Ibn al-QayyimAt‑Talaq · 65:1–3

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

At-Talaq 65:1–3, continued

وَإنَّما تَتِمُّ هَذِهِ الحِيلَةُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرَهُ؛ فَلَوْ قالَتْ لَهُ: " أسْألُك الخُلْعَ عَلى ألْفٌ دِرْهَمٍ حالَّةً، أوْ إلى شَهْرٍ " فَقالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ذَلِكَ " وقَعَ الخُلْعُ؛ بِخِلافِ ما إذا قالَتْ لَهُ: " اخْلَعْنِي " قالَ: " خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ خُلْعًا حَتّى تَقْبَلَ وتَرْضى، وهي لَمْ تَرْضَ بِالألْفِ؛ فَلا يَقَعُ الخُلْعُ.

[فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَ إذًا لَمْ يَقَعْ الخُلْعُ؟]

قِيلَ: هو إنّما حَلَفَ عَلى فِعْلِهِ لا عَلى قَبُولِها؛ فَإذا قالَ: " قَدْ خَلَعْتُك عَلى ألْفٍ " فَقَدْ وُجِدَ الخُلْعُ مِن جِهَتِهِ؛ فانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، ولَمْ يَقِفْ حَلُّ اليَمِينِ عَلى قَبُولِها، كَما إذا حَلَفَ لا يَبِيعُ، فَباعَ، ولَمْ يَقْبَلْ المُشْتَرِي، ولا بَيِّنَةَ لَهُ؛ فَإنَّهُ يَحْنَثُ.

[المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]

[أخَوانِ زُفَّتْ لِكُلٍّ مِنهُما زَوْجَةُ الآخَرِ]

المِثالُ الثّامِنُ والخَمْسُونَ: ما ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ في كِتابِهِ أيْضًا عَنْهُ أتاهُ أخَوانِ قَدْ تَزَوَّجا بِأُخْتَيْنِ؛ فَزُفَّتْ كُلُّ امْرَأةٍ مِنهُما إلى زَوْجِ أُخْتِها؛ فَدَخَلَ بِها ولَمْ يَعْلَمْ، ثُمَّ عَلِمَ الحالَ لَمّا أصْبَحا؛ فَذَكَرا لَهُ ذَلِكَ، وسَألاهُ المَخْرَجَ، فَقالَ لَهُما: كُلٌّ مِنكُما راضٍ بِاَلَّتِي دَخَلَ بِها؟ فَقالا: نَعَمْ، فَقالَ: لِيُطَلِّقْ كُلٌّ مِنكُما امْرَأتَهُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْها تَطْلِيقَةً؛ فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَعْقِدْ كُلٌّ مِنكُما عَلى المَرْأةِ الَّتِي دَخَلَ بِها، فَفَعَلا، فَقالَ: لِيَمْضِ كُلٌّ مِنكُما إلى أهْلِهِ، وهَذِهِ الحِيلَةُ في غايَةِ اللُّطْفِ؛ فَإنَّ المَرْأةَ الَّتِي دَخَلَ بِها كُلٌّ مِنهُما قَدْ وطِئَها بِشُبْهَةٍ؛ فَلَهُ أنْ يَنْكِحَها في عِدَّتِها؛ فَإنَّهُ لا يُصانُ ماؤُهُ عَنْ مائِهِ، وأمَرَهُ أنْ يُطَلِّقَ واحِدَةً فَإنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِاَلَّتِي طَلَّقَها فالواحِدَةُ تُبِينُها، ولا عِدَّةَ عَلَيْها مِنهُ، فَلِلْآخَرِ أنْ يَتَزَوَّجَها.

[المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ الحِيلَةُ في تَخَلُّصِ المَرْأة مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]

حِيلَةٌ في تَخَلُّصِ المَرْأةِ مِن الزَّوْجِ الَّذِي لا تَرْضى بِهِ]

المِثالُ التّاسِعُ والخَمْسُونَ: إذا تَزَوَّجَتْ المَرْأةُ وخافَتْ أنْ يُسافِرَ عَنْها الزَّوْجُ ويَدَعَها أوْ يُسافِرَ بِها ولا تُرِيدُ الخُرُوجَ مِن دارِها أوْ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها أوْ يَتَسَرّى أوْ يَشْرَبَ المُسْكِرَ أوْ يَضْرِبَها مِن غَيْرِ جُرْمٍ أوْ يَتَبَيَّنَ فَقِيرًا وقَدْ ظَنَّتْهُ غَنِيًّا أوْ مَعِيبًا وقَدْ ظَنَّتْهُ سَلِيمًا أوْ أُمِّيًّا وقَدْ ظَنَّتْهُ قارِئًا أوْ جاهِلًا وقَدْ ظَنَّتْهُ عالِمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ، فَلا يُمْكِنُها التَّخَلُّصُ، فالحِيلَةُ لَها في ذَلِكَ كُلِّهِ أنْ تَشْتَرِطَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَتى وُجِدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَأمْرُها بِيَدِها، إنْ شاءَتْ أقامَتْ مَعَهُ وإنْ شاءَتْ فارَقَتْهُ، وتُشْهِدَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَإنْ خافَتْ أنْ لا تَشْتَرِطَ ذَلِكَ بَعْدَ لُزُومِ العَقْدِ فَلا يُمْكِنُها إلْزامُهُ بِالشَّرْطِ فَلا تَأْذَنُ لِوَلِيِّها أنْ يُزَوِّجَها مِنهُ إلّا عَلى هَذا الشَّرْطِ، فَيَقُولَ: زَوَّجْتُكُما عَلى أنَّ أمْرَها بِيَدِها إنْ كانَ الأمْرُ كَيْتَ وكَيْتَ؛ فَمَتى كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ مَلَكَتْ تَطْلِيقَ نَفْسِها، ولا بَأْسَ بِهَذِهِ الحِيلَةِ، فَإنَّ المَرْأةَ تَتَخَلَّصُ بِها مِن نِكاحِ مَن لَمْ تَرْضَ بِنِكاحِهِ، وتَسْتَغْنِي بِها عَنْ رَفْعِ أمْرِها إلى الحاكِمِ لِيَفْسَخَ نِكاحَها بِالغَيْبَةِ والإعْسارِ ونَحْوِهِما.

[المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ الحِيلَةُ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]

[حِيلَةٌ في الخَلاصِ مِمّا سَبَقَ بِهِ اللِّسانُ]

المِثالُ الحادِي والسِّتُّونَ: إذا سَبَقَ لِسانُهُ بِما يُؤاخَذُ بِهِ في الظّاهِرِ ولَمْ يُرِدْ مَعْناهُ، أوْ أرادَهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وتابَ مِنهُ، أوْ خافَ أنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ بِهِ شُهُودُ زُورٍ ولَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ، فَرُفِعَ إلى الحاكِمِ وادُّعِيَ عَلَيْهِ بِهِ، فَإنْ أنْكَرَ شَهِدُوا عَلَيْهِ، وإنْ أقَرَّ حَكَمَ عَلَيْهِ، ولا سِيَّما إنْ كانَ لا يَرى قَبُولَ التَّوْبَةِ مِن ذَلِكَ، فالحِيلَةُ في الخَلاصِ أنْ لا يُقِرَّ بِهِ ولا يُنْكِرَ، فَيَشْهَدَ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، بَلْ يَكْفِيه في الجَوابِ أنْ يَقُولَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَقَدْ رَجَعْت عَنْهُ، وأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " ولَيْسَ لِلْحاكِمِ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ: لا أكْتَفِي مِنك بِهَذا الجَوابِ، بَلْ لا بُدَّ مِن الإقْرارِ أوْ الإنْكارِ، فَإنَّ هَذا جَوابٌ كافٍ في مِثْلِ هَذِهِ الدَّعْوى، وتَكْلِيفُهُ بَعْدَ ذَلِكَ خُطَّةَ الخَسْفِ بِالإقْرارِ - وقَدْ يَكُونُ كاذِبًا فِيهِ، أوْ الإنْكارِ وقَدْ تابَ مِنهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعالى، فَيَشْهَدُ عَلَيْهِ الشُّهُودُ - ظُلْمٌ وباطِلٌ؛ فَلا يَحِلُّ لِلْحاكِمِ أنْ يَسْألَهُ بَعْدَ هَذا هَلْ وقَعَ مِنك ذَلِكَ أوْ لَمْ يَقَعْ؟ بَلْ أبْلَغُ مِن هَذا لَوْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ فَقالَ: " لَمْ أزَلْ أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ لا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ مُنْذُ عَقَلْت وإلى الآنَ " لَمْ يُسْتَكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ، ولَمْ يُسْألْ لا هو ولا الشُّهُودُ عَنْ سَبَبِ رِدَّتِهِ، كَما ذَكَرَهُ الخِرَقِيِّ في مُخْتَصَرِهِ وغَيْرُهُ مِن أصْحابِ الشّافِعِيِّ، فَإذا ادَّعى عَلَيْهِ بِأنَّهُ قالَ كَذا وكَذا فَقالَ: " إنْ كُنْت قُلْته فَأنا تائِبٌ إلى اللَّهِ مِنهُ " أوْ " قَدْ تُبْت مِنهُ " فَقَدْ اكْتُفِيَ مِنهُ بِهَذا الجَوابِ، ولَمْ يُكْشَفْ عَنْ شَيْءٍ مِنهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

[المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]

[حِيلَةٌ في عَدَمِ الحِنْثِ في يَمِينٍ]

المِثالُ الثّانِي والثَّمانُونَ: لَوْ حَلَفَ رَجُلٌ بِالطَّلاقِ أنَّهُ لا يَضْمَنُ عَنْ أحَدٍ شَيْئًا فَحَلَفَ آخَرُ بِالطَّلاقِ أنْ لا بُدَّ أنْ تَضْمَنَ عَنِّي؛ فالحِيلَةُ في أنْ يَضْمَنَ عَنْهُ، ولا يَحْنَثُ، أنْ يُشارِكَهُ ويَشْتَرِيَ مَتاعًا بَيْنَهُ وبَيْنَ شَرِيكِهِ.

قالَ القاضِي: فَإنَّهُ يَضْمَنُ عَنْ شَرِيكِهِ نِصْفَ الثَّمَنِ، ولا يَحْنَثُ الحالِفُ في يَمِينِهِ؛ لِأنَّ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ عَقْدُ الضَّمانِ، وما يَلْزَمُهُ في مَسْألَتِنا لا يَلْزَمُهُ بِعَقْدِ الضَّمانِ، وإنَّما يَلْزَمُهُ بِالوَكالَةِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن الشَّرِيكَيْنِ وكِيلُ صاحِبِهِ فِيما يَشْتَرِيهِ، فَلِهَذا لَمْ يَحْنَثْ في يَمِينِهِ، فَإنْ كانَتْ بِحالِها، ولَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَحْلُوفِ عَلَيْهِ شَرِكَةٌ، لَكِنَّهُ وكَّلَهُ المَحْلُوفُ عَلَيْهِ فاشْتَراها لَمْ يَحْنَثْ أيْضًا لِما بَيَّنّا.

[المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]

[تَحَيُّلُ المَظْلُومِ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِلظّالِمِ]

المِثالُ الرّابِعُ والثَّمانُونَ: لا بَأْسَ لِلْمَظْلُومِ أنْ يَتَحَيَّلَ عَلى مَسَبَّةِ النّاسِ لِظالِمِهِ، والدُّعاءِ عَلَيْهِ والأخْذِ مِن عِرْضِهِ، وإنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَعَلَّ ذَلِكَ يَرْدَعُهُ، ويَمْنَعُهُ مِن الإقامَةِ عَلى ظُلْمِهِ، وهَذا كَما لَوْ أخَذَ مالَهُ فَلَبِسَ أرَثَّ الثِّيابِ بَعْدَ أحْسَنِها، وأظْهَرَ البُكاءَ والنَّحِيبَ والتَّأوُّهَ، أوْ آذاهُ في جِوارِهِ فَخَرَجَ مِن دارِهِ، وطَرَحَ مَتاعَهُ عَلى الطَّرِيقِ، أوْ أخَذَ دابَّتَهُ فَطَرَحَ حِمْلَهُ عَلى الطَّرِيقِ وجَلَسَ يَبْكِي، ونَحْوِ ذَلِكَ، فَكُلُّ هَذا مِمّا يَدْعُو النّاسَ إلى لَعْنِ الظّالِمِ لَهُ وسَبِّهِ والدُّعاءِ عَلَيْهِ، وقَدْ أرْشَدَ النَّبِيُّ ﷺ المَظْلُومَ بِأذى جارِهِ لَهُ إلى نَحْوِ ذَلِكَ، فَفي السُّنَنِ ومُسْنَدِ الإمامِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا شَكا إلى النَّبِيِّ ﷺ مِن جارِهِ، فَقالَ: اذْهَبْ فاصْبِرْ، فَأتاهُ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، فَقالَ: اذْهَبْ فاطْرَحْ مَتاعَك في الطَّرِيقِ، فَطَرَحَ مَتاعَهُ في الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النّاسُ يَسْألُونَهُ فَيُخْبِرُهم خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللَّهُ بِهِ وفَعَلَ، فَجاءَ إلَيْهِ جارُهُ فَقالَ لَهُ: ارْجِعْ لا تَرى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ» هَذا لَفْظُ أبِي داوُد.

[المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]

[مِن لَطائِفِ حِيَلِ أبِي حَنِيفَةَ]

المِثالُ الخامِسُ والثَّمانُونَ: ما ذُكِرَ في مَناقِبِ أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - أنَّ رَجُلًا أتاهُ بِاللَّيْلِ فَقالَ: أدْرِكْنِي قَبْلَ الفَجْرِ، وإلّا طَلَّقْت امْرَأتِي، فَقالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: تَرَكَتْ اللَّيْلَةَ كَلامِي، فَقُلْت لَها: إنْ طَلَعَ الفَجْرُ، ولَمْ تُكَلِّمِينِي فَأنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، وقَدْ تَوَسَّلْت إلَيْها بِكُلِّ أمْرٍ أنْ تُكَلِّمَنِي فَلَمْ تَفْعَلْ، فَقالَ لَهُ: اذْهَبْ فَمُرْ مُؤَذِّنَ المَسْجِدِ أنْ يَنْزِلَ فَيُؤَذِّنَ قَبْلَ الفَجْرِ، فَلَعَلَّها إذا سَمِعَتْهُ أنْ تُكَلِّمَك، واذْهَبْ إلَيْها وناشِدْها أنْ تُكَلِّمَك قَبْلَ أنْ يُؤَذِّنَ المُؤَذِّنُ، فَفَعَلَ الرَّجُلُ، وجَلَسَ يُناشِدُها، وأذَّنَ المُؤَذِّنُ، فَقالَتْ: قَدْ طَلَعَ الفَجْرُ وتَخَلَّصْت مِنك، فَقالَ: قَدْ كَلَّمْتِنِي قَبْلَ الفَجْرِ وتَخَلَّصْت مِن اليَمِينِ، وهَذا مِن أحْسَنِ الحِيَلِ.

[حِيلَةٌ أُخْرى لَهُ]

المِثالُ السّادِسُ والثَّمانُونَ: قالَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ: كانَ في جِوارِ أبِي حَنِيفَةَ فَتًى يَغْشى مَجْلِسَهُ، فَقالَ لَهُ يَوْمًا: إنِّي أُرِيدُ التَّزَوُّجَ بِامْرَأةٍ، وقَدْ طَلَبُوا مِنِّي مِن المَهْرِ فَوْقَ طاقَتِي، وقَدْ تَعَلَّقْت بِالمَرْأةِ، فَقالَ لَهُ: أعْطِهِمْ ما طَلَبُوا مِنك، فَفَعَلَ، فَلَمّا عَقَدَ العَقْدَ جاءَ إلَيْهِ فَقالَ: قَدْ طَلَبُوا مِنِّي المَهْرَ، فَقالَ: احْتَلْ واقْتَرِضْ وأعْطِهِمْ فَفَعَلَ، فَلَمّا دَخَلَ بِأهْلِهِ قالَ: إنِّي أخافُ المُطالَبِينَ بِالدَّيْنِ، ولَيْسَ عِنْدِي ما أُوَفِّيهِمْ، فَقالَ: أظْهِرْ أنَّك تُرِيدُ سَفَرًا بَعِيدًا، وأنَّك تُرِيدُ الخُرُوجَ بِأهْلِك، فَفَعَلَ، واكْتَرى جِمالًا، فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المَرْأةِ، وأوْلِيائِها، فَجاءُوا إلى أبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَسَألُوهُ، فَقالَ: لَهُ أنْ يَذْهَبَ بِأهْلِهِ حَيْثُ شاءَ، فَقالُوا: نَحْنُ نُرْضِيهِ ونَرُدُّ إلَيْهِ ما أخَذْناهُ مِنهُ، ولا يُسافِرُ، فَلَمّا سَمِعَ الزَّوْجُ طَمِعَ فَقالَ: لا واللَّهِ حَتّى يَزِيدُونِي، فَقالَ لَهُ: إنْ رَضِيت بِهَذا، وإلّا أقَرَّتْ المَرْأةُ أنَّ عَلَيْها دَيْنًا لِرَجُلٍ، فَلا يُمْكِنُك أنْ تُخْرِجَها حَتّى تُوَفِّيَهُ فَقالَ: بِاللَّهِ لا يَسْمَعُ أهْلُ المَرْأةِ ذَلِكَ مِنك، أنا أرْضى بِاَلَّذِي أعْطَيْتهمْ.

[فصل: الحِيَلُ عَلى ثَلاثَةِ أنْواعٍ]

وَحِيَلُ هَذا البابِ ثَلاثَةُ أنْواعٍ: حِيلَةٌ عَلى دَفْعِ الظُّلْمِ والمَكْرِ حَتّى لا يَقَعَ، وحِيلَةٌ عَلى رَفْعِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ، وحِيلَةٌ عَلى مُقابَلَتِهِ بِمِثْلِهِ حَيْثُ لا يُمْكِنُ رَفْعُهُ؛ فالنَّوْعانِ الأوَّلانِ جائِزانِ، وفي الثّالِثِ تَفْصِيلٌ، فَلا يُمْكِنُ القَوْلُ بِجَوازِهِ عَلى الإطْلاقِ، ولا بِالمَنعِ مِنهُ عَلى الإطْلاقِ، بَلْ إنْ كانَ المُتَحَيَّلُ بِهِ حَرامًا لِحَقِّ اللَّهِ لَمْ يَجُزْ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، كَما لَوْ جَرَّعَهُ الخَمْرَ أوْ زَنى بِحُرْمَتِهِ، وإنْ كانَ حَرامًا؛ لِكَوْنِهِ ظُلْمًا لَهُ في مالِهِ، وقَدَرَ عَلى ظُلْمِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ فَهي مَسْألَةُ الظَّفَرِ، وقَدْ تَوَسَّعَ فِيها قَوْمٌ حَتّى أفْرَطُوا وجَوَّزُوا قَلْعَ البابِ، ونَقْبَ الحائِطِ وخَرْقَ السَّقْفِ، ونَحْوَ ذَلِكَ؛ لِمُقابَلَتِهِ بِأخْذِ نَظِيرِ مالِهِ، ومَنَعَها قَوْمٌ بِالكُلِّيَّةِ، وقالُوا: لَوْ كانَ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَسْتَوْفِيَ مِنهُ قَدْرَ حَقِّهِ إلّا بِإعْلامِهِ بِهِ، وتَوَسَّطَ آخَرُونَ وقالُوا: إنْ كانَ سَبَبُ الحَقِّ ظاهِرًا كالزَّوْجِيَّةِ والأُبُوَّةِ والبُنُوَّةِ ومِلْكِ اليَمِينِ المُوجِبِ لِلْإنْفاقِ فَلَهُ أنْ يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّهِ مِن غَيْرِ إعْلامِهِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ظاهِرًا كالقَرْضِ وثَمَنِ المَبِيعِ، ونَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ الأخْذُ إلّا بِإعْلامِهِ، وهَذا أعْدَلُ الأقْوالِ في المَسْألَةِ، وعَلَيْهِ تَدُلُّ السُّنَّةُ دَلالَةً صَرِيحَةً؛ والقائِلُونَ بِهِ أسْعَدُ بِها، وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.

وَإنْ كانَ بَهْتًا لَهُ وكَذِبًا عَلَيْهِ أوْ قَذْفًا لَهُ أوْ شَهادَةً عَلَيْهِ بِالزُّورِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ دُعاءً عَلَيْهِ أوْ لَعْنًا أوْ مَسَبَّةً فَلَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ عَلى أصَحِّ القَوْلَيْنِ، وإنْ مَنَعَهُ كَثِيرٌ مِن النّاسِ، وإنْ كانَ إتْلافُ مالٍ لَهُ فَإنْ كانَ مُحْتَرَمًا كالعَبْدِ والحَيَوانِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْتَرَمٍ فَإنْ خافَ تَعَدِّيَهُ فِيهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِهِ كَما لَوْ حَرَقَ دارِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَحْرِقَ دارِهِ، وإنْ لَمْ يَتَعَدَّ فِيهِ - بَلْ كانَ يَفْعَلُ بِهِ نَظِيرَ ما فَعَلَ بِهِ سَواءٌ كَما لَوْ قَطَعَ شَجَرَتَهُ أوْ كَسَرَ إناءَهُ أوْ فَتَحَ قَفَصًا عَنْ طائِرِهِ أوْ حَلَّ وِكاءَ مائِعٍ لَهُ أوْ أرْسَلَ الماءَ عَلى مِسْطاحِهِ فَذَهَبَ بِما فِيهِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وأمْكَنَهُ مُقابَلَتُهُ بِمِثْلِ ما فَعَلَ سَواءٌ - فَهَذا مَحَلُّ اجْتِهادٍ لَمْ يَدُلَّ عَلى المَنعِ مِنهُ كِتابٌ، ولا سُنَّةٌ، ولا إجْماعٌ، ولا قِياسٌ صَحِيحٌ، بَلْ الأدِلَّةُ المَذْكُورَةُ تَقْتَضِي جَوازَهُ كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ في أوَّلِ الكِتابِ.

وَكانَ شَيْخُنا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يُرَجِّحُ هَذا ويَقُولُ: هو أوْلى بِالجَوازِ مِن إتْلافِ طَرَفِهِ بِطَرَفِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском