهُ: اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ المَلائِكَةِ، فاسْتَمِعْ ما يُحَيُّونَكَ، فِإنَّها تَحِيَّتُكَ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِكَ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ فَزادُوهُ: " ورَحْمَةُ اللَّهِ» فَقَدْ أخْبَرَ النَّبِيِّ ﷺ أنَّ هَذِهِ تَحِيَّتُهُ وتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ.

قالُوا: ولِأنَّ المُسَلَّمَ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أنْ يُحَيِّيَ المُسَلِّمَ بِمِثْلِ تَحِيَّتِهِ عَدْلًا، وبِأحْسَنَ مِنها فَضْلًا، فَإذا رَدَّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ سَلامِهِ، كانَ قَدْ أتى بِالعَدْلِ.

وَأمّا قَوْلُهُ «إذا سَلَّمَ عَلَيْكم أهْلُ الكِتابِ فَقُولُوا: وعَلَيْكُمْ» فَهَذا الحَدِيثُ قَدِ اخْتُلِفَ في لَفْظَةِ " الواوِ " فِيهِ، فَرُوِيَ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ، أحَدُها: بِالواوِ.

قالَ أبُو داوُدَ: كَذَلِكَ رَواهُ مالك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، ورَواهُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، فَقالَ فِيهِ: (فَعَلَيْكُمْ) وحَدِيثُ سفيان في " الصَّحِيحَيْنِ " ورَواهُ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ بِإسْقاطِ " الواوِ "، وفي لَفْظٍ لمسلم والنَّسائِيِّ: فَقُلْ (عَلَيْكَ) بِغَيْرِ واوٍ.

وَقالَ الخطابي: عامَّةُ المُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ (وَعَلَيْكُمْ) بِالواوِ وكانَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ (عَلَيْكُمْ) بِحَذْفِ الواوِ، وهو الصَّوابُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا حَذَفَ الواوَ صارَ قَوْلُهُمُ الَّذِي قالُوهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ، وبِإدْخالِ الواوِ يَقَعُ الِاشْتِراكُ مَعَهُمْ، والدُّخُولُ فِيما قالُوا، لِأنَّ الواوَ حَرْفٌ لِلْعَطْفِ والِاجْتِماعِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. انْتَهى كَلامُهُ.

وَما ذَكَرَهُ مِن أمْرِ الواوِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ، فَإنَّ " السّامَ " الأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ المَوْتُ، والمُسَلِّمُ والمُسَلَّمُ عَلَيْهِ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فَيَكُونُ في الإتْيانِ بِالواوِ بَيانٌ لِعَدَمِ الِاخْتِصاصِ، وإثْباتِ المُشارَكَةِ، وفي حَذْفِها إشْعارٌ بِأنَّ المُسَلِّمَ أحَقُّ بِهِ وأوْلى مِنَ المُسَلَّمِ عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ الإتْيانُ بِالواوِ هو الصَّوابَ وهو أحْسَنُ مِن حَذْفِها، كَما رَواهُ مالك وغَيْرُهُ، ولَكِنْ قَدْ فُسِّرَ السّامُ بِالسَّآمَةِ، وهي المَلالَةُ وسَآمَةُ الدِّينِ، قالُوا: وعَلى هَذا فالوَجْهُ حَذْفُ الواوِ ولا بُدَّ، ولَكِنَّ هَذا خِلافُ المَعْرُوفِ مِن هَذِهِ اللَّفْظَةِ في اللُّغَةِ؛ ولِهَذا جاءَ في الحَدِيثِ «إنَّ الحَبَّةَ السَّوْداءَ شِفاءٌ مِن كُلِّ داءٍ إلّا السّامَ» ولا يَخْتَلِفُونَ أنَّهُ المَوْتُ.

وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُتَحَذْلِقِينَ إلى أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمُ السَّلامَ بِكَسْرِ السِّينِ، وهي الحِجارَةُ، جَمْعُ سَلِمَةٍ، ورَدُّ هَذا الرَّدِّ مُتَعَيِّنٌ.

[فَصْلٌ: في هَدْيِهِ ﷺ في السَّلامِ عَلى أهْلِ الكِتابِ]

صَحَّ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ قالَ:

«لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ، وإذا لَقِيتُمُوهم في الطَّرِيقِ فاضْطَرُّوهم إلى أضْيَقِ الطَّرِيقِ»

لَكِنْ قَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا كانَ في قَضِيَّةٍ خاصَّةٍ لَمّا سارُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ قالَ:

«لا تَبْدَءُوهم بِالسَّلامِ»

فَهَلْ هَذا حُكْمٌ عامٌّ لِأهْلِ الذِّمَّةِ مُطْلَقًا، أوْ يَخْتَصُّ بِمَن كانَتْ حالُهُ بِمِثْلِ حالِ أُولَئِكَ؟ هَذا مَوْضِعُ نَظَرٍ، ولَكِنْ قَدْ رَوى مسلم في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ:

«لا تَبْدَءُوا اليَهُودَ ولا النَّصارى بِالسَّلامِ، وإذا لَقِيتُمْ أحَدَهم في الطَّرِيقِ فاضْطَرُّوهُ إلى أضْيَقِهِ»

والظّاهِرُ أنَّ هَذا حُكْمٌ عامٌّ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ والخَلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ أكْثَرُهُمْ: لا يُبْدَءُونَ بِالسَّلامِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى جَوازِ ابْتِدائِهِمْ كَما يُرَدُّ عَلَيْهِمْ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبي أمامة، وابن محيريز، وهو وجْهٌ في مَذْهَبِ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ صاحِبُ هَذا الوَجْهِ قالَ: يُقالُ لَهُ: السَّلامُ عَلَيْكَ فَقَطْ بِدُونِ ذِكْرِ الرَّحْمَةِ، وبِلَفْظِ الإفْرادِ، وقالَتْ طائِفَةٌ: يَجُوزُ الِابْتِداءُ لِمَصْلَحَةٍ راجِحَةٍ مِن حاجَةٍ تَكُونُ لَهُ إلَيْهِ، أوْ خَوْفٍ مِن أذاهُ، أوْ لِقَرابَةٍ بَيْنَهُما، أوْ لِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ، يُرْوى ذَلِكَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، وعلقمة.

وَقالَ الأوْزاعِيُّ: إنْ سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمَ الصّالِحُونَ، وإنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكَ الصّالِحُونَ.

واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ، فالجُمْهُورُ عَلى وُجُوبِهِ، وهو الصَّوابُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: لا يَجِبُ الرَّدُّ عَلَيْهِمْ، كَما لا يَجِبُ عَلى أهْلِ البِدَعِ وأوْلى، والصَّوابُ الأوَّلُ، والفَرْقُ أنّا مَأْمُورُونَ بِهَجْرِ أهْلِ البِدَعِ تَعْزِيرًا لَهم وتَحْذِيرًا مِنهُمْ، بِخِلافِ أهْلِ الذِّمَّةِ.

وَثَبَتَ عَنْهُ ﷺ أنَّهُ «مَرَّ عَلى مَجْلِسٍ فِيهِ أخْلاطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، والمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأوْثانِ، واليَهُودِ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ».

وَصَحَّ عَنْهُ «أنَّهُ كَتَبَ إلى هرقل وغَيْرِهِ (السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى)»

51:26Page 521

فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦

Then he went to his family and came with a fat [roasted] calf.

السادس: أنه راغ إلى أهله ليحييهم بنزلهم.

والروغان هو الذهاب في اختفاء بحيث يكاد لا يشعر به. وهذا من كرم رب المنزل المضيّف: أن يذهب في اختفاء بحيث لا يشعر به الضيف، فيشق عليه ويستحي. فلا يشعر به إلا وقد جاءه بالطعام، بخلاف من يسمع ضيفه وهو يقول له، أو لمن حضر: مكانكم حتى آتيكم بالطعام، ونحو ذلك مما يوجب حياء الضيف واحتشامه.

السابع: أنه ذهب إلى أهله، فجاء بالضيافة.

فدل على أن ذلك كان معدا عندهم مهيئا للضيفان. ولم يحتج أن يذهب إلى غيرهم من جيرانه، أو غيرهم فيشتريه، أو يستقرضه.

الثامن: قوله: «فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ» يدل على خدمته للضيف بنفسه.

ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء به بنفسه، ولم يبعثه مع خادمه.

وهذا أبلغ في إكرام الضيف.

التاسع: أنه جاء بعجل كامل، ولم يأت ببضعة منه.

وهذا من تمام كرمه ﷺ.

العاشر: أنه سمين لا هزيل. فمعلوم أن ذلك من أفخر أموالهم، ومثله يتخذ للاقتناء والتربية، فآثر به ضيفانه.

51:27Page 521

فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧

And placed it near them; he said, "Will you not eat?"

الحادي عشر: أنه قربه إليهم بنفسه، ولم يأمر خادمه بذلك.

الثاني عشر: أنه قربه إليهم، ولم يقربهم إليه.

وهذا أبلغ في الكرامة. أن تجلس الضيف ثم تقرب الطعام إليه، وتحمله إلى حضرته، ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه.

الثالث عشر: أنه قال: «ألا تأكلون؟»

وهذا عرض وتلطف في القول، وهو أحسن من قوله: كلوا، أو مدوا أيديكم ونحوها.

وهذا مما يعلم الناس بعقولهم حسنه ولطفه.

ولهذا يقولون: بسم الله: أو ألا تتصدق؟ أو ألا تجبر؟ ونحو ذلك.

الرابع عشر: أنه إنما عرض عليهم الأكل لأنه رآهم لا يأكلون، ولم يكن ضيوفه يحتاجون معه إلى الإذن في الأكل، بل كان إذا قدم إليهم الطعام أكلوا وهؤلاء الضيوف لما امتنعوا من الأكل قال لهم «ألا تأكلون؟»

ولهذا أوجس منهم خيفة، أي أحسها وأضمرها في نفسه، ولم يبدها لهم. وهو:

الوجه الخامس عشر: فإنهم لما امتنعوا من الأكل لطعامه خاف منهم، ولم يظهر لهم الخوف منهم.

فلما علمت الملائكة منه ذلك قالوا: «لا تخف» وبشروه بالغلام الحليم.

فقد جمعت هذه الآية آداب الضيافة التي هي أشرف الآداب، وما عداها من التكلفات التي هي تخلف وتكلف: إنما هي من أوضاع الناس وعوائدهم.

وكفى بهذه الآداب شرفا وفخرا.

فصلى الله على نبينا وعلى إبراهيم وعلى آلهما، وعلى سائر النبيين.

51:28Page 521

فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨

And he felt from them apprehension.1 They said, "Fear not," and gave him good tidings of a learned boy.

No commentary for this ayah

51:29Page 521

فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩

And his wife approached with a cry [of alarm] and struck her face and said, "[I am] a barren old woman!"

فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها، إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار.

وقوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل: أنا عجوز عقيم، واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره، وأما في سورة هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском