Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
As-Saf 61:6, continued
وَإذا تَأمَّلْتَ قَوْلَهُ: وكُلُّ شَيْءٍ أعَدَّهُ اللَّهُ لَكم يُخْبِرُكم بِهِ، وتَفاصِيلُ ما أخْبَرَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ والنّارِ، والثَّوابِ والعِقابِ، تَيَقَّنْتَ صِدْقَ الرَّسُولَيْنِ الكَرِيمَيْنِ، ومُطابَقَةَ الخَبَرِ المُفَصَّلِ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْخَبَرِ المُجْمَلِ مِن أخِيهِ المَسِيحِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ في البارقليط: وهو يَشْهَدُ لِي كَما شَهِدَتْ لَهُ، كَيْفَ تَجِدُهُ مُنْطَبِقًا عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وكَيْفَ تَجِدُهُ شاهِدًا بِصِدْقِ الرَّسُولَيْنِ، وكَيْفَ تَجِدُهُ صَرِيحًا في رَجُلٍ يَأْتِي بَعْدَ المَسِيحِ يَشْهَدُ لَهُ بِأنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، كَما شَهِدَ لَهُ المَسِيحُ؟! فَلَقَدْ أذَّنَ المَسِيحُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ وسَلامِهِ عَلَيْهِما أذانًا لَمْ يُؤَذِّنْهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، وأعْلَنَ بِتَكْبِيرِ رَبِّهِ أنّى تَكُونُ لَهُ صاحِبَةٌ أوْ ولَدٌ؟ ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ بِشَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، إلَهًا واحِدًا أحَدًا فَرْدًا صَمَدْا لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ، ثُمَّ أعْلَنَ بِشَهادَةِ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، الشّاهِدُ لَهُ بِنُبُوَّتِهِ المُؤَيَّدُ بِرُوحِ الحَقِّ، الَّذِي لا يَقُولُ مِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ بَلْ يَتَكَلَّمُ بِما يُوحى إلَيْهِ ويُعَلِّمُهم كُلَّ شَيْءٍ ويُخْبِرُ بِما أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتُهُ بِحَيَّ عَلى الفَلاحِ بِاتِّباعِهِ والإيمانِ بِهِ وتَصْدِيقِهِ، وأنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، وخَتَمَ التَّأْذِينَ بِأنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ سَيُؤْخَذُ مِمَّنْ كَذَّبَهُ، ويُدْفَعُ إلى أتْباعِهِ والمُؤْمِنِينَ بِهِ، فَهَلَكَ مَن هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ، وعاشَ مَن عاشَ عَنْ بَيِّنَةٍ، فاسْتَجابَ أتْباعُ المَسِيحِ حَقًّا لِهَذا التَّأْذِينِ، وأباهُ الكافِرُونَ والجاحِدُونَ، فَقالَ تَعالى: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ ورافِعُكَ إلَيَّ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكم فَأحْكُمُ بَيْنَكم فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بِأنَّ المُسْلِمِينَ لا يَزالُونَ فَوْقَ النَّصارى إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإنَّ المُسْلِمِينَ هم أتْباعُ المُرْسَلِينَ في الحَقِيقَةِ، وأتْباعُ جَمِيعِ الأنْبِياءِ، لا أعْداؤُهُ، وأعْداؤُهُ عُبّادُ الصَّلِيبِ، الَّذِينَ رَضُوا أنْ يَكُونَ إلَهًا مَصْفُوعًا مَصْلُوبًا مَقْتُولًا، ولَمْ يَرْضَوْا أنْ يَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا لِلَّهِ وجِيهًا عِنْدَهُ مُقَرَّبًا لَدَيْهِ، فَهَؤُلاءِ أعْداؤُهُ حَقًّا والمُسْلِمُونَ أتْباعُهُ حَقًّا.
والمَقْصُودُ أنَّ بِشارَةِ المَسِيحِ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَوْقَ كُلِّ بِشارَةٍ، لَمّا كانَ أقْرَبَ الأنْبِياءِ إلَيْهِ وأوْلاهم بِهِ، ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ صاحِبُ شَرِيعَةٍ وكِتابٍ.
(فَصْلٌ):
وَتَأمَّلْ قَوْلَ المَسِيحِ: أنَّ أرَكُونَ العالَمِ سَيَأْتِي، وأرَكُونُ العالَمِ هو سَيِّدُ العالَمِ وعَظِيمُهُ، ومَنِ الَّذِي سادَ العالَمَ، وأطاعَهُ العالَمُ بَعْدَ المَسِيحِ غَيْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ؟!
وَتَأمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ سُئِلَ ما أوَّلُ أمْرِكَ قالَ: أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ وبَشَّرَ بِي عِيسى.
وَطابِقْ بَيْنَ هَذا وبَيْنَ هَذِهِ البِشارَةِ الَّتِي ذَكَرَها المَسِيحُ، فَمَنِ الَّذِي سادَ العالِمَ باطِنًا وظاهِرًا، وانْقادَتْ لَهُ القُلُوبُ والأجْسادُ، وأُطِيعُ في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، في مَحْياهُ وبَعْدَ مَماتِهِ في جَمِيعِ الأعْصارِ، وأفْضَلِ الأقالِيمِ والأمْصارِ، وسارَتْ دَعْوَتُهُ مَسِيرَ الشَّمْسِ في الأقْطارِ، وبَلَغَ دِينُهُ ما بَلَغَ اللَّيْلُ والنَّهارُ، وخَرَّتْ لِمَجِيئِهِ الأُمَمُ عَلى الأذْقانِ، وبَطَلَتْ بِهِ عِبادَةُ الأوْثانِ، وقامَتْ بِهِ دَعْوَةُ الرَّحْمَنِ، واضْمَحَلَّتْ بِهِ دَعْوَةُ الشَّيْطانِ، وأذَلَّ الكافِرِينَ والجاحِدِينَ، وأعَزَّ المُؤْمِنِينَ، وجاءَ بِالحَقِّ وصَدَّقَ المُرْسَلِينَ، حَتّى أعْلَنَ بِالتَّوْحِيدِ عَلى رُءُوسِ الأشْهادِ، وعَبَدَ اللَّهَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ في كُلِّ حاضِرٍ وبادٍ، وامْتَلَأتْ بِهِ الأرْضُ تَحْمِيدًا لِلَّهِ وتَسْبِيحًا وتَكْبِيرًا، واكْتَسَتْ بِهِ بَعْدَ الظُّلْمِ والظَّلامِ عَدْلًا ونُورًا؟
(فَصْلٌ)
وَطابِقْ بَيْنَ قَوْلِ المَسِيحِ: أنَّ أرَكُونَ العالَمِ سَيَأْتِيكُمْ، وقَوْلَ أخِيهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ ولا فَخْرَ، آدَمُ تَحْتَ لِوائِي، وأنا خَطِيبُ الأنْبِياءِ إذا وفَدُوا، وإمامُهم إذا اجْتَمَعُوا، ومُبَشِّرُهم إذا يَئِسُوا، لِواءُ الحَمْدِ بِيَدِي، وأنا أكْرَمُ ولَدِ آدَمَ عَلى رَبِّي.
(فَصْلٌ):
وَفِي قَوْلِ المَسِيحِ في هَذِهِ البِشارَةِ: ولَيْسَ لِي مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، إشارَةٌ إلى التَّوْحِيدِ وأنَّ الأمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ، فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ البِشارَةُ أصْلَيِ الدِّينِ: إثْباتَ التَّوْحِيدِ، وإثْباتَ النُّبُوَّةِ.
وَهَذا الَّذِي قالَهُ المَسِيحُ مُطابِقٌ لِما جاءَ بِهِ أخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَبِّهِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ﴾
فَمَن تَأمَّلَ حالَ الرَّسُولَيْنِ الكَرِيمَيْنِ ودَعْوَتِهِما وجَدَهُما مُتَوافِقَيْنِ مُتَطابِقَيْنِ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، وأنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّصْدِيقُ بِأحَدِهِما مَعَ التَّكْذِيبِ بِالآخَرِ ألْبَتَّةَ، فَإنَّ المُكَذِّبَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ أشَدُّ تَكْذِيبًا لِلْمَسِيحِ الَّذِي هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وإنْ آمَنَ بِمَسِيحٍ لا حَقِيقَةَ لَهُ ولا وُجُودَ فَهو أبْطَلُ الباطِلِ.
وَقَدْ قالَ يُوحَنّا في كِتابِ أخْبارِ الحَوارِيِّينَ، وهو يُسَمُّونَهُ افْراكِيسَ: يا أحْبابِي إيّاكم أنْ تُؤْمِنُوا بِكُلِّ رُوحٍ، لَكِنْ مَيِّزُوا الأرْواحَ الَّتِي مِن عِنْدِ اللَّهِ مِن غَيْرِها، واعْلَمُوا أنَّ كُلَّ رُوحٍ تُؤْمِنُ بِأنَّ يَسُوعَ المَسِيحَ قَدْ جاءَ وكانَ جَسَدانِيًّا فَهي مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكُلُّ رُوحٍ لا تُؤْمِنُ بِأنَّ المَسِيحَ قَدْ جاءَ وكانَ جَسَدانِيًّا فَلَيْسَتْ مِن عِنْدِ اللَّهِ بَلْ مِنَ المَسِيحِ الكَذّابِ، الَّذِي هو الآنَ في العالَمِ.
فالمُسْلِمُونَ يُؤْمِنُونَ بِالمَسِيحِ الصّادِقِ الَّذِي جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِالهُدى ودِينِ الحَقِّ، الَّذِي هو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ العَذْراءِ البَتُولِ، والنَّصارى إنَّما تُؤْمِنُ بِمَسِيحٍ دَعا لِعِبادَةِ نَفْسِهِ وأُمِّهِ، وأنَّهُ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، وأنَّهُ اللَّهُ أوِ ابْنُ اللَّهِ، وهَذا هو أخُو المَسِيحِ الكَذّابِ لَوْ كانَ لَهُ وُجُودٌ.
فَإنَّ المَسِيحَ الكَذّابَ يَزْعُمُ أنَّهُ اللَّهُ، والنَّصارى في الحَقِيقَةِ أتْباعُ هَذا المَسِيحِ الكَذّابِ، كَما أنَّ اليَهُودَ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ الَّذِي بُشِّرُوا بِهِ، فَعَوَّضَهُمُ الشَّيْطانُ بَعْدَ مَجِيئِهِ مِنَ الإيمانِ بِهِ الِانْتِظارَ لِلْمَسِيحِ الدَّجّالِ، وهَكَذا كُلُّ مَن أعْرَضَ عَنِ الحَقِّ يُعَوَّضُ مِنَ الباطِلِ. وأصُلُ هَذا أنَّ إبْلِيسَ لَمّا أعْرَضَ عَنِ السُّجُودِ لِآدَمَ كِبْرًا أنْ يَخْضَعَ لَهُ تَعَوَّضَ مِن ذَلِكَ ذُلَّ القِيادَةِ لِكُلِّ فاسِقٍ ومُجْرِمٍ مِن بَنِيهِ، فَلا بِتِلْكَ النَّخْوَةِ ولا بِهَذِهِ الحِرْفَةِ، والنَّصارى لَمّا أنِفُوا أنْ يَكُونَ المَسِيحُ عَبْدًا لِلَّهِ تَعَوَّضُوا مِن هَذِهِ الأنَفَةِ بِأنْ رَضُوا أنْ يَجْعَلُوهُ مَصْفَعَةً لِلْيَهُودِ، ومْصُلُوبَهُمُ الَّذِي يَسْخَرُونَ مِنهُ ويَهْزَءُونَ بِهِ، ثُمَّ عَقَدُوا لَهُ تاجًا مِنَ الشَّوْكِ بَدْلَ تاجِ المُلْكِ، وساقُوهُ في حَبْلٍ إلى خَشَبَةِ الصَّلْبِ يُصَفِّقُونَ حَوْلَهُ ويَرْقُصُونَ. فَلا بِتِلْكَ الأنَفَةِ مِن عُبُودِيَّةِ اللَّهِ، ولا بِهَذِهِ النِّسْبَةِ لَهُ إلى أعْظَمِ الذُّلِّ، والضَّيْمِ والقَهْرِ.
وَكَذَلِكَ أنِفُوا أنْ يَكُونَ لِلْبَتْرَكِ والرّاهِبِ زَوْجَةٌ أوْ ولَدٌ، وجَعَلُوا لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ الوَلَدَ والزَّوْجَةَ، وكَذَلِكَ أنِفُوا أنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ويُطِيعُوا عَبْدَهُ ورَسُولَهُ، ثُمَّ رَضُوا بِعِبادَةِ الصَّلِيبِ والصُّوَرِ المَصْنُوعَةِ بِالأيْدِي في الحِيطانِ، وطاعَةِ كُلِّ مَن يُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ ما شاءَ أوْ يُحَلِّلُ لَهم ما شاءَ ويُشَرِّعُ لَهم مِنَ الدِّينِ ما شاءَ ومِن تِلْقاءِ نَفْسِهِ.
وَنَظِيرُ هَذا التَّعْوِيضِ أنِفَتِ الجَهْمِيَّةِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فَوْقَ سَماواتِهِ عَلى عَرْشِهِ مُبايِنًا مِن خَلْقِهِ حَتّى لا يَكُونَ مَحْصُورًا بِزَعْمِهِمْ في جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ، ثُمَّ قالُوا: هو في كُلِّ مَكانٍ بِذاتِهِ، فَحَصَرُوهُ في الآبارِ والسُّجُونِ والأنْجاسِ والأحْواشِ، وعَوَّضُوهُ بِهَذِهِ الأمْكِنَةِ عَنْ عَرْشِهِ المَجِيدِ، فَلْيَتَأمَّلِ العاقِلُ لَعِبَ الشَّيْطانِ بِعُقُولِ هَذا الخَلْقِ، وضَحِكَهُ عَلَيْهِمْ، واسْتِهْزاءَهُ بِهِمْ.
(فَصْلٌ):
وَقَوْلُ المَسِيحِ: إذا انْطَلَقْتُ أرْسَلْتُهُ إلَيْكُمْ، مَعْناهُ أنِّي أُرْسِلُهُ بِدُعائِي وطَلَبِي مِنهُ أنْ يُرْسِلَهُ، كَما يَطْلُبُ الطّالِبُ مِن ولِيِّ الأمْرِ أنْ يُرْسِلَ رَسُولًا، أوْ يُوَلِّيَ نائِبًا، أوْ يُعْطِيَ أحَدًا، فَيَقُولُ: أنا أرْسَلْتُ هَذا ووَلَّيْتُهُ وأعْطَيْتُهُ، أيْ كُنْتُ سَبَبًا في ذَلِكَ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى إذا قَضى بِأنْ يَكُونَ الشَّيْءُ، فَإنَّهُ يُقَدِّرُ لَهُ أسْبابًا يَكُونُ بِها، ومِن تِلْكَ الأسْبابِ دُعاءُ بَعْضِ عِبادِهِ بِأنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ في ذَلِكَ مِنَ النِّعْمَةِ إجابَةُ دُعائِهِ، مَضافًا إلى نِعْمَتِهِ بِإيجادِ ما قَضى كَوْنَهُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ قَدْ دَعا بِهِ الخَلِيلُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أبُوهُ، فَقالَ: رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ.
مَعَ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى قَدْ قَضى بِإرْسالِهِ وأعْلَنَ بِاسْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، وقالَ: إنِّي عِنْدَ اللَّهِ لَمَكْتُوبٌ خاتَمُ النَّبِيِّينَ وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ.
وَهَذا كَما قَضى اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِنَصْرِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، ومِن أسْبابِ ذَلِكَ اسْتِعانَتُهُ بِرَبِّهِ ودُعاؤُهُ وابْتِهالُهُ بِالنَّصْرِ، وكَذَلِكَ ما يَقْتَضِيهِ مِن إنْزالِ الغَيْثِ قَدْ يَجْعَلُهُ بِسَبَبِ ابْتِهالِ عِبادِهِ ودُعائِهِمْ وتَضَرُّعِهِمْ إلَيْهِ، وكَذَلِكَ ما يَقْضِيهِ مِن مَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ وهِدايَةٍ ونَصْرٍ، قَدْ يُسَبِّبُ لَهُ أدْعِيَةً يَحْصُلُ بِها مِمَّنْ يَنالُ ذَلِكَ، أوْ مِن غَيْرِهِ، فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المَسِيحُ سَألَ رَبَّهُ بَعْدَ صُعُودِهِ أنْ يُرْسِلَ أخاهُ مُحَمَّدًا ﷺ إلى العالَمِ، ويَكُونُ ذَلِكَ مِن أسْبابِ إرْسالِهِ، إضافَةً إلى دَعْوَةِ أبِيهِ إبْراهِيمَ، لَكِنَّ إبْراهِيمَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يُرْسِلَهُ في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأمّا المَسِيحُ فَإنَّما سَألَهُ بَعْدَ رَفْعِهِ وصُعُودِهِ إلى السَّماءِ كَما وعَدَ قَبْلَ رَفْعِهِ.
(فَصْلٌ):
وَتَأمَّلْ قَوْلَ المَسِيحِ " إنِّي لَسْتُ أدَعُكم أيْتامًا لِأنِّي سَآتِيكم عَنْ قَرِيبٍ " كَيْفَ هو مُطابِقٌ لِقَوْلِ أخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما: يَنْزِلُ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، وإمامًا مُقْسِطًا، فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، وأوْصى أُمَّتَهُ بِأنْ يُقْرِئَهُ السَّلامَ مَن لَقِيَهُ مِنهم.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أنا في أوَّلِها وعِيسى في آخِرِها؟!.
(فَصْلٌ):
وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ التَّوْراةِ: تَجَلّى اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ، وأشْرَقَ مِن ساعِيرَ، واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ.
قالَ عُلَماءُ الإسْلامِ - وهَذا لَفْظُ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ - لَيْسَ بِهَذا خَفاءٌ عَلى مَن تَدَبَّرَهُ ولا غُمُوضٌ، لِأنَّ المَجِيءَ أيْ مَجِيءُ اللَّهِ مِن طُورِ سَيْناءَ: إنْزالُهُ التَّوْراةَ عَلى مُوسى مِن طُورِ سَيْناءَ كالَّذِي هو عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ وعِنْدَنا، وكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ: إنْزالَهُ الإنْجِيلَ عَلى المَسِيحِ، وكانَ المَسِيحُ مِن ساعِيرَ، أرْضِ الخَلِيلِ، بِقَرْيَةٍ تُدْعى ناصِرَةَ، وبِاسْمِها تَسَمّى مَنِ اتَّبَعَهُ نَصارى، وكَما وجَبَ أنْ يَكُونَ إشْراقُهُ مِن ساعِيرَ بِالمَسِيحِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ اسْتِعْلانُهُ مِن جِبالِ فارانَ: إنْزالَهُ القُرْآنَ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وجِبالُ فارانَ هي جِبالُ مَكَّةَ، قالَ: ولَيْسَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وأهْلِ الكِتابِ خِلافٌ في أنَّ فارانَ هي مَكَّةُ، فَإنِ ادَّعَوْا أنَّها غَيْرُ مَكَّةَ - ولَيْسَ يُنْكَرُ ذَلِكَ مِن تَحْرِيفِهِمْ وإفْكِهِمْ - قُلْنا: ألَيْسَ في التَّوْراةِ " أنَّ إبْراهِيمَ أسْكَنَ هاجَرَ وإسْماعِيلَ فارانَ "؟! وقُلْنا لَهُمْ: دُلُّونا عَلى المَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعْلَنَ اللَّهُ مِنهُ واسْمُهُ فارانُ، والنَّبِيِّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتابًا بَعْدَ المَسِيحِ.
أوَلَيَسَ اسْتَعْلَنَ وعَلَنَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وهُما ظَهَرَ وانْكَشَفَ، فَهَلْ تَعْلَمُونَ دِينًا ظَهَرَ ظُهُورَ الإسْلامِ وفَشا في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها فَبَيِّنُوهُ لَنا؟ قالَ عُلَماءُ الإسْلامِ: وساعِيرُ جِبالٌ بِالشّامِ، مِنهُ ظُهُورُ نُبُوَّةِ المَسِيحِ إلى جانِبِ قَرْيَةِ بَيْتِ لَحْمٍ - القَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيها المَسِيحُ - تُسَمّى اليَوْمَ ساعِيرَ.
وَفِي التَّوْراةِ أنَّ نَسْلَ العِيصِ كانُوا سُكّانًا بِساعِيرَ، وأمَرَ اللَّهُ مُوسى أنْ لا يُؤْذِيَهم.
قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: - يَعْنِي ابْنَ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ - وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ الجِبالَ الثَّلاثَةَ، وحِراءُ الَّذِي لَيْسَ حَوْلَ مَكَّةَ أعْلى مِنهُ، وفِيهِ ابْتِداءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِنُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، وحَوْلَهُ جِبالٌ كَثِيرَةٌ، وذَلِكَ المَكانُ يُسَمّى فارانَ إلى هَذا اليَوْمِ، والبَرِّيَّةُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وطُورِ سَيْناءَ تُسَمّى بَرِّيَّةَ فارانَ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا أنْ يَدَّعِيَ أنَّهُ بَعْدَ المَسِيحِ نَزَلَ كِتابٌ في شَيْءٍ مِن تِلْكَ الأماكِنِ ولا بُعِثَ نَبِيٌّ، فَعُلِمَ أنَّهُ لَيْسَ المُرادُ بِاسْتِعْلانِهِ مِن جِبالِ فارانَ إلّا إرْسالُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وهو سُبْحانُهُ ذَكَرَ هَذا في التَّوْراةِ عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ، فَذَكَرَ إنْزالَ التَّوْراةِ ثُمَّ الإنْجِيلِ ثُمَّ القُرْآنِ، وهَذِهِ الكُتُبُ نُورُ اللَّهِ تَعالى وهِدايَتُهُ، وقالَ في الأوَّلِ: جاءَ، وفي الثّانِي: أشْرَقَ، وفي الثّالِثِ: اسْتَعْلَنَ، وكانَ مَجِيءُ التَّوْراةِ مِثْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، ونُزُولُ الإنْجِيلِ مِثْلَ إشْراقِ الشَّمْسِ، ونُزُولُ القُرْآنِ بِمَنزِلَةِ ظُهُورِ الشَّمْسِ في السَّماءِ، ولِهَذا قالَ: واسْتَعْلَنَ مِن جِبالِ فارانَ، فَإنَّ مُحَمَّدًا ﷺ ظَهَرَ بِهِ نُورُ اللَّهِ وهُداهُ في مَشْرِقِ الأرْضِ ومَغْرِبِها أعْظَمَ مِمّا ظَهَرَ بِالكِتابَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، كَما يَظْهَرُ نُورُ الشَّمْسِ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها إذا اسْتَعْلَتْ وتَوَسَّطَتِ السَّماءَ، ولِهَذا سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى سِراجًا مُنِيرًا، وسَمّى الشَّمْسَ سِراجًا وهّاجًا، والخَلْقُ يَحْتاجُونَ إلى السِّراجِ المُنِيرِ أعْظَمَ مِن حاجَتِهِمْ إلى السِّراجِ الوَهّاجِ، فَإنَّ هَذا يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في وقْتٍ دُونَ وقْتٍ، وأمّا السِّراجُ المُنِيرُ فَيَحْتاجُونَ إلَيْهِ كُلَّ وقْتٍ، وفي كُلِّ مَكانٍ لَيْلًا ونَهارًا، سِرًّا وعَلانِيَةً.
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى هَذِهِ الأماكِنَ الثَّلاثَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: {والتِّينِ والزَّيْتُونِ وهو في الأرْضِ المُقَدَّسَةِ الَّتِي بُعِثَ مِنها المَسِيحُ، وأُنْزِلَ فِيها الإنْجِيلُ وطُورِ سِينِينَ وهو الجَبَلُ الَّذِي كَلَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ تَكْلِيمًا، وناداهُ مِن وادِيهِ الأيْمَنِ مِنَ البُقْعَةِ المُبارَكَةِ في الشَّجَرَةِ الَّتِي فِيهِ، وأقْسَمَ بِـ البَلَدِ الأمِينِ وهو مَكَّةُ، الَّتِي أسْكَنَ إبْراهِيمُ إسْماعِيلَ وأُمَّهُ فِيهِ وهو فارانُ كَما تَقَدَّمَ، ولَمّا كانَ ما في التَّوْراةِ خَبَرًا عَنْ ذَلِكَ أخْبَرَ بِهِ عَلى التَّرْتِيبِ الزَّمانِيِّ، فَقَدَّمَ الأسْبَقَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، وأمّا القُرْآنُ فَإنَّهُ أقْسَمَ بِهِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِها، وإظْهارًا لِقُدْرَتِهِ وآياتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، فَأقْسَمَ بِها عَلى وجْهِ التَّدْرِيجِ دَرَجَةً بَعْدَ دَرَجَةٍ، فَبَدَأ بِالعالِي، ثُمَّ انْتَقَلَ إلى أعْلى مِنهُ، ثُمَّ أعْلى مِنهُ، فَإنَّ أشْرَفَ الكُتُبِ القُرْآنُ، ثُمَّ التَّوْراةُ، ثُمَّ الإنْجِيلُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ الثَّلاثَةُ.
(فَصْلٌ)
وَهَذا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وغَيْرُهُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ، مَن تَأمَّلَ التَّوْراةَ وجَدَها ناطِقَةً بِهِ صَرِيحًا فِيهِ، فَإنَّ فِيها
"وَغَدا إبْراهِيمُ فَأخَذَ الغُلامَ وأخَذَ خُبْزًا وسِقاءً مِن ماءٍ ودَفَعَهُ إلى هاجَرَ وحَمَلَهُ عَلَيْها، وقالَ لَها: اذْهَبِي، فانْطَلَقَتْ هاجَرُ، ونَفَذَ الماءُ الَّذِي كانَ مَعَها، فَطَرَحَتِ الغُلامَ تَحْتَ شَجَرَةٍ، وجَلَسَتْ مُقابَلَتَهُ عَلى مِقْدارِ رَمْيَةِ حَجَرٍ، لِئَلّا تُبْصِرَ الغُلامَ حِينَ يَمُوتُ، ورَفَعَتْ صَوْتَها بِالبُكاءِ، وسَمِعَ اللَّهُ صَوْتَ الغُلامِ، وحَيْثُ هو فَقالَ لَها المَلَكُ: قُومِي واحْمِلِي الغُلامَ، وشُدِّي يَدَيْكِ بِهِ، فَإنِّي جاعِلُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، فَتَحَ اللَّهُ عَيْنَيْها، فَرَأتْ بِئْرَ ماءٍ، فَسَقَتِ الغُلامَ ومَلَأتْ سِقاءَها، وكانَ اللَّهُ مَعَ الغُلامِ، فَرُبِّيَ وسَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ".
فَهَذا نَصُّ التَّوْراةِ أنَّ إسْماعِيلَ رُبِّيَ وسَكَنَ في بَرِّيَّةِ فارانَ بَعْدَ أنْ كادَ يَمُوتُ مِنَ العَطَشِ، وأنَّ اللَّهَ تَعالى سَقاهُ مِن بِئْرِ ماءٍ، وقَدْ عُلِمَ بِالتَّواتُرِ واتِّفاقِ الأُمَمِ أنَّ إسْماعِيلَ إنَّما رُبِّيَ بِمَكَّةَ هو وأبُوهُ إبْراهِيمُ بَنَيا البَيْتَ، فَعُلِمَ قَطْعًا أنَّ فارانَ هي أرْضُ مَكَّةَ.
(فَصْلٌ)
وَقالَ ابْنُ إسْحاقَ: حَدَّثَنِي عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ الأنْصارِيُّ، عَنْ رِجالٍ مِن قَوْمِهِ، قالُوا: ومِمّا دَعانا إلى الإسْلامِ مَعَ رَحْمَةِ اللَّهِ وهُداهُ، ما كُنّا نَسْمَعُ مِن رِجالِ يَهُودَ، كُنّا أهْلَ شِرْكٍ أصْحابَ أوْثانٍ، وكانُوا أهْلَ كِتابٍ، عِنْدَهم عَلِمٌ لَيْسَ عِنْدَنا، فَكانَتْ لا تَزالُ بَيْنَنا
وَبَيْنَهم شُرُورٌ، فَإذا نِلْنا مِنهم بَعْضَ ما يَكْرَهُونَ، قالُوا لَنا: قَدْ تَقارَبَ زَمانُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ الآنَ نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلَكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وإرَمَ، فَكُنّا كَثِيرًا ما نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رَسُولَهُ ﷺ أجَبْناهُ حِينَ دَعانا إلى اللَّهِ، وعَرَفْنا ما كانُوا يَتَوَعَّدُونا بِهِ، فَبادَرْناهم إلَيْهِ فَآمَنّا بِهِ وكَفَرُوا بِهِ، فَفِينا وفِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ الَّتِي في البَقَرَةِ: ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ.
فِي كِتابِ أشْعِيا: أشْكُرُ حَبِيبِي وابْنِي أحْمَدَ، فَلِهَذا جاءَ ذِكْرُهُ في نُبُوَّةِ أشْعِيا أكْثَرَ مِن غَيْرِها مِنَ النُّبُوّاتِ، وأعْلَنَ أشْعِيا بِذَكَرِهِ وصِفَتِهِ وصِفَةِ أُمَّتِهِ، ونادى بِها في نُبُوَّتِهِ سِرًّا وجَهْرًا لِمَعْرِفَتِهِ بِقَدْرِهِ ومَنزِلَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
وَقالَ أشْعِيا أيْضًا: إنّا سَمِعْنا مِن أطْرافِ الأرْضِ صَوَّتَ مُحَمَّدٍ، وهَذا إفْصاحٌ مِنهُ بِاسْمِهِ ﷺ، فَلْيُرِنا أهْلُ الكِتابِ نَبِيًّا نَصَّتِ الأنْبِياءُ عَلى اسْمِهِ وصِفَتِهِ ونَعْتِهِ وسِيرَتِهِ وصِفَةِ أُمَّتِهِ وأحْوالِهِمْ سِوى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟
قَوْلُ حَبْقُوقَ في كِتابِهِ: إنَّ اللَّهَ جاءَ مِنَ اليَمَنِ، والقُدُّوسُ مِن جِبالِ فارانَ، لَقَدْ أضاءَتِ السَّماءُ مِن بَهاءِ مُحَمَّدٍ، وامْتَلَأتِ الأرْضُ مِن حَمْدِهِ، شُعاعُ مَنظَرِهِ مِثْلُ النُّورِ، يَحُوطُ بِلادَهُ بِعِزَّةٍ، تَسِيرُ المَنايا أمامَهُ، وتَصْحَبُ سِباعُ الطَّيْرِ أجْنادَهُ، قامَ فَمَسَحَ الأرْضَ فَتَضَعْضَعَتْ لَهُ الجِبالُ القَدِيمَةُ، وانْخَفَضَتِ الرَّوابِي فَتَزَعْزَعَتْ أسْوارُ مَدْيَنَ، ولَقَدْ حازَ المَساعِيَ القَدِيمَةَ، ثُمَّ قالَ: زَجَرُكَ في الأنْهارِ، واحْتِذامُ صَوْتِكَ في البِحارِ، رَكِبْتَ الخُيُولَ، وعَلَوْتَ مَراكِبَ الأتْقِياءِ، وسَتَنْزِعُ في قِسِيِّكَ أعْراقًا، وتَرْتَوِي الهامُ بِأمْرِكَ يا مُحَمَّدُ ارْتِواءً، ولَقَدْ رَأتْكَ الجِبالُ فارْتاعَتْ، وانْحَرَفَ عَنْكَ شُؤْبُوبُ السَّيْلِ، وتَضَيَّمَتِ المَهارِيُّ تَضَوُّرًا، ورَفَعَتْ أيْدِيها وجَلًا وخَوْفًا، وسارَتِ العَساكِرُ في بَرِيقِ سِهامِكَ، ولَمَعانِ نَيازِكِكَ، وتَدُوخُ الأرْضَ وتَدُوسُ الأُمَمَ أنَّكَ ظَهَرْتَ بِخَلاصِ أُمَّتِكَ، وإنْقاذِ تُرابِ آبائِكِ.
فَمَن رامَ صَرْفَ هَذِهِ البِشارَةِ عَنْ مُحَمَّدٍ فَقَدْ رامَ سَتْرَ الشَّمْسِ بِالنَّهارِ، وتَغْطِيَةِ البِحارِ، وأنّى يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ وصَفَهُ بِصِفاتٍ عَيَّنَتْ شَخْصَهُ، وأزالَتْ عَنِ الحَيْرانِ لَبْسَهُ؟! بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِاسْمِهِ مَرَّتَيْنِ، حَتّى انْكَشَفَ الصُّبْحُ لِمَن كانَ ذا عَيْنَيْنِ، وأخْبَرَ بِقُوَّةِ أُمَّتِهِ، وتَسْيِيرِ المَنايا أمامَهُمْ، واتِّباعِ جَوارِحِ الطَّيْرِ آثارَهُمْ، وهَذِهِ النُّبُوَّةُ لا تَلِيقُ إلّا بِمُحَمَّدٍ ﷺ ولا تَصْلُحُ إلّا لَهُ، ولا تَنْزِلُ إلّا عَلَيْهِ، فَمَن حاوَلَ صَرْفَ الأنْهارَ العَظِيمَةَ عَنْ مَجارِيها، وحَبْسَها عَنْ غايَتِها ومُنْتَهاها، فَهَيْهاتَ ما يَرُومُ المُبْطِلُونَ والجاحِدُونَ، ويَأْبى اللَّهُ إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ.
فَمِنَ الَّذِي امْتَلَأتِ الأرْضُ مِن حَمْدِهِ وحَمْدِ أُمَّتِهِ في صَلَواتِهِمْ وخَطَبِهِمْ، وإدْبارِ صَلَواتِهِمْ، وعَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وجَمِيعِ الأحْوالِ سِواهُمْ! حَتّى سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى قَبْلَ ظُهُورِهِمُ الحَمّادِينَ! ومَن ذا الَّذِي كانَ وجْهُهُ كَأنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَجْرِيانِ فِيهِ مِن ضِيائِهِ ونُورِهِ؟
قَدْ عَوَّدَ الطَّيْرَ عاداتٍ وثِقْنَ بِهِ فَهُنَّ يَتْبَعْنَهُ في كُلِّ مُرْتَحِلِ لَوْ لَمْ يَقُلْ إنِّي رَسُولٌ أما أتى شاهَدَهُ في وجْهِهِ يَنْطِقُ ومَنِ الَّذِي سارَتِ المَنايا أمامَهُ، وصَحِبَتْ سِباعُ الطَّيْرِ جُنُودَهُ لِعِلْمِهِما بِقُرْبِ مَن ذَبَحَ الكُفّارَ لِلَّهِ الواحِدِ القَهّارِ.
يَتَطايَرُونَ بِقُرْبِهِ قُرْبانَهم بِدِماءِ مَن عَلَقُوا مِنَ الكُفّارِ ومَنِ الَّذِي تَضَعْضَعَتْ لَهُ الجِبالُ وانْخَفَضَتْ لَهُ الرَّوابِي، وداسَ الأُمَمَ ورَوَّعَ العالَمَ، وانْتَقَضَتْ لِنُبُوَّتِهِ المَمالِكُ، وخَلَّصَ الأُمَّةَ مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ والجَهْلِ والظُّلْمِ سَواءٌ؟
قَوْلُهُ في كِتابِ حِزْقِيلَ يُهَدِّدُ اليَهُودَ ويَصِفُ لَهم أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ: إنَّ اللَّهَ مُظْهِرُهم عَلَيْكُمْ، وباعِثٌ فِيهِمْ نَبِيًّا، ويُنْزِلُ عَلَيْهِ كِتابًا، ويُمَلِّكُهم رِقابَكم فَيَقْهَرُونَكم ويُذِلُّونَكم بِالحَقِّ، ويَخْرُجُ رِجالُ بَنِي قِيدارَ في جَماعاتِ الشُّعُوبِ، مَعَهم مَلائِكَةٌ عَلى خَيْلٍ بِيضٍ مُتَسَلِّحِينَ يُوقِعُونَ بِكُمْ، وتَكُونُ عاقِبَتُكم إلى النّارِ.
فَمَنِ الَّذِي أظْهَرَهُ اللَّهُ عَلى اليَهُودِ حَتّى قَهَرَهم وأذَلَّهم وأوْقَعَ بِهِمْ وأنْزَلَ عَلَيْهِ كِتابًا؟ ومَن هم بَنُو قِيدارَ غَيْرُ بَنِي إسْماعِيلَ الَّذِي خَرَجُوا مَعَهُ وهم جَماعاتُ الشُّعُوبِ؟ ومَنِ الَّذِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ وعَلى أُمَّتِهِ المَلائِكَةُ عَلى خَيْلٍ بِيضٍ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَوْمَ الأحْزابِ، ويَوْمَ حُنَيْنٍ، حَتّى عايَنُوها عِيانًا، فَقاتَلَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وعَنْ يَمِينِهِ، وعَنْ شِمالِهِ، حَتّى غَلَبَ ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا لَيْسَ مَعَهم غَيْرُ فَرَسَيْنِ، ألْفَ رَجُلٍ مُقَنَّعِينَ في الحَدِيدِ مَعْدُودِينَ مِن فُرْسانِ العَرَبِ فَأصْبَحُوا بَيْنَ قَتِيلٍ وأسِيرٍ ومُنْهَزِمٍ.
قَوْلُ دانْيالَ وذِكْرُهُ بِاسْمِهِ الصَّرِيحِ مِن غَيْرِ تَعْرِيضٍ ولا تَلْوِيحٍ، وقالَ: سَتَنْزِعُ في قِسِيِّكَ أعْراقًا وتَرْتَوِي السِّهامُ بِأمْرِكِ يا مُحَمَّدُ ارْتِواءً.
وَقَوْلُ دانْيالَ النَّبِيِّ أيْضًا حِينَ سَألَهُ بُخْتَنَصَّرُ عَنْ تَأْوِيلِ رُؤْيا رَآها ثُمَّ أُنْسِيَها: رَأيْتَ أيُّها المَلِكُ صَنَمًا عَظِيمًا قائِمًا بَيْنَ يَدَيْكَ رَأسُهُ مِنَ الذَّهَبِ، وساعِداهُ مِنَ الفِضَّةِ، وبَطْنُهُ وفَخِذُهُ مِنَ النُّحاسِ، وساقاهُ مِنَ الحَدِيدِ، ورِجْلاهُ مِنَ الخَزَفِ، فَبَيْنَما أنْتَ تَتَعَجَّبُ مِنهُ إذْ أقْبَلَتْ صَخْرَةٌ فَدَقَّتْ في ذَلِكَ الصَّنَمِ فَتَفَتَّتَ وتَلاشى، وعادَ رُفاتًا، ثُمَّ نَسَفَتْهُ الرِّياحُ، وذَهَبَ وتَحَوَّلَ ذَلِكَ الحَجَرُ إنْسانًا عَظِيمًا مَلَأ الأرْضَ، فَهَذا ما رَأيْتَ أيُّها المَلِكُ، فَقالَ بُخْتُنَصَّرُ: صَدَقْتَ، فَما تَأْوِيلُها؟ قالَ: أنْتَ الرَّأْسُ الَّذِي رَأيْتَهُ مِنَ الذَّهَبِ، ويَقُومُ بَعْدَكَ ولَدُكَ، وهو الَّذِي رَأيْتَهُ مِنَ الفِضَّةِ، وهو دُونُكَ وتَقُوُمُ بَعْدَهُ مَمْلَكَةٌ أُخْرى هي دُونَهُ وهي تُشْبِهُ النُّحاسَ، وبَعْدَها مَمْلَكَةٌ قَوِيَّةٌ مِثْلَ الحَدِيدِ، وأمّا الرِّجْلانِ اللَّذانِ رَأيْتَ مِن خَزَفٍ فَمَمْلَكَةٌ ضَعِيفَةٌ، وأمّا الحَجَرُ العَظِيمُ الَّذِي رَأيْتَهُ دَقَّ الصَّنَمَ فَفَتَّتَهُ فَهو نَبِيٌّ يُقِيمُهُ إلَهُ الأرْضِ والسَّماءِ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ فَيَدُقُّ جَمِيعَ مُلُوكِ الأرْضِ وأُمَمِها حَتّى تَمْتَلِئَ الأرْضُ مِنهُ ومِن أُمَّتِهِ، ويَدُومُ سُلْطانُ ذَلِكَ النَّبِيِّ إلى انْقِضاءِ الدُّنْيا، فَهَذا تَعْبِيرُ رُؤْياكَ أيُّها المَلِكُ.
وَمَعْلُومٌ أنَّ هَذا مُنْطَبِقٌ عَلى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﷺ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، لا عَلى المَسِيحِ ولا عَلى نَبِيٍّ سِواهُ، فَهو الَّذِي بُعِثَ بِشَرِيعَةٍ قَوِيَّةٍ، ودَقَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الأرْضِ وأُمَمِها، حَتّى امْتَلَأتِ الأرْضُ مِن أُمَّتِهِ، وسُلْطانُهُ دائِمَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُزِيلَهُ، كَما أزالُ سُلْطانَ اليَهُودِ مِنَ الأرْضِ، وأزالَ سُلْطانَ النَّصارى عَنْ خِيارِ الأرْضِ - وسَطِها - فَصارَ في بَعْضِ أطْرافِها، وأزالَ سُلْطانَ المَجُوسِ وعُبّادِ الأصْنامِ وسُلْطانَ الصّابِئِينَ.
قَوْلُ دانْيالَ أيْضًا: سَألْتُ اللَّهَ وتَضَرَّعْتُ إلَيْهِ أنْ يُبَيِّنَ لِي ما يَكُونُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَلْ يَتُوبُ عَلَيْهِمْ ويَرُدُّ إلَيْهِمْ مُلْكَهُمْ، ويَبْعَثُ إلَيْهِمُ الأنْبِياءَ، أوْ يَجْعَلُ ذَلِكَ في غَيْرِهِمْ، فَظَهَرَ لِيَ المَلَكُ في صُورَةِ شابٍّ حَسَنِ الوَجْهِ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا دانْيالُ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أغْضَبُونِي، وتَمَرَّدُوا عَلَيَّ وعَبَدُوا مِن دُونِي آلِهَةً أُخْرى، وصارُوا مِن بَعْدِ العِلْمِ إلى الجَهْلِ، ومِن بَعْدِ الصِّدْقِ إلى الكَذِبِ، فَسَلَّطْتُ عَلَيْهِمْ بُخْتَ نَصَّرَ فَقَتَلَ رِجالَهُمْ، وسَبى ذَرارِيَّهِمْ، وهَدَمَ مَساجِدَهُمْ، وحَرَقَ كُتُبَهُمْ، وكَذَلِكَ فَعَلَ مَن بَعْدَهُ بِهِمْ، وأنا غَيْرُ راضٍ عَنْهُمْ، ولا مُقِيلُهم عَثَراتِهِمْ، فَلا يَزالُونَ في سُخْطِي حَتّى أبْعَثَ مَسِيحِي ابْنِ العَذْراءِ البَتُولِ، وأخْتِمُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِاللَّعْنِ والسُّخْطِ، فَلا يَزالُونَ مَلْعُونِينَ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ حَتّى أبْعَثَ نَبِيَّ بَنِي إسْماعِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ هاجَرَ، وأرْسَلْتُ إلَيْها مَلاكِي، فَبَشَّرَها، وأُوحِي إلى ذَلِكَ النَّبِيِّ، وأُعَلِّمُهُ الأسْماءَ، وأُزَيِّنُهُ بِالتَّقْوى، وأجْعَلُ البِرَّ شِعارَهُ، والتَّقْوى ضَمِيرَهُ، والصِّدْقَ قَوْلَهُ، والوَفاءَ طَبِيعَتَهُ، والقَصْدَ سِيرَتَهُ، والرُّشْدَ سُنَّتَهُ، أخُصُّهُ بِكِتابٍ مُصَدَّقٍ لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ، وناسِخٍ لِبَعْضِ ما فِيها، أُسْرِي بِهِ إلَيَّ، وأرْقِيهِ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى يَعْلُوَ فَأُدْنِيَهُ، وأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وأُوحِيَ إلَيْهِ، ثُمَّ أرُدَّهُ إلى عِبادِي بِالسُّرُورِ والغِبْطَةِ، حافِظًا لِما اسْتُودِعَ، صادِقا فِيما أمَرَ، يَدْعُو إلى تَوْحِيدِي بِاللِّينِ مِنَ القَوْلِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، لا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ ولا صَخّابٌ بِالأسْواقِ، رَءُوفٌ بِمَن والاهُ، رَحِيمٌ بِمَن آمَنَ بِهِ، خَشِنٌ عَلى مَن عاداهُ، فَيَدْعُو قَوْمَهُ إلى تَوْحِيدِي وعِبادَتِي، ويُخْبِرُهم بِما رَأى مِن آياتِي، فَيُكَذِّبُونَهُ ويُؤْذُونَهُ.
ثُمَّ سَرَدَ دانْيالُ قِصَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما أمْلاهُ عَلَيْهِ المَلَكُ، حَتّى وصَلَ آخِرَ أيّامِ أُمَّتِهِ بِالنَّفْخَةِ وانْقِضاءِ الدُّنْيا، وهَذِهِ البِشارَةُ الآنَ عِنْدَ اليَهُودِ والنَّصارى، يَقْرَءُونَها ويُقِرُّونَ بِها، ويَقُولُونَ: لَمْ يَظْهَرْ صاحِبُها بَعْدُ.
قالَ أبُو العالِيَةَ: لَمّا فَتَحَ المُسْلِمُونَ تُسْتَرَ وجَدُوا دانْيالَ مَيِّتًا ووَجَدُوا عِنْدَهُ مُصْحَفًا.
قالَ أبُو العالِيَةَ: فَأنا قَرَأْتُ ذَلِكَ المُصْحَفَ، وفِيهِ صِفَتُكم وأخْبارُكُمْ، وسِيرَتُكم ولُحُونُ كَلامِكُمْ، وكانَ أهْلُ النّاحِيَةِ - يَعْنِي أهْلَ أرْضِ السُّوَيْسِ حَيْثُ دانْيالُ مَدْفُونٌ - إذا أجْدَبُوا كَشَفُوا عَنْ قَبْرِهِ فَيُسْقَوْنَ، فَكَتَبَ أبُو مُوسى في ذَلِكَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أنِ احْفُرْ بِالنَّهارِ ثَلاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، وادْفِنْهُ بِاللَّيْلِ في واحِدٍ مِنها كَيْ لا تُفْتَنَ النّاسُ بِهِ ....
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences