Ibn al-QayyimAl‑Qalam · 68:4

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Qalam 68:4

68:4Page 564

وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤

And indeed, you are of a great moral character.

وهذه من أعظم آيات نبوته ورسالته لمن منحه الله فهمًا ولقد سئلت أم المؤمنين عن خلقه ﷺ، فأجابت بما شفى وكفى فقالت كان خلقه القرآن فهم سائلها أن يقوم لا يسألها شيئًا بعد ذلك ومن هذا قال ابن عباس وغيره أي على دين عظيم وسمى الدين خلقًا لأن الخلق هيئة مركبة من علوم صادقة وإرادات زاكية وأعمال ظاهرة وباطنة موافقة للعدل والحكمة والمصلحة وأقوال مطابقة للحق تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك العلوم والإرادات فتكتسب النفس بها أخلاقًا هي أزكى الأخلاق وأشرفها وأفضلها فهذه كانت أخلاق رسول الله المقتبسة من مشكاة القرآن فكان كلامه مطابقًا للقرآن تفصيلاله وتبيينا وعلومه علوم القرآن وإرادته وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن ورغبته فيما رغب فيه وزهده فيما زهد فيه وكراهته لما كرهه ومحبته لما أحبه وسعيه في تنفيذ أوامره وتبليغه والجهاد في إقامته فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول وحسن تعبيرها عن هذا كله بقولها كان خلقه القرآن وفهم هذا السائل لها عن هذا المعنى فاكتفى به واشتفى.

فإذا كانت أخلاق العباد وعلومهم وإراداتهم وأعمالهم مستفادة من القلم وما يسطرون وكان في خلق القلم والكتابة إنعام عليهم وإحسان إليهم إذ وصلوا به إلى ذلك فكيف ينكرون إنعامه وإحسانه على عبده ورسوله الذي أعطاه أعلى الأخلاق وأفضل العلوم والأعمال والإرادات التي لا تهتدي العقول إلى تفاصيلها من غير قلم ولا كتابة فهل هذا إلا من أعظم آيات نبوته وشواهد صدق رسالاته وسيعلم أعداؤه المكذبون له أيهم المفتون هو أم هم وقد علموا هم والعقلاء ذلك في الدنيا ويزداد علمهم في البرزخ وينكشف ويظهر كل الظهور في الآخرة بحيث تتساوى أقدام الخلائق في العلم به.

(فائِدَة جليلة)

جمع النبي بَين تقوى الله وحسن الخلق، لِأن تقوى الله يصلح ما بَين العَبْد وبَين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بَينه وبَين خلقه.

فتقوى الله توجب لَهُ محبَّة الله، وحسن الخلق يَدْعُو إلى محبته.

[فَصْلٌ: المَحَبَّةُ أصْلُ كُلِّ دِينٍ]

وَكَما أنَّ المَحَبَّةَ والإرادَةَ أصْلُ كُلِّ فِعْلٍ كَما تَقَدَّمَ، فَهي أصْلُ كُلِّ دِينٍ سَواءٌ أكانَ حَقًّا أوْ باطِلًا، فَإنَّ الدِّينَ هو مِنَ الأعْمالِ الباطِنَةِ والظّاهِرَةِ، والمَحَبَّةُ والإرادَةُ أصْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ، والدِّينُ هو الطّاعَةُ والعِبادَةُ والخُلُقُ، فَهو الطّاعَةُ اللّازِمَةُ الدّائِمَةُ الَّتِي صارَتْ خُلُقًا وعادَةً، ولِهَذا فُسِّرَ الخُلُقُ بِالدِّينِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].

وَقالَ الإمامُ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَعَلى دِينٍ عَظِيمٍ.

«وَسُئِلَتْ عائِشَةُ عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: " كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ "».

والدِّينُ فِيهِ مَعْنى الإذْلالِ والقَهْرِ، وفِيهِ مَعْنى الذُّلِّ والخُضُوعِ والطّاعَةِ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ مِنَ الأعْلى إلى الأسْفَلِ، كَما يُقالُ: دِنْتُهُ فَدانَ، أيْ قَهَرَتْهُ فَذَلَّ.

قالَ الشّاعِرُ:

؎هُوَ دانَ الرَّبابَ إذْ كَرِهُوا الدِّ ∗∗∗ ينَ فَأضْحَوْا بِعِزَّةٍ وصِيالِ

وَيَكُونُ مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، كَما يُقالُ: دِنْتُ اللَّهَ، ودِنْتُ لِلَّهِ، وفُلانٌ لا يَدِينُ اللَّهَ دِينًا، ولا يَدِينُ اللَّهَ بِدِينٍ، فَدانَ اللَّهَ: أيْ أطاعَ اللَّهَ وأحَبَّهُ وخافَهُ، ودانَ اللَّهَ: تَخَشَّعَ لَهُ وخَضَعَ وذَلَّ وانْقادَ.

والدِّينُ الباطِنُ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الحُبِّ والخُضُوعِ كالعِبادَةِ سَواءً، بِخِلافِ الدِّينِ الظّاهِرِ، فَإنَّهُ لا يَسْتَلْزِمُ الحُبَّ، وإنْ كانَ فِيهِ انْقِيادٌ وذُلٌّ في الظّاهِرِ.

(فصل)

وَمِمّا يحمد عَلَيْهِ ﷺ ما جبله الله عَلَيْهِ من مَكارِم الأخْلاق وكرائم الشيم، فَإن من نظر في أخلاقه وشيمه ﷺ علم أنَّها خير أخْلاق الخلق وأكْرم شمائل الخلق فَإنَّهُ ﷺ كانَ أعلم الخلق وأعظمهم أمانَة وأصدقهم حَدِيثا وأحلمهم وأجودهم وأسخاهم وأشدهم احْتِمالا، وأعظمهم عفوا ومغفرة، وكانَ لا يزِيدهُ شدَّة الجَهْل عَلَيْهِ إلّا حلمًا

كَما روى البُخارِيّ في صَحِيحه عَن عبد الله بن عَمْرو رَضِي الله عَنْهُما أنه قالَ في صفة رَسُول الله ﷺ في التَّوْراة

"مُحَمَّد عَبدِي ورسولي سميته المتَوَكل لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيئَة ولَكِن يعْفُو ويصفح، ولنْ أقبضهُ حَتّى أقيم بِهِ الملَّة العوجاء بِأن يَقُولُوا لا إلَه إلّا الله، وأفتح بِهِ أعينًا عميا وآذانًا صمًّا وقُلُوبًا غلفًا"

وأرحم الخلق وأرأفهم بهم وأعظم الخلق نفعا لَهُم في دينهم ودنياهم وأفصح خلق الله، وأحْسَنهمْ تعبيرًا عَن المعانِي الكَثِيرَة بالألفاظ الوجيزة الدّالَّة على المُراد، وأصبرهم في مَواطِن الصَّبْر، وأصدقهم في مَواطِن اللِّقاء، وأوفاهم بالعهد والذمة وأعظمهم مُكافَأة على الجَمِيل بأضعافه وأشدهم تواضعًا وأعظمهم إيثارًا على نَفسه وأشد الخلق ذبًا عَن أصْحابه وحماية لَهُم ودفاعًا عَنْهُم وأقوم الخلق بِما يَأْمر بِهِ وأتركهم لما يُنْهِي عَنهُ وأوصل الخلق لرحمه فَهو أحَق بقول القائِل

؎(برد على الأدْنى ومرحمة ∗∗∗ وعَلى الأعادي مارن جلد)

قالَ عَليّ رَضِي الله عَنهُ "كانَ رَسُول الله ﷺ أجود النّاس صَدرا وأصدقهم لهجة وألينهم عَرِيكَة وأكْرمهمْ عشرَة

من رَآهُ بديهة هابه، ومن خالطه معرفَة أحبه، يَقُول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ.

فَقَوله (كانَ أجود النّاس صَدرا)

أرادَ بِهِ بر الصَّدْر وكَثْرَة خَيره وأن الخَيْر يتفجر مِنهُ تفجيرًا وأنه منطو على كل خلق جميل وكل خير كَما قالَ بعض أهل العلم لَيْسَ في الدُّنْيا كلها مَحل كانَ أكثر خيرا من صدر رَسُول الله ﷺ قد جمع الخَيْر بحذافيره وأودع في صَدره ﷺ

وَقَوله (أصدق النّاس لهجة)

هَذا مِمّا أقرّ لَهُ بِهِ أعداؤه المحاربون لَهُ ولم يجرب عَلَيْهِ أحد من أعدائه كذبة واحِدَة قطّ دع شَهادَة أوليائه كلهم لَهُ بِهِ فقد حاربه أهل الأرْض بأنواع المحاربات مشركوهم وأهل الكتاب مِنهُم ولَيْسَ أحد مِنهُم يَوْمًا من الدَّهْر طعن فِيهِ بكذبة واحِدَة صَغِيرَة ولا كَبِيرَة

قالَ المسور بن مخرمَة قلت لأبي جهل وكانَ خالِي يا خال هَل كُنْتُم تتهمون مُحَمَّدًا بِالكَذِبِ قبل أن يَقُول مقالَته؟

فَقالَ والله يا ابْن أُخْتِي لقد كانَ مُحَمَّد وهو شاب يدعى فِينا الأمين، فَلَمّا وخطه الشيب لم يكن ليكذب.

قلت يا خال فَلم لا تتبعونه؟ فَقالَ يا ابْن أُخْتِي تنازعنا نَحن وبَنُو هاشم الشّرف فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا فَلَمّا تجاثينا على الركب وكُنّا كفرسي رهان قالُوا منا نَبِي فَمَتى نأتيهم بِهَذِهِ أو كَما قالَ.

وَقالَ تَعالى يسليه ويهون عَلَيْهِ قَول أعدائه ﴿قَدْ نَعْلَمُ إنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإنَّهم لا يُكَذِّبُونَكَ ولَكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ ولَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وأُوذُوا حَتّى أتاهم نَصْرُنا ولا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ولَقَدْ جاءَكَ مِن نَبَأِ المُرْسَلِينَ﴾

وَقَوله ألينهم عَرِيكَة يَعْنِي سهل لين قريب من النّاس مُجيب لدَعْوَة من دَعاهُ قاض لحاجَة من استقضاه جابر لقلب من قَصده لا يحرمه ولا يردهُ خائبًا إذا أرادَ أصْحابه مِنهُ أمرا وافقهم عَلَيْهِ وتابعهم فِيهِ وإن عزم على أمر لم يستبد دونهم بل يشاورهم ويؤامرهم وكانَ يقبل من محسنهم ويَعْفُو عَن مسيئهم

وَقَوله (أكْرمهم عشرَة)

يَعْنِي أنه لم يكن يعاشر جَلِيسا لَهُ إلّا أتم عشرَة وأحسنها وأكْرمها، فَكانَ لا يعبس في وجهه ولا يغلظ لَهُ في مقاله ولا يطوي عَنهُ بشره، ولا يمسك عَلَيْهِ فلتات لِسانه ولا يؤاخذه بِما يصدر مِنهُ من جفوة ونَحْوها بل يحسن إلى عشيره غايَة الإحْسان ويحْتَمل غايَة الِاحْتِمال فَكانَت عشرته لَهُم احْتِمال أذاهم وجفوتهم جملَة لا يُعاقب أحدا مِنهُم ولا يلومه ولا يباديه بِما يكره من خالطه يَقُول أنا أحب النّاس إلَيْهِ لما يرى من لطفه بِهِ وقربه مِنهُ وإقباله عَلَيْهِ واهتمامه بأمْره وتضحيته لَهُ وبذل إحسانه إلَيْهِ واحْتِمال جفوته فَأي عشرَة كانَت أو تكون أكْرم من هَذِه العشْرَة

قالَ الحُسَيْن رَضِي الله عَنهُ سَألت أبي عَن سيرة النَّبِي ﷺ في جُلَسائِهِ، فَقالَ كانَ النَّبِي ﷺ دائِم البشر سهل الخلق لين الجانِب لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غليظ ولا صخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مداح يتغافل عَمّا لا يَشْتَهِي ولا يؤيس مِنهُ راجيه ولا يخيب فِيهِ قد ترك نَفسه من ثَلاث المراء والإكثار وترك ما لا يعنيه كانَ لا يذم أحدا ولا يعِيبهُ ولا يطْلب عَوْرَته ولا يتَكَلَّم إلّا فِيما رجا ثَوابه وإذا تكلم أطرق جُلَساؤُهُ كَأنَّما على رؤوسهم الطير فَإذا سكت تكلمُوا لا يتنازعون عِنْده الحَدِيث ومن تكلم عِنْده أنْصتُوا لَهُ حَتّى يفرغ حَدِيثهمْ عند حَدِيث أوَّلهمْ يضْحك مِمّا يَضْحَكُونَ مِنهُ ويتعجب مِمّا يتعجبون مِنهُ ويصبر للغريب على الجفوة في مَنطِقه ومسألته حَتّى إن كانَ أصْحابه ليستجلبونهم ويَقُول إذا رَأيْتُمْ طالب حاجَة يطْلبها فأرفدوه ولا يقبل الثَّناء إلّا من مكافئ ولا يقطع على أحد حَدِيثه حَتّى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام.

وَقَوله (من رَآهُ بديهة هابه، ومن خالطه معرفَة أحبه)

وَصفه بصفتين خص الله بهما أهل الصدْق والإخْلاص وهما الإجلال والمحبة وكانَ قد ألْقى عَلَيْهِ هَيْبَة مِنهُ ومحبة فَكانَ كل من يراهُ يهابه ويجله ويملأ قلبه تَعْظِيمًا وإجلالًا وإن كانَ عدوا لَهُ فَإذا خالطه وعاشره كانَ أحب إلَيْهِ من كل مَخْلُوق فَهو المجل المُعظم المحبوب المكرم وهَذا كَمال المحبَّة أن تقرن بالتعظيم والهيبة، فالمحبة بِلا هَيْبَة ولا تَعْظِيم ناقِصَة والهيبة والتعظيم من غير محبَّة كَما تكون للغادر الظّالِم نقص أيْضا، والكمال أن تَجْتَمِع المحبَّة والود والتعظيم والإجلال وهَذا لا يُوجد إلّا إذا كانَ في المحبوب صِفات الكَمال الَّتِي يسْتَحق أن يعظم لأجلها ويُحب لأجلها ولما كانَ الله سُبْحانَهُ وتَعالى أحَق بِهَذا من كل أحد كانَ المُسْتَحق لِأن يعظم ويكبر ويهاب ويُحب ويَوَد بِكُل جُزْء من أجزاء القلب ولا يَجْعَل لَهُ شريك في ذَلِك وهَذا هو الشّرك الَّذِي لا يغفره الله سُبْحانَهُ أن يُسَوِّي بَينه وبَين غَيره في هَذا الحبّ قالَ تَعالى ﴿وَمن النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ والَّذِينَ آمَنُوا أشد حبا لله﴾

فَأخْبر أن من أحب شَيْئا غير الله مثل حبه لله كانَ قد اتَّخذهُ ندا وقالَ أهل النّار في النّار لمعبودهم ﴿تاللَّهِ إنْ كُنّا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ إذْ نُسَوِّيكم بِرَبِّ العالَمِينَ﴾.

[فَصْلٌ مَنزِلَةُ الخُلُقِ]

[الخُلُقُ في الكِتابِ والسُّنَّةِ]

وَمِن مَنازِلِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ مَنزِلَةُ الخُلُقِ.

قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿وَإنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: لَعَلى دِينٍ عَظِيمٍ، لا دِينَ أحَبُّ إلَيَّ ولا أرْضى عِنْدِي مِنهُ. وهو دِينُ الإسْلامِ.

وَقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هو آدابُ القُرْآنِ.

وَقالَ قَتادَةُ: هو ما كانَ يَأْمُرُ بِهِ مِن أمْرِ اللَّهِ. ويَنْهى عَنْهُ مِن نَهْيِ اللَّهِ.

والمَعْنى: إنَّكَ لَعَلى الخُلُقِ الَّذِي آثَرَكَ اللَّهُ بِهِ في القُرْآنِ.

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: أنَّ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ سَألَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَتْ: كانَ خُلُقَهُ القُرْآنُ. فَقالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أقُومَ ولا أسْألَ شَيْئًا.

وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ مَكارِمَ الأخْلاقِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]

قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ بِمَكارِمِ الأخْلاقِ. ولَيْسَ في القُرْآنِ آيَةٌ أجْمَعُ لِمَكارِمِ الأخْلاقِ مِن هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ ذُكِرَ: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ:

«ما هَذا؟ قالَ: لا أدْرِي حَتّى أسْألَ، فَسَألَ. ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ. فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أنْ تَصِلَ مَن قَطَعَكَ، وتُعْطِيَ مَن حَرَمَكَ، وتَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ».

وَلا رَيْبَ أنَّ لِلْمُطاعِ مَعَ النّاسِ ثَلاثَةَ أحْوالٍ.

أحَدُها: أمْرُهم ونَهْيُهم بِما فِيهِ مَصْلَحَتُهم.

الثّانِي: أخْذُهُ مِنهم ما يَبْذُلُونَهُ مِمّا عَلَيْهِمْ مِنَ الطّاعَةِ.

الثّالِثُ: أنَّ النّاسَ مَعَهُ قِسْمانِ:

مُوافِقٌ لَهُ مُوالٍ، ومُعادٍ لَهُ مُعارِضٌ. وعَلَيْهِ في كُلِّ واحِدٍ مِن هَذِهِ واجِبٌ.

فَواجِبُهُ في أمْرِهِمْ ونَهْيِهِمْ: أنْ يَأْمُرَ بِالمَعْرُوفِ. وهو المَعْرُوفُ الَّذِي بِهِ صَلاحُهم وصَلاحُ شَأْنِهِمْ. ويَنْهاهم عَنْ ضِدِّهِ.

وَواجِبُهُ فِيما يَبْذُلُونَهُ لَهُ مِنَ الطّاعَةِ: أنْ يَأْخُذَ مِنهم ما سَهُلَ عَلَيْهِمْ، وطُوِّعَتْ لَهُ بِهِ أنْفُسُهُمْ، سَماحَةً واخْتِيارًا. ولا يَحْمِلَهم عَلى العَنَتِ والمَشَقَّةِ فَيُفْسِدَهم.

وَواجِبُهُ عِنْدَ جَهْلِ الجاهِلِينَ عَلَيْهِ: الإعْراضُ عَنْهم. وعَدَمُ مُقابَلَتِهِمْ بِالمِثْلِ والِانْتِقامِ مِنهم لِنَفْسِهِ.

فَقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿خُذِ العَفْوَ وأْمُرْ بِالعُرْفِ وأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]

قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَأْخُذَ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ. وقالَ مُجاهِدٌ: يَعْنِي خُذِ العَفْوَ مِن أخْلاقِ النّاسِ وأعْمالِهِمْ مِن غَيْرِ تَخْسِيسٍ، مِثْلَ قَبُولِ الأعْذارِ، والعَفْوِ والمُساهَلَةِ، وتَرْكِ الِاسْتِقْصاءِ في البَحْثِ، والتَّفْتِيشِ عَنْ حَقائِقِ بَواطِنِهِمْ.

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: خُذْ ما عَفا لَكَ مِن أمْوالِهِمْ. وهو الفاضِلُ عَنِ العِيالِ، وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩].

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأْمُرْ بِالعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] وهو كُلُّ مَعْرُوفٍ. وأعْرَفُهُ: التَّوْحِيدُ. ثُمَّ حُقُوقُ العُبُودِيَّةِ وحُقُوقُ العَبِيدِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى ﴿وَأعْرِضْ عَنِ الجاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]

يَعْنِي إذا سَفِهَ عَلَيْكَ الجاهِلُ فَلا تُقابِلْهُ بِالسَّفَهِ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣]

وَعَلى هَذا فَلَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ. بَلْ يُعْرِضُ عَنْهُ مَعَ إقامَةِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ. ولا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ.

وَهَكَذا كانَ خُلُقُهُ ﷺ. قالَ أنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ النّاسِ خُلُقًا».

وَقالَ: «ما مَسَسْتُ دِيباجًا ولا حَرِيرًا ألْيَنَ مِن كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولا شَمَمْتُ رائِحَةً قَطُّ أطْيَبَ مِن رائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. ولَقَدْ خَدَمْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ. فَما قالَ لِي قَطُّ: أُفٍّ. ولا قالَ لِشَيْءٍ فَعَلْتُهُ: لِمَ فَعَلْتَهُ؟ ولا لِشَيْءٍ لَمْ أفْعَلْهُ: ألا فَعَلْتَ كَذا؟» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِما.

وَأخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أنَّ البِرَّ: هو حُسْنُ الخُلُقِ».

وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ

«سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِرِّ والإثْمِ؟ فَقالَ: البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ. وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ».

فَقابَلَ البِرَّ بِالإثْمِ.

وَأخْبَرَ: أنَّ البِرَّ حُسْنُ الخُلُقِ. والإثْمَ: حَوازُ الصُّدُورِ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ: هو الدِّينُ كُلُّهُ. وهو حَقائِقُ الإيمانِ، وشَرائِعُ الإسْلامِ. ولِهَذا قابَلَهُ بِالإثْمِ.

وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «البِرُّ: ما اطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، والإثْمُ ما حاكَ في الصَّدْرِ»

وَقَدْ فُسِّرَ حُسْنُ الخُلُقِ بِأنَّهُ البِرُّ. فَدَلَّ عَلى أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ: طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ والقَلْبِ. والإثْمُ حَوازُ الصُّدُورِ، وما حاكَ فِيها، واسْتَرابَتْ بِهِ.

وَهَذا غَيْرُ حُسْنِ الخُلُقِ وسُوئِهِ في عُرْفِ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ. كَما سَيَأْتِي في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «خِيارُكُمْ: أحاسِنُكم أخْلاقًا».

وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «ما مِن شَيْءٍ أثْقَلَ في مِيزانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن حُسْنِ الخُلُقِ. وإنَّ اللَّهَ تَعالى لَيُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ.»

قالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَفِيهِ أيْضًا - وصَحَّحَهُ - عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أكْثَرِ ما يُدْخِلُ النّاسَ الجَنَّةَ؟ فَقالَ: تَقْوى اللَّهِ، وحُسْنُ الخُلُقِ. وسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ ما يُدْخِلُ النّاسَ النّارَ؟ فَقالَ: الفَمُ والفَرْجُ».

وَفِيهِ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وصَحَّحَهُ - «إنَّ مِن أكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إيمانًا: أحْسَنُهم خُلُقًا. وخِيارُكُمْ: خِيارُكم لِنِسائِهِمْ».

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ ﷺ

«إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ القائِمِ»

رَواهُ أبُو داوُدَ.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْهُ ﷺ

«أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ: لِمَن تَرَكَ المِراءَ وإنْ كانَ مُحِقًّا. وبِبَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ: لِمَن تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كانَ مازِحًا، وبِبَيْتٍ في أعْلى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ»

رَواهُ الطَّبَرانِيُّ وإسْنادُهُ صَحِيحٌ.

فَجَعَلَ البَيْتَ العُلْوِيَّ جَزاءً لِأعْلى المَقاماتِ الثَّلاثَةِ.

وَهِيَ حُسْنُ الخُلُقِ. والأوْسَطَ لِأوْسَطِها. وهو تَرْكُ الكَذِبِ. والأدْنى لِأدْناها وهو تَرْكُ المُماراةِ، وإنْ كانَ مَعَهُ حَقٌّ. ولا رَيْبَ أنَّ حُسْنَ الخُلُقِ مُشْتَمِلٌ عَلى هَذا كُلِّهِ.

وَفِي التِّرْمِذِيَّ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ ﷺ

«إنَّ مِن أحَبِّكم إلَيَّ، وأقْرَبِكم مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيامَةِ: أحاسِنُكم أخْلاقًا. وإنَّ مِن أبْغَضِكم إلَيَّ وأبْعَدِكم مِنِّي يَوْمَ القِيامَةِ: الثَّرْثارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ والمُتَفَيْهِقُونَ.

قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ. قَدْ عَلِمْنا الثَّرْثارُونَ والمُتَشَدِّقُونَ. فَما المُتَفَيْهِقُونَ؟ قالَ: المُتَكَبِّرُونَ.»

الثَّرْثارُ: هو كَثِيرُ الكَلامِ بِغَيْرِ فائِدَةٍ دِينِيَّةٍ.

والمُتَشَدِّقُ: المُتَكَلِّمُ بِمِلْءِ فِيهِ تَفاصُحًا وتَعاظُمًا وتَطاوُلًا، وإظْهارًا لِفَضْلِهِ عَلى غَيْرِهِ. وأصْلُهُ مِنَ الفَهْقِ. وهو الِامْتِلاءُ.

[فَصْلٌ: الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ]

الدِّينُ كُلُّهُ خُلُقٌ. فَمَن زادَ عَلَيْكَ في الخُلُقِ: زادَ عَلَيْكَ في الدِّينِ. وكَذَلِكَ التَّصَوُّفُ.

قالَ الكِنانِيُّ: التَّصَوُّفُ هو الخُلُقُ، فَمَن زادَ عَلَيْكَ في الخُلُقِ: فَقَدْ زادَ عَلَيْكَ في التَّصَوُّفِ.

وَقَدْ قِيلَ: إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ بَذْلُ النَّدى، وكَفُّ الأذى، واحْتِمالُ الأذى.

وَقِيلَ: حُسْنُ الخُلُقِ: بَذْلُ الجَمِيلِ، وكَفُّ القَبِيحِ.

وَقِيلَ: التَّخَلِّي مِنَ الرَّذائِلِ، والتَّحَلِّي بِالفَضائِلِ.

وَحُسْنُ الخُلُقِ يَقُومُ عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ لا يُتَصَوَّرُ قِيامُ ساقِهِ إلّا عَلَيْها: الصَّبْرُ، والعِفَّةُ، والشَّجاعَةُ، والعَدْلُ.

فالصَّبْرُ: يَحْمِلُهُ عَلى الِاحْتِمالِ وكَظْمِ الغَيْظِ، وكَفِّ الأذى، والحِلْمِ والأناةِ والرِّفْقِ، وعَدَمِ الطَّيْشِ والعَجَلَةِ.

والعِفَّةُ: تَحْمِلُهُ عَلى اجْتِنابِ الرَّذائِلِ والقَبائِحِ مِنَ القَوْلِ والفِعْلِ، وتَحْمِلُهُ عَلى الحَياءِ. وهو رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ. وتَمْنَعُهُ مِنَ الفَحْشاءِ، والبُخْلِ والكَذِبِ، والغَيْبَةِ والنَّمِيمَةِ.

والشَّجاعَةُ: تَحْمِلُهُ عَلى عِزَّةِ النَّفْسِ، وإيثارِ مَعالِي الأخْلاقِ والشِّيَمِ، وعَلى البَذْلِ والنَّدى، الَّذِي هو شَجاعَةُ النَّفْسِ وقُوَّتُها عَلى إخْراجِ المَحْبُوبِ ومُفارَقَتِهِ. وتَحْمِلُهُ عَلى كَظْمِ الغَيْظِ والحِلْمِ.

فَإنَّهُ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ وشَجاعَتِها يُمْسِكُ عِنانَها، ويَكْبَحُها بِلِجامِها عَنِ النَّزْغِ والبَطْشِ. كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ:

«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ: الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ»

وَهُوَ حَقِيقَةُ الشَّجاعَةِ، وهي مَلَكَةٌ يَقْتَدِرُ بِها العَبْدُ عَلى قَهْرِ خَصْمِهِ.

والعَدْلُ: يَحْمِلُهُ عَلى اعْتِدالِ أخْلاقِهِ، وتَوَسُّطِهِ فِيها بَيْنَ طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ. فَيَحْمِلُهُ عَلى خُلُقِ الجُودِ والسَّخاءِ الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ الذُّلِّ والقِحَةِ. وعَلى خُلُقِ الشَّجاعَةِ، الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ الجُبْنِ والتَّهَوُّرِ. وعَلى خُلُقِ الحِلْمِ، الَّذِي هو تَوَسُّطٌ بَيْنَ الغَضَبِ والمَهانَةِ وسُقُوطِ النَّفْسِ.

وَمَنشَأُ جَمِيعِ الأخْلاقِ الفاضِلَةِ مِن هَذِهِ الأرْبَعَةِ.

وَمَنشَأُ جَمِيعِ الأخْلاقِ السّافِلَةِ، وبِناؤُها عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ:

الجَهْلُ. والظُّلْمُ. والشَّهْوَةُ. والغَضَبُ.

فالجَهْلُ: يُرِيهِ الحَسَنَ في صُورَةِ القَبِيحِ، والقَبِيحَ في صُورَةِ الحَسَنِ. والكَمالَ نَقْصًا والنَّقْصَ كَمالًا.

والظُّلْمُ: يَحْمِلُهُ عَلى وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ. فَيَغْضَبُ في مَوْضِعِ الرِّضا. ويَرْضى في مَوْضِعِ الغَضَبِ. ويَجْهَلُ في مَوْضِعِ الأناةِ. ويَبْخَلُ في مَوْضِعِ البَذْلِ. ويَبْذُلُ في مَوْضِعِ البُخْلِ. ويُحْجِمُ في مَوْضِعِ الإقْدامِ. ويُقْدِمُ في مَوْضِعِ الإحْجامِ. ويَلِينُ في مَوْضِعِ الشِّدَّةِ. ويَشْتَدُّ في مَوْضِعِ اللِّينِ. ويَتَواضَعُ في مَوْضِعِ العِزَّةِ. ويَتَكَبَّرُ في مَوْضِعِ التَّواضُعِ.

والشَّهْوَةُ: تَحْمِلُهُ عَلى الحِرْصِ والشُّحِّ والبُخْلِ، وعَدَمِ العِفَّةِ والنَّهْمَةِ والجَشَعِ، والذُّلِّ والدَّناءاتِ كُلِّها.

والغَضَبُ: يَحْمِلُهُ عَلى الكِبْرِ والحِقْدِ والحَسَدِ، والعُدْوانِ والسَّفَهِ.

وَيَتَرَكَّبُ مِن بَيْنِ كُلِّ خُلُقَيْنِ مِن هَذِهِ الأخْلاقِ: أخْلاقٌ مَذْمُومَةٌ.

وَمِلاكُ هَذِهِ الأرْبَعَةِ أصْلانِ:

إفْراطُ النَّفْسِ في الضَّعْفِ، وإفْراطُها في القُوَّةِ. فَيَتَوَلَّدُ مِن إفْراطِها في الضَّعْفِ: المَهانَةُ والبُخْلُ، والخِسَّةُ واللُّؤْمُ، والذُّلُّ والحِرْصُ، والشُّحُّ وسَفْسافُ الأُمُورِ والأخْلاقِ.

وَيَتَوَلَّدُ مِن إفْراطِها في القُوَّةِ: الظُّلْمُ والغَضَبُ والحِدَّةُ، والفُحْشُ والطَّيْشُ.

وَيَتَوَلَّدُ مِن تَزَوُّجِ أحَدِ الخُلُقَيْنِ بِالآخَرِ أوْلادُ غِيَّةٍ كَثِيرُونَ. فَإنَّ النَّفْسَ قَدْ تَجْمَعُ قُوَّةً وضَعْفًا. فَيَكُونُ صاحِبُها أجْبَرَ النّاسِ إذا قَدَرَ، وأذَلَّهم إذا قُهِرَ، ظالِمًا عَنُوفًا جَبّارًا. فَإذا قُهِرَ صارَ أذَلَّ مِنِ امْرَأةٍ: جَبانًا عَنِ القَوِيِّ، جَرِيئًا عَلى الضَّعِيفِ.

فالأخْلاقُ الذَّمِيمَةُ: يُوَلِّدُ بَعْضُها بَعْضًا، كَما أنَّ الأخْلاقَ الحَمِيدَةَ: يُوَلِّدُ بَعْضُها بَعْضًا.

وَكُلُّ خُلُقٍ مَحْمُودٍ مُكْتَنَفٌ بِخُلُقَيْنِ ذَمِيمَيْنِ. وهو وسَطٌ بَيْنَهُما. وطَرَفاهُ خُلُقانِ ذَمِيمانِ، كالجُودِ: الَّذِي يَكْتَنِفُهُ خُلُقا البُخْلِ والتَّبْذِيرِ. والتَّواضُعِ: الَّذِي يَكْتَنِفُهُ خُلُقا الذُّلِّ والمَهانَةِ. والكِبْرِ والعُلُوِّ.

فَإنَّ النَّفْسَ مَتى انْحَرَفَتْ عَنِ التَّوَسُّطِ انْحَرَفَتْ إلى أحَدِ الخُلُقَيْنِ الذَّمِيمَيْنِ ولا بُدَّ، فَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ التَّواضُعِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى كِبْرٍ وعُلُوٍّ، وإمّا إلى ذُلٍّ ومَهانَةٍ وحَقارَةٍ. وإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الحَياءِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى قِحَةٍ وجُرْأةٍ، وإمّا إلى عَجْزٍ وخَوَرٍ ومَهانَةٍ، بِحَيْثُ يُطْمِعُ في نَفْسِهِ عَدُوَّهُ. ويَفُوتُهُ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِ. ويَزْعُمُ أنَّ الحامِلَ لَهُ عَلى ذَلِكَ الحَياءُ. وإنَّما هو المَهانَةُ والعَجْزُ، ومَوْتُ النَّفْسِ.

وَكَذَلِكَ إذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الصَّبْرِ المَحْمُودِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى جَزَعٍ وهَلَعٍ وجَشَعٍ وتَسَخُّطٍ، وإمّا إلى غِلْظَةِ كَبِدٍ، وقَسْوَةِ قَلْبٍ، وتَحَجُّرِ طَبْعٍ. كَما قالَ بَعْضُهُمْ:

تَبْكِي عَلَيْنا. ولا نَبْكِي عَلى أحَدٍ فَنَحْنُ أغْلَظُ أكْبادًا مِنَ الإبِلِ. وإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الحِلْمِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى الطَّيْشِ والتَّرَفِ والحِدَّةِ والخِفَّةِ، وإمّا إلى الذُّلِّ والمَهانَةِ والحَقارَةِ. فَفَرْقٌ بَيْنَ مَن حِلْمُهُ حِلْمُ ذُلٍّ ومَهانَةٍ وحَقارَةٍ وعَجْزٍ، وبَيْنَ مَن حِلْمُهُ حِلْمُ اقْتِدارٍ وعَزَّةٍ وشَرَفٍ. كَما قِيلَ:

؎كُلُّ حِلْمٍ أتى بِغَيْرِ اقْتِدارٍ ∗∗∗ حُجَّةٌ لاجِئٌ إلَيْها اللِّئامُ

وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الأناةِ والرِّفْقِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى عَجَلَةٍ وطَيْشٍ وعُنْفٍ، وإمّا إلى تَفْرِيطٍ وإضاعَةٍ. والرِّفْقُ والأناةُ بَيْنَهُما.

وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ العِزَّةِ الَّتِي وهَبَها اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ، انْحَرَفَتْ: إمّا إلى كِبْرٍ، وإمّا إلى ذُلٍّ. والعِزَّةُ المَحْمُودَةُ بَيْنَهُما.

وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الشَّجاعَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى تَهَوُّرٍ وإقْدامٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، وإمّا إلى جُبْنٍ وتَأخُّرٍ مَذْمُومٍ.

وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ المُنافَسَةِ في المَراتِبِ العالِيَةِ والغِبْطَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى حَسَدٍ، وإمّا إلى مَهانَةٍ، وعَجْزٍ وذُلٍّ ورِضا بِالدُّونِ.

وَإذا انْحَرَفَتْ عَنِ القَناعَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى حِرْصٍ وكَلَبٍ، وإمّا إلى خِسَّةٍ ومَهانَةٍ وإضاعَةٍ.

وَإذا انْحَرَفَتْ عَنْ خُلُقِ الرَّحْمَةِ انْحَرَفَتْ: إمّا إلى قَسْوَةٍ، وإمّا إلى ضَعْفِ قَلْبٍ وجُبْنِ نَفْسٍ، كَمَن لا يَقْدَمُ عَلى ذَبْحِ شاةٍ، ولا إقامَةِ حَدٍّ، وتَأْدِيبِ ولَدٍ. ويَزْعُمُ أنَّ الرَّحْمَةَ تَحْمِلُهُ عَلى ذَلِكَ. وقَدْ ذَبَحَ أرْحَمُ الخَلْقِ ﷺ بِيَدِهِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ ثَلاثًا وسِتِّينَ بَدَنَةً. وقَطَعَ الأيْدِيَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ. وضَرَبَ الأعْناقَ. وأقامَ الحُدُودَ ورَجَمَ بِالحِجارَةِ حَتّى ماتَ المَرْجُومُ. وكانَ أرْحَمَ خَلْقِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ وأرْأفَهم.

وَكَذَلِكَ طَلاقَةُ الوَجْهِ، والبِشْرُ المَحْمُودُ. فَإنَّهُ وسَطٌ بَيْنَ التَّعْبِيسِ والتَّقْطِيبِ وتَصْعِيرِ الخَدِّ، وطَيِّ البِشْرِ عَنِ البَشَرِ، وبَيْنَ الِاسْتِرْسالِ بِذَلِكَ مَعَ كُلِّ أحَدٍ، بِحَيْثُ يُذْهِبُ الهَيْبَةَ، ويُزِيلُ الوَقارَ، ويُطْمِعُ في الجانِبِ، كَما أنَّ الِانْحِرافَ الأوَّلَ يُوقِعُ الوَحْشَةَ والبَغْضَةَ، والنُّفْرَةَ في قُلُوبِ الخَلْقِ.

وَصاحِبُ الخُلُقِ الوَسَطِ: مَهِيبٌ مَحْبُوبٌ، عَزِيزٌ جانِبُهُ، حَبِيبٌ لِقاؤُهُ. وفي صِفَةِ نَبِيِّنا ﷺ مَن رَآهُ بَدِيهَةً هابَهُ. ومَن خالَطَهُ عِشْرَةً أحَبَّهُ واللَّهُ أعْلَمُ.

[فَصْلٌ: تَغْيِيرُ الأخْلاقِ الَّتِي طُبِعَتِ النُّفُوسُ عَلَيْها]

نافِعٌ جِدًّا عَظِيمُ النَّفْعِ لِلسّالِكِ. يُوصِلُهُ عَنْ قَرِيبٍ، ويُسَيِّرُهُ بِأخْلاقِهِ الَّتِي لا يُمْكِنُهُ إزالَتُها. فَإنَّ أصْعَبَ ما عَلى الطَّبِيعَةِ الإنْسانِيَّةِ: تَغْيِيرُ الأخْلاقِ الَّتِي طُبِعَتِ النُّفُوسُ عَلَيْها. وأصْحابُ الرِّياضاتِ الصَّعْبَةِ والمُجاهَداتِ الشّاقَّةِ إنَّما عَمِلُوا عَلَيْها، ولَمْ يَظْفَرْ أكْثَرُهم بِتَبْدِيلِها. لَكِنَّ النَّفْسَ اشْتَغَلَتْ بِتِلْكَ الرِّياضاتِ عَنْ ظُهُورِ سُلْطانِها. فَإذا جاءَ سُلْطانُ تِلْكَ الأخْلاقِ وبَرَزَ: كَسَرَ جُيُوشَ الرِّياضَةِ وشَتَّتَها. واسْتَوْلى عَلى مَمْلَكَةِ الطَّبْعِ.

وَهَذا فَصْلٌ يَصِلُ بِهِ السّالِكُ مَعَ تِلْكَ الأخْلاقِ. ولا يَحْتاجُ إلى عِلاجِها وإزالَتِها. ويَكُونُ سَيْرُهُ أقْوى وأجَلَّ وأسْرَعَ مِن سَيْرِ العامِلِ عَلى إزالَتِها.

وَنُقَدِّمُ قَبْلَ هَذا مَثَلًا نَضْرِبُهُ. مُطابِقًا لِما نُرِيدُهُ. وهُوَ: نَهْرٌ جارٍ في صَبَبِهِ ومُنْحَدَرِهِ، ومُنْتَهٍ إلى تَغْرِيقِ أرْضٍ وعُمْرانٍ ودُورٍ. وأصْحابُها يَعْلَمُونَ أنَّهُ لا يَنْتَهِي حَتّى يُخَرِّبَ دُورَهم. ويُتْلِفَ أراضِيَهم وأمْوالَهم. فانْقَسَمُوا ثَلاثَ فِرَقٍ.

فِرْقَةٌ صَرَفَتْ قُواها وقُوى أعْمالِها إلى سَكْرِهِ وحَبْسِهِ وإيقافِهِ. فَلا تَصْنَعُ هَذِهِ الفِرْقَةُ كَبِيرَ أمْرٍ. فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجْتَمِعَ ثُمَّ يَحْمِلَ عَلى السَّكْرِ، فَيَكُونُ إفْسادُهُ وتَخْرِيبُهُ أعْظَمَ.

وَفِرْقَةٌ رَأتْ هَذِهِ الحالَةَ. وعَلِمَتْ أنَّهُ لا يُغْنِي عَنْها شَيْئًا. فَقالَتْ: لا خَلاصَ مِن مَحْذُورِهِ إلّا بِقَطْعِهِ مِن أصْلِ اليَنْبُوعِ. فَرامَتْ قَطْعَهُ مِن أصْلِهِ. فَتَعَذَّرَ عَلَيْها ذَلِكَ غايَةَ التَّعَذُّرِ، وأبَتِ الطَّبِيعَةُ النَّهْرِيَّةُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ أشَدَّ الإباءِ، فَهم دائِمًا في قَطْعِ اليَنْبُوعِ، وكُلَّما سَدُّوهُ مِن مَوْضِعٍ نَبَعَ مِن مَوْضِعٍ، فاشْتَغَلَ هَؤُلاءِ بِشَأْنِ هَذا النَّهْرِ عَنِ الزِّراعاتِ والعِماراتِ وغَرْسِ الأشْجارِ.

فَجاءَتْ فِرْقَةٌ ثالِثَةٌ، خالَفَتْ رَأْيَ الفِرْقَتَيْنِ. وعَلِمُوا أنَّهم قَدْ ضاعَ عَلَيْهِمْ كَثِيرٌ مِن مَصالِحِهِمْ. فَأخَذُوا في صَرْفِ ذَلِكَ النَّهْرِ عَنْ مَجْراهُ المُنْتَهِي إلى العُمْرانِ، فَصَرَفُوهُ إلى مَوْضِعٍ يَنْتَفِعُونَ بِوُصُولِهِ إلَيْهِ. ولا يَتَضَرَّرُونَ بِهِ. فَصَرَفُوهُ إلى أرْضٍ قابِلَةٍ لِلنَّباتِ. وسَقَوْها بِهِ. فَأنْبَتَتْ أنْواعَ العُشْبِ والكَلَأِ والثِّمارِ المُخْتَلِفَةِ الأصْنافِ، فَكانَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ هم أصْوَبَ الفِرَقِ في شَأْنِ هَذا النَّهْرِ.

فَإذا تَبَيَّنَ هَذا المَثَلُ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ قَدِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ: أنْ رَكَّبَ الإنْسانَ - بَلْ وسائِرَ الحَيَوانِ - عَلى طَبِيعَةٍ مَحْمُولَةٍ عَلى قُوَّتَيْنِ: غَضَبِيَّةٍ. وشَهْوانِيَّةٍ. وهي الإرادِيَّةُ.

وَهاتانِ القُوَّتانِ هُما الحامِلَتانِ لِأخْلاقِ النَّفْسِ وصِفاتِها.

وَهُما مَرْكُوزَتانِ في جِبِلَّةِ كُلِّ حَيَوانٍ. فَبِقُوَّةِ الشَّهْوَةِ والإرادَةِ: يَجْذِبُ المَنافِعَ إلى نَفْسِهِ. وبِقُوَّةِ الغَضَبِ: يَدْفَعُ المَضارَّ عَنْها. فَإذا اسْتَعْمَلَ الشَّهْوَةَ في طَلَبِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ: تَوَلَّدَ مِنها الحِرْصُ.

وَإذا اسْتَعْمَلَ الغَضَبَ في دَفْعِ المَضَرَّةِ عَنْ نَفْسِهِ: تَوَلَّدَ مِنهُ القُوَّةُ والغَيْرَةُ. فَإذا عَجَزَ عَنْ ذَلِكَ الضّارِّ: أوْرَثَهُ قُوَّةَ الحِقْدِ.

وَإنْ أعْجَزَهُ وُصُولُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ، ورَأى غَيْرَهُ مُسْتَبِدًّا بِهِ: أوْرَثَهُ الحَسَدَ.

فَإنْ ظَفِرَ بِهِ: أوْرَثَتْهُ شِدَّةُ شَهْوَتِهِ وإرادَتُهُ: خُلُقَ البُخْلِ والشُّحِّ. وإنِ اشْتَدَّ حِرْصُهُ وشَهْوَتُهُ عَلى الشَّيْءِ، ولَمْ يُمْكِنْهُ تَحْصِيلُهُ إلّا بِالقُوَّةِ الغَضَبِيَّةِ، فاسْتَعْمَلَها فِيهِ: أوْرَثَهُ ذَلِكَ العُدْوانَ، والبَغْيَ والظُّلْمَ.

وَمِنهُ يَتَوَلَّدُ: الكِبْرُ والفَخْرُ والخُيَلاءُ. فَإنَّها أخْلاقٌ مُتَوَلَّدَةٌ مِن بَيْنِ قُوَّتَيِ الشَّهْوَةِ والغَضَبِ، وتَزَوُّجِ أحَدِهِما بِصاحِبِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском