Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
As-Saf 61:6, continued
قالَ كَعْبٌ: وذَكَرَ صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ، ويُرِيدُ بِها التَّوْراةَ الَّتِي هي أعَمُّ مِنَ التَّوْراةِ المَعْنِيَّةِ: أحْمَدُ عَبْدِي المُخْتارُ، لا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ ولا صَخّابٌ بِالأسْواقِ، ولا يَجْزِي السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ، يَعْفُو ويَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بَكّا، وهِجْرَتُهُ طابا، ومُلْكُهُ بِالشّامِ، وأُمَّتُهُ الحامِدُونَ، يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ نَجْدٍ، ويُسَبِّحُونَهُ في كُلِّ مَنزِلَةٍ، ويُوَضِّئُونَ أطْرافَهُمْ، ويَأْتَزِرُونَ عَلى أنْصافِهِمْ، وهم رُعاةُ الشَّمْسِ، ومُؤَذِّنُهم في جَوِّ السَّماءِ، وصَفُّهم في القِتالِ وصَفُّهم في الصَّلاةِ سَواءٌ، رُهْبانٌ بِاللَّيْلِ، أُسْدٌ بِالنَّهارِ، ولَهم دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ حَيْثُ ما أدْرَكَتْهم ولَوْ عَلى كُناسَةٍ.
قالَ ابْنُ أبِي الزِّنادِ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الحارِثِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، وكانَ مِن خِيارِ النّاسِ، قالَ: كانَ عِنْدَ أبِي وجَدِّي ورَقَةً يَتَوارَثُونَها قَبْلَ الإسْلامِ، فِيها اسْمُ اللَّهِ، وقَوْلُهُ الحَقُّ، وقَوْلُ الظّالِمِينَ في تَبارٍ، هَذا الذِّكْرُ لِأُمَّةٍ تَأْتِي في آخِرِ الزَّمانِ، يَتَّزِرُونَ عَلى أوْساطِهِمْ، ويَغْسِلُونَ أطْرافَهُمْ، ويَخُوضُونَ البُحُورَ إلى أعْدائِهِمْ، فِيهِمْ صَلاةٌ لَوْ كانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ ما هَلَكُوا بِالطُّوفانِ، وفي ثَمُودَ ما أُهْلِكُوا بِالصَّيْحَةِ.
قالَ أشْعِيا وذَكَرَ قِصَّةَ العَرَبِ فَقالَ: يَدُوسُونَ الأُمَمَ دِياسَ البَيادِرِ، ويَنْزِلُ البَلاءُ بِمُشْرِكِي العَرَبِ، ويَنْهَزِمُونَ بَيْنَ يَدَيْ سُيُوفٍ مَسْلُولَةٍ، وقِسِيٍّ مَوْتُورَةٍ مِن شِدَّةِ المَلْحَمَةِ. وهَذا إخْبارٌ عَمّا حَلَّ بِعَبَدَةِ الأوْثانِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، ويَوْمَ حُنَيْنٍ، وفي غَيْرِهِما مِنَ الوَقائِعِ.
قَوْلُهُ في الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِي النَّصارى عَنْ يُوحَنّا: أنَّ المَسِيحَ قالَ لِلْحِوارِيَّيْنِ: مَن أبْغَضَنِي فَقَدْ أبْغَضَ الرَّبَّ، ولَوْلا أنِّي صَنَعْتُ لَهم صَنائِعَ لَمْ يَصْنَعْها أحَدٌ لَمْ يَكُنْ لَهم ذَنْبٌ، ولَكِنْ مِنَ الآنَ بَطَرُوا، فَلا بُدَّ أنْ تَتِمَّ الكَلِمَةُ الَّتِي في النّامُوسِ لِأنَّهم أبْغَضُونِي مَجّانًا، فَلَوْ قَدْ جاءَ المِنَحْمَنا هَذا الَّذِي يُرْسِلُهُ اللَّهُ إلَيْكم مِن عِنْدِ الرَّبِّ رُوحِ القُدُسِ، فَهو شَهِيدٌ عَلَيَّ وأنْتُمْ أيْضًا لِأنَّكم قَدِيمًا كُنْتُمْ مَعِي، هَذا قَوْلِي لَكم لِكَيْ لا تَشُكُّوا إذا جاءَ.
والمَنَحْمَنا بِالسُّرْيانِيَّةِ، وتَفْسِيرُهُ بِالرُّومِيَّةِ البارَقْلِيطُ، وهو بِالعِبْرانِيَّةِ الحامِدُ والمَحْمُودُ والحَمْدُ كَما تَقَدَّمَ.
قَوْلُهُ في الإنْجِيلِ أيْضًا: إنَّ المَسِيحَ قالَ لِلْيَهُودِ: وتَقُولُونَ: لَوْ كُنّا في أيّامِ آبائِنا لَمْ نُساعِدْهم عَلى قَتْلِ الأنْبِياءِ، فَأتِمُّوا كَيْلَ آبائِكم يا ثَعابِينَ بَنِي الأفاعِي، كَيْفَ لَكُمُ النَّجاةُ مِن عَذابِ النّارِ.
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ورَدَ في سُورَةِ يس إذْ أرْسَلْنا إلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ.
وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ أنَّهُ بَعْدَ رَفْعِ المَسِيحِ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى (وَسَأبْعَثُ إلَيْكم أنْبِياءَ وعُلَماءَ وتَقْتُلُونَ مِنهُمْ، وتَصْلُبُونَ وتَجْلِدُونَ، وتَطْلُبُونَهم مِن مَدِينَةٍ إلى أُخْرى، لِتَتَكامَلَ عَلَيْكم دِماءُ المُؤْمِنِينَ المُهْرَقَةُ عَلى الأرْضِ، مِن دَمِ هابِيلَ الصّالِحِ إلى دَمِ زَكَرِيّا بْنِ بَرْضِيا الَّذِي قَتَلْتُمُوهُ عِنْدَ المَذْبَحِ، إنَّهُ سَيَأْتِي جَمِيعَ ما وصَفْتُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ، يا أُورْشَلِيمُ الَّتِي تَقْتُلُ الأنْبِياءَ وتَرْحَمُ مَن بُعِثَ إلَيْكِ، قَدْ أرَدْتُ أنْ أجْمَعَ بَنِيكِ كَجَمْعِ الدَّجاجَةِ فَرارِيجَها تَحْتَ جَناحِها وكَرِهْتِ أنْتِ ذَلِكَ، سَأُقْفِرُ عَلَيْكم بَيْتَكُمْ، وأنا أقُولُ لا تَرَوْنِي الآنَ حَتّى يَأْتِيَ مَن يَقُولُونَ لَهُ مُبارَكٌ، يَأْتِي عَلى اسْمِ اللَّهِ.
فَأخْبَرَهُمُ المَسِيحُ أنَّهم لا بُدَّ أنْ يَسْتَوْفُوا الصّاعَ الَّذِي قُدِّرَ لَهُمْ، وأنَّهُ سَيُقْفِرُ بَيْتَهم أيْ يُخْلِيهِ مِنهُمْ، وأنَّهُ يَذْهَبُ عَنْهم فَلا يَرَوْنَهُ حَتّى يَأْتِيَ المُبارَكُ الَّذِي يَأْتِي عَلى اسْمِ اللَّهِ. فَهو الَّذِي انْتَقَمَ بَعْدَهُ لِدِماءِ المُؤْمِنِينَ. وهَذا نَظِيرُ قَوْلِهِ في المَوْضِعِ الآخَرِ: إنَّ خَيْرًا لَكم أنْ أذْهَبَ عَنْكم حَتّى يَأْتِيَكُمُ البارَقْلِيطُ فَإنَّهُ لا يَجِيءُ ما لَمْ أذْهَبْ. وقَوْلُهُ أيْضًا: ابْنُ البَشَرِ ذاهِبٌ، والبارَقْلِيطُ مِن بَعْدَهُ، وفي مَوْضِعٍ آخَرَ: أنا ذاهِبٌ وسَيَأْتِيكُمُ البارَقْلِيطُ.
والمُبارَكُ الَّذِي جاءَ بَعْدَ المَسِيحِ هو مُحَمَّدٌ ﷺ كَما تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ.
قَوْلُهُ في إنْجِيلِ مَتّى: إنَّهُ لَمّا حُبِسَ يَحْيى بْنُ زَكَرِيّا بَعَثَ تَلامِيذَهُ إلى المَسِيحِ، وقالَ لَهُمْ: قُولُوا لَهُ: أنْتَ إيلِيا أمْ نَتَوَقَّعُ غَيْرَكَ؟، فَقالَ المَسِيحُ: الحَقُّ اليَقِينُ أقُولُ لَكُمْ: إنَّهُ لَمْ تَقُمِ النِّساءُ عَنْ أفْضَلَ مِن يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، وإنَّ التَّوْراةَ وكُتُبَ الأنْبِياءِ يَتْلُو بَعْضُها بَعْضًا بِالنُّبُوَّةِ والوَحْيِ، حَتّى جاءَ يَحْيى، وأمّا الآنُ فَإنْ شِئْتُمْ فاقْبَلُوا فَإنَّ (إيلَ) مُزْمِعٌ أنْ يَأْتِيَ، فَمَن كانَتْ لَهُ أُذُنانِ سامِعَتانِ فَلْيَسْتَمِعْ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بِمَجِيءِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الَّذِي هو (إيلُ) بِالعِبْرانِيَّةِ، ومَجِيئِهُ هو مَجِيءُ رَسُولِهِ وكِتابِهِ ودِينِهِ، كَما في التَّوْراةِ: جاءَ اللَّهُ مِن طُورِ سَيْناءَ، قالَ بَعْضُ عُبّادِ الصَّلِيبِ: إنَّما بَشَّرَ بِإلْياسِ النَّبِيِّ.
وَهَذا لا يُنْكَرُ مِن جَهْلِ أُمَّةِ الضَّلالِ وعُبّادِ خَشَبَةِ الصَّلِيبِ الَّتِي نَحَتَتْها أيْدِي اليَهُودِ، فَإنَّ إلْياسَ تَقَدَّمَ إرْسالُهُ عَلى المَسِيحِ بِدُهُورٍ مُتَطاوِلَةٍ.
قَوْلُهُ في نُبُوَّةِ أرْمِيا: قَبْلَ أنْ أخْلُقَكَ قَدْ عَظَّمْتُكَ مِن قَبْلِ أنْ أُصَوِّرَكَ في البَطْنِ، وأرْسَلْتُكَ وجَعَلْتُكَ نَبِيًّا لِلْأجْناسِ كُلِّهِمْ. فَهَذِهِ بِشارَةٌ عَلى لِسانِ أرْمِيا لِمَن بَعْدُهُ، وهو إمّا المَسِيحُ وإمّا مُحَمَّدٌ صَلَواتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِما، لا تَعْدُوهُما إلى غَيْرِهِما، ومُحَمَّدٌ أوْلى بِها لِأنَّ المَسِيحَ إنَّما كانَ نَبِيًّا لِبَنِي إسْرائِيلَ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَرَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾.
والنَّصارى تُقِرُّ بِذَلِكَ، ولَمْ يَدَّعِ المَسِيحُ أنَّهُ رَسُولٌ إلى سائِرِ الأجْناسِ مِن أهْلِ الأرْضِ، فَإنَّ الأنْبِياءَ مِن عَهِدَ مُوسى إلى المَسِيحِ إنَّما كانُوا يُبْعَثُونَ إلى قَوْمِهِمْ، بَلْ عِنْدَهم في الإنْجِيلِ أنَّ المَسِيحَ قالَ لِلْحِوارِيَّيْنِ: لا تَسْلُكُوا إلى سَبِيلِ الأجْناسِ، ولَكِنِ اخْتَصِرُوا عَلى الغَنَمِ الرّابِضَةِ مَن نَسْلِ إسْرائِيلَ.
وَأمّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَهو الَّذِي بَعَثَهُ اللَّهُ إلى سائِرِ أجْناسٍ الأرْضِ وطَوائِفِ بَنِي آدَمَ.
وَهَذِهِ البِشارَةُ مُطابَقَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾.
وَلِقَوْلِهِ ﷺ: بُعِثْتُ إلى الأسْوَدِ والأحْمَرِ.
وَقَوْلِهِ: وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ وبُعِثْتُ إلى النّاسِ عامَّةً.
وَقَدِ اعْتَرَفَتِ النَّصارى بِهَذِهِ البِشارَةِ ولَمْ يُنْكِرُوها، لَكِنْ قالَ بَعْضُ زُعَمائِهِمْ إنَّها بِشارَةُ مُوسى بْنِ عِمْرانَ، وإلْياسَ، واليَسَعَ، وأنَّهم سَيَأْتُونَ في آخِرِ الزَّمانِ، وهَذا مِن أعْظَمِ البَهْتِ والجُرْأةِ عَلى اللَّهِ تَعالى والِافْتِراءِ عَلَيْهِ: فَإنَّهُ لا يَأْتِي مَن قَدْ ماتَ إلى يَوْمِ المِيقاتِ المَعْلُومِ.
قَوْلُ المَسِيحِ في الإنْجِيلِ الَّذِي بِأيْدِيهِمْ، وقَدْ ضَرَبَ مَثْلَ الدُّنْيا، فَقالَ: كَمِثْلِ رَجُلٍ اغْتَرَسَ كَرْمًا ويُسَيِّجُ حَوْلَهُ، وجَعَلَ فِيهِ مَعْصَرَةً، وشَيَّدَ فِيهِ قَصْرًا، ووَكَّلَ بِهِ أعْوانًا، وتَقَرَّبَ عِنَبَهُ، فَلَمّا دَنا أوانُ القِطافِ، بَعَثَ عَبْدًا إلى أعْوانِهِ المُتَوَكِّلِينَ بِالكَرْمِ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا لِلْأنْبِياءِ ولِنَفْسِهِ، ثُمَّ لِلنَّبِيِّ المُوَكِّلِ آخَرَ بِالكَرْمِ، إلى أنْ أفْصَحَ عَنْ أُمِّتِهِ، فَقالَ: وأقُولُ لَكُمْ: سَيُزاحُ عَنْكم مُلْكُ اللَّهِ، وتُعْطاهُ الأُمَّةُ المُطِيعَةُ العامِلَةُ.
ثُمَّ ضَرَبَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مَثَلًا بِصَخْرَةٍ وقالَ: مَن سَقَطَ عَلى هَذِهِ الصَّخْرَةِ يَنْكَسِرُ، ومَن سَقَطَتْ عَلَيْهِ يَتَهَشَّمُ. وهَذِهِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ ومَن ناوَأهُ وحارَبَهُ مِنَ النّاسِ لا يَنْطَبِقُ عَلى أحَدٍ بَعْدَ المَسِيحِ سِواهُ.
قَوْلُ أشْعِيا في صِفَتِهِ: لِتَفْرَحْ أرْضُ البادِيَةِ العَطْشى، ولْتَبْتَهِجِ الرَّوابِي والفَلَواتُ، لِأنَّها سَتُعْطى بِأحْمَدَ مَحاسِنُ لُبْنانَ ومِثْلُ حُسْنِ الدَّساكِيرِ. وبِاللَّهِ ما بَعْدَ هَذا إلّا المُكابَرَةُ وجَحْدُ الحَقَّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ.
قَوْلُ حِزْقِيلَ في صُحُفِهِ الَّتِي بِأيْدِيهِمْ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ - بَعْدَ ما ذَكَرَ مَعاصِي بَنِي إسْرائِيلَ وشَبَّهَهم بِكَرْمَةٍ غَذّاها وقالَ: لَمْ تَلْبَثِ الكَرْمَةُ أنْ قُلِعَتْ بِالسَّخْطَةِ ورُمِيَ بِها عَلى الأرْضِ، وأحْرَقَتِ السَّمائِمُ ثِمارَها، فَعِنْدَ ذَلِكَ غُرِسَ في البَدْوِ وفي الأرْضِ المُهْمَلَةِ العَطْشى، وخَرَجَتْ مِن أغْصانِها الفاضِلَةِ نارٌ أكَلَتْ تِلْكَ الكَرْمَةَ، حَتّى لَمْ يُوجَدُ فِيها غُصْنٌ قَوِيٌّ ولا قَضِيبٌ.
وَهَذا تَصْرِيحٌ لا تَلْوِيحَ بِهِ ﷺ، وبِبَلَدِهِ وهي مَكَّةُ العَطْشى المُهْمَلَةُ مِنَ النُّبُوَّةِ قَبْلَهُ مِن عَهْدِ إسْماعِيلَ.
ما في صُحُفٍ دانْيالَ وقَدْ نَعَتَ (الكِشْدانِيِّينَ) الكِلْدانِيِّينَ، فَقالَ: لا تَمِيدُ دَعْوَتُهُمْ، وأقْسَمَ الرَّبُّ بِساعِدِهِ أنْ لا يَظْهَرَ الباطِلُ ولا يَقُومَ لِمُدَّعٍ كاذِبٍ دَعْوَةٌ أكْثَرَ مِن ثَلاثِينَ سَنَةً.
وَفِي التَّوْراةِ ما يُشْبِهُ هَذا، وهَذا تَصْرِيحٌ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ ﷺ، فَإنَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ بَعْدَ مَوْتِهِ أضْعافُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في حَياتِهِ، وهَذِهِ دَعْوَتُهُ قَدْ مَرَّتْ عَلَيْها القُرُونُ مِنَ السِّنِينَ، وهي باقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وكَذَلِكَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ، ولَمْ يَقَعْ هَذا لِمَلِكٍ قَطُّ، فَضْلًا عَنْ كَذّابٍ مُفْتَرٍ عَلى اللَّهِ وأنْبِيائِهِ مُفْسِدٍ لِلْعالَمِ مُغَيِّرٍ لِدَعْوَةِ الرُّسُلِ، ومَن ظَنَّ هَذا بِاللَّهِ فَقَدْ ظَنَّ بِهِ أسْوَأ الظَّنِّ، وقَدَحَ في عِلْمِهِ وقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ.
وَقَدْ جَرَتْ لِي مُناظَرَةٌ مَعَ أكْبَرِ مَن تُشِيرُ إلَيْهِ اليَهُودُ بِالعِلْمِ والرِّئاسَةِ، فَقُلْتُ لَهُ في أثْناءِ الكَلامِ: إنَّهم بِتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ وقَدْ شَتَمْتُمُ اللَّهَ أعْظَمَ شَتِيمَةً، فَعَجِبَ مِن ذَلِكَ، وقالَ: مِثْلُكَ يَقُولُ هَذا الكَلامَ! فَقُلْتُ لَهُ: اسْمَعِ الآنَ تَقْرِيرَهُ، إذا قُلْتُمْ: إنَّ مُحَمَّدًا مَلِكٌ ظالِمٌ قَهَرَ النّاسَ بِسَيْفِهِ، ولَيْسَ بِرَسُولٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقَدْ أقامَ ثَلاثًا وعِشْرِينَ سَنَةً يَدَّعِي أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أرْسَلَهُ إلى الخَلْقِ كافَّةً، ويَقُولُ: أمَرَنِي اللَّهُ بِكَذا ونَهانِي عَنْ كَذا وأُوحِيَ إلَيَّ كَذا، ولَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ. ويَقُولُ: إنَّهُ أباحَ لِي سَبْيَ ذَرارِيِّ مَن كَذَّبَنِي وخالَفَنِي ونِساءَهُمْ، وغَنِيمَةَ أمْوالِهِمْ، وقَتْلَ رِجالِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، وهو يَدْأبُ في تَغْيِيرِ دِينِ الأنْبِياءِ ومُعاداةِ أُمَمِهِمْ ونَسْخِ شَرائِعِهِمْ، فَلا يَخْلُو إمّا أنْ تَقُولُوا: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعالى كانَ يَطَّلِعُ عَلى ذَلِكَ ويُشاهِدُهُ ويَعْلَمُهُ، أوْ تَقُولُوا: إنَّهُ خَفِيَ عَنْهُ ولَمْ يَعْلَمْ بِهِ، فَإنْ قُلْتُمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ نَسَبْتُمُوهُ إلى أقْبَحِ الجَهْلِ، وكانَ مَن عَلِمَ ذَلِكَ أعْلَمَ مِنهُ، وإنْ قُلْتُمْ بَلْ كانَ كُلُّهُ بِعِلْمِهِ ومُشاهَدَتِهِ واطِّلاعِهِ عَلَيْهِ، فَلا يَخْلُو: إمّا أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى تَغْيِيرِهِ، والأخْذِ عَلى يَدَيْهِ ومَنعِهِ مِن ذَلِكَ، أوْ لا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ قادِرًا، فَقَدْ نَسَبْتُمُوهُ إلى أقْبَحِ العَجْزِ المُنافِي لِلرُّبُوبِيَّةِ، وإنْ كانَ قادِرًا، وهو مَعَ ذَلِكَ يُعِزُّهُ ويَنْصُرُهُ ويَوَدُّهُ، ويُعْلِيهِ ويُعْلِي كَلِمَتَهُ، ويُجِيبُ دُعاءَهُ ويُمَكِّنُهُ مِن أعْدائِهِ، ويُظْهِرُ عَلى يَدَيْهِ مِن أنْواعِ المُعْجِزاتِ والكَراماتِ ما يَزِيدُ عَلى الألْفِ، ولا يَقْصِدُهُ أحَدٌ بِسُوءٍ إلّا ظَفَرَ بِهِ، ولا يَدْعُوهُ بِدَعْوَةٍ إلّا اسْتَجابَها لَهُ، فَهَذا مِن أعْظَمِ الظُّلْمِ والسَّفَهِ الَّذِي لا يَلِيقُ نِسْبَتُهُ إلى آحادِ العُقَلاءِ، فَضْلًا عَنْ رَبِّ الأرْضِ والسَّماءِ، فَكَيْفَ وهو يَشْهَدُ لَهُ بِإقْرارِهِ عَلى دَعْوَتِهِ وتَأْيِيدِهِ بِكَلامِهِ، وهَذِهِ عِنْدَكم شَهادَةُ زُورٍ وكَذِبٍ؟ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ، قالَ: مَعاذَ اللَّهِ أنْ يَفْعَلَ اللَّهُ هَذا بِكاذِبٍ مُفْتَرٍ، بَلْ هو نَبِيٌّ صادِقٌ مَنِ اتَّبَعَهُ أفْلَحَ وسَعِدَ.
قُلْتُ: فَما لَكَ لا تَدْخُلُ في دِينِهِ؟
قالَ: إنَّما بُعِثَ لِلْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهُمْ، وأمّا نَحْنُ فَعِنْدَنا كِتابٌ نَتَّبِعُهُ.
قُلْتُ لَهُ: غُلِبْتَ كُلَّ الغَلَبِ، فَإنَّهُ قَدْ عَلِمَ الخاصُّ والعامُّ أنَّهُ أخْبَرَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى جَمِيعِ الخَلْقِ، وإنَّ مَن لَمْ يَتْبَعْهُ فَهو كافِرٌ مِن أهْلِ الجَحِيمِ، وقاتَلَ اليَهُودَ والنَّصارى وهم أهْلُ كِتابٍ، وإذا صَحَّتْ رِسالَتُهُ وجَبَ تَصْدِيقُهُ في كُلِّ ما أخْبَرَ بِهِ، فَأمْسَكَ ولَمْ يُحِرْ جَوابًا.
وَقَرِيبًا مِن هَذِهِ المُناظَرَةِ ما جَرى لِبَعْضِ عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَعَ بَعْضِ اليَهُودِ بِبِلادِ المَغْرِبِ
قالَ لَهُ المُسْلِمُ: في التَّوْراةِ الَّتِي بِأيْدِيكم إلى اليَوْمِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: إنِّي أُقِيمُ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن إخْوَتِهِمْ نَبِيًّا مِثْلَكَ أجْعَلُ كَلامِي عَلى فِيهِ، فَمَن عَصاهُ انْتَقَمْتُ مِنهُ. قالَ لَهُ اليَهُودِيُّ: ذَلِكَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ. فَقالَ المُسْلِمُ: هَذا مُحالٌ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّهُ قالَ عِنْدَكَ في آخِرِ التَّوْراةِ: أنَّهُ لا يَقُومُ في بَنِي إسْرائِيلَ نَبِيٌّ مِثْلُ مُوسى.
(الثّانِي): أنَّهُ قالَ مِن إخْوَتِهِمْ، وإخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ إمّا العَرَبُ وإمّا الرُّومُ.
فَإنَّ العَرَبَ بَنُو إسْماعِيلَ والرُّومُ بَنُو العِيصِ، وهَؤُلاءِ إخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأمّا الرُّومُ فَلَمْ يَقُمْ مِنهم نَبِيٌّ سِوى أيُّوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هو الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ التَّوْراةُ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا العَرَبُ وهو ابْنُ إسْماعِيلَ وهم إخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ.
وَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ حِينَ ذَكَرَ إسْماعِيلَ جَدَّ العَرَبِ: أنَّهُ يَضَعُ فُسْطاطَهُ في وسَطِ بِلادِ إخْوَتِهِ وهم بَنُو إسْرائِيلَ.
وَهَذِهِ بِشارَةٌ بِنُبُوَّةِ ابْنِهِ مُحَمَّدٍ الَّذِي نَصَبَ فُسْطاطَهُ، ومُلْكُ أُمَّتِهِ في وسَطِ بِلادِ بَنِي إسْرائِيلَ، وهي الشّامُ الَّتِي هي مَظْهَرُ مُلْكِهِ كَما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ: ومُلْكُهُ بِالشّامِ.
فَقالَ لَهُ اليَهُودِيُّ: فَعِنْدَكم في القُرْآنِ: ﴿وَإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾، ﴿وَإلى عادٍ أخاهم هُودًا﴾، ﴿وَإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا﴾
والعَرَبُ تَقُولُ: يا أخا تَمِيمٍ لِواحِدٍ مِنهُمْ، فَهَذا قَوْلُهُ: أُقِيمَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مِن إخْوَتِهِمْ.
قالَ المُسْلِمُ: الفَرْقُ بَيْنَ المَوْضِعَيْنِ ظاهِرٌ، فَإنَّهُ مِنَ المُحالِ أنْ يُقالَ: بَنُو إسْرائِيلَ إخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ وبَنِي تَمِيمٍ إخْوَةُ بَنِي تَمِيمٍ وبَنِي هاشِمٍ إخْوَةُ بَنِي هاشِمٍ، وهَذا ما لا يُعْقَلُ في لُغَةِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ، بِخِلافِ قَوْلِكَ: زِيدٌ أخُو بَنِي تَمِيمٍ، وهو أخُو عادٍ، وصالِحٌ أخُو ثَمُودَ أيْ واحِدٌ مِنهُمْ، فَهو أخُوهم في النَّسَبِ، ولَوْ قِيلَ: عادٌ أخُو عادٍ، وثَمُودُ أخُو ثَمُودَ، ومَدْيَنُ أخُو مَدْيَنَ، لَكانَ نَقْصًا، وكانَ نَظِيرَ قَوْلِكَ بَنُو إسْرائِيلَ إخْوَةُ بَنِي إسْرائِيلَ، فاعْتِبارُ أحَدِ المَوْضِعَيْنِ بِالآخَرِ صَرِيحٌ.
قالَ اليَهُودِيُّ: أخْبَرَ أنَّهُ سَيُقِيمُ هَذا النَّبِيَّ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ومُحَمَّدٌ إنَّما أُقِيمَ لِلْعَرَبِ ولَمْ يُقَمْ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَهَذا الِاخْتِصاصُ يُشْعِرُ بِأنَّهُ مَبْعُوثٌ إلَيْهِمْ لا إلى غَيْرِهِمْ.
قالَ المُسْلِمُ: هَذا مِن دَلائِلِ صِدْقِهِ، فَإنَّهُ ادَّعى أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ إلى أهْلِ الأرْضِ كِتابَيِّهِمْ وأُمِّيِّهِمْ، ونَصَّ اللَّهُ في التَّوْراةِ عَلى أنَّهُ يُقِيمُهُ لَهم لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّهُ مُرْسَلٌ إلى العَرَبِ والأُمِّيِّينَ خاصَّةً، والنَّبِيُّ ﷺ خُصَّ بِالذِّكْرِ لِحاجَةِ المُخاطَبِ إلى ذِكْرِهِ، ولِئَلّا يَتَوَهَّمَ السّامِعُ أنَّهُ غَيْرُ مُرادٍ بِاللَّفْظِ العامِ ولا داخِلٌ فِيهِ، ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ما عَداهُ أوْلى بِحُكْمِهِ ولِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَقاصِدِ. فَكانَ في تَعْيِينِ بَنِي إسْرائِيلَ إزالَةٌ لِوَهْمِ مَن تَوَهَّمَ أنَّهُ مَبْعُوثٌ إلى العَرَبِ خاصَّةً، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أتاهم مِن نَذِيرٍ مِن قَبْلِكَ﴾ وهَؤُلاءِ قَوْمُهُ، ولَمْ يَنْفِ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ نَذِيرًا لِغَيْرِهِمْ، فَلَوْ أمْكَنَكَ أنْ تَذْكُرَ عَنْهُ أنَّهُ ادَّعى أنَّهُ رَسُولٌ إلى العَرَبِ خاصَّةً لَكانَ ذَلِكَ حُجَّةً، فَأمّا وقَدْ نَطَقَ كِتابُهُ وعَرَفَ الخاصُّ والعامُ بِأنَّهُ ادَّعى أنَّهُ مُرْسَلٌ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وغَيْرِهِمْ فَلا حُجَّةَ لَكَ. قالَ اليَهُودِيُّ: إنَّ أسْلافَنا مِنَ اليَهُودِ كُلَّهُمُ عَلى أنَّهُ ادَّعى ذَلِكَ، ولَكِنَّ العِيسَوِيَّةُ مِنّا تَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيُّ العَرَبِ خاصَّةً، ولَسْنا نَقُولُ بِقَوْلِهِمْ. ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ يَهُودِيٌّ مَعَهُ فَقالَ: نَحْنُ قَدْ جَرى شَأْوُنا عَلى اليَهُودِيَّةِ، وبِاللَّهِ أدْرِي كَيْفَ أتَخَلَّصُ مِن هَذا العَرَبِيِّ، إلّا أنَّهُ أقَلُّ ما يَجِبُ عَلَيْنا أنْ نَأْخُذَ بِهِ أنْفُسَنا النَّهْيُ عَنْ ذِكْرِهِ بِسُوءٍ.
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ: حَدَّثَنا مَعْنُ بْنُ عِيسى، حَدَّثَنا مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ، عَنْ أبِي فَرْوَةَ، ... عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أنَّهُ سَألَ كَعْبَ الأحْبارِ: كَيْفَ تَجِدُ نَعْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ؟ قالَ: نَجِدُهُ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، ومُهاجَرُهُ إلى طابَةَ، ويَكُونُ مُلْكُهُ بِالشّامِ، لَيْسَ بِفَحّاشٍ ولا صَخّابٍ بِالأسْواقِ، ولا يُكافِئُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ .... وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدّارِمِيُّ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنا أبُو الأحْوَصِ، عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: ... قالَ كَعْبٌ: نَجِدُ مَكْتُوبًا في التَّوْراةِ: مُحَمَّدٌ لا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ ولا صَخّابٌ بِالأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ، وأُمَّتُهُ الحَمّادُونَ، يُكَبِّرُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ نَجْدٍ، ويَحْمَدُونَهُ في كُلِّ مَنزِلَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلى أنْصافِهِمْ، ويَتَوَضَّئُونَ عَلى أطْرافِهِمْ، مُنادِيهِمْ يُنادِيهِمْ في جَوِّ السَّماءِ، صَفُّهم في القِتالِ وصَفُّهم في الصَّلاةِ سَواءٌ، لَهم دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، ومُهاجَرُهُ بِطابَةَ، ومُلْكُهُ بِالشّامِ.
قالَ الدّارِمِيُّ: أخْبَرَنا زَيْدُ بْنُ عَوْفٍ، حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ ذَكْوانَ أبِي صالِحٍ، ... عَنْ كَعْبٍ قالَ: في السَّطْرِ الأوَّلِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، عَبْدِي المُخْتارُ، لا فَظٌّ ولا غَلِيظٌ، ولا صَخّابٌ بِالأسْواقِ، ولا يُجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ولَكِنْ يَعْفُو ويَغْفِرُ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، وهِجْرَتُهُ بِطَيْبَةَ، ومُلْكُهُ بِالشّامِ. وفي السَّطْرِ الثّانِي: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، أُمَّتُهُ الحَمّادُونَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ في كُلِّ حالٍ ومَنزِلَةٍ، ويُكَبِّرُونَهُ عَلى كُلِّ شَرَفٍ، رُعاةُ الشَّمْسِ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ إذا جاءَ وقْتُها ولَوْ كانُوا عَلى رَأْسِ كُناسَةٍ، يَأْتَزِرُونَ عَلى أوْساطِهِمْ، ويُوَضِّئُونَ أطْرافَهُمْ، وأصْواتُهم بِاللَّيْلِ في جَوِّ السَّماءِ أصْواتُ النَّحْلِ ....
وَقالَ عاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، ... عَنْ نَمْلَةَ بْنِ أبِي نَمْلَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ يَدْرُسُونَ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كُتُبِهِمْ ويُعَلِّمُونَ الوِلْدانَ صِفَتَهُ واسْمَهُ ومُهاجَرَهُ، فَلَمّا ظَهَرَ حَسَدُوا وبَغَوْا ....
وَذَكَرَ أبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ مِن حَدِيثِ سُلَيْمانَ بْنِ سُحَيْمٍ، ورُمَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، كِلاهُما عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: سَمِعْتُ أبا مالِكِ بْنَ سِنانٍ، يَقُولُ: جِئْتُ لِبَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ يَوْمًا لِأتَحَدَّثَ فِيهِمْ، ونَحْنُ يَوْمَئِذٍ في هُدْنَةٍ مِنَ الحَرْبِ، فَسَمِعْتُ يُوشَعَ اليَهُودِيَّ، يَقُولُ: أظَلَّ خُرُوجُ نَبِيٍّ يُقالُ لَهُ: أحْمَدُ يَخْرُجُ مِنَ الحَرَمِ، فَقالَ لَهُ خَلِيفَةُ بْنُ ثَعْلَبَةَ الأشْهَلِيُّ كالمُسْتَهْزِئِ بِهِ: ما صِفَتُهُ؟ فَقالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالقَصِيرِ ولا بِالطَّوِيلِ، في عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، ويَرْكَبُ الحِمارَ، وهَذا البَلَدُ مُهاجَرُهَ، قالَ: فَرَجَعْتُ إلى قَوْمِي بَنِي خُدْرَةَ، وأنا يَوْمَئِذٍ أتَعَجَّبُ مِمّا يَقُولُ يُوشَعُ، فَأسْمَعُ رَجُلًا مِنّا يَقُولُ: (هَذا وحْدَهُ يَقُولُهُ؟!) كُلُّ يَهُودِ يَثْرِبَ تَقُولُ هَذا، قالَ أبِي: فَخَرَجْتُ حَتّى جِئْتُ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَتَذاكَرُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ الزُّبَيْرُ بْنُ باطا: قَدْ طَلَعَ الكَوْكَبُ الأحْمَرُ الَّذِي لَمْ يَطْلُعُ إلّا بِخُرُوجِ نَبِيٍّ وظُهُورِهِ، ولَمْ يَبْقَ أحَدٌ إلّا أحْمَدَ هَذِهِ مُهاجَرُهُ.
قالَ أبُو سَعِيدٍ: فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أخْبَرَهُ أبِي هَذا الخَبَرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أسْلَمَ الزُّبَيْرُ وذَوُوهُ مِن رُؤَساءِ يَهُودَ لَأسْلَمَتْ يَهُودُ كُلُّها، إنَّما هم لَهم تَبَعٌ.
وَقالَ النَّضْرُ بْنُ سَلَمَةَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ إبْراهِيمَ، عَنْ صالِحِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، ... عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ في بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ إلّا يَهُودِيٌّ واحِدٌ يُقالُ لَهُ يُوشَعُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وإنِّي لِغُلامٌ: قَدْ أظَلَّكم خُرُوجُ نَبِيٍّ يُبْعَثُ مِن نَحْوِ هَذا البَيْتِ، ثُمَّ أشارَ بِيَدِهِ إلى نَحْوِ بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ، فَمَن أدْرَكَهُ فَلْيُصَدِّقْهُ، فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمْنا وهو بَيْنَ أظْهُرِنا ولَمْ يُسْلِمْ حَسَدًا وبَغْيًا ....
قالَ النَّضْرُ: وحَدَّثَنا عَبْدُ الجَبّارِ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العامِرِيِّ، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ، قالَ: ما كانَ في الأوْسِ والخَزْرَجِ رَجُلٌ أوْصَفُ لِمُحَمَّدٍ مِن أبِي عامِرٍ الرّاهِبِ، كانَ يَأْلَفُهُ اليَهُودُ ويَسْألُهم عَنِ الدِّينِ ويُخْبِرُونَهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ هَذِهِ دارُ هِجْرَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ إلى يَهُودِ تَيْما فَأخْبَرُوهُ بِمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى الشّامِ فَسَألَ النَّصارى فَأخْبَرُوهُ بِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأنَّ مُهاجَرَهُ يَثْرِبُ، فَرَجَعَ أبُو عامِرَ وهو يَقُولُ: أنا عَلى دِينِ الحَنِيفِيَّةِ، وأقامَ مُتَرَهِّبًا ولَبِسَ المُسُوحَ، وزَعَمَ أنَّهُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وأنَّهُ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا خَرَجَ وظَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ وأقامَ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ. فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ حَسَدَهُ وبَغى ونافَقَ، وأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ بِمَ جِئْتَ؟ بِمَ بُعِثْتَ؟ قالَ: بِالحَنِيفِيَّةِ، قالَ: أنْتَ تَخْلِطُها بِغَيْرِها؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أتَيْتُ بِها بَيْضاءَ، أيْنَ ما كانَ يُخْبِرُكَ بِهِ الأحْبارُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِن وصْفِي؟ فَقالَ: لَسْتَ بِالَّذِي وصَفُوا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: كَذَبْتَ، فَقالَ: ما كَذَبْتُ، فَقالَ الرَّسُولُ ﷺ: الكاذِبُ أماتَهُ اللَّهُ وحِيدًا طَرِيدًا، قالَ: آمِينَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكَّةَ وكانَ مَعَ قُرَيْشٍ يَتْبَعُ دِينَهم وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ، فَلَمّا أسْلَمْ أهْلُ الطّائِفِ لَحِقَ بِالشّامِ فَماتَ بِها طَرِيدًا غَرِيبًا وحِيدًا.
وَقالَ الواقِدِيُّ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّقَفِيُّ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ في جَماعَةٍ، كُلٌّ حَدَّثَنِي بِطائِفَةٍ مِنَ الحَدِيثِ، ... عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أنَّهُ دَخَلَ عَلى المُقَوْقِسِ، وأنَّهُ قالَ لَهُ: إنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَوْ أصابَ القِبْطُ والرُّومُ اتَّبَعُوهُ، قالَ المُغَيَّرَةُ: فَأقَمْتُ بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ لا أدَعُ كَنِيسَةً إلّا دَخَلْتُها، وسَألْتُ أساقِفَتَها مِن قِبْطِها ورُومِها عَمّا يَجِدُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ. وكانَ أُسْقُفٌّ مِنَ القِبْطِ وهو رَأْسُ كَنِيسَةِ أبِي مُحَيِّسٍ، كانُوا يَأْتُونَ بِمَرْضاهم فَيَدْعُو لَهُمْ، لَمْ أرَ أحَدًا لا يُصَلِّي الخَمْسَ أشَدَّ اجْتِهادًا مِنهُ، فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي هَلْ بَقِيَ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ؟ قالَ: نَعَمْ وهو آخِرُهم لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ عِيسى أحَدٌ، وهو نَبِيٌّ قَدْ أمَرَنا عِيسى بِاتِّباعِهِ، وهو النَّبِيُّ الأُمِّيُّ العَرَبِيُّ، اسْمُهُ أحْمَدُ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ ولا بِالقَصِيرِ، في عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، ولَيْسَ بِالأبْيَضِ ولا بِالآدَمِ يُعْفِي شَعْرَهُ، ويَلْبَسُ ما غَلُظَ مِنَ الثِّيابِ، ويَجْتَزُّ بِما لَقِيَ مِنَ الطَّعامِ، سَيْفُهُ عَلى عاتِقِهِ، ولا يُبالِي مَن لاقاهُ يُباشِرُ القِتالَ بِنَفْسِهِ، ومَعَهُ أصْحابُهُ يَفْدُونَهُ بِأنْفُسِهِمْ، هم لَهُ أشَدُّ حُبًّا مِن أوْلادِهِمْ وآبائِهِمْ، يَخْرُجُ مِن أرْضِ القَرَظِ، ومِن حَرَمٍ يَذْهَبُ إلى حَرَمٍ، يُهاجِرُ إلى أرْضِ سَبِخَةٍ ونَخْلٍ، يَدِينُ بِدِينِ إبْراهِيمَ، يَأْتَزِرُ عَلى وسَطِهِ، ويَغْسِلُ أطْرافَهُ، ويُخَصُّ بِما لَمْ يُخَصَّ بِهِ الأنْبِياءُ قَبْلَهُ، وكانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ وبُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وجُعِلَتْ لَهُ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا، أيْنَما أدْرَكَتْهُ الصَّلاةُ تَيَمَّمَ وصَلّى، ومَن كانَ قَبْلَهم مُشْدُدٌ عَلَيْهِمْ، لا يُصَلُّونَ إلّا في الكَنائِسِ والبِيَعِ ....
وَقالَ الطَّبَرانِيُّ: حَدَّثَنا عَلَيُّ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ، حَدَّثَنا المَسْعُودِيُّ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ هِشامِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أبِيهِ، ... عَنْ جَدِّهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، أنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرٍو، ووَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَرَجا يَلْتَمِسانِ الدِّينَ حَتّى انْتَهَيا إلى راهِبٍ بِالمَوْصِلِ، فَقالَ لِزَيْدٍ: مَن أيْنَ أقْبَلْتَ؟ قالَ: مِن بَيْتِ إبْراهِيمَ، قالَ: وما تَلْتَمِسُ؟ قالَ: ألْتَمِسُ الدِّينَ، قالَ: ارْجِعْ فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَظْهَرَ الَّذِي تُطالِبُ في أرْضِكَ، فَرَجَعَ وهو يَقُولُ: لَبَّيْكَ حَقًّا حَقًّا، تَعَبُّدًا ورِقًّا.
وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ في كِتابِ الأعْلامِ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو، حَدَّثَنا العَلاءُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنِي أبِي، عَنْ أبِيهِ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سَوِيَّةَ، ... عَنْ أبِيهِ خَلِيفَةَ بْنِ عَبْدَةَ المَنقِرِيِّ، قالَ: سَألْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَدِيٍّ: كَيْفَ سَمّاكَ أبُوكَ مُحَمَّدًا؟ قالَ: أما إنِّي قَدْ سَألْتُ أبِي عَمّا سَألْتَنِي عَنْهُ، فَقالَ: خَرَجْتُ رابِعَ أرْبَعَةٍ مِن بَنِي تَمِيمٍ أنا أحَدُهم وسُفْيانُ بْنُ مُجاشِعِ بْنِ دارِمٍ، ويَزِيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، وأُسامَةُ بْنُ مالِكِ بْنِ جُنْدُبٍ نُرِيدُ ابْنَ جَفْنَةَ الغَسّانِيَّ، فَلَمّا قَدِمْنا الشّامَ نَزَلْنا عَلى غَدِيرٍ فِيهِ شَجَراتٌ وقَرْيَةُ دِيرانِيٍّ فَأشْرَفَ عَلَيْنا، وقالَ: إنَّ هَذِهِ اللُّغَةَ ما هي لِأهْلِ هَذا البَلَدِ، قُلْنا: نَعَمْ نَحْنُ قَوْمٌ مِن مُضَرَ، قالَ: مِن أيِّ المُضَرِيِّينَ؟ قُلْنا: مِن خِنْدَفٍ، قالَ: أمّا إنَّهُ سَيُبْعَثُ مِنكم وشِيكًا نَبِيٌّ، فَسارِعُوا إلَيْهِ وخُذُوا بِحَظِّكم مِنهُ تَرْشُدُوا، فَإنَّهُ خاتَمُ النَّبِيِّينَ، واسْمُهُ مُحَمَّدٌ، فَلَمّا انْصَرَفْنا مِن عِنْدِ ابْنِ جَفْنَةَ الغَسّانِيِّ، وصِرْنا إلى أهْلِنا، وُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنّا غُلامٌ فَسَمّاهُ مُحَمَّدًا.
وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ: حَدَّثَنا رَوْحٌ، حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكَنِيسَةَ فَإذا هو بِيَهُودَ، وإذا يَهُودِيٌّ يَقْرَأُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةَ، فَلَمّا أتَوْا عَلى صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ أمْسَكُوا، وفي ناحِيَتِها رَجُلٌ مَرِيضٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما لَكم أمْسَكْتُمْ؟ قالَ المَرِيضُ: إنَّهم أتَوْا عَلى صِفَةِ نَبِيٍّ فَأمْسَكُوا، ثُمَّ جاءَ المَرِيضُ يَحْبُو حَتّى أخَذَ التَّوْراةَ، فَقَرَأ حَتّى أتى عَلى صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: هَذِهِ صِفَتُكَ وصِفَةُ أُمَّتِكَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ ماتَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ: خُذُوا أخاكم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences