Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
As-Saf 61:6–14, continued
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، قالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ بْنُ الحُصَيْنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ... عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، قالَ: لَمّا قَدِمَ تُبَّعٌ المَدِينَةِ ونَزَلَ بِقُباءَ بَعَثَ إلى أحْبارِ اليَهُودِ فَقالَ: إنِّي مُخَرِّبٌ هَذا البَلَدَ حَتّى لا تَقُومَ بِهِ يَهُودِيَّةٌ، ويَرْجِعَ الأمْرُ إلى العَرَبِ، فَقالَ لَهُ شَمْوالُ اليَهُودِيُّ، وهو يَوْمَئِذٍ أعْلَمُهُمْ، أيُّها المَلِكُ! إنَّ هَذا بَلَدٌ يَكُونُ إلَيْهِ مُهاجَرَةُ نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْماعِيلَ، مَوْلِدُهُ بِمَكَّةَ، اسْمُهُ أحْمَدُ، وهَذِهِ دارُ هِجْرَتِهِ. وإنَّ مَنزِلَكَ هَذا الَّذِي أنْتَ بِهِ يَكُونُ بِهِ مِنَ القَتْلِ والجِراحِ كَثِيرٌ مِن أصْحابِهِ وفي عَدُوِّهِمْ، قالَ تُبَّعٌ: ومَن يُقاتِلُهُ يَوْمَئِذٍ وهو نَبِيٌّ كَما تَزْعُمُونَ؟ قالَ: يَسِيرُ إلَيْهِ قَوْمُهُ فَيَقْتَتِلُونَ هاهُنا، قالَ: فَأيْنَ قَبْرُهُ، قالَ: بِهَذا البَلَدِ، قالَ: فَإذا قُوتِلَ لِمَن تَكُونُ الدّائِرَةُ؟ قالَ: تَكُونُ لَهُ مَرَّةٌ وعَلَيْهِ مَرَّةٌ، وبِهَذا المَكانِ الَّذِي أنْتَ بِهِ يَكُونُ عَلَيْهِ وتُقْتَلُ أصْحابُهُ قَتْلًا لَمْ يُقْتُلُوهُ في مَوْطِنٍ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ العاقِبَةُ، ويَظْهَرُ فَلا يُنازِعُهُ في هَذا الأمْرِ أحَدٌ، قالَ: وما صِفَتُهُ؟ قالَ: رَجُلٌ لَيْسَ بِالقَصِيرِ ولا بِالطَّوِيلِ، في عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، يَرْكَبُ البَعِيرَ، ويَلْبَسُ الشَّمْلَةَ، سَيْفُهُ عَلى عاتِقِهِ، لا يُبالِي مَن لاقى مِن أخٍ وابْنِ عَمٍّ أوْ عَمٍّ، حَتّى يَظْهَرَ أمْرُهُ، قالَ تُبَّعٌ: ما إلى هَذِهِ البَلَدِ مِن سَبِيلٍ، وما كانَ يَكُونُ خَرابُها عَلى يَدَيَّ، فَخَرَجَ تُبَّعٌ مُنْصَرِفًا إلى اليَمَنِ.
قالَ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ عَنْ أبِيهِ: ... لَمْ يَمُتْ تُبَّعٌ حَتّى صَدَّقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ لِما كانَ يَهُودُ يَثْرِبَ يُخْبِرُونَهُ، وأنَّ تُبَّعَ ماتَ مُسْلِمًا ....
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنا عَبْدُ الحَمِيدِ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: كانَ الزُّبَيْرُ بْنُ باطا أعْلَمَ اليَهُودِ وكانَ يَقُولُ: إنِّي وجَدْتُ سِفْرًا كانَ أبِي يَكْتُمُهُ عَلَيَّ، فِيهِ ذِكْرُ أحْمَدَ، نَبِيٌّ يَخْرُجُ بِأرْضِ القَرَظِ، صِفَتُهُ كَذا وكَذا، فَيُحَدِّثُ بِهِ الزُّبَيْرُ بَعْدَ أبِيهِ، والنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يُبْعَثْ بَعْدُ فَما هو إلّا أنْ سَمِعَ بِالنَّبِيِّ ﷺ قَدْ خَرَجَ بِمَكَّةَ فَعَمَدَ إلى ذَلِكَ السِّفْرِ فَمَحاهُ وكَتَمَ شَأْنَ النَّبِيِّ ﷺ، وقالَ: لَيْسَ بِهِ.
قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو: وحَدَّثَنِي الضَّحّاكُ بْنُ عُثْمانَ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ كُرَيْبٍ، ... عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ يَهُودُ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وفَدَكٍ وخَيْبَرَ يَجِدُونَ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَهم قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، وإنَّ دارَ هِجْرَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَتْ أحْبارُ يَهُودَ: وُلِدَ أحْمَدُ اللَّيْلَةَ، هَذا الكَوْكَبُ قَدْ طَلَعَ، فَلَمّا تَنَبَّأ قالُوا تَنَبَّأ أحْمَدُ، قَدْ طَلَعَ الكَوْكَبُ، كانُوا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ ويُقِرُّونَ بِهِ ويَصِفُونَهُ، فَما مَنَعَهم إلّا الحَسَدُ والبَغْيُ ....
وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ: أخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ وغَيْرِهِ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، ... عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَكَنَ يَهُودِيٌّ بِمَكَّةَ يَبِيعُ بِها تِجاراتٍ، فَلَمّا كانَتْ لَيْلَةُ وُلِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ قُرَيْشٍ: هَلْ كانَ فِيكم مِن مَوْلُودٍ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قالُوا: لا نَعْلَمُهُ، قالَ: انْظُرُوا يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، احْصُوا ما أقُولُ لَكُمْ، ولِدَ نَبِيُّ هَذِهِ الأُمَّةِ أحْمَدُ، وبِهِ شامَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فِيها شَعَراتٌ، فَتَصَدَّعَ القَوْمُ مِن مَجالِسِهِمْ، وهم يَعْجَبُونَ مِن حَدِيثِهِ، فَلَمّا صارُوا في مَنازِلِهِمْ ذَكَرُوهُ لِأهالِيهِمْ، فَقِيلَ لِبَعْضِهِمْ: وُلِدَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ اللَّيْلَةَ غُلامٌ وسَمّاهُ مُحَمَّدًا، فَأتَوُا اليَهُودِيَّ في مَنزِلِهِ فَقالُوا لَهُ: أعَلِمْتَ أنَّهُ وُلِدَ فِينا اللَّيْلَةَ غُلامٌ؟ فَقالَ: أبَعْدَ خَبَرِي أمْ قَبْلَهُ؟ فَقالُوا: قَبْلَهُ، واسْمُهُ أحْمَدُ، فَقالَ: فاذْهَبُوا بِنا إلَيْهِ، فَخَرَجُوا مَعِي حَتّى أتَوْا أُمَّهُ، فَأخْرَجَتْهُ إلَيْهِمْ، فَرَأى الشّامَةَ في ظَهْرِهِ، فَغُشِيَ عَلَيْهِ - أيِ اليَهُودِيُّ -، فَلَمّا أفاقَ، قالُوا: ما لَكَ؟ ويْلَكَ! فَقالَ: ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وخَرَجَ الكِتابُ مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ، وفازَتِ العَرَبُ بِالنُّبُوَّةِ، أفَرِحْتُمْ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ؟ أما واللَّهِ لَيَسْطُوَنَّ بِكم سَطْوَةً يَخْرُجُ نَبَؤُها مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ ....
قالَ ابْنُ سَعْدٍ: وأخْبَرَنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُجاهِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ سالِمٍ مَوْلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ المِدْراسِ، فَقالَ: أخْرِجُوا إلَيَّ أعْلَمَكُمْ، فَقالُوا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا، فَخَلا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَناشَدَهُ بِدِينِهِ وبِما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وأطْعَمَهم مِنَ المَنِّ والسَّلْوى، وظَلَّلَهم مِنَ الغَمامِ، أتَعْلَمُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، وإنَّ القَوْمَ لَيَعْرِفُونَ ما أعْرِفُ، وإنَّ صِفَتَكَ ونَعْتَكَ لَبَيِّنٌ في التَّوْراةِ ولَكِنْ حَسَدُوكَ، قالَ: فَما يَمْنَعُكَ أنْتَ؟ قالَ: أكْرَهُ خِلافَ قَوْمِي عَسى أنْ يَتَّبِعُوكَ ويُسْلِمُوا فَأُسْلِمَ
وَقالَ أبُو الشَّيْخِ الأصْبَهانِيُّ: حَدَّثَنا أبُو يَحْيى الرّازِيُّ، حَدَّثَنا سُهَيْلُ بْنُ عُثْمانَ، حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ داوُدَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كُنْتُ آتِي اليَهُودَ عِنْدَ دِراسَتِهِمُ التَّوْراةَ، فَأعْجَبُ مِن مُوافَقَةِ التَّوْراةِ القُرْآنَ، ومُوافَقَةِ القُرْآنَ لِلتَّوْراةِ، فَقالُوا: يا عُمَرُ، ما أحَدٌّ أحَبُّ إلَيْنا مِنكَ لِأنَّكَ تَغْشانا، قُلْتُ: إنَّما أجِيءُ لِأعْجَبَ مِن تَصْدِيقِ كِتابِ اللَّهِ بَعْضِهِ بَعْضًا، فَبَيْنا أنا عِنْدَهم ذاتَ يَوْمٍ إذْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: هَذا صاحَبُكَ، فَقُلْتُ: أنْشُدُكُمُ اللَّهَ وما أنْزَلَ عَلَيْكم مِنَ الكِتابِ، أتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ فَقالَ سَيِّدُهُمْ: إنَّهُ قَدْ نَشَدَكُمُ اللَّهَ فَأخْبِرُوهُ، فَقالُوا: أنْتَ سَيِّدُنا فَأخْبِرْهُ، فَقالَ: إنّا نَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، قَلَتْ: فَأنّى أهْلَكَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ تَتَّبِعُوهُ؟ قالُوا: إنَّ لَنا عَدُوًّا مِنَ المَلائِكَةِ وسِلْمًا مِنَ المَلائِكَةِ، عَدُوُّنا جِبْرِيلُ وهو مَلَكُ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ، وسِلْمُنا مِيكائِيلُ وهو مَلَكُ الرَّأْفَةِ والرَّحْمَةِ واللِّينِ. وجِبْرِيلُ صاحِبُهُ، قُلْتُ: فَإنِّي أشْهَدُ ما يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أنْ يُعادِيَ سِلْمَ مِيكائِيلَ، ولا لِمِيكائِيلَ أنْ يُعادِيَ سِلْمَ جِبْرِيلَ، ولا أنْ يُسالِمَ عَدُوَّهَ، ثُمَّ قُمْتُ فاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ألا أُقْرِئُكَ آياتٍ نَزَلَتْ عَلَيَّ قُلْتُ: قُلْ، فَتَلا مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ الآيَةَ، فَقُلْتُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ نَبِيًّا ما جِئْتُ إلّا لِأُخْبِرُكَ بِقَوْلِ اليَهُودِ، قالَ عُمَرُ: فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أشَدَّ في دِينِ اللَّهِ مِن حَجَرٍ.
وَذَكَرَ أبُو نُعَيْمٍ مِن ... حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، قالَ: رَغِبْتُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِي في الجاهِلِيَّةِ، ورَأيْتُ أنَّها عَلى الباطِلِ يَعْبُدُونَ الحَجَرَةَ وهي لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَلَقِيَتْ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ فَسَألْتُهُ عَنْ أفْضَلِ الدِّينِ؟ فَقالَ: يَخْرُجُ رَجُلٌ مِن مَكَّةَ ويَرْغَبُ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ، ويَأْتِي بِأفْضَلِ الدَّيْنِ، فَإذا سَمِعْتَ بِهِ فاتَّبِعْهُ، فَلَمْ يَكُنْ لِي هَمٌّ إلّا مَكَّةَ آتِيها فَأسْألُ: هَلْ حَدَثَ فِيها خَبَرٌ؟ فَيَقُولُونَ: لا، فَأنْصَرِفُ إلى أهْلِي، وأعْتَرِضُ الرُّكْبانَ فَأسْألُهم فَيَقُولُونَ: لا، فَإنِّي لَقاعِدٌ إذْ مَرَّ بِي راكِبٌ، فَقُلْتُ: مَن أيْنَ جِئْتَ؟ قالَ: مِن مَكَّةَ، قُلْتُ: هَلْ حَدَثَ حَدَثٌ فِيها؟ قالَ: نَعَمْ، رَجُلٌ رَغِبَ عَنْ آلِهَةِ قَوْمِهِ ودَعا إلى غَيْرِها، قُلْتُ: صاحِبِي الَّذِي أُرِيدَ، فَشَدَدْتُ راحِلَتِي وجِئْتُ فَأسْلَمْتُ ....
وَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ: حَدَّثَنا مُوسى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، وعَنْ مُقاتِلٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أنَّ ثَمانِيَةً مِن أساقِفَةِ نَجْرانَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُمُ العاقِبُ والسَّيِّدُ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: {فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أبْناءَنا وأبْناءَكم ونِساءَنا ونِساءَكم وأنْفُسَنا وأنْفُسَكم ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَقالُوا: أخِّرْنا ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَذَهَبُوا إلى بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ فاسْتَشارُوهم فَأشارُوا عَلَيْهِمْ أنْ يُصالِحُوهُ ولا يُلاعِنُوهُ، وهو النَّبِيُّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، فَصالَحُوا النَّبِيَّ ﷺ عَلى ألْفِ حُلَّةٍ في صَفَرٍ، وألْفِ حُلَّةٍ في رَجَبٍ ودَراهِمَ. وقالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أبِي سَلَمٍ، ... عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ، فَلَمّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: {فَأمّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهم أكَفَرْتُمْ بَعْدَ إيمانِكم فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ.
وَقالَ ابْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي فُدَيْكٍ، عَنْ مُوسى بْنِ يَعْقُوبَ الزَّمَعِيِّ، ... عَنْ سَهْلٍ مَوْلى عَثْمَةَ أنَّهُ كانَ نَصْرانِيًّا، وكانَ يَتِيمًا في حِجْرِ عَمِّهِ وكانَ يَقْرَأُ الإنْجِيلَ، قالَ: فَأخَذْتُ مُصْحَفًا لِعَمِّي فَقَرَأْتُهُ حَتّى مَرَّتْ بِي ورَقَةٌ أنْكَرْتُ قِراءَتَها، فَإذا هي مُلْصَقَةٌ فَفَتَقْتُها فَوَجَدْتُ فِيها نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ لا قَصِيرَ ولا طَوِيلَ، أبْيَضَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ، يُكْثِرُ الِاجْتِباءَ ولا يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ، ويَرْكَبُ الحِمارَ والبَعِيرَ، ويَحْتَلِبُ الشّاةَ، ويَلْبَسُ قَمِيصًا مَرْقُوعًا، وهو مِن ذُرِّيَّةِ إسْماعِيلَ اسْمُهُ أحْمَدُ، قالَ: فَجاءَ عَمِّي فَرَأى الوَرَقَةَ فَضَرَبَنِي، وقالَ: ما لَكَ وفَتْحِ هَذِهِ الوَرَقَةَ: فَقُلْتُ: فِيها نَعْتُ النَّبِيِّ أحْمَدَ، فَقالَ: إنَّهُ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ ....
وَقالَ وهْبٌ: أوْحى اللَّهُ إلى أشْعِيا أنِّي مُبْتَعِثٌ نَبِيًّا أفْتَحُ بِهِ آذانًا صُمًّا وقُلُوبًا غُلْفًا، أجْعَلُ السَّكِينَةَ لِباسَهُ، والبِرَّ شِعارَهُ، والتَّقْوى ضَمِيرَهُ، والحِكْمَةَ مَعْقُولَهُ، والوَقارَ والصِّدْقَ طَبِيعَتَهُ، والعَفْوَ والمَغْفِرَةَ والمَعْرُوفَ خُلُقَهُ، والعَدْلَ سِيرَتَهُ، والحَقَّ شَرِيعَتَهُ، والهُدى إمامَهُ، والإسْلامَ مِلَّتَهُ، وأحْمَدَ اسْمَهُ، أُهْدِي بِهِ بَعْدَ الضَّلالَةِ، وأُعَلِّمُ بِهِ بَعْدَ الجَهالَةِ، وأُكَثِّرُ بِهِ بَعْدَ القِلَّةِ، وأجْمَعُ بِهِ بَعْدَ الفُرْقَةِ، وأُؤَلِّفُ بِهِ بَيْنَ قُلُوبٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأهْواءٍ مُتَشَتِّتَةٍ وأُمَمٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأجْعَلُ أُمَّتَهُ خَيْرَ أُمَّةٍ، وهم رُعاةُ الشَّمْسِ، طُوبى لِتِلْكَ القُلُوبِ ....
وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في حَدِيثِ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ... أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الشّامِ مِنَ النَّصارى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأتى عَلى نِسْوَةٍ قَدِ اجْتَمَعَتْ في يَوْمِ عِيدٍ مِن أعْيادِهِمْ، وقَدْ غابَ أزْواجُهُنَّ في بَعْضِ أُمُورِهِمْ، فَقالَ: يا نِساءَ تَيْماءَ إنَّهُ سَيَكُونُ فِيكم نَبِيٌّ يُقالُ لَهُ أحْمَدُ، وأيُّما امْرَأةٍ مِنكُنَّ اسْتَطاعَتْ أنْ تَكُونَ لَهُ فِراشًا فَلْتَفْعَلْ، فَحَفِظَتْ خَدِيجَةُ حَدِيثَهُ ....
وَقالَ عَبْدُ المُنْعِمِ بْنُ إدْرِيسَ، عَنْ أبِيهِ، ... عَنْ وهْبٍ، قالَ في قِصَّةِ داوُدَ، وما أوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ في الزَّبُورِ: يا داوُدُ، إنَّهُ سَيَأْتِي مِن بَعْدَكَ نَبِيٌّ يُسَمّى أحْمَدَ ومُحَمَّدًا، صادِقًا سَيِّدًا، لا أغْضَبُ عَلَيْهِ أبَدًا، ولا يُغْضِبُنِي أبَدًا، قَدْ غَفَرْتُ لَهُ قَبْلَ أنْ يُغْضِبَنِي ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، وأُمَّتُهُ مَرْحُومَةٌ، أُعْطِيهِمْ مِنَ النَّوافِلِ مِثْلَ ما أعْطَيْتُ الأنْبِياءَ، وافْتَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الفَرائِضَ الَّتِي افْتَرَضْتُ عَلى الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، حَتّى يَأْتُونِي يَوْمَ القِيامَةِ ونُورُهم مِثْلَ نُورِ الأنْبِياءِ قَبْلَهُمْ، وذَلِكَ أنِّي افْتَرَضْتُ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَطَهَّرُوا كُلَّ صَلاةٍ كَما افْتَرَضْتُ عَلى الأنْبِياءِ قَبْلَهُمْ، وأمَرْتُهم بِالحَجِّ كَما أمَرْتُ الأنْبِياءَ قَبْلَهُمْ، وأمَرْتُهم بِالجِهادِ كَما أمَرْتُ الرُّسُلَ قَبْلَهُمْ، يا داوُدُ إنِّي فَضَّلْتُ مُحَمَّدًا وأُمَّتَّهُ عَلى الأُمَمِ كَما أعْطَيْتُهم سِتَّ خِصالٍ لَمْ أُعْطِها غَيْرَهم مِنَ الأُمَمِ، لا أُؤاخِذُهم بِالخَطَأِ والنِّسْيانِ، وكُلُّ ذَنْبٍ رَكِبُوهُ عَلى غَيْرِ عَمْدٍ إذا اسْتَغْفَرُونِي مِنهُ غَفَرْتُهُ لَهُمْ، وما قَدَّمُوا لِآخِرَتِهِمْ مِن شَيْءٍ، طَيِّبَةٌ بِهِ أنْفُسُهُمْ، عَجَّلْتُ لَهم أضْعافًا مُضاعَفَةً، ولَهم عِنْدِي في المَدْخُورِ أضْعافًا مُضاعِفَةً، وأفْضَلُ مِن ذَلِكَ، وأعْطَيْتُهم عَلى المَصائِبِ إذا صَبَرُوا واسْتَرْجَعُوا الصَّلاةَ والرَّحْمَةَ والهُدى، وإنْ دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهُمْ، يا داوُدُ، مَن لَقِيَنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنا وحْدِي لا شَرِيكَ لِي صادِقًا بِها، فَهو مَعِي في جَنَّتِي وكَرامَتِي، ومَن لَقِيَنِي وقَدْ كَذَّبَ مُحَمَّدًا أوْ كَذَّبَ بِما جاءَ بِهِ، واسْتَهْزَأ بِكِتابِي، صَبَبْتُ عَلَيْهِ في قَبْرِهِ العَذابَ صَبًّا، وضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ عِنْدَ مَنشَرِهِ في قَبْرِهِ، ثُمَّ أُدْخِلُهُ الدَّرْكَ الأسْفَلَ مِنَ النّارِ ....
وَقالَ عَفّانُ: حَدَّثَنا هَمّامٌ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ زُراةَ بْنِ أوْفى، ... عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مالِكٍ أنَّهُ قالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الأشْعَرِيِّ فَأصَبْنا قَبْرَ دانْيالَ بِالسُّوَيْسِ، وكانُوا إذا اسْتَسْقَوْا خَرَجُوا فاسْتَسْقَوْا بِهِ فَوَجَدُوا مَعَهُ رُقْعَةً فَطَلَبَها نَصْرانِيٌّ مِنَ الحِيرَةِ يُسَمّى نُعَيْمًا فَقَرَأها، وفي أسْفَلِها: ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ فَأسْلَمَ فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ اثْنانِ وأرْبَعُونَ حَبْرًا، وذَلِكَ في خِلافَةِ مُعاوِيَةَ فَأتْحَفَهم وأعْطاهم. قالَ هَمّامٌ: فَأخْبَرَنِي بِسْطامُ بْنُ مُسْلِمٍ أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ قُرَّةَ قالَ: تَذاكَرْنا الكِتابَ إلى ما صارَ، فَمَرَّ عَلَيْنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ فَدَعَوْناهُ، فَقالَ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، إنَّ الكِتابَ كانَ عِنْدَ كَعْبٍ فَلَمّا احْتُضِرَ قالَ: ألا أئْتَمِنَهُ عَلى أمانَةٍ يُؤَدِّيها؟ قالَ شَهْرٌ: فَقالَ ابْنُ عَمٍّ لِي يُكَنّى أبا لَبِيدٍ: أنا، فَدَفَعَ إلَيْهِ الكِتابَ، فَقالَ: إذا بَلَغْتَ مَوْضِعَ كَذا وكَذا فارْكَبْ قَرَقُورامَ ثُمَّ اقْذِفْ بِهِ في البَحْرِ فَفَعَلَ، فانْفَرَجَ الماءُ فَقَذَفَهُ فِيهِ، ورَجَعَ إلى كَعْبٍ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: صَدَقْتَ إنَّهُ مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
[فصل]
قالَ السّائِلُ:
فَإنْ قُلْتُمْ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وكَعْبَ الأحْبارِ، ونَحْوَهُما شَهِدُوا لَنا بِذَلِكَ مِن كُتُبِهِمْ، فَهَلّا أتى ابْنُ سَلامٍ وأصْحابُهُ الَّذِينَ أسْلَمُوا بِالنُّسَخِ الَّتِي لَهم كَيْ تَكُونَ شاهِدَةً عَلَيْنا؟ والجَوابُ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: أنَّ شَواهِدَ النُّبُوَّةِ وآيَتَها لا تَنْحَصِرُ فِيما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِن نَعْتِ النَّبِيِّ وصِفَتِهِ، وشَواهِدُها مُتَنَوِّعَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ جِدًّا، ونَعْتُهُ في الكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ فَرْدٌ مِن أفْرادِها.
وَجُمْهُورُ أهْلِ الأرْضِ لَمْ يَكُنْ إسْلامُهم عَنِ الشَّواهِدِ والأخْبارِ الَّتِي في كُتُبِكُمْ، وأكْثَرُهم لا يَعْلَمُونَها ولا سَمِعُوها بَلْ أسْلَمُوا لِلشَّواهِدِ الَّتِي عايَنُوها، والآياتِ الَّتِي شاهَدُوها، وجاءَتْ تِلْكَ الشَّواهِدُ الَّتِي عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مُقَوِّيَةً وعاضِدَةً مِن بابِ تَقْوِيَةِ البِنْيَةِ، وقَدْ تَمَّ النِّصابُ بِدُونِها. فَهَؤُلاءِ العَرَبُ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ لَمْ يَتَوَقَّفْ إسْلامُهم عَلى مَعْرِفَةِ ما عِنْدَ أهْلِ الكِتابِ مِنَ الشَّواهِدِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ قَدْ بَلَغَ بَعْضَهم وسَمِعَهُ مِنهم قَبْلَ النُّبُوَّةِ وبَعْدَها، كَما كانَ الأنْصارُ يَسْمَعُونَ مِنَ اليَهُودِ صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ وبَعْثَهُ ومَخْرَجَهُ، فَلَمّا عايَنُوهُ وأبْصَرُوهُ عَرَفُوهُ بِالنَّعْتِ الَّذِي أخْبَرَهم بِهِ اليَهُودُ فَسَبَقُوهم إلَيْهِ، فَشَرِقَ أعْداءُ اللَّهِ بِرِيقِهِمْ وغُصُّوا بِمائِهِمْ، وقالُوا: لَيْسَ هو الَّذِي كُنّا نَعِدُهم بِهِ.
والعِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ والمَسِيحِ ومُوسى لا يَتَوَقَّفُ عَلى العِلْمِ بِأنَّ مَن قَبْلَهم أخْبَرَهم وبَشَّرَ بِنُبُوَّتِهِمْ، بَلْ طُرُقُ العِلْمِ بِها مُتَعَدِّدَةٌ، فَإذا عُرِفَتْ نُبُوَّةُ النَّبِيِّ ﷺ بِطَرِيقٍ مِنَ الطُّرُقِ ثَبَتَتْ نُبُوَّتُهُ ووَجَبَ اتِّباعُهُ، وإنْ لَمْ يُعْلَمْ أنَّ مَن قَبْلَهُ بَشَّرَ بِهِ. وإذا عُلِمَتْ نُبُوَّتُهُ بِما قامَ عَلَيْها مِنَ البَراهِينِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ تَبْشِيرُ مَن قَبْلُهُ بِهِ لازِمًا لِنُبُوَّتِهِ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ لازِمًا، فَإنْ لَمْ يَكُنْ لازِمًا لَمْ يَجِبْ وُقُوعُهُ ولا يَتَوَقَّفْ تَصْدِيقُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ، بَلْ يَجِبُ تَصْدِيقُهُ بِدُونِهِ، وإنْ كانَ لازِمًا عُلِمَ قَطْعًا أنَّهُ قَدْ وقَعَ، وعَدَمُ نَقْلِهِ إلَيْنا لا يَدُلُّ عَلى عَدَمِ وُقُوعِهِ، إذْ لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الشَّيْءِ نَقْلُهُ العامِّ ولا الخاصِّ، ولَيْسَ كُلُّ ما أخْبَرَ بِهِ مُوسى والمَسِيحُ وغَيْرُهُما مِنَ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ وصَلَ إلَيْنا، وهَذا مِمّا عُلِمَ بِالِاضْطِرادِ. فَلَوْ قُدِّرَ أنَّ البِشارَةَ بِنُبُوَّتِهِ ﷺ لَيْسَتْ في الكُتُبِ المَوْجُودَةِ بِأيْدِيكُمْ، لَمْ يَلْزَمْ أنْ لا يَكُونَ غَيْرُهُ بَشَّرَ بِهِ، ولَمْ يَنْفَكَّ، ويُمْكِنْ أنْ يَكُونَ في كُتُبٍ غَيْرِ هَذِهِ المَشْهُورَةِ المُتَداوَلَةِ بَيْنَكُمْ، فَلَمْ تَزَلْ عِنْدَ كُلِّ أُمَّةٍ كُتُبٌ لا يَطَّلِعُ عَلَيْها إلّا بَعْضُ خاصَّتِهِمْ، فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ عامَّتِهِمْ، ويُمَكِّنُ أنَّهُ كانَ في بَعْضِها فَأُزِيلَ مِنهُ وبُدِّلَ، ونُسِخَتِ النُّسَخُ مِن هَذِهِ الَّتِي قَدْ بُدِّلَتْ واشْتَهَرَتْ، بِحَيْثُ لا يُعْرَفُ غَيْرُها، واخْتَفى أمْرُ تِلْكَ النُّسَخِ الأُولى، وهَذا كُلُّهُ مُمْكِنٌ، لا سِيَّما مِنَ الأُمَّةِ الَّتِي تَواطَأتْ عَلى تَبْدِيلِ دِينِ نَبِيِّها وشَرِيعَتِهِ، هَذا كُلُّهُ عَلى تَقْدِيرِ عَدَمِ البِشارَةِ بِهِ في شَيْءٍ مِن كُتُبِهِمْ أصْلًا. ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنا مِنَ البِشاراتِ بِهِ في كُتُبِهِمْ ما لا يُمْكِنُ مِنهم جَحْدُهُ والمُكابَرَةُ فِيهِ، وإنْ أمْكَنَهُمُ المُغالَطَةُ بِالتَّأْوِيلِ عِنْدَ رَعاعِهِمْ وجُهّالِهِمْ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ قَدْ قابَلَ اليَهُودَ ووافَقَهم بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى أنَّ ذِكْرَهُ ونَعْتَهُ وصِفَتَهُ في كُتُبِهِمْ، وأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وقَدْ شَهِدُوا بِأنَّهُ أعْلَمُهم وابْنُ أعْلَمِهِمْ، وخَيْرُهم وابْنُ خَيْرِهِمْ، فَلَمْ يَضُرَّ قَوْلَهم بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ شَرُّهم وابْنُ شَرِّهِمْ، وجاهِلُهم وابْنُ جاهِلِهِمْ، كَما إذا شَهِدَ عَلى رَجُلٍ شاهِدٌ عِنْدَ الحاكِمِ فَسَألَهُ عَنْهُ فَعَدَّلَهُ وقالَ: إنَّهُ مَقْبُولُ الشَّهادَةِ عَدْلٌ رَضِيٌّ لا يَشْهَدُ إلّا بِالحَقِّ، وشَهادَتُهُ جائِزَةٌ عَلَيَّ، فَلَمّا أدّى الشَّهادَةَ قالَ: إنَّهُ كاذِبٌ شاهِدُ زُورٍ، ومَعْلُومٌ أنَّ هَذا لا يَقْدَحُ في شَهادَتِهِ. وأمّا كَعْبُ الأحْبارِ فَقَدْ مَلَأ الدُّنْيا مِنَ الأخْبارِ بِما في النُّبُوّاتِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ البِشارَةِ بِهِ، وصَرَّحَ بِها بَيْنَ أظْهُرِ المُسْلِمِينَ واليَهُودَ والنَّصارى، وأذَّنَ بِها عَلى رُءُوسِ المَلَأِ، وصَدَّقَهُ مُسْلِمُو أهْلِ الكِتابِ عَلَيْها، وأخْبَرُوهُ عَلى ما أخْبَرَ بِهِ، فَإنَّهُ كانَ أوْسَعُهم عِلْمًا في كُتُبِ الأنْبِياءِ، وقَدْ كانَ الصَّحابَةُ يَمْتَحِنُونَ ما يَنْقُلُهُ ويُزِنُونَهُ بِما يَعْرِفُونَ صِحَّتَهُ فَيَعْلَمُونَ صِدْقَهُ، وشَهِدُوا لَهُ بِأنَّهُ أصْدَقُ مَن يَحْكُونَ لَهم عَنْ أهْلِ الكِتابِ أوْ مِن أصْدَقِهِمْ.
وَنَحْنُ اليَوْمُ نَنُوبُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وقَدْ وجَدْنا هَذِهِ البِشاراتِ في كُتُبِكُمْ، وهي شاهِدَةٌ لَنا عَلَيْكُمْ، والكُتُبُ بِأيْدِيكم فَأتُوا بِها فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.
وَعِنْدَنا مِمَّنْ وفَّقَهُ اللَّهُ لِلْإسْلامِ مِنكم مَن يُوافِقُكم ويُقابِلُكم ويُحاقِقُكم عَلَيْها، وإلّا فاشْهَدُوا عَلى أنْفُسِكم بِما شَهِدَ اللَّهُ ومَلائِكَتُهُ وأنْبِياؤُهُ ورُسُلُهُ وعِبادُهُ المُؤْمِنُونَ بِهِ عَلَيْكم مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ والجَحْدِ لِلْحَقِّ ومُعاداةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ.
الوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّهُ لَوْ أتاكم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِكُلِّ نُسْخَةٍ مُتَضَمِّنَةٍ لِغايَةِ البَيانِ والصَّراحَةِ لَكانَ في بَهَتَكم وعِنادِكم وكَذِبِكم ما يَدْفَعُ في وُجُوهِها ويُحَرِّفُها أنْواعَ التَّحْرِيفِ ما وجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا، فَإذا جاءَكم ما لا قِبَلَ لَكم بِهِ قُلْتُمْ لَيْسَ بِهِ، ولَمْ يَأْتِ بَعْدُ، وقُلْتُمْ: نَحْنُ لا نُفارِقُ حُكْمَ التَّوْراةِ، ولا نَتَّبِعُ نَبِيَّ الأُمِّيِّينَ، وقَدْ صَرَّحَ أسْلافُكُمُ الَّذِينَ شاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وعايَنُوهُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، وأنَّهُ المُبَشَّرُ بِهِ المَوْعُودُ بِهِ عَلى ألْسِنَةِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ، وثُمَّ مَن قالَ لَهُ مِنهم في وجْهِهِ: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ، فَقالَ: ما يَمْنَعُكُما مِنَ اتِّباعِي؟، قالَ: إنّا نَخافُ أنْ تَقْتُلَنا يَهُودُ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا العَذابَ الألِيمَ﴾.
وَقَدْ جاءَكم آياتٌ هي أعْظَمُ مِن بِشاراتِ الأنْبِياءِ بِهِ وأظْهَرُ، بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنها يَصْلُحُ أنْ يُؤْمِنَ عَلى مِثْلِها البَشَرُ، فَما زادَكم ذَلِكَ إلّا نُفُورًا وتَكْذِيبًا وإباءً لِقَبُولِ الحَقِّ، فَلَوْ أنْزَلَ إلَيْكم مَلائِكَتَهُ وكَلَّمَكُمُ المَوْتى وشَهِدَ لَهُ بِالنُّبُوَّةِ كُلُّ رَطْبٍ ويابِسٍ لَغَلَبَتْ عَلَيْكُمُ الشِّقْوَةُ وصِرْتُمْ إلى ما سَبَقَ لَكم في أُمِّ الكِتابِ. وقَدْ رَأى مَن كانَ أعْقَلَ مِنكم وأبْعَدَ مِنَ الحَسَدِ مِن آياتِ الأنْبِياءِ ما رَأوْا، وما زادَكم ذَلِكَ إلّا تَكْذِيبًا وعِنادًا، فَأسْلافُكم وقُدْوَتُكم في تَكْذِيبِ الأنْبِياءِ مِنَ الأُمَمِ لا يُحْصِيهِمْ إلّا اللَّهُ، حَتّى كَأنَّكم تَواصَيْتُمْ بِذَلِكَ، أوْصى بِهِ الأوَّلُ لِلْآخِرِ واقْتَدى فِيهِ الآخِرُ بِالأوَّلِ، قالَ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ ما أتى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا قالُوا ساحِرٌ أوْ مَجْنُونٌ أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾، وهَبْنا أنّا ضَرَبْنا مِن أخْبارِ الأنْبِياءِ المُتَقَدِّمِينَ بِهِ صَفْحًا، أفَلَيَسَ في الآياتِ والبَراهِينِ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدَيْهِ ما يَشْهَدُ لِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ؟! وسَنَذْكُرُ مِنها بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الأجْوِبَةِ طَرَفًا يَقْطَعُ المَعْذِرَةَ، ويُقِيمُ الحُجَّةَ، واللَّهُ المُسْتَعانُ.
61:7Page 552
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُوَ يُدۡعَىٰٓ إِلَى ٱلۡإِسۡلَٰمِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٧
And who is more unjust than one who invents about Allāh untruth while he is being invited to Islām. And Allāh does not guide the wrongdoing people.
No commentary for this ayah
61:8Page 552
يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨
They want to extinguish the light of Allāh with their mouths, but Allāh will perfect His light, although the disbelievers dislike it.
No commentary for this ayah
61:9Page 552
هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٩
It is He who sent His Messenger with guidance and the religion of truth to manifest it over all religion, although those who associate others with Allāh dislike it.
No commentary for this ayah
61:10–13Page 552
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ ١٠
O you who have believed, shall I guide you to a transaction that will save you from a painful punishment?
تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١١
[It is that] you believe in Allāh and His Messenger and strive in the cause of Allāh with your wealth and your lives. That is best for you, if you only knew.
يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ١٢
He will forgive for you your sins and admit you to gardens beneath which rivers flow and pleasant dwellings in gardens of perpetual residence. That is the great attainment.
وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٣
And [you will obtain] another [favor] that you love - victory from Allāh and an imminent conquest; and give good tidings to the believers.
(فصل)
وقد تظاهرت آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب في الجهاد والحض عليه ومدح أهله والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنجِيكَمْ مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠]
فتشوقت النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي الدال عليها رب العالمين العليم الحكيم فقال: ﴿تُؤْمِنُون بِاللهِ ورَسُولِهِ وتُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ بِأمْوالِكم وأنْفَسِكُمْ﴾ [الصف: ١١]
فكأن النفوس ضنت بحياتها وبقائها فقال: ﴿ذَلِكم خَيرٌ لَكم إن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يعني أن الجهاد خير لكم من قعودكم للحياة والسلامة، فكأنها قالت: فما لنا في الجهاد من الحظ؟ فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبِكُمْ﴾، مع المغفرة: ﴿يُدْخِلْكم جَنّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِها الأنْهارُ ومَساكِنَ طَيِّبَةً في جَنّاتِ عَدْنِ ذلِكَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ [الصف: ١٢]، فكأنها قالت: هذا في الآخرة فما لنا في الدنيا؟ فقال: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وفَتْحٌ قَرِيبٌ وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣].
فلله ما أحلى هذه الألفاظ، وما ألصقها بالقلوب، وما أعظمها جذبًا لها وتسييرًا إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب، وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه حين تباشره معانيها، فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم.
61:14Page 552
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ ١٤
O you who have believed, be supporters of Allāh, as when Jesus, the son of Mary, said to the disciples, "Who are my supporters for Allāh?" The disciples said, "We are supporters of Allāh." And a faction of the Children of Israel believed and a faction disbelieved. So We supported those who believed against their enemy, and they became dominant.
No commentary for this ayah
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences