Ibn al-QayyimAt‑Tahrim · 66:6–12

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

At-Tahrim 66:6–12, continued

قالَ يحيى بن أبي كثير لا ينال العلم براحة الجِسْم.

ويعوده الانتباه آخر اللَّيْل فَإنَّهُ وقت قسم الغَنائِم وتفريق الجوائز فمستقل ومستكثر ومحروم فَمَتى اعْتادَ ذَلِك صَغِيرا سهل عَلَيْهِ كَبِيرا.

(فصل)

ويجنبه فضول الطَّعام والكَلام والمنام ومخالطة الأنام فَإن الخسارة في هَذِه الفضلات وهِي تفوت على العَبْد خير دُنْياهُ وآخرته ويجنبه مضار الشَّهَوات المُتَعَلّقَة بالبطن والفرج غايَة التجنب فَإن تَمْكِينه من أسبابها والفسح لَهُ فِيها يُفْسِدهُ فَسادًا يعز عَلَيْهِ بعده صَلاحه وكم مِمَّن أشْقى ولَده وفلذة كبده في الدُّنْيا والآخِرَة بإهماله وترك تأديبه وإعانته لَهُ على شهواته ويَزْعُم أنه يُكرمهُ وقد أهانه وأنه يرحمه وقد ظلمه وحرمه ففاته انتفاعه بولده وفوت عَلَيْهِ حَظه في الدُّنْيا والآخِرَة وإذا اعْتبرت الفساد في الأوْلاد رَأيْت عامته من قبل الآباء

(فصل)

والحذر كل الحذر من تَمْكِينه من تناول ما يزِيل عقله من مُسكر وغَيره أو عشرَة من يخْشى فَساده أو كَلامه لَهُ أو الأخْذ في يَده فَإن ذَلِك الهَلاك كُله ومَتى سهل عَلَيْهِ ذَلِك فقد استسهل الدياثة ولا يدْخل الجنَّة ديوث فَما أفسد الأبْناء مثل تغفل الآباء وإهمالهم واستسهالهم شرر النّار بَين الثِّياب فَأكْثر الآباء يعتمدون مَعَ أوْلادهم أعظم ما يعْتَمد العَدو الشَّديد العَداوَة مَعَ عدوه وهم لا يَشْعُرُونَ فكم من والِد حرم والِده خير الدُّنْيا والآخِرَة وعرضه لهلاك الدُّنْيا والآخِرَة وكل هَذا عواقب تَفْرِيط الآباء في حُقُوق الله وإضاعتهم لَها وإعراضهم عَمّا أوجب الله عَلَيْهِم من العلم النافع والعَمَل الصّالح حرمهم الِانْتِفاع بأولادهم وحرم الأوْلاد خَيرهمْ ونفعهم لَهُم هو من عُقُوبَة الآباء.

(فصل)

ويجنبه لبس الحَرِير فَإنَّهُ مُفسد لَهُ ومخنث لطبيعته كَما يخنثه اللواط وشرب الخمر والسَّرِقَة والكذب وقد قالَ النَّبِي ﷺ يحرم الحَرِير والذَّهَب على ذُكُور أمتِي وأحل لإناثهم والصَّبِيّ وإن لم يكن مُكَلّفا فَوَلِيه مُكَلّف لا يحل لَهُ تَمْكِينه من المحرم فَإنَّهُ يعتاده ويعسر فطامه عَنهُ وهَذا أصح قولي العلماء واحْتج من لم يره حَرامًا عَلَيْهِ بِأنَّهُ غير مُكَلّف فَلم يحرم لبسه للحرير كالدابة وهَذا من أفسد القياس فَإن الصَّبِي وإن لم يكن مُكَلّفا فَإنَّهُ مستعد للتكليف ولِهَذا لا يُمكن من الصَّلاة بِغَيْر وضوء ولا من الصَّلاة عُريانا ونجسا ولا من شرب الخمر والقمار واللواط

(فصل)

وَمِمّا يَنْبَغِي أن يعْتَمد حال الصَّبِي وما هو مستعد لَهُ من الأعْمال ومهيأ لَهُ مِنها، فَيعلم أنه مَخْلُوق لَهُ فَلا يحملهُ على غَيره ما كانَ مَأْذُونا فِيهِ شرعا فَإنَّهُ إن حمله على غير ما هو مستعد لَهُ لم يفلح فِيهِ وفاته ما هو مُهَيَّأ لَهُ فَإذا رَآهُ حسن الفَهم صَحِيح الإدْراك جيد الحِفْظ واعيا فَهَذِهِ من عَلامات قبُوله وتهيئه للْعلم لينقشه في لوح قلبه ما دامَ خالِيا فَإنَّهُ يتَمَكَّن فِيهِ ويستقر ويزكو مَعَه وإن رَآهُ بِخِلاف ذَلِك من كل وجه وهو مستعد للفروسية وأسبابها من الرّكُوب والرَّمْي واللعب بِالرُّمْحِ وأنه لا نَفاذ لَهُ في العلم ولم يخلق لَهُ مكنه من أسباب الفروسية والتمرن عَلَيْها فَإنَّهُ أنْفَع لَهُ وللمسلمين وإن رَآهُ بِخِلاف ذَلِك وأنه لم يخلق لذَلِك ورَأى عينه مَفْتُوحَة إلى صَنْعَة من الصَّنائِع مستعدا لَها قابلا لَها وهِي صناعَة مُباحَة نافعة للنّاس فليمكنه مِنها هَذا كُله بعد تَعْلِيمه لَهُ ما يحْتاج إلَيْهِ في دينه فَإن ذَلِك ميسر على كل أحد لتقوم حجَّة الله على العَبْد فَإن لَهُ على عباد الحجَّة البالِغَة كَما لَهُ عَلَيْهِم النِّعْمَة السابغة. والله أعلم.

66:7Page 560

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٧

O you who have disbelieved, make no excuses that Day. You will only be recompensed for what you used to do.

No commentary for this ayah

66:8Page 561

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٨

O you who have believed, repent to Allāh with sincere repentance. Perhaps1 your Lord will remove from you your misdeeds and admit you into gardens beneath which rivers flow [on] the Day when Allāh will not disgrace the Prophet and those who believed with him. Their light will proceed before them and on their right; they will say, "Our Lord, perfect for us our light and forgive us. Indeed, You are over all things competent."

[فَصْلٌ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ]

قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إلى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسى رَبُّكم أنْ يُكَفِّرَ عَنْكم سَيِّئاتِكم ويُدْخِلَكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾

فَجَعَلَ وِقايَةَ شَرِّ السَّيِّئاتِ - وهو تَكْفِيرُها - بِزَوالِ ما يَكْرَهُ العَبْدُ، ودُخُولِ الجَنّاتِ - وهو حُصُولُ ما يُحِبُّ العَبْدُ - مَنُوطًا بِحُصُولِ التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والنَّصُوحُ عَلى وزْنِ فَعُولٍ المَعْدُولِ بِهِ عَنْ فاعِلٍ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ، كالشَّكُورِ والصَّبُورِ، وأصْلُ مادَّةِ (ن ص ح) لِخَلاصِ الشَّيْءِ مِنَ الغِشِّ والشَّوائِبِ الغَرِيبَةِ، وهو مُلاقٍ في الِاشْتِقاقِ الأكْبَرِ لِنَصَحَ إذا خَلَصَ، فالنُّصْحُ في التَّوْبَةِ والعِبادَةِ والمَشُورَةِ تَخْلِيصُها مِن كُلِّ غِشٍّ ونَقْصٍ وفَسادٍ، وإيقاعُها عَلى أكْمَلِ الوُجُوهِ، والنُّصْحُ ضِدُّ الغِشِّ.

وَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِباراتُ السَّلَفِ عَنْها، ومَرْجِعُها إلى شَيْءٍ واحِدٍ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: التَّوْبَةُ النَّصُوحُ أنْ يَتُوبَ مِنَ الذَّنْبِ ثُمَّ لا يَعُودَ إلَيْهِ، كَما لا يَعُودُ اللَّبَنُ إلى الضِّرْعِ وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: هي أنْ يَكُونَ العَبْدُ نادِمًا عَلى ما مَضى، مُجْمِعًا عَلى أنْ لا يَعُودَ فِيهِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: أنْ يَسْتَغْفِرَ بِاللِّسانِ، ويَنْدَمَ بِالقَلْبِ، ويُمْسِكَ بِالبَدَنِ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: تَوْبَةً نَصُوحًا، تَنْصَحُونَ بِها أنْفُسَكُمْ، جَعَلَها بِمَعْنى ناصِحَةٍ لِلتّائِبِ، كَضَرُوبِ المَعْدُولِ عَنْ ضارِبٍ.

وَأصْحابُ القَوْلِ الأوَّلِ يَجْعَلُونَها بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ قَدْ نَصَحَ فِيها التّائِبُ ولَمْ يَشُبْها بِغِشٍّ، فَهي إمّا بِمَعْنى مَنصُوحٍ فِيها، كَرَكُوبَةٍ وحَلُوبَةٍ، بِمَعْنى مَرْكُوبَةٍ ومَحْلُوبَةٍ، أوْ بِمَعْنى الفاعِلِ، أيْ ناصِحَةٌ كَخالِصَةٍ وصادِقَةٍ.

وَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: يَجْمَعُها أرْبَعَةُ أشْياءَ: الِاسْتِغْفارُ بِاللِّسانِ، والإقْلاعُ بِالأبْدانِ، وإضْمارُ تَرْكِ العَوْدِ بِالجِنانِ، ومُهاجَرَةُ سَيْءِ الإخْوانِ.

قُلْتُ: النُّصْحُ في التَّوْبَةِ يَتَضَمَّنُ ثَلاثَةَ أشْياءَ:

الأوَّلُ: تَعْمِيمُ جَمِيعِ الذُّنُوبِ واسْتِغْراقُها بِها بِحَيْثُ لا تَدَعُ ذَنْبًا إلّا تَناوَلَتْهُ.

والثّانِي: إجْماعُ العَزْمِ والصِّدْقِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَيْها، بِحَيْثُ لا يَبْقى عِنْدَهُ تَرَدُّدٌ، ولا تَلَوُّمٌ ولا انْتِظارٌ، بَلْ يَجْمَعُ عَلَيْها كُلَّ إرادَتِهِ وعَزِيمَتِهِ مُبادِرًا بِها.

الثّالِثُ: تَخْلِيصُها مِنَ الشَّوائِبِ والعِلَلِ القادِحَةِ في إخْلاصِها، ووُقُوعُها لِمَحْضِ الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وخَشْيَتِهِ، والرَّغْبَةِ فِيما لَدَيْهِ، والرَّهْبَةِ مِمّا عِنْدَهُ، لا كَمَن يَتُوبُ لِحِفْظِ جاهِهِ وحُرْمَتِهِ، ومَنصِبِهِ ورِياسَتِهِ، ولِحِفْظِ حالِهِ، أوْ لِحِفْظِ قُوَّتِهِ ومالِهِ، أوِ اسْتِدْعاءِ حَمْدِ النّاسِ، أوِ الهَرَبِ مِن ذَمِّهِمْ، أوْ لِئَلّا يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ السُّفَهاءُ، أوْ لِقَضاءِ نَهْمَتِهِ مِنَ الدُّنْيا، أوْ لِإفْلاسِهِ وعَجْزِهِ، ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ العِلَلِ الَّتِي تَقْدَحُ في صِحَّتِها وخُلُوصِها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

فالأوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِما يَتُوبُ مِنهُ، والثّالِثُ يَتَعَلَّقُ بِمَن يَتُوبُ إلَيْهِ، والأوْسَطُ يَتَعَلَّقُ بِذاتِ التّائِبِ ونَفْسِهِ، فَنُصْحُ التَّوْبَةِ الصِّدْقُ فِيها، والإخْلاصُ، وتَعْمِيمُ الذُّنُوبِ بِها، ولا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ التَّوْبَةَ تَسْتَلْزِمُ الِاسْتِغْفارَ وتَتَضَمَّنُهُ، وتَمْحُو جَمِيعَ الذُّنُوبِ، وهي أكْمَلُ ما يَكُونُ مِنَ التَّوْبَةِ، واللَّهُ المُسْتَعانُ، وعَلَيْهِ التُّكْلانُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

66:9Page 561

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٩

O Prophet, strive against the disbelievers and the hypocrites and be harsh upon them. And their refuge is Hell, and wretched is the destination.

No commentary for this ayah

66:10Page 561

ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ ١٠

Allāh presents an example of those who disbelieved: the wife of Noah and the wife of Lot. They were under two of Our righteous servants but betrayed them,1 so they [i.e., those prophets] did not avail them from Allāh at all, and it was said, "Enter the Fire with those who enter."

(فصل)

ذكر ابن أبي داود في تفسيره عن وهب بن منبه قال إن الملائكة حين دخلوا على لوط ظن أنهم أضياف ضافوه فاحتفل لهم وحرص على كرامتهم وخالفته امرأته إلى فساق قومه فأخبرتهم أنه ضاف لوطا أحسن الناس وجها وأنضرهم جمالا وأطيبهم ريحا فكانت هذه خيانتها التي ذكر الله عز وجل في كتابه

وفيه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ﴿فخانتاهما﴾

قال: والله ما زنتا ولا بغت امرأة نبي قط فقيل له فما كانت خيانة امرأة نوح وامرأة لوط فقال أما امرأة نوح فكانت تخبر أنه مجنون وأما امرأة لوط فإنها كانت تدل على الضيف.

(فصل)

اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى ثَلاثَةِ أمْثالٍ: مَثَلٌ لِلْكُفّارِ، ومِثْلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِينَ.

فَتَضَمَّنَ مَثَلُ الكُفّارِ أنَّ الكافِرَ يُعاقَبُ عَلى كُفْرِهِ وعَداوَتِهِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وأوْلِيائِهِ، ولا يَنْفَعُهُ مَعَ كُفْرِهِ ما كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُؤْمِنِينَ مِن لُحْمَةِ نَسَبٍ أوْ صِلَةِ صِهْرٍ أوْ سَبَبٍ مِن أسْبابِ الِاتِّصالِ.

فَإنَّ الأسْبابَ كُلَّها تَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا ما كانَ مِنها مُتَّصِلًا بِاللَّهِ وحْدَهُ عَلى أيْدِي رُسُلِهِ، فَلَوْ نَفَعَتْ وصْلَةُ القَرابَةِ والمُصاهَرَةِ أوْ النِّكاحِ مَعَ عَدَمِ الإيمانِ لَنَفَعَتْ الوَصْلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَ لُوطٍ ونُوحٍ وامْرَأتَيْهِما، فَلَمّا لَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِن اللَّهِ شَيْئًا ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]

قَطَعَتْ الآيَةُ حِينَئِذٍ طَمَعَ مَن رَكِبَ مَعْصِيَةَ اللَّهِ وخالَفَ أمْرَهُ، ورَجا أنْ يَنْفَعَهُ صَلاحُ غَيْرِهِ مِن قَرِيبٍ أوْ أجْنَبِيٍّ، ولَوْ كانَ بَيْنَهُما في الدُّنْيا أشَدَّ الِاتِّصالِ، فَلا اتِّصالَ فَوْقَ اتِّصالِ البُنُوَّةِ والأُبُوَّةِ والزَّوْجِيَّةِ، ولَمْ يُغْنِ نُوحٌ عَنْ ابْنِهِ، ولا إبْراهِيمُ عَنْ أبِيهِ، ولا نُوحٌ ولا لُوطٌ عَنْ امْرَأتَيْهِما مِن اللَّهِ شَيْئًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكم أرْحامُكم ولا أوْلادُكم يَوْمَ القِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة: ٣]

وَقالَ تَعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ [الانفطار: ١٩].

وَقالَ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨]

وَقالَ: ﴿واخْشَوْا يَوْمًا لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ ولَدِهِ ولا مَوْلُودٌ هو جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئًا إنَّ وعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان: ٣٣]

وَهَذا كُلُّهُ تَكْذِيبٌ لِأطْماعِ المُشْرِكِينَ الباطِلَةِ أنَّ مَن تَعَلَّقُوا بِهِ مِن دُونِ اللَّهِ مِن قَرابَةٍ أوْ صِهْرٍ أوْ نِكاحٍ أوْ صُحْبَةٍ يَنْفَعُهم يَوْمَ القِيامَةِ، أوْ يُجِيرُهم مِن عَذابِ اللَّهِ، أوْ هو يَشْفَعُ لَهم عِنْدَ اللَّهِ، وهَذا أصْلُ ضَلالِ بَنِي آدَمَ وشِرْكِهِمْ، وهو الشِّرْكُ الَّذِي لا يَغْفِرُهُ اللَّهُ، وهو الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ جَمِيعَ رُسُلِهِ وأنْزَلَ جَمِيعَ كُتُبِهِ بِإبْطالِهِ، ومُحارَبَةِ أهْلِهِ ومُعاداتِهِمْ.

(لطيفة)

قوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾

كأن الكون كله نطق بذلك وقاله لهم.

66:11Page 561

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١١

And Allāh presents an example of those who believed: the wife of Pharaoh, when she said, "My Lord, build for me near You a house in Paradise and save me from Pharaoh and his deeds and save me from the wrongdoing people."

(فائدة)

وَقالَت امْرَأة فِرْعَوْن ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا في الجَنَّةِ﴾ فطلبت كَون البَيْت عِنْده قبل طلبَها أن يكون في الجنَّة، فَإن الجار قبل الدّار.

(فَصْلٌ)

وَأمّا المَثَلانِ اللَّذانِ لِلْمُؤْمِنِينَ فَأحَدُهُما امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، ووَجْهُ المَثَلِ أنَّ اتِّصالَ المُؤْمِنِ بِالكافِرِ لا يَضُرُّهُ شَيْئًا إذا فارَقَهُ في كُفْرِهِ وعَمَلِهِ، فَمَعْصِيَةُ الغَيْرِ لا تَضُرُّ المُؤْمِنَ المُطِيعَ شَيْئًا في الآخِرَةِ، وإنْ تَضَرَّرَ بِها في الدُّنْيا بِسَبَبِ العُقُوبَةِ الَّتِي تَحِلُّ بِأهْلِ الأرْضِ إذا أضاعُوا أمْرَ اللَّهِ فَتَأْتِي عامَّةً، فَلَمْ يَضُرَّ امْرَأةَ فِرْعَوْنَ اتِّصالُها بِهِ وهو مِن أكْفَرِ الكافِرِينَ، ولَمْ يَنْفَعْ امْرَأةَ نُوحٍ ولُوطٍ اتِّصالُهُما بِهِما وهُما رَسُولا رَبِّ العالَمِينَ.

المَثَلُ الثّانِي لِلْمُؤْمِنِينَ مَرْيَمَ الَّتِي لا زَوْجَ لَها، لا مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ، فَذَكَرَ ثَلاثَةَ أصْنافٍ مِن النِّساءِ: المَرْأةَ الكافِرَةَ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الصّالِحِ والمَرْأةَ الصّالِحَةَ الَّتِي لَها وصْلَةٌ بِالرَّجُلِ الكافِرِ، والمَرْأةَ العَزَبَ الَّتِي لا وصْلَةَ بَيْنَها وبَيْنَ أحَدٍ: فالأوْلى لا تَنْفَعُها وصْلَتُها وسَبَبُها، والثّانِيَةُ لا تَضُرُّها وصْلَتُها وسَبَبُها، والثّالِثَةُ لا يَضُرُّها عَدَمُ الوَصْلَةِ شَيْئًا.

ثُمَّ في هَذِهِ الأمْثالِ مِن الأسْرارِ البَدِيعَةِ ما يُناسِبُ سِياقَ السُّورَةِ؛ فَإنَّها سِيقَتْ في ذِكْرِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، والتَّحْذِيرِ مِن تَظاهُرِهِنَّ عَلَيْهِ، وأنَّهُنَّ إنْ لَمْ يُطِعْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ ويُرِدْنَ الدّارَ الآخِرَةَ لَمْ يَنْفَعْهُنَّ اتِّصالُهُنَّ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما لَمْ يَنْفَعْ امْرَأة نُوحٍ ولُوط اتِّصالهما بِهِما، ولِهَذا إنّما ضَرْب في هَذِهِ السُّورَةِ مَثَلَ اتِّصالَ النِّكاحِ دُونَ القَرابَةِ.

قالَ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ: ضَرَبَ اللَّهُ المَثَلَ الأوَّلَ يُحَذِّرُ عائِشَةَ وحَفْصَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُما المَثَلَ الثّانِيَ يُحَرِّضُهُما عَلى التَّمَسُّكِ بِالطّاعَةِ.

66:12Page 561

وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢

And [the example of] Mary, the daughter of ʿImrān, who guarded her chastity, so We blew into [her garment] through Our angel [i.e., Gabriel], and she believed in the words of her Lord and His scriptures and was of the devoutly obedient.

(فَصْلٌ)

وَفِي ضَرْبِ المَثَلِ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْيَمَ أيْضًا اعْتِبارٌ آخَرُ وهو أنَّها لَمْ يَضُرَّها عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا قَذْفُ أعْداءِ اللَّهِ اليَهُودَ لَها، ونِسْبَتُهم إيّاها وابْنَها إلى ما بَرَّأهُما اللَّهُ عَنْهُ، مَعَ كَوْنِها الصِّدِّيقَةُ الكُبْرى المُصْطَفاةُ عَلى نِساءِ العالَمِينَ؛ فَلا يَضُرُّ الرَّجُلُ الصّالِحُ قَدْحُ الفُجّارِ والفُسّاقِ فِيهِ.

وَفِي هَذا تَسْلِيَةٌ لِعائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ إنْ كانَتْ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الإفْكِ، وتَوْطِينِ نَفْسِها عَلى ما قالَ فِيها الكاذِبُونَ إنْ كانَتْ قَبْلَها، كَما في ذِكْرِ التَّمْثِيلِ بِامْرَأةِ نُوحٍ ولُوطٍ تَحْذِيرٌ لَها ولِحَفْصَةَ مِمّا اعْتَمَدَتاهُ في حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ.

فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الأمْثالُ التَّحْذِيرَ لَهُنَّ والتَّخْوِيفَ، والتَّحْرِيضَ لَهُنَّ عَلى الطّاعَةِ والتَّوْحِيدِ، والتَّسْلِيَةِ وتَوْطِينِ النَّفْسِ لِمَن أُوذِيَ مِنهُنَّ وكُذِبَ عَلَيْهِ.

وَأسْرارُ التَّنْزِيلِ فَوْقَ هَذا وأجَلُّ مِنهُ، ولا سِيَّما أسْرارُ الأمْثالِ الَّتِي لا يَعْقِلُها إلّا العالِمُونَ.

((الجزء العشرون))

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском