Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
An-Najm 53:39–58, continued
[فصل: الرد على جواز إهداء ثواب الواجبات]
وأما قولكم لو ساغ الإهداء لساغ إهداء ثواب الواجبات التي تجب على الحي، فالجواب أن هذا الإلزام محال على أصل من شرط في الوصول نية الفعل عن الميت، فإن الواجب لا يصح أن يفعله عن الغير، فإن هذا واجب على الفاعل يجب عليه أن ينوي به القربة إلى اللّه.
وأما من لم يشترط نية الفعل عن الغير، فهل يسوغ عنده أن يجعل للميت ثواب فرض من فروضه؟ فيه وجهان قال أبو عبد اللّه بن حمدان، وقيل: إن جعل له ثواب فرض من الصلاة أو صوم وغيرهما جاز وأجزأ فاعله.
قلت: وقد نقل عن جماعة أنهم جعلوا ثواب أعمالهم من فرض ونقل للمسلمين وقالوا: نلقى اللّه بالفقر والإفلاس المجرد والشريعة لا تمنع من ذلك، فالأجر ملك العامل، فإن شاء اللّه أن يجعله لغيره فلا حجر عليه في ذلك واللّه أعلم.
[فصل: الرد على القول أن التكاليف امتحان وابتلاء]
وأما قولكم إن التكاليف امتحان وابتلاء لا تقبل البدن إذ المقصود منها عين المكلف العامل إلى آخره.
فالجواب عنه أن ذلك لا يمنع إذن الشارع للمسلم أن ينفع أخاه بشيء من عمله، بل هذا من تمام إحسان الرب ورحمته لعباده، ومن كمال هذه الشريعة التي شرعها لهم التي مبناها على العدل والإحسان والتعارف، والرب تعالى أقام ملائكته وحملة عرشه يدعون لعباده المؤمنين ويستغفرون لهم ويسألونه لهم أن يقيهم السيئات، وأمر خاتم رسله أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويقيمه يوم القيامة مقاما محمودا ليشفع في العصاة من أتباعه وأهل سنته، وقد أمره تعالى أن يصلي على أصحابه في حياتهم وبعد مماتهم، وكان يقوم على قبورهم فيدعو لهم.
وقد استقرت الشريعة على أن المأثم الذي على الجميع بترك فروض الكفايات يسقط إذا فعله من يحصل المقصود بفعله ولو واحد. وأسقط سبحانه الارتهان وحرارة الجلود في القبر بضمان الحي دين الميت وأدائه عنه، وإن كان ذلك الوجوب امتحانا في حق المكلف، وأذن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الحج والصيام عن الميت، وإن كان الوجوب امتحانا في حقه. وأسقط عن المأموم سجود السهو بصحة صلاة الإمام وخلوها من السهو، وقراءة الفاتحة بتحمل الإمام لها، فهو يتحمل عن المأموم سهوه وقراءته وسترته لقراءة الإمام وسترته قراءة لمن خلفه وسترة له، وهل الإحسان إلى المكلف بإهداء الثواب إليه إلا تأس بإحسان الرب تعالى واللّه يحب المحسنين.
والخلق عباد اللّه، فأحبهم إليه أنفعهم لعياله، وإذ كان سبحانه يحب من ينفع عياله بشربة ماء ومذقة لبن وكسرة خبز فكيف من ينفعهم في حال ضعفهم وفقرهم وانقطاع أعمالهم وحاجتهم إلى شيء يهدى إليهم وأحوج ما كانوا إليه، فأحب الخلق إلى اللّه ما ينفع عياله في هذه الحال.
ولهذا جاء أثر عن بعض السلف أنه من قال كل يوم سبعين مرة: رب اغفر لي ولوالدي وللمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات حصل له من الأجر بعدد كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ولا تستبعد هذا فإنه إذا استغفر لإخوانه فقد أحسن إليهم واللّه لا يضيع أجر المحسنين.
[فصل: الرد على القول بأنه لو نفعه العمل لنفعته التوبة]
وأما قولكم إنه لو نفعه عمل غيره لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه.
فهذه الشبهة تورد على صورتين:
١ - صورة تلازم يدعى فيها اللزوم بين الأمرين، ثم يبين انتفاء اللازم فينتفي ملزومه، وصورتها هكذا: لو نفعه عمل الغير عنه إسلامه وتوبته عنه لكن لا ينفعه ذلك فلا ينفعه عمل الغير.
٢ - والصورة الثانية: أن يقال: لا ينتفع بإسلام الغير وتوبته عنه فلا ينتفع بصلاته وصيامه وقراءته عنه.
ومعلوم أن هذا التلازم والإقران باطل قطعا.
أما أولا: فلأنه قياس مصادم لما تظاهرت به النصوص واجتمعت عليه الأمة.
أما ثانيا: فلأنه جمع بين ما فرق اللّه بينه، فإن اللّه سبحانه فرق بين إسلام المرء عن غيره وبين صدقته وحجه وعتقه عنه، فالقياس المسوى بينهما من جنس قياس الذين قاسوا الميتة على المذكى والربا على البيع.
وأما ثالثا: فإن اللّه سبحانه جعل الإسلام سببا لنفع المسلمين بعضهم بعضا في الحياة وبعد الموت، فإذا لم يأت بسبب انتفاعه بعمل المسلمين لم يحصل له ذلك النفع، كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لعمرو: «إن أباك لو كان أقر بالتوحيد فصمت أو تصدقت عنه نفعه ذلك».
وهذا كما جعل سبحانه الإسلام سببا لانتفاع العبد مما عمل من خير. فإذا فاته هذا السبب لم ينفعه خير عمله ولم يقبل منه، كما جعل الإخلاص والمتابعة سببا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تقبل الأعمال، وكما جعل سائر شروط الصلاة سببا لصحتها، فإذا فقدت فقدت الصحة، وهذا شأن سائر الأسباب مع مسبباتها الشرعية والعقلية والحسية، فمن سوى بين محالين وجود السبب وعدمه فهو مبطل.
ونظير هذا الهوس أن يقال: لو قبلت الشفاعة في العصاة لقبلت في المشركين. ولو خرج أهل الكبائر من الموحدين من النار لخرج الكفار منها، وأمثال ذلك من الأقيسة التي هي من نجاسات معد أصحابها ورجيع أفواههم.
وبالجملة: فالأولى بأهل العلم الإعراض عن الاشتغال بدفع هذه الهذيانات لو لا أنهم قد سودوا بهما صحف الأعمال والصحف التي بين الناس.
[فصل: الرد على القول بأن العبادات نوعان]
وأما قولكم العبادات نوعان:
نوع تدخله النيابة فيصل ثواب إهدائه إلى الميت، ونوع لا تدخله فلا يصل ثوابه.
فهذا هو نفس المذهب والدعوى، فكيف تحتجون به، ومن أين لكم هذا الفرق؟ فأي كتاب أم أي سنة، أم أي اعتبار دل عليه حتى يجب المصير إليه.
وقد شرع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم الصوم عن الميت مع أن الصوم لا تدخله النيابة وشرع للأمة أن ينوب بعضهم عن بعض في أداء فرض الكفاية، فإذا فعله واحد تاب عن الباقين في فعله وسقط عنهم المأثم، وشرع لقيم الطفل الذي لا يعقل أن ينوب عنه في الإحرام وأفعال المناسك وحكم له بفعل نائبه.
وقد قال أبو حنيفة رحمه اللّه: يحرم الرفقة عن المغمى عليه، فجعلوا إحرام رفقته بمنزلة إحرامه. وجعل الشارع إسلام الأبوين بمنزلة إسلام أطفالهما، وكذلك إسلام السابي والمالك على القول المنصوص، فقد رأيت كيف عدت هذه الشريعة الكاملة أفعال البر من فاعلها إلى غيرهم، فكيف يليق بها أن تحتجر على العبد أن ينفع والديه ورحمة إخوانه من المسلمين في أعظم أوقات حاجاتهم بشيء من الخير والبر يفعله ويجعل ثوابه لهم، وكيف يتحجر العبد واسعا أو يحجر على من لم يحجر عليه الشارع في ثواب عمله أو يصرف منه ما شاء من المسلمين.
والذي أوصل ثواب الحج والصدقة والعتق هو بعينه الذي يوصل ثواب الصيام والصلاة والقراءة والاعتكاف، وهو إسلام المهدى إليه وتبرع المهدي وإحسانه وعدم حجر الشارع عليه في الإحسان، بل ندبه إلى الإحسان بكل طريق، وقد تواطأت رؤيا المؤمنين وتواترت أعظم تواتر على إخبار الأموات لهم بوصول ما يهدونه إليهم من قراءة وصلاة وصدقة وحج وغيره، ولو ذكرنا ما حكي لنا من أهل عصرنا وما بلغنا عمن قبلها من ذلك لطال جدا.
وقال قال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر «١»»
فاعتبر صلى اللّه عليه وآله وسلم تواطؤ رؤيا المؤمنين وهذا كما يعتبر تواطؤ روايتهم لما شاهدوه، فهم لا يكذبون في روايتهم ولا في رؤياهم إذا تواطأت.
[فصل: من مات وعليه صيام]
وأما رد حديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم وهو قوله: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، بتلك الوجوه التي ذكرتموها، فنحن ننتصر لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، ونبين موافقته للصحيح من تلك الوجوه، وأما الباطل فيكفينا بطلانه من معارضته للحديث الصحيح الصريح الذي لا تغمز قناته، ولا سبيل إلى مقابلته إلا بالسمع والطاعة والإذعان والقبول، وليس لنا بعده الخيرة، بل الخيرة وكل الخيرة في التسليم له والقول به ولو خالفه من بين المشرق والمغرب.
فأما قولكم: نرده بقول مالك في موطئه: لا يصوم أحد عن أحد. فمنازعوكم يقولون: بل نرد قول مالك هذا بقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، فأي الفريقين أحق بالصواب وأحسن ردا.
وأما قوله: وهو أمر مجمع عليه عندنا لا خلاف فيه. فمالك رحمه اللّه لم يحك إجماع الأمة من شرق الأرض وغربها، وإنما حكم قول أهل المدينة فيما بلغه، ولم يبلغه خلاف بينهم، وعدم اطلاعه رحمه اللّه على الخلاف في ذلك لا يكون مسقطا لحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، بل لو أجمع عليه أهل المدينة كلهم لكان الأخذ بحديث المعصوم أولى من الأخذ بقول أهل المدينة الذين لم تضمن لنا العصمة في قولهم دون الأمة، ولم يجعل اللّه ورسوله أقوالهم حجة يجب الرد عند التنازع إليها، بل قال اللّه تعالى: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْ ءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.
وإن كان مالك وأهل المدينة قد قالوا: لا يصوم أحد عن أحد، فقد روى الحكم بن عيينة وسلمة بن كهيل عن سعد بن جبير عن ابن عباس أنه أفتى في قضاء رمضان أن يطعم عنه وفي النذر يصام عنه.
وهذا مذهب الإمام أحمد وكثير من أهل الحديث وهو قول أبي عبيد، وقال أبو ثور: يصام عنه النذر وغيره، وقال الحسن بن صالح في النذر: يصوم.
[فصل: قول ابن عباس في حديث الصوم]
وأما قولكم أن ابن عباس هو راوي حديث الصوم عن الميت، وقد قال: لا يصوم أحد عن أحد، فغاية هذا أن يكون الصحابي قد أفتى بخلاف ما رواه، وهذا لا يقدح في روايته، فإن روايته معصومة وفتواه غير معصومة، ويجوز أن يكون نسي الحديث أو تأوله أو اعتقد له معارضا راجحا في ظنه أو لغير ذلك من الأسباب.
على أن فتوى ابن عباس غير معارضة للحديث، فإنه أفتى في رمضان أن لا يصوم أحد عن أحد، وأفتى في النذر أنه يصام عنه. وليس هذا بمخالف لروايته بل حمل الحديث على النذر.
ثم إن حديث: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه»، هو ثابت من رواية عائشة رضي اللّه عنها، فهب أن ابن عباس خالفه فكان ما ذا؟ فخلاف ابن عباس لا يقدح في رواية أم المؤمنين، بل رد قول ابن عباس برواية عائشة رضي اللّه عنها أولى من رد روايتها بقوله.
وأيضا فإن ابن عباس رضي اللّه عنهما قد اختلف عنه في ذلك، وعنه روايتان، فليس إسقاط الحديث للرواية المخالفة له عنه أولى من إسقاطها بالرواية الأخرى بالحديث.
[فصل: الزعم أن الحديث اختلف في إسناده]
وأما قولكم أنه حديث اختلف في إسناده فكلام مجازف لا يقبل قوله، فالحديث صحيح ثابت متفق على صحته رواه صاحبا الصحيح، ولم يختلف في إسناده.
قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه». وصححه الإمام أحمد وذهب إليه وعلق الشافعي القول به على صحته، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في الصوم عن الميت شيء، فإن كان ثابتا صيم عنه كما يحج عنه. وقد ثبت بلا شك، فهو مذهب الشافعي، كذلك قال غير واحد من أئمة أصحابه، قال البيهقي بعد حكايته هذا اللفظ عن الشافعي: قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء، وعن عكرمة عن ابن عباس، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم: «صومي عن أمك» وسيأتي تقرير ذلك عند الجواب عن كلامه رحمه اللّه.
وقولكم أنه معارض بنص القرآن وهو قوله: وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى}
إساءة أدب في اللفظ وخطأ عظيم في المعنى، وقد أعاذ اللّه رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم أن تعارض سنته نصوص القرآن، بل تعاضدها وتؤيدها، وباللّه ما يصنع التعصب ونصرة التقليد.
وقد تقدم من الكلام على الآية ما فيه كفاية، وبينا أنها لا تعارض بينها وبين سنة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بوجه، وإنما يظن التعارض من سوى الفهم، وهذه طريقة وخيمة ذميمة وهي رد السنن الثابتة بما يفهم من ظاهر القرآن، والعلم كل العلم تنزيل السنن على القرآن، فإنها مشقة منه، ومأخوذة عمن جاء به، وهي بيان له لا أنها مناقضة له.
وقولكم إنه معارض بما رواه النسائي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولكن يطعم عنه كل يوم مد من حنطة».
فخطأ قبيح، فإن النسائي رواه هكذا (أخبرنا) محمد بن عبد الأعلى، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا حجاج الأحول، حدثنا أيوب بن موسى عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: «لا يصلي أحد عن أحد، ولا يصوم أحد عن أحد، ولكن يطعم عنه مكان كل يوم مد من حنطة». هكذا رواه قول ابن عباس لا قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بقول ابن عباس، ثم يقدم عليه مع ثبوت الخلاف عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ورسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يقل هذا الكلام قط وكيف يقوله.
وقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» وكيف يقوله وقد قال في حديث بريدة الذي رواه مسلم في صحيحه أن امرأة قالت له: أمي ماتت وعليها صوم شهر؟ قال: «صومي عن أمك».
وأما قولكم أنه معارض بحديث ابن عمر رضي اللّه عنهما، من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه. فمن هذا النمط فإنه حديث باطل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم.
قال البيهقي: حديث محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «من مات وعليه صوم رمضان يطعم عنه». لا يصح، ومحمد بن الرحمن كثير الوهم، وإنما رواه أصحاب نافع عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما من قوله.
وأما قولكم أنه معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة فإن أحدا لا يفعلها عن أحد.
فلعمر اللّه أنه لقياس جلي البطلان والفساد لرد سنّة رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم الصحيحة الصريحة له وشهادتها ببطلانه، وقد أوضحنا الفرق بين قبول الإسلام عن الكافر بعد موته، وبين انتفاع المسلم بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب صيام أو صدقة أو صلاة، ولعمر اللّه أن الفرق بينهما أوضح من أن يخفى، وهل في القياس أفسد من قياس انتفاع المسلم بعد موته بما يهديه إليه أخوه المسلم من ثواب عمله على قبول الإسلام عن الكافر بعد موته أو قبول التوبة عن المجرم بعد موته.
[فصل: جواز القضاء عن الميت]
وأما كلام الشافعي رحمه اللّه في تغليط راوي حديث ابن عباس رضي اللّه عنهما أن نذر أم سعد كان صوما، فقد أجاب عنه أنصر الناس له هو البيهقي، ونحن نذكر كلامه بلفظه.
قال في (كتاب المعرفة) بعد أن حكى كلامه:
قد ثبت جواز القضاء عن الميت برواية سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، وفي رواية أكثرهم أن امرأة سألت فأشبه أن تكون غير قصة أم سعد، وفي رواية بعضهم:
«صومي عن أمك»
قال: وتشهد له بالصحة رواية عبد اللّه بن عطاء المدني قال: حدثني عبد اللّه بن بريدة الأسلمي عن أبيه قال: كنت عند النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فأتته امرأة فقال: يا رسول اللّه إني كنت تصدقت بوليدة على أمي فماتت وبقيت الوليدة قال:
«قد وجب أجرك ورجعت إليك في الميراث»، قالت: فإنها ماتت وعليها صوم شهر؟ قال:
«صومي عن أمك»، قالت: وإنها ماتت ولم تحج؟ قال: «فحجي عن أمك».
رواه مسلم في صحيحه من أوجه عن عبد اللّه بن عطاء. انتهى.
قلت: وقد روى أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فقال: يا رسول اللّه إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «لو كان عليها دين كنت أقاضيه عنها؟»
قال: نعم. قال: «فدين اللّه أحق أن يقضى».
ورواه أبو خيثمة حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا زائدة عن الأعمش. فذكره.
و رواه النسائي عن قتيبة بن سعد حدثنا عبثر عن الأعمش. فذكره.
فهذا غير حديث أم سعد إسنادا ومتنا: فإن قصة أم سعد رواها مالك عن الزهري عن عبيد اللّه بن عبد بن عتبة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن سعد بن عبادة استفتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: إن أمي ماتت وعليها نذر؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم اقضه عنها. هكذا أخرجاه في الصحيحين.
فهب أن هذا هو المحفوظ في هذا الحديث أنه نذر مطلق لم يسم فهل يكون هذا في حديث الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير على أن ترك استفصال النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم لسعد في النذر هل كان صلاة أو صدقة أو صياما مع أن الناذر قد ينذر هذا.
وهذا يدل على أنه لا فرق بين قضاء نذر الصيام والصلاة وإلا لقال له ما هو النذر فإن النذر إذا انقسم إلى قسمين نذر يقبل القضاء عن الميت ونذر لا يقبله، لم يكن من استفصال.
[فصل: أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت]
ونحن نذكر أقوال أهل العلم في الصوم عن الميت لئلا يتوهم أن في المسألة إجماعا بخلافه.
قال عبد اللّه بن عباس رضي اللّه عنهما: يصام عنه في النذر ويطعم عنه في قضاء رمضان، وهذا مذهب الإمام أحمد.
وقال أبو ثور: يصام عنه في النذر والفرض، وكذلك قال داود بن علي وأصحابه يصام عنه نذرا كان أو فرضا.
وقول الأوزاعي: يجعل وليه مكان الصوم صدقة، فإن لم يجد صام عنه، وهذا قول سفيان في إحدى الروايتين عنه.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: يصام عنه النذر ويطعم عنه في الفرض.
وقال الحسن: إذا كان عليه صيام شهر فصام عنه ثلاثون رجلا يوما واحدا جاز.
[فصل: الرد على القول بأن ثواب النفقة بالحج يصل فقط]
وأما قولكم أنه يصل إليه في الحج ثواب النفقة دون أفعال المناسك فدعوى مجردة بلا برهان السنّة تردها، فإن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: «حج عن أبيك»
وقال للمرأة: «حجي عن أمك»
فأخبر أن الحج نفسه عن الميت، ولم يقل أن الإنفاق هو الذي يقع عنه.
وكذلك قال للذي سمعه يلبي عن شبرمة:
«حج عن نفسك. ثم حج عن شبرمة».
ولما سألته المرأة عن الطفل الذي معها فقالت: ألهذا تحج؟
قال: «نعم»، ولم يقل إنما له ثواب الإنفاق، بل أخبر أن له حجا، مع أنه لم يفعل شيئا، بل وليه ينوب عنه في أفعال المناسك:
ثم إن النائب عن الميت قد لا ينفق شيئا في حجته غير نفقة معلقة، فما الذي يجعل نفقة ثواب نفقة مقامه للمحجوج عنه، وهو لم ينفقها على الحج بل تلك نفقة أقام أو سافر، فهذا القول ترده السنّة والقياس واللّه أعلم.
[فصل: التلفظ بإهداء العمل]
فإن قيل: فهل تشترطون في وصول الثواب أن يهديه بلفظه أم يكفي في وصوله مجرد نية العامل أن يهديها إلى الغير.
قيل السنّة: لم تشترط التلفظ بالإهداء في حديث واحد بل أطلق صلى اللّه عليه وآله وسلم الفعل عن الغير كالصوم والحج والصدقة ولم يقل لفاعل ذلك وقل اللهم هذا عن فلان ابن فلان واللّه سبحانه يعلم نية العبد وقصده بعلمه فإن ذكره جاز وإن ترك ذكره واكتفى بالنية والقصد وصل إليه ولا يحتاج أن يقول اللهم إني صائم غدا عن فلان ابن فلان، ولهذا واللّه أعلم اشترط من اشترط نية الفعل عن الغير قبله ليكون واقعا بالقصد عن الميت.
فأما إذا فعله لنفسه ثم نوى أن يجعل ثوابه للغير لم يصر للغير بمجرد النية كما لو نوى أن يهب أو يعتق أو يتصدق لم يحصل ذلك بمجرد النية.
ومما يوضح ذلك أنه لو بنى مكانا أن يجعله مسجدا أو مدرسة أو ساقية ونحو ذلك صار وقفا بفعله مع النية ولم يحتج إلى لفظ.
وكذلك لو أعطى الفقير مالا بنية الزكاة سقطت عنه الزكاة وإن لم يتلفظ بها.
وكذلك لو أدى عن غيره دينا حيا كان أو ميتا سقط من ذمته وإن لم يقل هذا عن فلان.
فإن قيل: فهل يتعين عليه تعليق الإهداء بأن يقول: اللهم إن كنت قبلت هذا العمل وأثبتني عليه فاجعل ثوابه لفلان أم لا؟
قيل: لا يتعين ذلك لفظا ولا قصدا بل لا فائدة في الشرط فإن اللّه سبحانه إنما يفعل هذا، سواء شرطه أو لم يشرطه. فلو كان سبحانه يفعل غير هذا بدون الشرط كان في الشرط فائدة.
وأما قوله: اللهم إن كنت أثبتني على هذا فاجعل ثوابه لفلان، فهو بناء على أن الثواب يقع للعامل ثم ينتقل منه إلى من أهدى له، وليس كذلك بل إذا قوي حال الفعل أنه عن فلان وقع الثواب أولا عن المعمول له كما لو أعتق عبده عن غيره لا تقول إن الولاء يقع للمعتق ثم ينتقل منه إلى المعتق عنه فهكذا هذا.
وباللّه التوفيق.
فإن قيل: فما الأفضل أنه يهدي إلى الميت؟ قيل: الأفضل ما كان أنفع في نفسه، فالعتق عنه والصدقة أفضل من الصيام عنه، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «أفضل الصدقة سقي الماء» وهذا موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش وإلا فسقي الماء على الأنهار لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان يصدق من الداعي وإخلاص وتضرع فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه، كالصلاة على الجنازة والوقوف لدعاء على قبره.
وبالجملة فأفضل ما يهدي إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار له والدعاء له والحج عنه.
وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعا بغير أجرة فهذا يصل إليه كما يصل ثواب الصوم والحج.
فإن قيل: فهذا لم يكن معروفا في السلف ولا يمكن نقله عن واحد منهم مع شدة حرصها على الخير ولا أرشدهم النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم إليه، وقد أرشدهم إلى الدعاء والاستغفار والصدقة والحج والصيام فلو كان ثواب القراءة يصل لأرشدهم إليه لكانوا يفعلونه.
فالجواب أن مردود هذا السؤال إن كان معترفا بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء والاستغفار.
قيل له ما هذه الخاصية التي منعت وصول ثواب القراءة واقتضت وصول ثواب القرآن واقتضت وصول ثواب هذه الأعمال وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلات، وإن لم يعترف بوصول تلك الأشياء إلى الميت فهو محجوج بالكتاب والسنّة والإجماع وقواعد الشرع.
وأما السبب الذي لأجله لم يظهر ذلك في السلف فهو أنهم لم يكن لهم أوقاف على من يقرأ ويهدي إلى الموتى، ولا كانوا يعرفون ذلك البتة، وكانوا يقصدون القبر للقراءة عنده كما يفعله الناس اليوم، ولا كان أحدهم يشهد من حضره من الناس على أن ثواب هذه القراءة لفلان الميت بل ولا ثواب هذه الصدقة والصوم.
ثم يقال لهذا القائل: لو كلفت أن تنقل عن واحد من السلف أنه قال: اللهم ثواب هذا الصوم لفلان لعجزت، فإن القوم كانوا أحرض شيء على كتمان أعمال البر فلم يكونوا ليشهدوا على اللّه بإيصال ثوابها إلى أمواتهم.
فإن قيل: فرسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أرشدهم إلى الصوم والصدقة والحج دون القراءة.
قيل هو صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يبتدئهم بذلك بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم فهذا سأله عن الحج عن ميتة فأذن له، وهذا سأله عن الصيام عنه فأذن له، وهذا سأله عن الصدقة فأذن له، ولم يمنعهم مما سوى ذلك.
وأي فرق بين وصول ثواب الصوم الذي هو مجرد نية وإمساك بين وصول ثواب القراءة والذكر.
والقائل أن أحدا من السلف لم يفعل ذلك قائل ما لا علم له به، فإن هذه شهادة على نفي ما لم يعلمه، فما يدريه أن السلف كانوا يفعلون ذلك ولا يشهدون من حضرهم عليه، بل يكفي اطلاع علّام الغيوب على نياتهم ومقاصدهم لا سيما والتلفظ بنيّة الإهداء لا يشترط كما تقدم.
وسر المسألة أن الثواب ملك للعامل، فإذا تبرع به وأهداه إلى أخيه المسلم أوصله اللّه إليه، فما الذي خص من هذا ثواب قراءة القرآن، وحجر على العبد أن يوصله إلى أخيه، وهذا عمل سائر الناس حتى المنكر في سائر الأعصار والأمصار من غير نكير من العلماء.
فإن قيل: فما تقولون في الإهداء إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم؟
قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومنهم لم يستحبه ورآه بدعة، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء، لأنه هو الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدى فله من الأجر مثل من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء، وكل هدى وعلم فإنما نالته أمته على يده فله مثل أجر من اتبعه أهداه إليه أو لم يهده.
واللّه أعلم.
الحَقُّ سُبْحانَهُ غايَةُ كُلِّ مَطْلَبٍ ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
وَلَيْسَ وراءَ اللَّهِ مَرْمى، ولا دُونَهُ مُسْتَقَرٌّ، ولا تَقَرُّ العَيْنُ بِغَيْرِهِ ألْبَتَّةَ، وكُلُّ مَطْلُوبٍ سِواهُ فَظِلٌّ زائِلٌ، وخَيالٌ مُفارِقٌ مائِلٌ وإنْ تَمَتَّعَ بِهِ صاحِبُهُ فَمَتاعُ الغُرُورِ.
وقال في (المدارج) أيضا:
والغاياتُ والنِّهاياتُ كُلُّها إلَيْهِ تَنْتَهِي ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
فانْتَهَتْ إلَيْهِ الغاياتُ والنِّهاياتُ. ولَيْسَ لَهُ سُبْحانَهُ غايَةٌ ولا نِهايَةٌ. لا في وُجُودِهِ، ولا في مَزِيدِ جُودِهِ.
إذْ هو الأوَّلُ الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ. والآخِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ. ولا نِهايَةَ لِحَمْدِهِ وعَطائِهِ.
بَلْ كُلَّما ازْدادَ لَهُ العَبْدُ شُكْرًا زادَهُ فَضْلًا. وكُلَّما ازْدادَ لَهُ طاعَةً زادَهُ لِمَجْدِهِ مَثُوبَةً.
وَكُلَّما ازْدادَ مِنهُ قُرْبًا لاحَ لَهُ مِن جَلالِهِ وعَظَمَتِهِ ما لَمْ يُشاهِدْهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَهَكَذا أبَدًا لا يَقِفُ عَلى غايَةٍ ولا نِهايَةٍ.
وَلِهَذا جاءَ أنَّ أهْلَ الجَنَّةِ في مَزِيدٍ دائِمٍ بِلا انْتِهاءٍ فَإنَّ نَعِيمَهم مُتَّصِلٌ مِمَّنْ لا نِهايَةَ لِفَضْلِهِ ولا لِعَطائِهِ، ولا لِمَزِيدِهِ ولا لِأوْصافِهِ. فَتَبارَكَ اللَّهُ ذُو الجَلالِ والإكْرامِ ﴿إنَّ هَذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِن نَفادٍ﴾ [ص: ٥٤].
«يا عِبادِي لَوْ أنَّ أوَّلَكم وآخِرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم قامُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ فَسَألُونِي فَأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسانٍ مَسْألَتَهُ ما نَقَصَ ذَلِكَ مِمّا عِنْدِي إلّا كَما يُنْقِصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحْرَ».
(فائِدَة)
قَول الله تَعالى ﴿وَإن من شَيْء إلّا عندنا خزائنه﴾
مُتَضَمّن لكنز من الكُنُوز وهو أن يطْلب كل شَيْء لا يطْلب إلّا مِمَّن عِنْده خزائنه ومفاتيح تِلْكَ الخزائن بيدَيْهِ وأن طلبه من غَيره طلب مِمَّن لَيْسَ عِنْده ولا يقدر عَلَيْهِ وقَوله ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
مُتَضَمّن لكنز عَظِيم وهو أن كل مُراد إن لم يرد لأجله ويتصل بِهِ، وإلّا فَهو مضمحل مُنْقَطع فَإنَّهُ لَيْسَ إلَيْهِ المُنْتَهى، ولَيْسَ المُنْتَهى إلّا إلى الَّذِي انْتَهَت إلَيْهِ الأُمُور كلها فانتهت إلى خلقه ومشيئته وحكمته وعلمه.
فَهُوَ غايَة كل مَطْلُوب، وكل مَحْبُوب لا يحب لأجله فمحبته عناء وعَذاب.
وكل عمل لا يُراد لأجله فَهو ضائع وباطل، وكل قلب لا يصل إلَيْهِ فَهو شقي مَحْجُوب عَن سعادته وفلاحه.
فاجْتمع ما يُراد مِنهُ كُله في قَوْله ﴿وَإن من شَيْء إلّا عندنا خزائنه﴾
واجْتمعَ ما يُراد لَهُ كُله في قَوْله ﴿وَأنَّ إلى رَبِّكَ المُنْتَهى﴾
فَلَيْسَ وراءه سُبْحانَهُ غايَة تطلب ولَيْسَ دونه غايَة إلَيْها المُنْتَهى.
وَتَحْت هَذا سر عَظِيم من أسرار التَّوْحِيد وهو أن القلب لا يسْتَقرّ ولا يطمئن ويسكن إلّا بالوصول إلَيْهِ.
وكل ما سواهُ مِمّا يحب ويُراد فمراد لغيره، ولَيْسَ المُراد المحبوب لذاته إلّا واحِد إلَيْهِ المُنْتَهى.
ويستحيل أن يكون المُنْتَهى إلى اثْنَيْنِ كَما يَسْتَحِيل أن يكون ابْتِداء المَخْلُوقات من اثْنَيْنِ، فَمن كانَ انْتِهاء محبته ورغبته وإرادته وطاعته إلى غَيره بَطل عَلَيْهِ ذَلِك وزالَ عَنهُ وفارقه أحْوج ما كانَ إلَيْهِ.
وَمن كانَ انْتِهاء محبته ورغبته ورهبته وطَلَبه هو سُبْحانَهُ ظفر بنعمه ولذته وبهجته وسعادته أبَد الآباد.
(فصل)
ومن ذلك قوله: ﴿وَأنَّهُ هو أضْحَكَ وأبْكى﴾
والضحك والبكاء فعلان اختياريان فهو سبحانه المضحك المبكي حقيقة، والعبد هو الضاحك الباكي حقيقة.
وتأويل الآية بخلاف ذلك إخراج للكلام عن ظاهره بغير موجب ولا منافاة بين ما يذكر من تلك التأويلات وبين ظاهره فإن إضحاك الأرض بالنبات وإبكاء السماء بالمطر، وإضحاك العبد وإبكاءه بخلق آلات الضحك والبكاء له لا ينافي حقيقة اللفظ وموضوعه ومعناه من أنه جاعل الضحك والبكاء فيه بل الجميع حق.
وقال في (شفاء العليل)
فهو المضحك المبكي حقيقة والعبد الضاحك الباكي حقيقة كما قال تعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾
وقال: ﴿أفَمِن هَذا الحَدِيثِ تَعْجَبُونَ وتَضْحَكُونَ ولا تَبْكُونَ﴾
فلولا المنطق الذي أنطق والمضحك المبكي الذي أضحك وأبكى لم يوجد ناطق ولا ضاحك ولا باك.
فإذا أحب عبدا أنطقه بما يحب وأثابه عليه، وإذا أبغضه أنطقه بما يكرهه فعاقبه عليه.
وهو الذي أنطق هذا وهذا، وأجرى ما يحب على لسان هذا، وما يكره على لسان هذا، كما أنه أجرى على قلب هذا ما أضحكه، وعلى قلب هذا ما أبكاه.
No commentary for this ayah
53:45Page 528
وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ ٤٥
And that He creates the two mates - the male and female -
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
53:47Page 528
وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ ٤٧
And that [incumbent] upon Him is the other [i.e., next] creation.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
53:50Page 528
وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ ٥٠
And that He destroyed the first [people of] ʿAad
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
53:52Page 528
وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ ٥٢
And the people of Noah before. Indeed, it was they who were [even] more unjust and oppressing.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
53:55Page 528
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ ٥٥
Then which of the favors of your Lord do you doubt?
No commentary for this ayah
53:56Page 528
هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ ٥٦
This [Prophet (ﷺ)] is a warner from [i.e., like] the former warners.
No commentary for this ayah
No commentary for this ayah
53:58Page 528
لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ ٥٨
Of it, [from those] besides Allāh, there is no remover.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences