Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
At-Talaq 65:1–3, continued
وَكَذَلِكَ سِحْرُ الوَهْمِ أيْضًا هو حِيلَةٌ وهْمِيَّةٌ، والواقِعُ شاهِدٌ بِتَأْثِيرِ الوَهْمِ والإيهامِ، ألا تَرى أنَّ الخَشَبَةَ الَّتِي يَتَمَكَّنُ الإنْسانُ مِن المَشْيِ عَلَيْها إذا كانَتْ قَرِيبَةً مِن الأرْضِ لا يُمْكِنُ المَشْيُ عَلَيْها إذا كانَتْ عَلى مَهْواةٍ بَعِيدَةِ القَعْرِ؟ والأطِبّاءُ تَنْهى صاحِبَ الرُّعافِ عَنْ النَّظَرِ إلى الشَّيْءِ الأحْمَرِ، وتَنْهى المَصْرُوعَ عَنْ النَّظَرِ إلى الأشْياءِ القَوِيَّةِ اللَّمَعانِ أوْ الدَّوْرانِ، فَإنَّ النُّفُوسَ خُلِقَتْ مَطِيَّةَ الأوْهامِ، والطَّبِيعَةُ فَعّالَةٌ، والأحْوالُ الجُسْمانِيَّةُ تابِعَةٌ لِلْأحْوالِ النَّفْسانِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ السِّحْرُ بِالِاسْتِعانَةِ بِالأرْواحِ الخَبِيثَةِ إنّما هو بِالتَّحَيُّلِ عَلى اسْتِخْدامِها بِالإشْراكِ بِها والِاتِّصافِ بِهَيْئاتِها الخَبِيثَةِ؛ ولِهَذا لا يَعْمَلُ السِّحْرُ إلّا مَعَ الأنْفُسِ الخَبِيثَةِ المُناسِبَةِ لِتِلْكَ الأرْواحِ، وكُلَّما كانَتْ النَّفْسُ أخْبَثَ كانَ سِحْرُها أقْوى، وكَذَلِكَ سِحْرُ التَّمْزِيجاتِ - وهو أقْوى ما يَكُونُ مِن السِّحْرِ - أنْ يُمْزَجَ بَيْنَ القُوى النَّفْسانِيَّةِ الخَبِيثَةِ الفَعّالَةِ والقُوى الطَّبِيعِيَّةِ المُنْفَعِلَةِ، والمَقْصُودُ أنَّ السِّحْرَ مِن أعْظَمِ أنْواعِ الحِيَلِ الَّتِي يَنالُ بِها السّاحِرُ غَرَضَهُ، وحِيَلُ السّاحِرِ مِن أضْعَفِ الحِيَلِ وأقْواها، ولَكِنْ لا تُؤَثِّرُ تَأْثِيرًا مُسْتَقِرًّا إلّا في الأنْفُسِ الباطِلَةِ المُنْفَعِلَةِ لِلشَّهَواتِ الضَّعِيفَةِ تَعَلُّقِها بِفاطِرِ الأرْضِ والسَّمَواتِ المُنْقَطِعَةِ عَنْ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ والإقْبالِ عَلَيْهِ؛ فَهَذِهِ النُّفُوسُ مَحَلُّ تَأْثِيرِ السِّحْرِ، وكَحِيَلِ أرْبابِ المَلاهِي والطَّرِبِ عَلى اسْتِمالَةِ النُّفُوسِ إلى مَحَبَّةِ الصُّوَرِ والوُصُولِ إلى الِالتِذاذِ بِها؛ فَحِيلَةُ السَّماعِ الشَّيْطانِيِّ عَلى ذَلِكَ مِن أدْنى الحِيَلِ عَلَيْهِ، حَتّى قِيلَ: أوَّلُ ما وقَعَ الزِّنا في العالَمِ فَإنَّما كانَ بِحِيلَةِ اليَراعِ والغِناءِ، لَمّا أرادَ الشَّيْطانُ ذَلِكَ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِ حِيلَةً أدْنى مِن المَلاهِي.
وَكَحِيَلِ اللُّصُوصِ والسُّرّاقِ عَلى أخْذِ أمْوالِ النّاسِ، وهم أنْواعٌ لا تُحْصى؛ فَمِنهم السُّرّاقُ بِأيْدِيهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأقْلامِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِأمانَتِهِمْ، ومِنهم السُّرّاقُ بِما يُظْهِرُونَهُ مِن الدِّينِ والفَقْرِ والصَّلاحِ والزُّهْدِ وهم في الباطِنِ بِخِلافِهِ، ومِنهم السُّرّاقُ بِمَكْرِهِمْ وخِداعِهِمْ وغِشِّهِمْ، وبِالجُمْلَةِ فَحِيَلُ هَذا الضَّرْبِ مِن النّاسِ مِن أكْثَرِ الحِيَلِ، وتَلِيها حِيَلُ عُشّاقِ الصُّوَرِ عَلى الوُصُولِ إلى أغْراضِهِمْ فَإنَّها تَقَعُ في الغالِبِ خَفِيَّةً، وإنَّما تَتِمُّ غالِبًا عَلى النُّفُوسِ القابِلَةِ المُنْفَعِلَةِ الشَّهْوانِيَّةِ، وكَحِيَلِ التَّتارِ الَّتِي مَلَكُوا بِها البِلادَ وقَهَرُوا بِها العِبادَ وسَفَكُوا بِها الدِّماءَ واسْتَباحُوا بِها الأمْوالَ، وكَحِيَلِ اليَهُودِ وإخْوانِهِمْ مِن الرّافِضَةِ فَإنَّهم بَيْتُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، ولِهَذا ضُرِبَتْ عَلى الطّائِفَتَيْنِ الذِّلَّةُ، وهَذِهِ سُنَّةُ اللَّهِ في كُلِّ مُخادِعٍ مُحْتالٍ بِالباطِلِ.
[أرْبابُ الحِيَلِ نَوْعانِ]
ثُمَّ أرْبابُ هَذِهِ الحِيَلِ نَوْعانِ: نَوْعُ يُقْصَدُ بِهِ حُصُولُ مَقْصُودِهِ، ولا يَظْهَرُ أنَّهُ حَلالٌ، كَحِيَلِ اللُّصُوصِ وعُشّاقِ الصُّوَرِ المُحَرَّمَةِ ونَحْوِهِما، ونَوْعٌ يُظْهِرُ صاحِبُهُ أنَّ مَقْصُودَهُ خَيْرٌ وصَلاحٌ ويُبْطِنُ خِلافَهُ.
وَأرْبابُ النَّوْعِ الأوَّلِ أسْلَمُ عاقِبَةً مِن هَؤُلاءِ؛ فَإنَّهم أتَوْا البُيُوتَ مِن أبْوابِها والأمْرَ مِن طَرِيقِهِ ووَجْهِهِ، وأمّا هَؤُلاءِ فَقَلَبُوا مَوْضُوعَ الشَّرْعِ والدِّينِ، ولَمّا كانَ أرْبابُ هَذا النَّوْعِ إنّما يُباشِرُونَ الأسْبابَ الجائِزَةَ ولا يُظْهِرُونَ مَقاصِدَهم أعْضَلَ أمْرُهُمْ، وعَظُمَ الخَطْبُ بِهِمْ، وصَعُبَ الِاحْتِرازُ مِنهُمْ، وعَزَّ عَلى العالَمِ اسْتِنْقاذُ قَتْلاهُمْ، فاسْتُبِيحَتْ بِحِيَلِهِمْ الفُرُوجُ، وأُخِذَتْ بِها الأمْوالُ مِن أرْبابِها فَأُعْطِيَتْ لِغَيْرِ أهْلِها، وعُطِّلَتْ بِها الواجِباتُ، وضُيِّعَتْ بِها الحُقُوقُ، وعَجَّتْ الفُرُوجُ والأمْوالُ والحُقُوقُ إلى رَبِّها عَجِيجًا، وضَجَّتْ مِمّا حَلَّ بِها إلَيْهِ ضَجِيجًا، ولا يَخْتَلِفُ المُسْلِمُونَ أنَّ تَعْلِيمَ هَذِهِ الحِيَلِ حَرامٌ، والإفْتاءُ بِها حَرامٌ، والشَّهادَةُ عَلى مَضْمُونِها حَرامٌ، والحُكْمُ بِها مَعَ العِلْمِ بِحالِها حَرامٌ، واَلَّذِي جَوَّزُوا مِنها ما جَوَّزُوا مِن الأئِمَّةِ لا يَجُوزُ أنْ يُظَنَّ بِهِمْ أنَّهم جَوَّزُوهُ عَلى وجْهِ الحِيلَةِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما جَوَّزُوا صُورَةَ ذَلِكَ الفِعْلِ.
ثُمَّ إنّ المُتَحَيِّلَ المُخادِعَ المَكّارَ أخَذَ صُورَةَ ما أفْتَوْا بِهِ فَتَوَسَّلَ بِهِ إلى ما مَنَعُوا مِنهُ، ورَكَّبَ ذَلِكَ عَلى أقْوالِهِمْ وفَتاواهُمْ، وهَذا فِيهِ الكَذِبُ عَلَيْهِمْ وعَلى الشّارِعِ، مِثالُهُ أنَّ الشّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - يُجَوِّزُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ؛ فَيَتَّخِذُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يُوصِيَ لِوارِثِهِ وسِيلَةً إلى الوَصِيَّةِ لَهُ بِصُورَةِ الإقْرارِ.
وَيَقُولُ: هَذا جائِزٌ عِنْدَ الشّافِعِيِّ، وهَذا كَذِبٌ عَلى الشّافِعِيِّ؛ فَإنَّهُ لا يُجَوِّزُ الوَصِيَّةَ لِلْوارِثِ بِالتَّحَيُّلِ عَلَيْها بِالإقْرارِ؛ فَكَذَلِكَ الشّافِعِيُّ يُجَوِّزُ لِلرَّجُلِ إذا اشْتَرى مِن غَيْرِهِ سِلْعَةً بِثَمَنٍ أنْ يَبِيعَهُ إيّاها بِأقَلَّ مِمّا اشْتَراها مِنهُ بِناءً عَلى ظاهِرِ السَّلامَةِ. ولا يَجُوزُ ذَلِكَ حِيلَةً عَلى بَيْعِ مِائَةٍ بِمِائَةٍ وخَمْسِينَ إلى سَنَةٍ؛ فاَلَّذِي يَسُدُّ الذَّرائِعَ يَمْنَعُ ذَلِكَ ويَقُولُ: هو يُتَّخَذُ حِيلَةً إلى ما حَرَّمَهُ اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَلا يَقْبَلُ إقْرارَ المَرِيضِ لِوارِثِهِ، ولا يَصِحُّ هَذا البَيْعَ. ولا سِيَّما فَإنَّ إقْرارَ المَرْءِ شَهادَةٌ عَلى نَفْسِهِ، فَإذا تَطَرَّقَ إلَيْها التُّهْمَةُ بَطَلَتْ كالشَّهادَةِ عَلى غَيْرِهِ. والشّافِعِيُّ يَقُولُ: أقْبَلُ إقْرارَهُ إحْسانًا لِلظَّنِّ بِالمُقِرِّ، وحَمْلًا لِإقْرارِهِ عَلى السَّلامَةِ، ولا سِيَّما عِنْدَ الخاتِمَةِ.
وَمِن هَذا البابِ احْتِيالُ المَرْأةِ عَلى فَسْخِ نِكاحِ الزَّوْجِ بِما يُعْلِمُهُ إيّاها أرْبابُ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، بِأنْ تُنْكِرَ أنْ تَكُونَ أذِنَتْ لِلْوَلِيِّ، أوْ بِأنَّ النِّكاحَ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأنَّ الوَلِيَّ أوْ الشُّهُودَ جَلَسُوا وقْتُ العَقْدِ عَلى فِراشِ حَرِيرٍ، أوْ اسْتَنَدُوا إلى وِسادَةِ حَرِيرٍ.
وَقَدْ رَأيْت مَن يَسْتَعْمِلُ هَذِهِ الحِيلَةَ إذا طَلَّقَ الزَّوْجُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، وأرادَ تَخْلِيصَهُ مِن عارِ التَّحْلِيلِ وشَنارِهِ أرْشَدَهُ إلى القَدْحِ في صِحَّةِ النِّكاحِ بِفِسْقِ الوَلِيِّ أوْ الشُّهُودِ، فَلا يَصِحُّ الطَّلاقُ في النِّكاحِ الفاسِدِ. وقَدْ كانَ النِّكاحُ صَحِيحًا لَمّا كانَ مُقِيمًا مَعَها عِدَّةَ سِنِينَ، فَلَمّا أوْقَعَ الطَّلاقَ الثَّلاثَ فَسَدَ النِّكاحُ.
وَمِن هَذا احْتِيالُ البائِعِ عَلى فَسْخِ البَيْعِ بِدَعْواهُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بالِغًا وقْتَ العَقْدِ، أوْ لَمْ يَكُنْ رَشِيدًا، أوْ كانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ، أوْ لَمْ يَكُنْ المَبِيعُ مِلْكًا لَهُ ولا مَأْذُونًا لَهُ في بَيْعِهِ
فَهَذِهِ الحِيَلُ وأمْثالُها لا يَسْتَرِيبُ مُسْلِمٌ في أنَّها مِن كَبائِرِ الإثْمِ وأقْبَحِ المُحَرَّماتِ، وهي مِن التَّلاعُبِ بِدِينِ اللَّهِ، واتِّخاذِ آياتِهِ هُزُوًا، وهي حَرامٌ مِن جِهَتِها في نَفْسِها لِكَوْنِها كَذِبًا وزُورًا، وحَرامٌ مِن جِهَةِ المَقْصُودِ بِها، وهو إبْطالُ حَقٍّ وإثْباتُ باطِلٍ؛ فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أقْسامٍ:
[الحِيَلُ المُحَرَّمَةُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]
أحَدُها: أنْ تَكُونَ الحِيلَةُ مُحَرَّمَةً ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ مُباحَةً في نَفْسِها ويُقْصَدُ بِها المُحَرَّمُ؛ فَيَصِيرُ حَرامًا تَحْرِيمَ الوَسائِلِ كالسَّفَرِ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ وقَتْلِ النَّفْسِ المَعْصُومَةِ.
وَهَذانِ القِسْمانِ تَكُونُ الحِيلَةُ فِيهِما مَوْضُوعَةً لِلْمَقْصُودِ الباطِلِ المُحَرَّمِ، ومُفْضِيَةً إلَيْهِ، كَما هي مَوْضُوعَةٌ لِلْمَقْصُودِ الصَّحِيحِ الجائِزِ ومُفْضِيَةٌ إلَيْهِ؛ فَإنَّ السَّفَرَ طَرِيقٌ صالِحٌ لِهَذا وهَذا.
الثّالِثُ: أنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ لَمْ تُوضَعْ لِلْإفْضاءِ إلى المُحَرَّمِ، وإنَّما وُضِعَتْ مُفْضِيَةً إلى المَشْرُوعِ كالإقْرارِ والبَيْعِ والنِّكاحِ والهِبَةِ ونَحْوِ ذَلِكَ، فَيَتَّخِذُها المُتَحَيِّلُ سُلَّمًا وطَرِيقًا إلى الحَرامِ، وهَذا مُعْتَرَكُ الكَلامِ في هَذا البابِ، وهو الَّذِي قَصَدْنا الكَلامَ فِيهِ بِالقَصْدِ الأوَّلِ.
[نَوْعٌ رابِعٌ مِن الحِيَلِ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ يُقْصَدُ بِها أخْذُ حَقٍّ]
القِسْمُ الرّابِعُ: أنْ يُقْصَدَ بِالحِيلَةِ أخْذِ حَقٍّ أوْ دَفْعُ باطِلٍ، وهَذا القِسْمُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ أيْضًا:
أحَدُها: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مُحَرَّمًا في نَفْسِهِ، وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ حَقًّا، مِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ حَقٌّ فَيَجْحَدَهُ، ولا يُبَيِّنُهُ لَهُ، فَيُقِيمَ صاحِبُهُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ بِهِ، ولا يَعْلَمانِ ثُبُوتَ ذَلِكَ الحَقِّ، ومِثْلُ أنْ يُطَلِّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ ثَلاثًا، ويَجْحَدَ الطَّلاقَ، ولا يُبَيِّنُهُ لَها، فَتُقِيمَ شاهِدَيْنِ يَشْهَدانِ أنَّهُ طَلَّقَها، ولَمْ يَسْمَعا الطَّلاقَ مِنهُ، ومِثْلُ أنْ يَكُونَ لَهُ عَلى رَجُلٍ دَيْنٌ، ولَهُ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ، فَيَجْحَدَ الوَدِيعَةَ، فَيَجْحَدَ هو الدَّيْنَ، أوْ بِالعَكْسِ، ويَحْلِفَ ما لَهُ عِنْدِي حَقٌّ، أوْ ما أوْدَعَنِي شَيْئًا، وإنْ كانَ يُجِيزُ هَذا مَن يُجِيزُ مَسْألَةَ الظَّفَرِ.
وَمِثْلُ أنْ تَدَّعِيَ عَلَيْهِ المَرْأةُ كِسْوَةً أوْ نَفَقَةً ماضِيَةً كَذِبًا وباطِلًا، فَيُنْكِرَ أنْ تَكُونَ مَكَّنَتْهُ مِن نَفْسِها أوْ سَلَّمَتْ نَفْسَها إلَيْهِ، أوْ يُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّها كانَتْ ناشِزًا؛ فَلا نَفَقَةَ لَها ولا كِسْوَةَ، ومِثْلُ أنْ يَقْتُلَ رَجُلٌ ولِيَّهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ ولَمْ يَشْهَدا القَتْلَ فَيَشْهَدا أنَّهُ قَتَلَهُ، ومِثْلُ أنْ يَمُوتَ مَوْرُوثُهُ فَيُقِيمَ شاهِدَيْ زُورٍ أنَّهُ ماتَ وأنَّهُ وارِثُهُ، وهُما لا يَعْلَمانِ ذَلِكَ، ونَظائِرُهُ مِمَّنْ لَهُ حَقٌّ لا شاهِدَ لَهُ بِهِ فَيُقِيمُ شاهِدَيْ زُورٍ يَشْهَدانِ لَهُ بِهِ؛ فَهَذا يَأْثَمُ عَلى الوَسِيلَةِ دُونَ المَقْصُودِ، وفي مِثْلِ هَذا جاءَ الحَدِيثُ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَن ائْتَمَنَك، ولا تَخُنْ مَن خانَك».
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّانِي مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
فَصْلٌ القِسْمُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ مَشْرُوعَةً، وما يُفْضِي إلَيْهِ مَشْرُوعٌ، وهَذِهِ هي الأسْبابُ الَّتِي نَصَبَها الشّارِعُ مُفْضِيَةً إلى مُسَبَّباتِها كالبَيْعِ والإجارَةِ والمُساقاةِ والمُزارِعَةِ والوَكالَةِ، بَلْ الأسْبابُ مَحَلُّ حُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ، وهي في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها شَرْعًا عَلى وِزانِ الأسْبابِ الحِسِّيَّةِ في اقْتِضائِها لِمُسَبَّباتِها قَدَرًا؛ فَهَذا شَرْعُ الرَّبِّ تَعالى وذَلِكَ قَدَرُهُ، وهُما خَلْقُهُ وأمْرُهُ، واللَّهُ لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ، ولا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ، ولا تَغْيِيرَ لِحُكْمِهِ، فَكَما لا يُخالِفُ سُبْحانَهُ بِالأسْبابِ القَدَرِيَّةِ أحْكامَها بَلْ يُجْرِيها عَلى أسْبابِها وما خُلِقَتْ لَهُ؛ فَهَكَذا الأسْبابُ الشَّرْعِيَّةُ لا يُخْرِجُها عَنْ سَبَبِها وما شُرِعَتْ لَهُ، بَلْ هَذِهِ سُنَّتُهُ شَرْعًا وأمْرًا، وتِلْكَ سُنَّتُهُ قَضاءً وقَدَرًا، وسُنَّتُهُ الأمْرِيَّةُ قَدْ تُبَدَّلُ وتَتَغَيَّرُ كَما يُعْصى أمْرُهُ ويُخالَفُ، وأمّا سُنَّتُهُ القَدَرِيَّةُ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا، كَما لا يُعْصى أمْرُهُ الكَوْنِيُّ القَدَرِيُّ.
وَيَدْخُلُ في هَذا القِسْمِ التَّحَيُّلُ عَلى جَلْبِ المَنافِعِ وعَلى دَفْعِ المَضارِّ، وقَدْ ألْهَمَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لِكُلِّ حَيَوانٍ؛ فَلِأنْواعِ الحَيَواناتِ مِن أنْواعِ الحِيَلِ والمَكْرِ ما لا يَهْتَدِي إلَيْهِ بَنُو آدَمَ.
وَلَيْسَ كَلامُنا ولا كَلامُ السَّلَفِ في ذَمِّ الحِيَلِ مُتَناوِلًا لِهَذا القِسْمِ. بَلْ العاجِزُ مَن عَجَزَ عَنْهُ، والكَيِّسُ مَن كانَ بِهِ أفْطَنَ وعَلَيْهِ أقْدَرَ، ولا سِيَّما في الحَرْبِ فَإنَّها خَدْعَةٌ. والعَجْزُ كُلُّ العَجْزِ تَرْكُ هَذِهِ الحِيلَةِ. والإنْسانُ مَندُوبٌ إلى اسْتِعاذَتِهِ بِاللَّهِ تَعالى مِن العَجْزِ والكَسَلِ؛ فالعَجْزُ عَدَمُ القُدْرَةِ عَلى الحِيلَةِ النّافِعَةِ. والكَسَلُ عَدَمُ الإرادَةِ لِفِعْلِها؛ فالعاجِزُ لا يَسْتَطِيعُ الحِيلَةَ، والكَسْلانُ لا يُرِيدُها. ومَن لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ أمْكَنَتْهُ هَذِهِ الحِيلَةُ أضاعَ فُرْصَتَهُ وفَرَّطَ في مَصالِحِهِ، كَما قالَ:
؎إذا المَرْءُ لَمْ يَحْتَلْ وقَدْ جَدَّ جِدُّهُ ∗∗∗ أضاعَ وقاسى أمْرَهُ وهو مُدْبِرُ
وَفِي هَذا قالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الأمْرُ أمْرانِ: أمْرٌ فِيهِ حِيلَةٌ فَلا يُعْجَزُ عَنْهُ، وأمْرٌ لا حِيلَةَ فِيهِ فَلا يُجْزَعُ مِنهُ.
[فَصْلٌ: القِسْمُ الثّالِثُ مِن أنْواعِ الحِيَلِ]
[المِثالُ الأوَّلُ اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ]
فَصْلٌ [الِاحْتِيالُ عَلى الوُصُولِ إلى الحَقِّ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَكِنَّها لَمْ تُشْرَعْ لَهُ].
القِسْمُ الثّالِثُ: أنْ يَحْتالَ عَلى التَّوَصُّلِ إلى حَقٍّ أوْ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ بِطَرِيقٍ مُباحَةٍ لَمْ تُوضَعْ مُوَصِّلَةً إلى ذَلِكَ، بَلْ وُضِعَتْ لِغَيْرِهِ، فَيَتَّخِذُها هو طَرِيقًا إلى هَذا المَقْصُودِ الصَّحِيحِ، أوْ قَدْ يَكُونُ قَدْ وُضِعَتْ لَهُ لَكِنْ تَكُونُ خَفِيَّةً ولا يَفْطِنُ لَها، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا القِسْمِ واَلَّذِي قَبْلَهُ أنَّ الطَّرِيقَ في الَّذِي قَبْلَهُ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى مَقْصُودِها ظاهِرًا، فَسالِكُها سالِكٌ لِلطَّرِيقِ المَعْهُودِ، والطَّرِيقُ في هَذا القِسْمِ نُصِبَتْ مُفْضِيَةً إلى غَيْرِهِ فَيَتَوَصَّلُ بِها إلى ما لَمْ تُوضَعْ لَهُ؛ فَهي في الفِعالِ كالتَّعْرِيضِ الجائِزِ في المَقالِ، أوْ تَكُونُ مُفْضِيَةً إلَيْهِ لَكِنْ بِخَفاءٍ، ونَذْكُرُ لِذَلِكَ أمْثِلَةً يُنْتَفَعُ بِها في هَذا البابِ.
المِثالُ الأوَّلُ: إذا اسْتَأْجَرَ مِنهُ دارًا مُدَّةَ سِنِينَ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، فَخافَ أنْ يَغْدِرَ بِهِ المُكْرِي في آخِرِ المُدَّةِ ويَتَسَبَّبَ إلى فَسْخِ الإجارَة بِأنْ يَظْهَرَ أنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ وِلايَةُ الإيجارِ أوْ أنَّ المُؤَجَّرَ مِلْكٌ لِابْنِهِ أوْ امْرَأتِهِ أوْ أنَّهُ كانَ مُؤَجَّرًا قَبْلَ إيجارِهِ، ويَتَبَيَّنُ أنَّ المَقْبُوضَ أُجْرَةُ المِثْلِ لِما اسْتَوْفاهُ مِن المُدَّةِ ويَنْتَزِعُ المُؤَجَّرَ لَهُ مِنهُ؛ فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ الحِيلَةِ أنْ يُضَمِّنَهُ المُسْتَأْجِرُ دَرَكَ العَيْنِ المُؤَجَّرَةِ لَهُ أوْ لِغَيْرِهِ، فَإذا اسْتُحِقَّتْ أوْ ظَهَرَتْ الإجارَةُ فاسِدَةً رَجَعَ عَلَيْهِ بِما قَبَضَهُ مِنهُ، أوْ يَأْخُذُ إقْرارَ مَن يَخافُ مِنهُ بِأنَّهُ لا حَقَّ لَهُ في العَيْنِ وأنَّ كُلَّ دَعْوى يَدَّعِيها بِسَبَبِها فَهي باطِلَةٌ، أوْ يَسْتَأْجِرُها مِنهُ بِمِائَةِ دِينارٍ مَثَلًا ثُمَّ يُصارِفَهُ كُلَّ دِينارٍ بِعَشَرَةِ دَراهِمَ، فَإذا طالَبَهُ بِأُجْرَةِ المِثْلِ طالَبَهُ هو بِالدَّنانِيرِ الَّتِي وقَعَ عَلَيْها العَقْدُ، فَإنَّهُ لَمْ يَخَفْ مِن ذَلِكَ، ولَكِنْ يَخافُ أنْ يَغْدِرَ بِهِ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيُقَسِّطْ مَبْلَغَ الأُجْرَةِ عَلى عَدَدِ السِّنِينَ، ويَجْعَلْ مُعْظَمَها لِلسَّنَةِ الَّتِي يَخْشى غَدْرَهُ فِيها.
وَكَذَلِكَ إذا خافَ المُؤَجِّرُ أنْ يَغْدِرَ المُسْتَأْجِرُ ويَرْحَلَ في آخِرِ المُدَّةِ، فَلْيَجْعَلْ مُعْظَمَ الأُجْرَةِ عَلى المُدَّةِ الَّتِي يَأْمَنُ فِيها مِن رَحِيلِهِ، والقَدْرَ اليَسِيرَ مِنها لِآخِرِ المُدَّةِ.
[المِثالُ السّابِعُ تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها]
تَزَوُّجُ المَرْأةِ بِشَرْطِ ألّا يَتَزَوَّجَ عَلَيْها] المِثالُ السّابِعُ: إذا خاصَمَتْهُ امْرَأتُهُ وقالَتْ: قُلْ " كُلُّ جارِيَةٍ أشْتَرِيها فَهي حُرَّةٌ، وكُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ " فالحِيلَةُ في خَلاصِهِ أنْ يَقُولَ ذَلِكَ ويَعْنِي بِالجارِيَةِ السَّفِينَةَ لِقَوْلِهِ: ﴿إنّا لَمّا طَغى الماءُ حَمَلْناكم في الجارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ويُمْسِكُ بِيَدِهِ حَصاةً أوْ خِرْقَةً ويَقُولُ: " فَهي طالِقٌ " فَيَرُدُّ الكِنايَةَ إلَيْها، فَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ الزَّوْجَةُ وقالَتْ: قُلْ: " كُلُّ رَقِيقَةٍ أوْ أمَةٍ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولْيَعْنِ فَهي حُرَّةُ الخِصالِ غَيْرُ فاجِرَةٍ، فَإنَّهُ لَوْ قالَ ذَلِكَ لَمْ تُعْتَقْ كَما لَوْ قالَ لَهُ رَجُلٌ: " غُلامُك فاجِرٌ زانٍ " فَقالَ: ما أعْرِفُهُ إلّا حُرًّا عَفِيفًا، ولَمْ يُرِدْ العِتْقَ، لَمْ يُعْتَقْ.
وَإنْ تَفَقَّهَتْ عَلَيْهِ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي عَتِيقَةٌ " فَلِيَقُلْ ذَلِكَ ولِيَنْوِ ضِدَّ الجَدِيدَةِ، أيْ عَتِيقَةٌ في الرِّقِّ، فَإنْ تَفَقَّهَتْ وقالَتْ: قُلْ: " فَهي مَعْتُوقَةٌ " و: " قَدْ أعْتَقْتها إنْ مَلَكْتها " فَلْيَرُدَّ الكِنايَةَ إلى حَصاةٍ في يَدِهِ أوْ خِرْقَةٍ، فَإنْ لَمْ تَدَعْهُ أنْ يَمْسِكَ شَيْئًا فَلْيَرُدَّها إلى نَفْسِهِ، ويَعْنِي أنْ قَدْ أعْتَقَها مِن النّارِ بِالإسْلامِ، أوْ فَهي حُرَّةٌ لَيْسَتْ رَقِيقَةً لِأحَدٍ، ويَجْعَلُ الكَلامَ جُمْلَتَيْنِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: قُلْ: " فالجارِيَةُ الَّتِي أشْتَرِيها مَعْتُوقَةٌ " فَلْيُقَيِّدْ ذَلِكَ بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ، أوْ مَكان مُعَيَّنٍ في نِيَّتِهِ، ولا يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، فَإنْ حَضَرَتْهُ وقالَتْ: مِن غَيْرِ تَوْرِيَةٍ ولا كِنايَةٍ ولا نِيَّةٍ تُخالِفُ قَوْلِي، وهَذا آخِرُ التَّشْدِيدِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِن التَّوْرِيَةِ والكِنايَةِ.
وَإنْ قالَ بِلِسانِهِ: " لا أُوَرِّي ولا أُكَنِّي " والتَّوْرِيَةُ والكِنايَةُ في قَلْبِهِ، كَما لَوْ قالَ: " لا أسْتَثْنِي " بِلِسانِهِ ومِن نِيَّتِهِ الِاسْتِثْناءُ، ثُمَّ اسْتَثْنى فَإنَّهُ يَنْفَعُهُ، حَتّى لَوْ لَمْ يَنْوِ الِاسْتِثْناءَ ثُمَّ عَزَمَ عَلَيْهِ واسْتَثْنى نَفَعَهُ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي لا مُعارِضَ لَها بِوَجْهٍ في غَيْرِ حَدِيثٍ، كَقَوْلِ المَلَكِ لِسُلَيْمانَ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، وقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «إلّا الإذْخِرَ» بَعْدَ أنْ ذَكَّرَهُ بِهِ العَبّاسُ، وقَوْلِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ» بَعْدَ أنْ قالَ: «لَأغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثَلاثَ مَرّاتٍ» ثُمَّ قالَ بَعْدَ الثّالِثَةِ وسُكُوتِهِ: «إنْ شاءَ اللَّهُ».
والقُرْآنُ صَرِيحٌ في نَفْعِ الِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ ولَمْ يَنْوِهِ في أوَّلِ كَلامِهِ ولا أثْناءَهُ في قَوْله تَعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إلا أنْ يَشاءَ اللَّهُ واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، وهَذا إمّا أنْ يَخْتَصَّ بِالِاسْتِثْناءِ إذا نَسِيَهُ كَما فَسَّرَهُ بِهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، أوْ يَعُمَّهُ ويَعُمَّ غَيْرَهُ وهو الصَّوابُ؛ فَأمّا أنْ يُخْرِجَ مِنهُ الِاسْتِثْناءَ الَّذِي سِيقَ الكَلامُ لِأجْلِهِ ويَرُدَّ إلى غَيْرِهِ فَلا يَجُوزُ، ولِأنَّ الكَلامَ الواحِدَ لا يُعْتَبَرُ في صِحَّتِهِ نِيَّةُ كُلِّ جُمْلَةٍ مِن جُمَلِهِ وبَعْضٍ مِن أبْعاضِهِ؛ فالنَّصُّ والقِياسُ يَقْتَضِي نَفْعَ الِاسْتِثْناءِ، وإنْ خَطَر لَهُ بَعْدَ انْقِضاءِ الكَلامِ، وهَذا هو الصَّوابُ المَقْطُوعُ بِهِ.
[المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ الحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
حِيلَةٌ في التَّخَلُّصِ مِن طَلاقِ امْرَأتِهِ]
المِثالُ الثّالِثَ عَشَرَ: إذا قالَ الرَّجُلُ لِامْرَأتِهِ: " الطَّلاقُ يَلْزَمُنِي لا تَقُولِينَ لِي شَيْئًا إلّا قُلْت لَك مِثْلَهُ " فَقالَتْ لَهُ: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: قُلْت لِي: أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا.
قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: وفي هَذِهِ الحِيلَةِ نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، وإنَّما حَكى كَلامَها مِن غَيْرِ أنْ يَقُولَ لَها نَظِيرَهُ. ولَوْ أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا فَقالَ لَهُ المَسْبُوبُ: " أنْتِ قُلْت لِي كَذا وكَذا " لَمْ يَكُنْ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ أحَدٍ، لا لُغَةً ولا عُرْفًا؛ فَهَذِهِ الحِيلَةُ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ أنْ يَقُولَ لَها: " أنْتَ طالِقٌ ثَلاثًا " - بِفَتْحِ التّاءِ - فَلا تَطْلُقُ، وهَذا نَظِيرُ ما قالَتْ لَهُ سَواءٌ، وهَذِهِ وإنْ كانَتْ أقْرَبَ مِن الأُولى؛ فَإنَّ المَفْهُومَ المُتَعارَفَ لُغَةً وعَقْلًا وعُرْفًا مِن الرَّدِّ عَلى المَرْأةِ أنْ يُخاطِبَها خِطابَ المُؤَنَّثِ، فَإذا خاطَبَها خِطابَ المُذَكَّرِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَدًّا ولا جَوابًا، ولَوْ فُرِضَ أنَّهُ رَدٌّ لَمْ يَمْنَعْ وُقُوعَ الطَّلاقِ بِالمُواجَهَةِ وإنْ فَتَحَ التّاءَ، كَأنَّهُ قالَ: أيُّها الشَّخْصُ أوْ الإنْسانُ.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: الحِيلَةُ في ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: أنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا إنْ شاءَ اللَّهُ، أوْ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، أوْ إنْ سافَرْت، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ فَيَكُونَ قَدْ قالَ لَها نَظِيرَ ما قالَتْ، ولا يَضُرُّهُ زِيادَةُ الشَّرْطِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ أقْرَبُ مِن الَّتِي قَبْلَها، ولَكِنْ في كَوْنِ المُتَكَلِّمِ بِها رادًّا أوْ مُجِيبًا نَظَرٌ لا يَخْفى؛ لِأنَّ الشَّرْطَ وإنْ تَضَمَّنَ زِيادَةً في الكَلامِ لَكِنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ نَظِيرًا لِكَلامِها، ومِثْلًا لَهُ، وهو إنّما حَلَفَ أنْ يَقُولَ لَها مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ، والجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ لَيْسَتْ مِثْلَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ، بَلْ الشَّرْطُ يَدْخُلُ عَلى الكَلامِ التّامِّ فَيُصَيِّرُهُ ناقِصًا يَحْتاجُ إلى الجَوابِ، ويَدْخُلُ عَلى الخَبَرِ فَيَقْلِبُهُ إنْشاءً، ويُغَيِّرُ صُورَةَ الجُمْلَةِ الخَبَرِيَّةِ ومَعْناها، ولَوْ قالَ رَجُلٌ لِغَيْرِهِ: " لَعَنَك اللَّهُ "، فَقالَ لَهُ: " لَعَنَك اللَّهُ إنْ بَدَّلْت دِينَك أوْ ارْتَدَدْت عَنْ الإسْلامِ " لَمْ يَكُنْ سابًّا لَهُ.
وَلَوْ قالَ لَهُ: " يا زانٍ " فَقالَ: " بَلْ أنْتَ زانٍ إنْ وطِئْت فَرْجًا حَرامًا " لَمْ يَكُنْ الثّانِي قاذِفًا لَهُ. ولَوْ بَذَلَتْ لَهُ مالًا عَلى أنْ يُطَلِّقَها، فَقالَ: أنْتِ طالِقٌ إنْ كَلَّمْت السُّلْطانَ، لَمْ يَسْتَحِقَّ المالَ، ولَمْ يَكُنْ مُطَلِّقًا.
وَقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: لا حاجَةَ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، والحالِفُ لَمْ تَدْخُلْ هَذِهِ الصُّورَةُ في عُمُومِ كَلامِهِ، وإنْ دَخَلَتْ فَهي مِن المَخْصُوصِ بِالعُرْفِ والعادَةِ والعَقْلِ؛ فَإنَّهُ لَمْ يُرِدْ هَذِهِ الصُّورَةَ قَطْعًا، ولا خَطَرَتْ بِبالِهِ، ولا تَناوَلَها لَفْظُهُ؛ فَإنَّهُ إنّما تَناوَلَ لَفْظُهُ القَوْلَ الَّذِي يَصِحُّ " أنْتِ امْرَأتِي " وبِمَنزِلَةِ قَوْلِ الأمَةِ لِسَيِّدِها: " أنْتِ أمَتِي وجارِيَتِي " ونَحْوِ هَذا مِن الكَلامِ اللَّغْوِ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ لَفْظِ الحالِفِ ولا إرادَتِهِ، أمّا عَدَمُ دُخُولِهِ تَحْتَ إرادَتِهِ فَلا إشْكالَ فِيهِ، وأمّا عَدَمُ تَناوُلِ لَفْظِهِ لَهُ؛ فَإنَّ اللَّفْظَ العامَّ إنّما يَكُونُ عامًّا فِيما يَصْلُحُ لَهُ وفِيما سِيقَ لِأجْلِهِ.
وَهَذا أقْوى مِن جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ، وغايَتُهُ تَخْصِيصُ العامِّ بِالعُرْفِ والعادَةِ، وهَذا أقْرَبُ لُغَةً وعُرْفًا وعَقْلًا وشَرْعًا مِن جَعْلِ ما تَقَدَّمَ مُطابِقًا ومُماثِلًا لِكَلامِها مِثْلَهُ، فَتَأمَّلْهُ، واللَّهُ المُوَفِّقُ.
[المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
[الإحْرامُ وقَدْ ضاقَ الوَقْتُ]
المِثالُ الرّابِعَ عَشَرَ: إذا خافَ الرَّجُلُ لِضِيقِ الوَقْتِ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ فَيَفُوتَهُ فَيَلْزَمَهُ القَضاءُ ودَمُ الفَواتِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحْرِمَ إحْرامًا مُطْلَقًا ولا يُعَيِّنَهُ؛ فَإنْ اتَّسَعَ لَهُ الوَقْتُ جَعَلَهُ حَجًّا أوْ قِرانًا أوْ تَمَتُّعًا، وإنْ ضاقَ عَلَيْهِ الوَقْتُ جَعَلَهُ عُمْرَةً، ولا يَلْزَمُهُ غَيْرُها.
[المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
[مَن جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ]
المِثالُ الخامِسَ عَشَرَ: إذا جاوَزَ المِيقاتَ غَيْرَ مُحْرِمٍ لَزِمَهُ الإحْرامُ ودَمٌ لِمُجاوَزَتِهِ لِلْمِيقاتِ غَيْرَ مُحْرِمٍ، فالحِيلَةُ في سُقُوطِ الدَّمِ عَنْهُ أنْ لا يُحْرِمَ مِن مَوْضِعِهِ، بَلْ يَرْجِعَ إلى المِيقاتِ فَيُحْرِمَ مِنهُ؛ فَإنْ أحْرَمَ مِن مَوْضِعِهِ لَزِمَهُ الدَّمُ، ولا يَسْقُطُ بِرُجُوعِهِ إلى المِيقاتِ.
[المِثال السّادِسَ عَشْر الحِيلَة لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
[حِيلَةٌ لِلْبِرِّ في يَمِينٍ]
المِثالُ السّادِسَ عَشَرَ: إذا سُرِقَ لَهُ مَتاعٌ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ لَمْ تُخْبِرِينِي مَن أخَذَهُ فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، والمَرْأةُ لا تَعْلَمُ مَن أخَذَهُ.
فالحِيلَةُ في التَّخَلُّصِ مِن هَذِهِ اليَمِينِ أنْ تَذْكُرَ الأشْخاصَ الَّتِي لا يَخْرُجُ المَأْخُوذُ عَنْهُمْ، ثُمَّ تُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ واحِدٍ، وتَقُولَ: هو أخَذَهُ؛ فَإنَّها تَكُونُ مُخْبِرَةً عَنْ الآخِذِ وعَنْ غَيْرِهِ فَيَبَرُّ في يَمِينِهِ ولا تَطْلُقُ.
[المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ الحِيلَةُ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
[حِيلَةٌ في عَدَمِ حِنْثِ الحالِفِ]
المِثالُ الثّانِي والأرْبَعُونَ: إذا اسْتُحْلِفَ عَلى شَيْءٍ، فَأحَبَّ أنْ يَحْلِفَ ولا يَحْنَثَ؛ فالحِيلَةُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِقَوْلِ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " وهَلْ يُشْتَرَطُ أنْ يُسْمِعَها نَفْسَهُ؟ فَقِيلَ: لا بُدَّ أنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وقالَ شَيْخُنا: هَذا لا دَلِيلَ عَلَيْهِ، بَلْ مَتى حَرَّكَ لِسانَهُ بِذَلِكَ كانَ مُتَكَلِّمًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ، وهَكَذا حُكْمُ الأقْوالِ الواجِبَةِ والقِراءَةِ الواجِبَةِ، قُلْت: وكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يُطْبِقُ شَفَتَيْهِ ويُحَرِّكُ لِسانَهُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ ذاكِرًا، وإنْ لَمْ يُسْمِعْ نَفْسَهُ؛ فَإنَّهُ لا حَظَّ لِلشَّفَتَيْنِ في حُرُوفِ هَذِهِ الكَلِمَةِ، بَلْ كُلُّها حَلْقِيَّةٌ لِسانِيَّةٌ؛ فَيُمْكِنُ الذّاكِرُ أنْ يُحَرِّكَ لِسانَهُ بِها ولا يُسْمِعَ نَفْسَهُ ولا أحَدًا مِن النّاسِ، ولا تَراهُ العَيْنُ يَتَكَلَّمُ، وهَكَذا التَّكَلُّمُ يَقُولُ: " إنْ شاءَ اللَّهُ " يُمْكِنُ مَعَ إطْباقِ الفَمِ؛ فَلا يَسْمَعُهُ أحَدٌ ولا يَراهُ، وإنْ أطْبَقَ أسْنانَهُ وفَتَحَ شَفَتَيْهِ أدْنى شَيْءٍ سَمِعَتْهُ أُذُناهُ بِجُمْلَتِهِ.
[حِيلَةٌ في إبْطالِ الشَّهادَةِ عَلى الزِّنى]
المِثالُ الخامِسُ والخَمْسُونَ: إذا رَفَعَ إلى الإمامِ وادَّعى عَلَيْهِ أنَّهُ زَنى، فَخافَ إنْ أنْكَرَ أنْ تَقُومَ عَلَيْهِ البَيِّنَةُ فَيُحَدَّ؛ فالحِيلَةُ في إبْطالِ شَهادَتِهِمْ أنْ يُقِرَّ إذا سُئِلَ مَرَّةً واحِدَةً، ولا يَزِيدَ عَلَيْها؛ فَلا تُسْمَعُ البَيِّنَةُ مَعَ الإقْرارِ، ولَيْسَ لِلْحاكِمِ ولا لِلْإمامِ أنْ يُقَرِّرَهُ تَمامَ النِّصابِ، بَلْ إذا سَكَتَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ؛ فَإنْ كانَ الإمامُ مِمَّنْ يَرى وُجُوبَ الحَدِّ بِالمَرَّةِ الواحِدَةِ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَرْجِعَ عَنْ إقْرارِهِ فَيَسْقُطَ عَنْهُ الحَدُّ؛ فَإذا خافَ مِن إقامَةِ البَيِّنَةِ عَلَيْهِ أقَرَّ أيْضًا ثُمَّ رَجَعَ، وهَكَذا أبَدًا، وهَذِهِ الحِيلَةُ جائِزَةٌ؛ فَإنَّهُ يَجُوزُ لَهُ دَفْعُ الحَدِّ عَنْ نَفْسِهِ، وأنْ يُخْلِدَ إلى التَّوْبَةِ، كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلصَّحابَةِ لَمّا فَرَّ ماعِزٌ مِن الحَدِّ: «هَلّا تَرَكْتُمُوهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ» فَإذا فَرَّ مِن الحَدِّ إلى التَّوْبَةِ فَقَدْ أحْسَنَ.
[المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِن الحِنْثِ]
المِثالُ السّادِسُ والخَمْسُونَ: إذا حَلَفَ لِغادِرٍ أوْ جاسُوسٍ أوْ سارِقٍ أنْ لا يُخْبِرَ بِهِ أحَدًا، ولا يَدُلَّ عَلَيْهِ؛ فَأرادَ التَّخَلُّصَ مِن هَذِهِ اليَمِينِ وأنْ لا يُخْفِيَهُ؛ فالحِيلَةُ أنْ يَسْألَ عَنْ أقْوامٍ هو مِن جُمْلَتِهِمْ؛ فَإذا سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ قالَ: لا، فَإذا انْتَهَتْ النَّوْبَةُ إلَيْهِ سَكَتَ؛ فَإنَّهُ لا يَحْنَثُ ولا يَأْثَمُ بِالسَّتْرِ عَلَيْهِ وإيوائِهِ، وسُئِلَ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بِعَيْنِها، قالَ لَهُ السّائِلُ: نَزَلَ بِي اللُّصُوصُ؛ فَأخَذُوا مالِي واسْتَحْلَفُونِي بِالطَّلاقِ ألّا أُخْبِرَ أحَدًا بِهِمْ؛ فَخَرَجْت فَرَأيْتُهم يَبِيعُونَ مَتاعِي في السُّوقِ جَهْرَةً، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ إلى الوالِي فَقُلْ لَهُ يَجْمَعُ أهْلَ المَحَلَّةِ أوْ السِّكَّةِ الَّذِينَ هم فِيهِ ثُمَّ يُحْضِرُهم ثُمَّ يَسْألُك عَنْهم واحِدًا واحِدًا؛ فَإذا سَألَك عَمَّنْ لَيْسَ مِنهُمْ، فَقُلْ: لَيْسَ مِنهُمْ، وإذا سَألَك عَمَّنْ هو مِنهم فاسْكُتْ؛ فَفَعَلَ الرَّجُلُ؛ فَأخَذَ الوالِي مَتاعَهُ مِنهُمْ، وسَلَّمَهُ إلَيْهِ؛ فَلَوْ عُمِلَتْ هَذِهِ الحِيلَةُ مَعَ مَظْلُومٍ لَمْ تَنْفَعْ، وحَنِثَ الحالِفُ؛ فَإنَّ المَقْصُودَ الدَّفْعُ عَنْهُ، وبِالسُّكُوتِ قَدْ أعانَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَدْفَعْ عَنْهُ.
[المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
[حِيلَةٌ في بِرِّ زَوْجٍ وزَوْجَتِهِ حَلَفَ كُلٌّ مِنهُما]
المِثالُ السّابِعُ والخَمْسُونَ: ما سُئِلَ عَنْهُ أبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ امْرَأةٍ قالَ لَها زَوْجُها: أنْتِ طالِقٌ إذا سَألْتَينِي الخُلْعَ إنْ لَمْ أخْلَعْك، وقالَتْ المَرْأةُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ لِي حُرٌّ إنْ لَمْ أسْألْك الخَلْع اليَوْمَ؛ فَجاءَ الزَّوْجُ إلى أبِي حَنِيفَةَ فَقالَ: أحْضِرْ المَرْأةَ؛ فَأحْضَرَها، فَقالَ لَها أبُو حَنِيفَةَ: سَلِيهِ الخُلْعَ، فَقالَتْ: سَألَتْك أنْ تَخْلَعَنِي، فَقالَ لَهُ أبُو حَنِيفَةَ: قُلْ لَها قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفِ دِرْهَمٍ تُعْطِينِيها، فَقالَ لَها ذَلِكَ، فَقالَ لَها قَوْلِي: لا أقْبَلُ، فَقالَتْ: لا أقْبَلُ، فَقالَ: قَوْمِي مَعَ زَوْجِك فَقَدْ بَرَّ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما ولَمْ يَحْنَثْ في شَيْءٍ، ذَكَرَها مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ في كِتابِ الحِيَلِ لَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences