Ibn al-QayyimAdh-Dhariyat · 51:30–55

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Adh-Dhariyat 51:30–55

51:30Page 521

قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠

They said, "Thus has said your Lord; indeed, He is the Wise, the Knowing."

وقوله تعالى ﴿قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ﴾ متضمن لإثبات صفة القول له.

وقوله ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق والأمر، فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته، وكذلك أمره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته.

والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان والجود والبر، ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال وإثبات الثواب والعقاب.

كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسُدى وباطلًا فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب

والعقاب، ولهذا كان أصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.

ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك. وأنه سبحانه يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه.

ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها، كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس.

وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفرًا كبيرًا لما رأيت في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشفاء والهدى وسرعة الإنصاف، وحسن البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له، الصدر ويكثر معه اليقين، بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل.

(لطيفة: في التعبير بلفظ المرأة دون الزوجة)

قال السُّهيْلي: ذكر المَرْأة أليق في هَذِه المَوضِع، لِأنَّهُ في سِياق ذكر الحمل والولادة فَذكر المَرْأة أولى بِهِ، لِأن الصّفة الَّتِي هي الأُنُوثَة هي المُقْتَضِيَة للْحَمْل والوضع، لا من حَيْثُ كانَت زوجا.

قلت: ولَو قيل إن السِّرّ في ذكر المُؤمنِينَ ونِسائِهِمْ بِلَفْظ الأزْواج أن هَذا اللَّفْظ مشْعر بالمشاكلة والمجانسة والاقتران كَما هو المَفْهُوم من لَفظه فَإن الزَّوْجَيْنِ هما الشيئان المتشابهان المتشاكلان أو المتساويان ومِنه قَوْله تَعالى ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]

قالَ عمر بن الخطاب رَضِي الله عَنهُ أزواجهم أشباههم ونظراؤهم.

وَقالَهُ الإمام أحْمد أيْضا.

(فصل)

قال في (زاد المهاجر)

قال الله تعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ، فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾

فعهدي بك إذا قرأت هذه الآية وتطلعت إلى معناها وتدبرتها فإنما تطلع منها على أن الملائكة أتوا إبراهيم في صورة الأضياف يأكلون ويشربون وبشروه بغلام عليم، وإنما امرأته عجبت من ذلك فأخبرتها الملائكة أن الله قال ذلك.

ولم يتجاوز تدبرك غير ذلك.

فاسمع الآن بعض ما في هذه الآيات من أنواع الأسرار.

وكم قد تضمنت من الثناء على إبراهيم

وكيف جمعت الضيافة وحقوقها

وما تضمنت من الرد على أهل الباطل من الفلاسفة والمعطلة

وكيف تضمنت علما عظيمًا من أعلام النبوة

وكيف تضمنت جميع صفات الكمال التي ردها إلى العلم والحكمة

وكيف تضمنت الإخبار عن عدل الرب وانتقامه من الأمم المكذبة

وتضمنت ذكر الإسلام والإيمان والفرق بينهما وتضمنت بقاء آيات الرب الدالة على توحيده وصدق رسله وعلى اليوم الآخر

وتضمنت أنه لا ينتفع بهذا كله إلا من في قلبه خوف من عذاب الآخرة وهم المؤمنون بها

وأما من لا يخاف الآخرة ولا يؤمن بها فلا ينتفع بتلك الآيات

فاسمع الآن بعض تفاصيل هذه الجملة: قال الله تعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾

افتتح سبحانه القصة بصيغة موضوعة للاستفهام، وليس المراد بها حقيقة

الاستفهام، ولهذا قال بعض الناس: إن (هل) في مثل هذا الموضع بمعنى (قد) التي تقتضي التحقيق. ولكن في ورود الكلام في مثل هذا بصيغة الاستفهام سر لطيف، ومعنى بديع، فإن المتكلم إذا أراد أن يخبر المخاطب بأمر عجيب ينبغي الاعتناء به، وإحضار الذهن له صدر له الكلام بأداة الاستفهام لتنبيه سمعه وذهنه للمخبر به، فتارة يصدره بألا، وتارة يصدره بهل، فقول: هل علمت ما كان من كيت وكيت؟ إما مذكرا به، وإما واعظًا له مخوفا، وإما منبها على عظمه ما يخبر به، وإما مقررًا له، فقوله تعالى: ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ و ﴿وَهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ﴾ و ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ الغاشِيَةِ﴾ و ﴿هَلْ أتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْراهِيمَ المُكْرَمِينَ﴾

متضمن لتعظيم هذه القصص والتنبيه على تدبرها ومعرفتها ما تضمنته.

ففيه أمر آخر. وهو التنبيه على أن إتيان هذا إليك علم من أعلام النبوة فإنه من الغيب الذي لا تعمله أنت ولا قومك فهل أتاك من غير إعلامنا وإرسالنا وتعريفنا؟ أم لم يأتك إلا من قبلنا؟ فانظر ظهور هذا الكلام بصيغة الاستفهام، وتأمل عظم موقعه من جميع موارده يشهد أنه من الفصاحة في ذروتها العليا.

وقوله ﴿ضيف إبراهيم المكرمين﴾ متضمن لثنائه على خليله إبراهيم فإن في المكرمين قولين.

أحدهما: إكرام إبراهيم لهم ففيه مدح إبراهيم بإكرام الضيف.

والثاني: انهم مكرمون عند الله كقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ وهو متضمن أيضًا لتعظيم خليله ومدحه، إذ جعل ملائكته المكرمين أضيافًا له، فعلى كلا التقديرين فيه مدح لإبراهيم. وقوله: ﴿فَقالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ﴾ متضمن بمدح آخر لإبراهيم حيث رد عليهم السلام أحسن مما حيوه به، فإن تحيتهم باسم منصوب متضمن لجملة فعلية تقديره: سلمنا عليك سلامًا. وتحية إبراهيم لهم باسم مرفوع متضمن لجملة اسمية تقديره سلام دائم أو ثابت أو مستقر عليكم، ولا ريب أن الجملة الاسمية تقتضي الثبوت واللزوم والفعلية تقتضي التجدد والحدوث فكانت تحية إبراهيم أكمل وأحسن.

ثم قال ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾

وفي هذا من حسن مخاطبة الضيف والتذمم منه وجهان في المدح.

إحداهما: أنه حذف المبتدأ والتقدير: انتم قوم منكرون، فتذمم منهم ولم يواجههم بهذا الخطاب لما فيه من الاستيحاش.

وكان النبي ﷺ لا يواجه أحدا بما يكرهه بل يقول:

" وما بال أقوام يقولون كذا ويفعلون كذا ".

الثاني: قوله ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ فحذف فاعل الإنكار وهو الذي كان أنكرهم كما قال في موضع آخر (نكرهم)

ولا ريب أن قوله (منكرون) ألطف من أن يقول أنكرتكم.

وقوله ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قالَ ألا تَأْكُلُونَ﴾

متضمن وجوها من المدح وآداب الضيافة وإكرام الضيف.

منها قوله: ﴿فَراغَ إلى أهْلِهِ﴾ والروغان الذهاب بسرعة واختفاء وهو يتضمن المبادرة إلى إكرام الضيف، والاختفاء يتضمن ترك تخجيله وألا يعرض للحياء، وهذا بخلاف من يتثاقل ويتبارد على ضيفه ثم يبرز بمرأى منه ويحل صرة النفقة ويزن ما يأخذ، ويتناول الإناء بمرأى منه ونحو ذلك مما يتضمن تخجيل الضيف وحياءه

فلفظة (راغ) تنفي هذين الأمرين.

وفي قوله تعالى: ﴿إلى أهْلِهِ﴾ مدح آخر لما فيه من الإشعار أن كرامة الضيف معدة حاصلة عند أهله، وأنه لا يحتاج أن يستقرض من جيرانه، ولا يذهب إلى غير أهله إذ قرى الضيف حاصل عندهم.

وقوله: ﴿فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ يتضمن ثلاثة أنواع من المدح:

أحدها: خدمة ضيفه بنفسه فإنه لم يرسل به وإنما جاء به بنفسه.

الثاني: أنه جاءهم بحيوان تام لم يأتهم ببعضه. ليتخيروا من أطيب لحمه ما شاءوا.

الثالث: أنه سمين ليس بهمزول، وهذا من نفائس الأموال، ولد البقر السمين فإنهم يعجبون به، فمن كرمه هان عليه ذبحه وإحضاره.

وقوله ﴿إليهم﴾ متضمن المدح وآدابًا أخرى وهو إحضار الطعام إلى بين يدي الضيف، بخلاف من يهيئ الطعام في موضع ثم يقيم ضيفه فيورده عليه.

وقوله ﴿ألا تَأْكُلُونَ﴾ فيه مدح وآداب أخر، فإنه عرض عليهم الأكل بقوله: ﴿ألا تأكلون﴾ وهذه صيغة عرض مؤذنة بالتلطف بخلاف من يقول: ضعوا أيديكم في الطعام، كلوا، تقدموا، ونحو هذا.

وقوله: ﴿فَأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً﴾ لأنه لما رآهم لا يأكلون من طعامه أضمر منهم خوفًا أن يكون معهم شر، فإن الضيف إذا أكل من طعام رب المنزل اطمأن إليه وأنس به، فلما علموا منه ذلك قالوا: ﴿لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ وهذا الغلام اسحق لا إسماعيل، لأن امرأته عجبت من ذلك فقالت: عجوز عقيم، لا يولد لمثلي، فأنى لي بالولد؟ وأما إسماعيل فإنه من سريته هاجر وكان بكره وأول ولده. وقد بين سبحانه هذا في سورة هود في قوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وهذه هي القصة نفسها.

وقوله تعالى: ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها وقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فيه بيان ضعف عقل المرأة وعدم ثباتها، إذ بادرت إلى الندبة فصكت الوجه عند هذا الإخبار.

وقوله: ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ فيه حسن أدب المرأة عند خطاب الرجال واقتصارها من الكلام على ما يتأدى به الحاجة، فإنها حذفت المبتدأ ولم تقل: أنا عجوز عقيم، واقتصرت على ذكر السبب الدال على عدم الولادة لم تذكر غيره، وأما في سورة هود فذكرت السبب المانع منها ومن إبراهيم وصرحت بالعجب.

وقوله تعالى ﴿قالُوا كَذَلِكِ قالَ رَبُّكِ﴾ متضمن لإثبات صفة القول له. وقوله ﴿إنَّهُ هو الحَكِيمُ العَلِيمُ﴾ متضمن لإثبات صفة الحكمة والعلم اللذين هما مصدر الخلق والأمر، فجميع ما خلقه سبحانه صادر عن علمه وحكمته، وكذلك أمره وشرعه مصدره عن علمه وحكمته.

والعلم والحكمة متضمنان لجميع صفات الكمال، فالعلم يتضمن الحياة ولوازم كمالها من القيومية والقدرة والبقاء والسمع والبصر وسائر الصفات التي يستلزمها العلم التام، والحكمة تتضمن كمال الإرادة والعدل والرحمة والإحسان والجود والبر، ووضع الأشياء في مواضعها على أحسن وجوهها، ويتضمن إرسال وإثبات الثواب والعقاب.

كل هذا العلم من اسمه الحكيم كما هي طريقة القرآن في الاستدلال على هذه المطالب العظيمة بصفة الحكمة، والإنكار على من يزعم أنه خلق الخلق عبثا وسُدى وباطلًا فحينئذ صفة حكمته تتضمن الشرع والقدر والثواب والعقاب، ولهذا كان أصح القولين أن المعاد يعلم بالعقل وأن السمع ورد بتفصيل ما يدل العقل على إثباته.

ومن تأمل طريقة القرآن وجدها دالة على ذلك. وأنه سبحانه يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدل على إمكان المعاد تارة ووقوعه أخرى، فيذكر أدلة القدرة الدالة على إمكان المعاد وأدلة الحكمة المستلزمة لوقوعه.

ومن تأمل أدلة المعاد في القرآن وجدها كذلك مغنية بحمد الله عن غيرها، كافية شافية موصلة إلى المطلوب بسرعة، متضمنة للجواب عن الشبه العارضة لكثير من الناس.

وإن ساعد التوفيق كتبت في ذلك سفرًا كبيرًا لما رأيت في الأدلة التي أرشد إليها القرآن من الشفاء والهدى وسرعة الإنصاف، وحسن البيان، والتنبيه على مواضع الشبه والجواب عنها بما ينثلج له، الصدر ويكثر معه اليقين، بخلاف غيره من الأدلة فإنها على العكس من ذلك وليس هذا موضع التفصيل.

والمقصود: أن صدور الخلق والأمر عن علم الرب وحكمته.

واختصت هذه القصة بذكر هذين الاسمين لاقتضائهما لتعجب النفوس من تولد مولود بين أبوين لا يولد لمثلهما عادة، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد وكون الحكمة اقتضت جريان هذه الولادة على غير العادة المعروفة فذكر في الآية اسم العلم والحكمة المتضمن لعلمه سبحانه بسبب هذا الخلق وغايته وحكمته في وضعه موضعه من غير إخلال بموجب الحكمة.

51:31–37Page 522

۞ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١

[Abraham] said, "Then what is your business [here], O messengers?"

قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢

They said, "Indeed, we have been sent to a people of criminals1

لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ ٣٣

To send down upon them stones of clay,

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤

Marked in the presence of your Lord for the transgressors."

فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥

So We brought out whoever was in them [i.e., the cities] of the believers.

فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦

And We found not within them other than a [single] house of Muslims.1

وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧

And We left therein a sign for those who fear the painful punishment.

ثم ذكر سبحانه وتعالى قصة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المسومة عليهم.

وفي هذا ما يتضمن تصديق رسله وإهلاك المكذبين لهم والدلالة على المعاد والثواب والعقاب لوقوعه عيانًا في هذا العالم، وهذا من أعظم الأدلة الدالة على صدق رسله لصحة ما أخبروا به عن ربهم.

ثم قال تعالى: ﴿فَأخْرَجْنا مَن كانَ فِيها مِنَ المُؤْمِنِينَ فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

ففرق بين الإسلام والإيمان هنا لسر اقتضاه الكلام، فإن الإخراج هنا عبارة عن النجاة فهو، إخراج نجاة من العذاب ولا ريب إن هذا مختص بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرا وباطنًا.

وقوله تعالى: ﴿فَما وجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ المُسْلِمِينَ﴾

لما كان الموجودون من المخرجين أوقع اسم الإسلام عليهم لأن امرأة لوط كانت من أهل هذا البيت وهي مسلمة في الظاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجيين.

وقد أخبر سبحانه عن خيانة امرأة لوط، وخيانتها أنها كانت تدل قومها على أضيافه وقلبها معهم، وليست خيانة فاحشة فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا وليست من المؤمنين الناجيين.

ومن وضع دلالة القرآن وألفاظه مواضعها تبين له من أسراره وحكمة ما يبهر العقول ويعلم أنه تنزيل من حكيم حميد.

وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: أن الإسلام أعم من الإيمان فكيف استثناء الأعم من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس وتبين أن المسلمين المستثنين مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه بل هم المخرجون الناجون.

وقوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ العَذابَ الألِيمَ﴾

فيه دليل على أن آيات الله سبحانه وعجائبه التي فعلها في هذا العالم وأبقى آثارها دالة عليه وعلى صدق رسله إنما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله تعالى كما قال الله تعالى في موضع آخر ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾

فإن من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قوم أصابهم الدهر كما أصاب غيرهم ولا زال الدهر فيه الشقاوة والسعادة. وأما من آمن بالآخرة وأشفق منها فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.

والمقصود بهذا إنما هو التنبيه والتمثيل على تفاوت الأفهام في معرفة القرآن واستنباط أسراره وآثار كنوزه ويعتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

51:38Page 522

وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ٣٨

And in Moses [was a sign], when We sent him to Pharaoh with clear authority.1

No commentary for this ayah

51:39Page 522

فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ ٣٩

But he turned away with his supporters and said, "A magician or a madman."

No commentary for this ayah

51:40Page 522

فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ ٤٠

So We took him and his soldiers and cast them into the sea, and he was blameworthy.

No commentary for this ayah

51:41Page 522

وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ ٤١

And in ʿAad [was a sign], when We sent against them the barren wind.1

وهي التي لا تلقح ولا خير فيها، والتي تعقم ما مرت عليه.

51:42Page 522

مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ ٤٢

It left nothing of what it came upon but that it made it like disintegrated ruins.

No commentary for this ayah

51:43Page 522

وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ ٤٣

And in Thamūd, when it was said to them, "Enjoy yourselves for a time."

No commentary for this ayah

51:44Page 522

فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٤٤

But they were insolent toward the command of their Lord, so the thunderbolt seized them while they were looking on.

No commentary for this ayah

51:45Page 522

فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ ٤٥

And they were unable to arise, nor could they defend themselves.

No commentary for this ayah

51:46Page 522

وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ ٤٦

And [We destroyed] the people of Noah before; indeed, they were a people defiantly disobedient.

No commentary for this ayah

51:47Page 522

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ٤٧

And the heaven We constructed with strength,1 and indeed, We are [its] expander.

No commentary for this ayah

51:48Page 522

وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ ٤٨

And the earth We have spread out, and excellent is the preparer.

No commentary for this ayah

51:49Page 522

وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٤٩

And of all things We created two mates [i.e., counterparts]; perhaps you will remember.

No commentary for this ayah

51:50Page 522

فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥٠

So flee to Allāh.1 Indeed, I am to you from Him a clear warner.

والتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه.

وتحت (من) و (إلى) في هذا سر عظيم من أسرار التوحيد، فإن الفرار إليه سبحانه يتضمن إفراده بالطلب والعبودية ولوازمها.

فهو متضمن لتوحيد الإلهية التي اتفقت عليها دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

أما الفرار منه إليه فهو متضمن لتوحيد الربوبية وإثبات القدر، وأن كل ما في الكون من المكروه والمحذور الذي يفر منه العبد فإنما أوجبته مشيئة الله وحده، فإنه ما شاء كان ووجب وجوده بمشيئته، وما لم يشأ لم يكن، وامتنع وجوده لعدم مشيئته. فادا فر العبد إلى الله فإنما يفر من شئ إلى شئ وجد بمشيئة الله وقدره فهو في الحقيقة فار من الله إليه.

ومن تصور هذا حق تصوره فهم معنى قوله ﷺ: " وأعوذ بك منك " وقوله: " لا ملجأ ولا منجى منك ألا إليك "، فإنه ليس في الوجود شئ يفر منه ويستعاذ منه ويلتجأ منه إلا هو من الله خلقًا وإبداعا. فالفار والمستعيذ: فار مما أوجده قدر الله ومشيئته وخلقه إلى ما تقتضيه رحمته وبره ولطفه وإحسانه، ففي الحقيقة هو هارب من الله إليه ومستعيذ بالله منه.

وتصور هذين الأمرين يوجب للعبد انقطاع تعلق قلبه عن غيره بالكلية خوفًا ورجاء ومحبة فإنه إذا علم أن الذي يفر منه ويستعيذ منه إنما هو بمشيئة الله وقدرته وخلقه لم يبق في قلبه خوف من غير خالقه وموجده فتضمن ذلك إفراد الله وحده بالخوف والحب والرجاء، ولو كان فراره مما لم يكن بمشيئة الله وقدرته لكان ذلك موجبًا لخوفه منه، مثل من يفر من مخلوق آخر أقدر منه فإنه في حال فراره من الأول خائف منه حذرا أن لا يكون الثاني يفيده منه بخلاف ما إذا كان الذي يفر إليه هو الذي قضي وقدر وشاء ما يفر منه، فإنه لا يبقى في القلب التفات إلى غيره.

فتفطن إلى هذا السر العجيب في قوله: " أعوذ بك منك " و " لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك " فإن الناس قد ذكروا في هذا أقوالًا وقل من تعرض منهم لهذه النكته التي هي لبّ الكلام ومقصوده وبالله التوفيق.

فتأمل كيف عاد الأمر كله إلى الفرار من الله إليه وهو معنى الهجرة إلى الله تعالى، ولهذا قال النبي ﷺ:

" المهاجر من هجر ما نهى الله عنه ".

ولهذا يقرن الله سبحانه بين الإيمان والهجرة في غير موضع لتلازمهما واقتضاء أحدهما للآخر.

والمقصود أن الهجرة إلى الله تتضمن: هجران ما يكرهه وإتيان ما يحبه ويرضاه، وأصلها الحب والبغض، فان المهاجر من شئ إلى شيء لابد أن

يكون ما هاجر إليه أحب مما هاجر منه، فيؤثر احب الأمرين إليه على الآخر. وإذا كان نفس العبد وهواه وشيطانه إنما يدعوانه إلى خلاف ما يحبه ويرضاه، وقد بلي بهؤلاء الثلاث، فلا يزالون يدعونه إلى غير مرضاة ربه، وداعي الإيمان يدعوه إلى مرضاة ربه فعليه في كل وقت أن يهاجر إلى الله ولا ينفك في هجرته إلى الممات.

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الفِرارِ]

وَمِن مَنازِلِ إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ: مَنزِلَةُ الفِرارِ.

قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾

وَحَقِيقَةُ الفِرارِ: الهَرَبُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، وهو نَوْعانِ: فِرارُ السُّعَداءِ، وفِرارُ الأشْقِياءِ.

فَفِرارُ السُّعَداءِ: الفِرارُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفِرارُ الأشْقِياءِ: الفِرارُ مِنهُ لا إلَيْهِ.

وَأمّا الفِرارُ مِنهُ إلَيْهِ فَفِرارُ أوْلِيائِهِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَفِرُّوا إلى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]: فِرُّوا مِنهُ إلَيْهِ، واعْمَلُوا بِطاعَتِهِ، وقالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: فِرُّوا مِمّا سِوى اللَّهِ إلى اللَّهِ، وقالَ آخَرُونَ: اهْرُبُوا مِن عَذابِ اللَّهِ إلى ثَوابِهِ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.

وَقالَ صاحِبُ المَنازِلِ: هو الهَرَبُ مِمّا لَمْ يَكُنْ إلى مَن لَمْ يَزَلْ، وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ: فِرارُ العامَّةِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ عَقْدًا وسَعْيًا، ومِنَ الكَسَلِ إلى التَّشْمِيرِ جِدًّا وعَزْمًا، ومِنَ الضِّيقِ إلى السَّعَةِ ثِقَةً ورَجاءً.

يُرِيدُ بِ " ما لَمْ يَكُنْ " الخَلْقَ، وبِ " ما لَمْ يَزَلْ " الحَقَّ.

وَقَوْلُهُ: فِرارُ العامَّةِ مِنَ الجَهْلِ إلى العِلْمِ عَقْدًا وسَعْيًا.

الجَهْلُ نَوْعانِ: عَدَمُ العِلْمِ بِالحَقِّ النّافِعِ، وعَدَمُ العَمَلِ بِمُوجَبِهِ ومُقْتَضاهُ، فَكِلاهُما جَهْلٌ لُغَةً وعُرْفًا وشَرْعًا وحَقِيقَةً، قالَ مُوسى ﴿أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧] لَمّا قالَ لَهُ قَوْمُهُ ﴿أتَتَّخِذُنا هُزُوًا﴾

أيْ مِنَ المُسْتَهْزِئِينَ، وقالَ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ ﴿وَإلّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وأكُنْ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ٣٣]

أيْ مِن مُرْتَكِبِي ما حَرَّمْتَ عَلَيْهِمْ.

وَقالَ تَعالى ﴿إنَّما التَّوْبَةُ عَلى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ [النساء: ١٧]

قالَ قَتادَةُ: أجْمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّ كُلَّ ما عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهو جَهالَةٌ، وقالَ غَيْرُهُ: أجْمَعَ الصَّحابَةُ أنَّ كُلَّ مَن عَصى اللَّهَ فَهو جاهِلٌ.

وَقالَ الشّاعِرُ:

؎ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا ∗∗∗ فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا

وَسُمِّيَ عَدَمُ مُراعاةِ العِلْمِ جَهْلًا، إمّا لِأنَّهُ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ، فَنُزِّلَ مَنزِلَةَ الجَهْلِ، وإمّا لِجَهْلِهِ بِسُوءِ ما تَجْنِي عَواقِبُ فِعْلِهِ.

فالفِرارُ المَذْكُورُ هو الفِرارُ مِنَ الجَهْلَيْنِ: مِنَ الجَهْلِ بِالعِلْمِ إلى تَحْصِيلِهِ، اعْتِقادًا ومَعْرِفَةً وبَصِيرَةً، ومِن جَهْلِ العَمَلِ إلى السَّعْيِ النّافِعِ، والعَمَلِ الصّالِحِ قَصْدًا وسَعْيًا.

قَوْلُهُ: ومِنَ الكَسَلِ إلى التَّشْمِيرِ جِدًّا وعَزْمًا.

أيْ يَفِرُّ مِن إجابَةِ داعِي الكَسَلِ إلى داعِي العَمَلِ والتَّشْمِيرِ بِالجِدِّ والِاجْتِهادِ.

والجِدُّ هاهُنا هو صِدْقُ العَمَلِ، وإخْلاصُهُ مِن شَوائِبِ الفُتُورِ، ووُعُودِ التَّسْوِيفِ والتَّهاوُنِ، وهو تَحْتَ السِّينِ وسَوْفَ، وعَسى، ولَعَلَّ، فَهي أضَرُّ شَيْءٍ عَلى العَبْدِ، وهي شَجَرَةٌ ثَمَرُها الخُسْرانُ والنَّداماتُ.

والفَرْقُ بَيْنَ الجِدِّ والعَزْمِ أنَّ العَزْمَ صِدْقُ الإرادَةِ واسْتِجْماعُها، والجِدَّ صِدْقُ العَمَلِ وبَذْلُ الجُهْدِ فِيهِ، وقَدْ أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِتَلَقِّي أوامِرِهِ بِالعَزْمِ والجِدِّ، فَقالَ ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣] وقالَ ﴿وَكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥] وقالَ ﴿يايَحْيى خُذِ الكِتابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] أيْ بِجِدٍّ واجْتِهادٍ وعَزْمٍ، لا كَمَن يَأْخُذُ ما أُمِرَ بِهِ بِتَرَدُّدٍ وفُتُورٍ.

وَقَوْلُهُ: ومِنَ الضِّيقِ إلى السَّعَةِ ثِقَةً ورَجاءً.

يُرِيدُ هُرُوبَ العَبْدِ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ بِالهُمُومِ والغُمُومِ والأحْزانِ والمَخاوِفِ الَّتِي تَعْتَرِيهِ في هَذِهِ الدّارِ مِن جِهَةِ نَفْسِهِ، وما هو خارِجٌ عَنْ نَفْسِهِ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِأسْبابِ مَصالِحِهِ، ومَصالِحِ مَن يَتَعَلَّقُ بِهِ، وما يَتَعَلَّقُ بِمالِهِ وبَدَنِهِ وأهْلِهِ وعَدُوِّهِ، يَهْرُبُ مِن ضِيقِ صَدْرِهِ بِذَلِكَ كُلِّهِ إلى سَعَةِ فَضاءِ الثِّقَةِ بِاللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى، وصِدْقِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، وحُسْنِ الرَّجاءِ لِجَمِيلِ صُنْعِهِ بِهِ، وتَوَقُّعِ المَرْجُوِّ مِن لُطْفِهِ وبِرِّهِ، ومِن أحْسَنِ كَلامِ العامَّةِ قَوْلُهُمْ: لا هَمَّ مَعَ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ويَرْزُقْهُ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢]

قالَ الرَّبِيعُ بْنُ خُثَيْمٍ: يَجْعَلُ لَهُ مَخْرَجًا مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: مَخْرَجًا مِن كُلِّ شِدَّةٍ، وهَذا جامِعٌ لِشَدائِدِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَضايِقِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَإنَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لِلْمُتَّقِي مِن كُلِّ ما ضاقَ عَلى النّاسِ واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ مَخْرَجًا.

وَقالَ الحَسَنُ: مَخْرَجًا مِمّا نَهاهُ عَنْهُ، ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ فَهو حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣] أيْ كافِي مَن يَثِقُ بِهِ في نَوائِبِهِ ومُهِمّاتِهِ، يَكْفِيهِ كُلَّ ما أهَمَّهُ، والحَسْبُ الكافِي ﴿حَسْبُنا اللَّهُ﴾ كافِينا اللَّهُ.

وَكُلَّما كانَ العَبْدُ حَسَنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ، حَسَنَ الرَّجاءِ لَهُ، صادِقَ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، فَإنَّ اللَّهَ لا يُخَيِّبُ أمَلَهُ فِيهِ ألْبَتَّةَ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ لا يُخَيِّبُ أمَلَ آمِلٍ، ولا يُضَيِّعُ عَمَلَ عامِلٍ، وعَبَّرَ عَنِ الثِّقَةِ وحُسْنِ الظَّنِّ بِالسَّعَةِ، فَإنَّهُ لا أشْرَحَ لِلصَّدْرِ، ولا أوْسَعَ لَهُ بَعْدَ الإيمانِ مِن ثِقَتِهِ بِاللَّهِ ورَجائِهِ لَهُ وحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ.

(فَصْلٌ)

قالَ: وفِرارُ الخاصَّةِ مِنَ الخَبَرِ إلى الشُّهُودِ، ومِنَ الرُّسُومِ إلى الأُصُولِ، ومِنَ الحُظُوظِ إلى التَّجْرِيدِ.

يَعْنِي أنَّهم لا يَرْضَوْنَ أنْ يَكُونَ إيمانُهم عَنْ مُجَرَّدِ خَبَرٍ، حَتّى يَتَرَقَّوْا مِنهُ إلى مُشاهَدَةِ المُخْبَرِ عَنْهُ، فَيَطْلُبُونَ التَّرَقِّيَ مِن عِلْمِ اليَقِينِ بِالخَبَرِ، إلى عَيْنِ اليَقِينِ بِالشُّهُودِ كَما طَلَبَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ مِن رَبِّهِ إذْ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى قالَ أوَلَمْ تُؤْمِن قالَ بَلى ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] فَطَلَبَ إبْراهِيمُ أنْ يَكُونَ اليَقِينُ عِيانًا، والمَعْلُومُ مُشاهَدًا، وهَذا هو المَعْنى الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالشَّكِّ في قَوْلِهِ: «نَحْنُ أحَقُّ بِالشَّكِّ مِن إبْراهِيمَ» حَيْثُ قالَ ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠]

وَهُوَ ﷺ لَمْ يَشُكَّ ولا إبْراهِيمُ، حاشاهُما مِن ذَلِكَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنْ هَذا المَعْنى بِهَذِهِ العِبارَةِ.

هَذا أحَدُ الأقْوالِ في الحَدِيثِ.

وَفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ: أنَّهُ عَلى وجْهِ النَّفْيِ، أيْ لَمْ يَشُكَّ إبْراهِيمُ حَيْثُ قالَ ما قالَ، ولَمْ نَشُكَّ نَحْنُ، وهَذا القَوْلُ صَحِيحٌ أيْضًا أيْ لَوْ كانَ ما طَلَبَهُ لِلشَّكِّ لَكُنّا نَحْنُ أحَقَّ بِهِ مِنهُ، لَكِنْ لَمْ يَطْلُبْ ما طَلَبَ شَكًّا، وإنَّما طَلَبَ ما طَلَبَهُ طُمَأْنِينَةً.

فالمَراتِبُ ثَلاثٌ، عِلْمُ يَقِينٍ يَحْصُلُ عَنِ الخَبَرِ، ثُمَّ تَتَجَلّى حَقِيقَةُ المُخْبَرِ عَنْهُ لِلْقَلْبِ أوِ البَصَرِ، حَتّى يَصِيرَ العِلْمُ بِهِ عَيْنَ يَقِينٍ، ثُمَّ يُباشِرُهُ ويُلابِسُهُ فَيَصِيرُ حَقَّ يَقِينٍ، فَعِلْمُنا بِالجَنَّةِ والنّارِ الآنَ عِلْمُ يَقِينٍ، فَإذا أُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ في المَوْقِفِ، وبُرِّزَتِ الجَحِيمُ لِلْغاوِينَ، وشاهَدُوهُما عِيانًا، كانَ ذَلِكَ عَيْنَ يَقِينٍ، كَما قالَ تَعالى ﴿لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ - ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ اليَقِينِ﴾ [التكاثر: ٦-٧]

فَإذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، فَذَلِكَ حَقُّ اليَقِينِ، وسَنَزِيدُ ذَلِكَ إيضاحًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى إذا انْتَهَيْنا إلَيْهِ.

(فَصْلٌ)

قالَ: وفِرارُ خاصَّةِ الخاصَّةِ مِمّا دُونَ الحَقِّ إلى الحَقِّ، ثُمَّ مِن شُهُودِ الفِرارِ إلى الحَقِّ، ثُمَّ الفِرارُ مِن شُهُودِ الفِرارِ.

هَذا عَلى قاعِدَتِهِ في جَعْلِ الفَناءِ عَنِ الشُّهُودِ غايَةَ السّالِكِينَ، فَيَفِرُّ أوَّلًا مِنَ الخَلْقِ إلى الحَقِّ، ويَشْهَدُ بِهَذا الفِرارِ انْفِرادَ مَشْهُودِهِ الَّذِي فَرَّ إلَيْهِ، لَكِنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيَّةٌ، وهي شُهُودُ فِرارِهِ.

فَيَعْدِلُهُ إحْساسًا بِالخَلْقِ، فَيَفِرُّ ثانِيًا مِن شُهُودِ فِرارِهِ، فَتَنْقَطِعُ النِّسَبُ كُلُّها بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَلْقِ بِهَذا الفِرارِ الثّانِي، فَلا يَبْقى فِيهِ بَقِيَّةٌ إلّا مُلاحَظَةُ فِرارِهِ مِن شُهُودِ فِرارِهِ، فَيَفِرُّ مِن شُهُودِ الفِرارِ، فَتَنْقَطِعُ حِينَئِذٍ النِّسَبُ كُلُّها.

وَقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى هَذا، وأنَّهُ لَيْسَ أعْلى المَقاماتِ والرُّتَبِ، ولا هو غايَةُ الكَمالِ، وأنَّ فَوْقَهُ ما هو أعْلى مِنهُ مَقامًا، وأشْرَفُ مَنزِلًا، وهو أنْ يَشْهَدَ فِرارَهُ، وأنَّهُ بِاللَّهِ مِنَ اللَّهِ إلى اللَّهِ، فَيَشْهَدُ أنَّهُ فَرَّ بِهِ مِنهُ إلَيْهِ، ويُعْطِي كُلَّ مَشْهَدٍ حَقَّهُ مِنَ العُبُودِيَّةِ، وهَذا حالُ الكُمَّلِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.

51:51Page 522

وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٥١

And do not make [as equal] with Allāh another deity. Indeed, I am to you from Him a clear warner.

No commentary for this ayah

51:52Page 523

كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ ٥٢

Similarly, there came not to those before them any messenger except that they said, "A magician or a madman."

No commentary for this ayah

51:53Page 523

أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ ٥٣

Did they suggest it to them?1 Rather, they [themselves] are a transgressing people.

No commentary for this ayah

51:54Page 523

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ ٥٤

So leave them, [O Muḥammad], for you are not to be blamed.

No commentary for this ayah

51:55Page 523

وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥

And remind, for indeed, the reminder benefits the believers.

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском