Ibn al-QayyimAl‑Qalam · 68:4

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-Qalam 68:4, continued

فَإذا تَبَيَّنَ هَذا: فالنَّهْرُ مِثالُ هاتَيْنِ القُوَّتَيْنِ. وهو مُنْصَبٌّ في جَدْوَلِ الطَّبِيعَةِ ومَجْراها إلى دُورِ القَلْبِ وعُمْرانِهِ وحَواصِلِهِ، يُخَرِّبُها ويُتْلِفُها ولا بُدَّ. فالنُّفُوسُ الجاهِلَةُ الظّالِمَةُ تَرَكَتْهُ ومَجْراهُ. فَخَرَّبَ دِيارَ الإيمانِ. وقَلَعَ آثارَهُ. وهَدَمَ عُمْرانَهُ. وأنْبَتَ مَوْضِعَها كُلَّ شَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ، مِن حَنْظَلٍ وضَرِيعٍ وشَوْكٍ وزَقُّومٍ. وهو الَّذِي يَأْكُلُهُ أهْلُ النّارِ يَوْمَ القِيامَةِ يَوْمَ المَعادِ.

وَأمّا النُّفُوسُ الزَّكِيَّةُ الفاضِلَةُ: فَإنَّها رَأتْ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُ هَذا النَّهَرِ. فافْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ.

فَأصْحابُ الرِّياضاتِ والمُجاهَداتِ، والخَلَواتِ والتَّمْرِيناتِ: رامُوا قَطْعَهُ مِن يَنْبُوعِهِ. فَأبَتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعالى، وما طَبَعَ عَلَيْهِ الجِبِلَّةَ البَشَرِيَّةَ. ولَمْ تَنْقَدْ لَهُ الطَّبِيعَةُ. فاشْتَدَّ القِتالُ. ودامَ الحَرْبُ. وحَمِيَ الوَطِيسُ. وصارَتِ الحَرْبُ دُوَلًا وسِجالًا.

وَهَؤُلاءِ صَرَفُوا قُواهم إلى مُجاهَدَةِ النَّفْسِ عَلى إزالَةِ تِلْكَ الصِّفاتِ.

وَفِرْقَةٌ أعْرَضُوا عَنْها. وشَغَلُوا نُفُوسَهم بِالأعْمالِ. ولَمْ يُجِيبُوا دَواعِيَ تِلْكَ الصِّفاتِ مَعَ تَخْلِيَتِهِمْ إيّاها عَلى مَجْراها، لَكِنْ لَمْ يُمَكِّنُوا نَهْرَها مِن إفْسادِ عُمْرانِهِمْ. بَلِ اشْتَغَلُوا بِتَحْصِينِ العُمْرانِ، وإحْكامِ بِنائِهِ وأساسِهِ ورَأوْا أنَّ ذَلِكَ النَّهْرَ لا بُدَّ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ. فَإذا وصَلَ وصَلَ إلى بِناءٍ مُحْكَمٍ فَلَمْ يَهْدِمْهُ. بَلْ أخَذَ عَنْهُ يَمِينًا وشِمالًا.

فَهَؤُلاءِ صَرَفُوا قُوَّةَ عَزِيمَتِهِمْ وإرادَتِهِمْ في العِمارَةِ، وإحْكامِ البِناءِ.

وَأُولَئِكَ صَرَفُوها في قَطْعِ المادَّةِ الفاسِدَةِ مِن أصْلِها، خَوْفًا مِن هَدْمِ البِناءِ.

وَسَألْتُ يَوْمًا شَيْخَ الإسْلامِ ابْنَ تَيْمِيَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ، وقَطْعِ الآفاتِ، والِاشْتِغالِ بِتَنْقِيَةِ الطَّرِيقِ وتَنْظِيفِها؟

فَقالَ لِي جُمْلَةَ كَلامِهِ: النَّفْسُ مِثْلُ الباطُوسِ - وهو جُبُّ القَذَرِ - كُلَّما نَبَشْتَهُ ظَهَرَ وخَرَجَ. ولَكِنْ إنْ أمْكَنَكَ أنْ تَسْقَفَ عَلَيْهِ، وتَعْبُرَهُ وتَجُوزَهُ، فافْعَلْ، ولا تَشْتَغِلْ بِنَبْشِهِ. فَإنَّكَ لَنْ تَصِلَ إلى قَرارِهِ. وكُلَّما نَبَشْتَ شَيْئًا ظَهَرَ غَيْرُهُ.

فَقُلْتُ: سَألْتُ عَنْ هَذِهِ المَسْألَةِ بَعْضَ الشُّيُوخِ؟ فَقالَ لِي: مِثالُ آفاتِ النَّفْسِ مِثالُ الحَيّاتِ والعَقارِبِ الَّتِي في طَرِيقِ المُسافِرِ. فَإنْ أقْبَلَ عَلى تَفْتِيشِ الطَّرِيقِ عَنْها، والِاشْتِغالِ بِقَتْلِها: انْقَطَعَ. ولَمْ يُمْكِنْهُ السَّفَرُ قَطُّ. ولَكِنْ لِتَكُنْ هِمَّتُكَ المَسِيرَ، والإعْراضَ عَنْها، وعَدَمَ الِالتِفاتِ إلَيْها.

فَإذا عَرَضَ لَكَ فِيها ما يَعُوقُكَ عَنِ المَسِيرِ فاقْتُلْهُ. ثُمَّ امْضِ عَلى سَيْرِكَ.

فاسْتَحْسَنَ شَيْخُ الإسْلامِ ذَلِكَ جِدًّا. وأثْنى عَلى قائِلِهِ.

إذا تَبَيَّنَ هَذا. فَهَذِهِ الفِرْقَةُ الثّالِثَةُ:

رَأتْ أنَّ هَذِهِ الصِّفاتِ ما خُلِقَتْ سُدًى ولا عَبَثًا. وأنَّها بِمَنزِلَةِ ماءٍ يُسْقى بِهِ الوَرْدُ، والشَّوْكُ، والثِّمارُ، والحَطَبُ، وأنَّها صَوّانٌ وأصْدافٌ لِجَواهِرَ مُنْطَوِيَةٍ عَلَيْها. وأنَّ ما خافَ مِنها أُولَئِكَ هو نَفْسُ سَبَبِ الفَلاحِ والظَّفَرِ. فَرَأوْا أنَّ الكِبْرَ نَهْرٌ يُسْقى بِهِ العُلُوُّ والفَخْرُ، والبَطَرُ والظُّلْمُ والعُدْوانُ. ويُسْقى بِهِ عُلُوُّ الهِمَّةِ، والأنَفَةُ، والحَمِيَّةُ، والمُراغَمَةُ لِأعْداءِ اللَّهِ، وقَهْرُهم والعُلُوُّ عَلَيْهِمْ. وهَذِهِ دُرَّةٌ في صَدَفَتِهِ. فَصَرَفُوا مَجْراهُ إلى هَذا الغِراسِ. واسْتَخْرَجُوا هَذِهِ الدُّرَّةَ مِن صَدَفَتِهِ. وأبْقَوْهُ عَلى حالِهِ في نُفُوسِهِمْ. لَكِنِ اسْتَعْمَلُوهُ حَيْثُ يَكُونُ اسْتِعْمالُهُ أنْفَعَ.

«وَقَدْ رَأى النَّبِيُّ ﷺ أبا دُجانَةَ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ. فَقالَ: إنَّها لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُها اللَّهُ، إلّا في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ».

فانْظُرْ كَيْفَ خَلّى مَجْرى هَذِهِ الصِّفَةِ وهَذا الخُلُقِ يَجْرِي في أحْسَنِ مَواضِعِهِ.

وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ - وأظُنُّهُ في المُسْنَدِ -

«إنَّ مِنَ الخُيَلاءِ ما يُحِبُّها اللَّهُ. ومِنها ما يُبْغِضُها اللَّهُ. فالخُيَلاءُ الَّتِي يُحِبُّها اللَّهُ: اخْتِيالُ الرَّجُلِ في الحَرْبِ، وعِنْدَ الصَّدَقَةِ».

فانْظُرْ كَيْفَ صارَتِ الصِّفَةُ المَذْمُومَةُ عُبُودِيَّةً؟ وكَيْفَ اسْتَحالَ القاطِعُ مُوصِلًا؟

فَصاحِبُ الرِّياضاتِ، والعامِلُ بِطَرِيقِ الرِّياضاتِ والمُجاهِداتِ، والخَلَواتِ: هَيْهاتَ هَيْهاتَ، إنَّما يُوقِعُهُ ذَلِكَ في الآفاتِ، والشُّبُهاتِ، والضَّلالاتِ. فَإنَّ تَزْكِيَةَ النُّفُوسِ مُسَلَّمٌ إلى الرُّسُلِ. وإنَّما بَعَثَهُمُ اللَّهُ لِهَذِهِ التَّزْكِيَةِ ووَلّاهم إيّاها. وجَعَلَها عَلى أيْدِيهِمْ دَعْوَةً، وتَعْلِيمًا وبَيانًا، وإرْشادًا، لا خَلْقًا ولا إلْهامًا. فَهُمُ المَبْعُوثُونَ لِعِلاجِ نُفُوسِ الأُمَمِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢]

وَقالَ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم يَتْلُو عَلَيْكم آياتِنا ويُزَكِّيكم ويُعَلِّمُكُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُعَلِّمُكم ما لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ - فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥١-١٥٢].

وَتَزْكِيَةُ النُّفُوسِ: أصْعَبُ مِن عِلاجِ الأبْدانِ وأشَدُّ. فَمَن زَكّى نَفْسَهُ بِالرِّياضَةِ والمُجاهَدَةِ والخَلْوَةِ، الَّتِي لَمْ يَجِئْ بِها الرُّسُلُ: فَهو كالمَرِيضِ الَّذِي عالَجَ نَفْسَهُ بِرَأْيِهِ، وأيْنَ يَقَعُ رَأْيُهُ مِن مَعْرِفَةِ الطَّبِيبِ؟ فالرُّسُلُ أطِبّاءُ القُلُوبِ. فَلا سَبِيلَ إلى تَزْكِيَتِها وصَلاحِها إلّا مِن طَرِيقِهِمْ. وعَلى أيْدِيهِمْ، وبِمَحْضِ الِانْقِيادِ، والتَّسْلِيمِ لَهم. واللَّهُ المُسْتَعانُ.

فَإنْ قُلْتَ: هَلْ يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ الخُلُقُ كَسْبِيًّا، أوْ هو أمْرٌ خارِجٌ عَنِ الكَسْبِ؟

قُلْتُ: يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ كَسْبِيًّا بِالتَّخَلُّقِ والتَّكَلُّفِ. حَتّى يَصِيرَ لَهُ سَجِيَّةً ومَلَكَةً وقَدْ قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأشَجِّ عَبْدِ القَيْسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «إنْ فِيكَ لَخُلُقَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ: الحِلْمُ، والأناةُ. فَقالَ: أخُلُقَيْنَ تَخَلَّقْتُ بِهِما. أمْ جَبَلَنِي اللَّهُ عَلَيْهِما؟ فَقالَ: بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِما. فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَبَلَنِي عَلى خُلُقَيْنِ يُحِبُّهُما اللَّهُ ورَسُولُهُ».

فَدَلَّ عَلى أنَّ مِنَ الخُلُقِ: ما هو طَبِيعَةٌ وجِبِلَّةٌ، وما هو مُكْتَسَبٌ. وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ في دُعاءِ الِاسْتِفْتاحِ «اللَّهُمَّ اهْدِنِي لِأحْسَنِ الأخْلاقِ. لا يَهْدِي لِأحْسَنِها إلّا أنْتَ، واصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها، لا يَصْرِفُ عَنِّي سَيِّئَها إلّا أنْتَ» فَذَكَرَ الكَسْبَ والقَدَرَ. واللَّهُ أعْلَمُ.

[فَصْلٌ: مَعْنى الخُلُقِ]

قالَ صاحِبُ " المَنازِلِ ":

الخُلُقُ: ما يَرْجِعُ إلَيْهِ المُتَكَلِّفُ مِن نِعْمَتِهِ.

أيْ خُلُقُ كُلِّ مُتَكَلِّفٍ: فَهو ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ نُعُوتُهُ. فَتَكَلُّفُهُ يَرُدُّهُ إلى خُلُقِهِ. كَما قِيلَ: إنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ.

وَقالَ الآخَرُ:

؎يُرادُ مِنَ القَلْبِ نِسْيانُكم ∗∗∗ وتَأْبى الطِّباعُ عَلى النّاقِلِ

فَمُتَكَلِّفُ ما لَيْسَ مِن نَعْتِهِ ولا شِيمَتِهِ: يَرْجِعُ إلى شِيمَتِهِ، ونَعْتِهِ، وسَجِيَّتِهِ. فَذاكَ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ: هو الخُلُقُ.

قالَ واجْتَمَعَتْ كَلِمَةُ النّاطِقِينَ في هَذا العِلْمِ: أنَّ التَّصَوُّفَ هو الخُلُقُ. وجَمِيعُ الكَلامِ فِيهِ يَدُورُ عَلى قُطْبٍ واحِدٍ. وهو بَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَفُّ الأذى.

قُلْتُ: مِنَ النّاسِ مَن يَجْعَلُها ثَلاثَةً: كَفُّ الأذى، واحْتِمالُ الأذى، وإيجادُ الرّاحَةِ.

وَمِنهُمْ: مَن يَجْعَلُها اثْنَيْنِ - كَما قالَ الشَّيْخُ - بَذْلُ المَعْرُوفِ، وكَفُّ الأذى.

وَمِنهم مَن يَرُدُّها إلى واحِدٍ. وهو بَذْلُ المَعْرُوفِ. والكُلُّ صَحِيحٌ.

قالَ وإنَّما يُدْرَكُ إمْكانُ ذَلِكَ في ثَلاثَةِ أشْياءَ.

فِي العِلْمِ، والجُودِ، والصَّبْرِ.

فالعِلْمُ يُرْشِدُهُ إلى مَواقِعِ بَذْلِ المَعْرُوفِ، والفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُنْكَرِ، وتَرْتِيبِهِ في وضْعِهِ مَواضِعَهُ. فَلا يَضَعُ الغَضَبَ مَوْضِعَ الحِلْمِ. ولا بِالعَكْسِ، ولا الإمْساكَ مَوْضِعَ البَذْلِ، ولا بِالعَكْسِ. بَلْ يَعْرِفُ مَواقِعَ الخَيْرِ والشَّرِّ ومَراتِبَها، ومَوْضِعَ كُلِّ خُلُقٍ: أيْنَ يَضَعُهُ، وأيْنَ يُحْسِنُ اسْتِعْمالَهُ.

والجُودُ يَبْعَثُهُ عَلى المُسامَحَةِ بِحُقُوقِ نَفْسِهِ، والِاسْتِقْصاءِ مِنها بِحُقُوقِ غَيْرِهِ. فالجُودُ هو قائِدُ جُيُوشِ الخَيْرِ.

والصَّبْرُ يَحْفَظُ عَلَيْهِ اسْتِدامَةَ ذَلِكَ. ويَحْمِلُهُ عَلى الِاحْتِمالِ، وكَظْمِ الغَيْظِ، وكَفِّ الأذى، وعَدَمِ المُقابَلَةِ. وعَلى كُلِّ خَيْرٍ، كَما تَقَدَّمَ. وهو أكْبَرُ العَوْنِ عَلى نَيْلِ كُلِّ مَطْلُوبٍ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلّا عَلى الخاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥].

فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ أشْياءَ: بِها يُدْرَكُ التَّصَوُّفُ، والتَّصَوُّفُ: زاوِيَةٌ مِن زَوايا السُّلُوكِ الحَقِيقِيِّ، وتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وتَهْذِيبِها. لِتَسْتَعِدَّ لِسَيْرِها إلى صُحْبَةِ الرَّفِيقِ الأعْلى، ومَعِيَّةِ مَن تُحِبُّهُ. فَإنَّ المَرْءَ مَعَ مَن أحَبَّ. كَما قالَ سُمْنُونُ: ذَهَبَ المُحِبُّونَ بِشَرَفِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. فَإنَّ المَرْءَ مَعَ مَن أحَبَّ. واللَّهُ أعْلَمُ.

[فَصْلٌ دَرَجاتُ الخَلْقِ]

[الدَّرَجَةُ الأُولى أنْ تَعْرِفَ مَقامَ الخَلْقِ]

قالَ وهو عَلى ثَلاثِ دَرَجاتٍ. الدَّرَجَةُ الأُولى: أنْ تَعْرِفَ مَقامَ الخَلْقِ. وأنَّهم بِأقْدارِهِمْ مَرْبُوطُونَ. وفي طاقَتِهِمْ مَحْبُوسُونَ. وعَلى الحُكْمِ مَوْقُوفُونَ. فَتَسْتَفِيدَ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ: أمْنَ الخَلْقِ مِنكَ، حَتّى الكَلَبِ. ومَحَبَّةُ الخَلْقِ إيّاكَ، ونَجاةُ الخَلْقِ بِكَ.

فَبِهَذِهِ الدَّرَجَةِ: يَكُونُ تَحْسِينُ الخُلُقِ مَعَ الخَلْقِ في مُعامَلَتِهِمْ، وكَيْفِيَّةِ مُصاحَبَتِهِمْ.

وَبِالثّانِيَةِ: تَحْسِينُ الخُلُقِ مَعَ اللَّهِ في مُعامَلَتِهِ.

وَبِالثّالِثَةِ: دَرَجَةُ الفَناءِ عَلى قاعِدَتِهِ وأصْلِهِ.

يَقُولُ: إذا عَرَفْتَ مَقامَ الخَلْقِ، ومَقادِيرَهُمْ، وجَرَيانَ الأحْكامِ القَدَرِيَّةِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم مُقَيَّدُونَ بِالقَدَرِ، لا خُرُوجَ لَهم عَنْهُ ألْبَتَّةَ، ومَحْبُوسُونَ في قُدْرَتِهِمْ وطاقَتِهِمْ. لا يُمْكِنُهم تَجاوُزُها إلى غَيْرِها، وأنَّهم مَوْقُوفُونَ عَلى الحُكْمِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ لا يَتَعَدَّوْنَهُ، اسْتَفَدْتَ بِهَذِهِ المَعْرِفَةِ ثَلاثَةَ أشْياءَ:

أمْنَ الخَلْقِ مِنكَ. وذَلِكَ: أنَّهُ إذا نَظَرَ إلَيْهِمْ بِعَيْنِ الحَقِيقَةِ. لَمْ يُطالِبْهم بِما لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ. وامْتَثَلَ فِيهِمْ أمْرَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ بِأخْذِ العَفْوِ مِنهم. فَأمِنُوا مِن تَكْلِيفِهِ إيّاهم. وإلْزامِهِ لَهم ما لَيْسَ في قُواهم وقُدَرِهِمْ.

وَأيْضًا فَإنَّهم يَأْمَنُونَ لائِمَتَهُ. فَإنَّهُ في هَذِهِ الحالِ عاذِرٌ لَهم فِيما يَجْرِي عَلَيْهِمْ مِنَ الأحْكامِ فِيما لَمْ يَأْمُرِ الشَّرْعُ بِإقامَتِهِ فِيهِمْ. لِأنَّهم إذا كانُوا مَحْبُوسِينَ في طاقَتِهِمْ فَيَنْبَغِي مُطالَبَتُهم بِما يُطالَبُ بِهِ المَحْبُوسُ، وعُذْرُهم بِما يُعْذَرُ بِهِ المَحْبُوسُ. وإذا بَدا مِنهم في حَقِّكَ تَقْصِيرٌ أوْ إساءَةٌ، أوْ تَفْرِيطٌ. فَلا تُقابِلْهم بِهِ ولا تُخاصِمْهم. بَلِ اغْفِرْ لَهم ذَلِكَ واعْذُرْهم. نَظَرًا إلى جَرَيانِ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ، وأنَّهم آلَةٌ.

وَهاهُنا يَنْفَعُكَ الفَناءُ بِشُهُودِ الحَقِيقَةِ عَنْ شُهُودِ جِنايَتِهِمْ عَلَيْكَ، كَما قالَ بَعْضُ العارِفِينَ لِرَجُلٍ تَعَدّى عَلَيْهِ وظَلَمَهُ: إنْ كُنْتَ ظالِمًا فالَّذِي سَلَّطَكَ عَلَيَّ لَيْسَ بِظالِمٍ.

[مَشاهِدُ العَبْدِ فِيما يُصِيبُهُ مِن أذى الخَلْقِ]

[المَشْهَدُ الأوَّلُ مَشْهَدُ القَدَرِ]

وَهاهُنا لِلْعَبْدِ أحَدَ عَشَرَ مَشْهَدًا فِيما يُصِيبُهُ مِن أذى الخَلْقِ وجِنايَتِهِمْ عَلَيْهِ.

أحَدُها: المَشْهَدُ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ. وهو مَشْهَدُ القَدَرِ وأنَّ ما جَرى عَلَيْهِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وقَضائِهِ وقَدَرِهِ. فَيَراهُ كالتَّأذِّي بِالحَرِّ والبَرْدِ، والمَرَضِ والألَمِ، وهُبُوبِ الرِّياحِ، وانْقِطاعِ الأمْطارِ. فَإنَّ الكُلَّ أوْجَبَتْهُ مَشِيئَةُ اللَّهِ. فَما شاءَ اللَّهُ كانَ. ووَجَبَ وُجُودُهُ. وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ. وامْتَنَعَ وُجُودُهُ. وإذا شَهِدَ هَذا: اسْتَراحَ. وعَلِمَ أنَّهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ. فَما لِلْجَزَعِ مِنهُ وجْهٌ. وهو كالجَزَعِ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والمَرَضِ والمَوْتِ.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ الثّانِي مَشْهَدُ الصَّبْرِ]

المَشْهَدُ الثّانِي: مَشْهَدُ الصَّبْرِ فَيَشْهَدُهُ ويَشْهَدُ وُجُوبَهُ، وحُسْنَ عاقِبَتِهِ، وجَزاءَ أهْلِهِ، وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الغِبْطَةِ والسُّرُورِ. ويُخَلِّصُهُ مِن نَدامَةِ المُقابَلَةِ والِانْتِقامِ. فَما انْتَقَمَ أحَدٌ لِنَفْسِهِ قَطُّ إلّا أعْقَبَهُ ذَلِكَ نَدامَةٌ. وعَلِمَ أنَّهُ إنْ لَمْ يَصْبِرِ اخْتِيارًا عَلى هَذا - وهو مَحْمُودٌ - صَبَرَ اضْطَرارًا عَلى أكْبَرَ مِنهُ. وهو مَذْمُومٌ.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ الثّالِثُ مَشْهَدُ العَفْوِ والصَّفْحِ والحِلْمِ]

المَشْهَدُ الثّالِثُ: مَشْهَدُ العَفْوِ والصَّفْحِ والحِلْمِ فَإنَّهُ مَتى شَهِدَ ذَلِكَ وفَضْلَهُ وحَلاوَتَهُ وعِزَّتَهُ: لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ إلّا لِعَشًى في بَصِيرَتِهِ. فَإنَّهُ «ما زادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إلّا عِزًّا» كَما صَحَّ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ. وعُلِمَ بِالتَّجْرِبَةِ والوُجُودِ. وما انْتَقَمَ أحَدٌ لِنَفْسِهِ إلّا ذَلَّ.

هَذا، وفي الصَّفْحِ والعَفْوِ والحِلْمِ: مِنَ الحَلاوَةِ والطُّمَأْنِينَةِ والسَّكِينَةِ، وشَرَفِ النَّفْسِ، وعِزِّها ورِفْعَتِها عَنْ تَشَفِّيها بِالِانْتِقامِ: ما لَيْسَ شَيْءٌ مِنهُ في المُقابَلَةِ والِانْتِقامِ.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ الرّابِعُ مَشْهَدُ الرِّضا]

المَشْهَدُ الرّابِعُ: مَشْهَدُ الرِّضا وهو فَوْقَ مَشْهَدِ العَفْوِ والصَّفْحِ وهَذا لا يَكُونُ إلّا لِلنُّفُوسِ المُطْمَئِنَّةِ، سِيَّما إنْ كانَ ما أُصِيبَتْ بِهِ سَبَبُهُ القِيامُ لِلَّهِ. فَإذا كانَ ما أُصِيبَ بِهِ في اللَّهِ، وفي مَرْضاتِهِ ومَحَبَّتِهِ: رَضِيَتْ بِما نالَها في اللَّهِ. وهَذا شَأْنُ كُلِّ مُحِبٍّ صادِقٍ، يَرْضى بِما يَنالُهُ في رِضا مَحْبُوبِهِ مِنَ المَكارِهِ. ومَتى تَسَخَّطَ بِهِ وتَشَكّى مِنهُ، كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى كَذِبِهِ في مَحَبَّتِهِ. والواقِعُ شاهِدٌ بِذَلِكَ، والمُحِبُّ الصّادِقُ كَما قِيلَ:

؎مِن أجْلِكَ جَعَلْتُ خَدِّيَ أرْضًا ∗∗∗ لِلشّامِتِ والحَسُودِ حَتّى تَرْضى

وَمَن لَمْ يَرْضَ بِما يُصِيبُهُ في سَبِيلِ مَحْبُوبِهِ، فَلْيَنْزِلْ عَنْ دَرَجَةِ المَحَبَّةِ. ولْيَتَأخَّرْ فَلَيْسَ مِن ذا الشَّأْنِ.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ الخامِسُ مَشْهَدُ الإحْسانِ]

المَشْهَدُ الخامِسُ: مَشْهَدُ الإحْسانِ وهو أرْفَعُ مِمّا قَبْلَهُ. وهو أنْ يُقابِلَ إساءَةَ المُسِيءِ إلَيْهِ بِالإحْسانِ. فَيُحْسِنَ إلَيْهِ كُلَّما أساءَ هو إلَيْهِ. ويُهَوِّنُ هَذا عَلَيْهِ عِلْمُهُ بِأنَّهُ قَدْ رَبِحَ عَلَيْهِ. وأنَّهُ قَدْ أهْدى إلَيْهِ حَسَناتِهِ، ومَحاها مِن صَحِيفَتِهِ. وأثْبَتَها في صَحِيفَةِ مَن أساءَ إلَيْهِ. فَيَنْبَغِي لَكَ أنْ تَشْكُرَهُ، وتُحْسِنَ إلَيْهِ بِما لا نِسْبَةَ لَهُ إلى ما أحْسَنَ بِهِ إلَيْكَ.

وَهاهُنا يَنْفَعُ اسْتِحْضارُ مَسْألَةِ اقْتِضاءِ الهِبَةِ الثَّوابِ. وهَذا المِسْكِينُ قَدْ وهَبَكَ حَسَناتِهِ. فَإنْ كُنْتَ مِن أهْلِ الكَرَمِ فَأثِبْهُ عَلَيْها، لِتُثْبِتَ الهِبَةَ. وتَأْمَنَ رُجُوعَ الواهِبِ فِيها.

وَفِي هَذا حِكاياتٌ مَعْرُوفَةٌ عَنْ أرْبابِ المَكارِمِ. وأهْلِ العَزائِمِ.

وَيُهَوِّنُهُ عَلَيْكَ أيْضًا: عِلْمُكَ بِأنَّ الجَزاءَ مِن جِنْسِ العَمَلِ. فَإنْ كانَ هَذا عَمَلَكَ في إساءَةِ المَخْلُوقِ إلَيْكَ عَفَوْتَ عَنْهُ. وأحْسَنْتَ إلَيْهِ، مَعَ حاجَتِكَ وضَعْفِكَ وفَقْرِكَ وذَلِكَ. فَهَكَذا يَفْعَلُ المُحْسِنُ القادِرُ العَزِيزُ الغَنِيُّ بِكَ في إساءَتِكَ. يُقابِلُها بِما قابَلْتَ بِهِ إساءَةَ عَبْدِهِ إلَيْكَ. فَهَذا لا بُدَّ‍ مِنهُ. وشاهِدُهُ في السُّنَّةِ مِن وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ لِمَن تَأمَّلَها.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ السّادِسُ مَشْهَدُ السَّلامَةِ وبَرْدِ القَلْبِ]

المَشْهَدُ السّادِسُ: مَشْهَدُ السَّلامَةِ وبَرْدِ القَلْبِ وهَذا مَشْهَدٌ شَرِيفٌ جِدًّا لِمَن عَرَفَهُ، وذاقَ حَلاوَتَهُ. وهو أنْ لا يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ وسِرُّهُ بِما نالَهُ مِنَ الأذى، وطَلَبِ الوُصُولِ إلى دَرْكِ ثَأْرِهِ، وشِفاءِ نَفْسِهِ. بَلْ يُفَرِّغُ قَلْبَهُ مِن ذَلِكَ. ويَرى أنَّ سَلامَتَهُ وبَرْدَهُ وخُلُوَّهُ مِنهُ أنْفَعُ لَهُ. وألَذُّ وأطْيَبُ. وأعْوَنُ عَلى مَصالِحِهِ. فَإنَّ القَلْبَ إذا اشْتَغَلَ بِشَيْءٍ فاتَهُ ما هو أهَمُّ عِنْدَهُ، وخَيْرٌ لَهُ مِنهُ. فَيَكُونُ بِذَلِكَ مَغْبُونًا. والرَّشِيدُ لا يَرْضى بِذَلِكَ. ويَرى أنَّهُ مِن تَصَرُّفاتِ السَّفِيهِ. فَأيْنَ سَلامَةُ القَلْبِ مِنِ امْتِلائِهِ بِالغِلِّ والوَساوِسِ، وإعْمالِ الفِكْرِ في إدْراكِ الِانْتِقامِ؟

[فَصْلٌ المَشْهَدُ السّابِعُ مَشْهَدُ الأمْنِ]

المَشْهَدُ السّابِعُ: مَشْهَدُ الأمْنِ فَإنَّهُ إذا تَرَكَ المُقابَلَةَ والِانْتِقامَ: أمِنَ ماهُّو شَرٌّ مِن ذَلِكَ. وإذا انْتَقَمَ: واقَعَهُ الخَوْفُ ولا بُدَّ. فَإنَّ ذَلِكَ يَزْرَعُ العَداوَةَ. والعاقِلُ لا يَأْمَنُ عَدُوَّهُ، ولَوْ كانَ حَقِيرًا. فَكَمْ مِن حَقِيرٍ أرْدى عَدُوَّهُ الكَبِيرَ؟ فَإذا غَفَرَ، ولَمْ يَنْتَقِمْ، ولَمْ يُقابِلْ: أمِنَ مِن تَوَلُّدِ العَداوَةِ، أوْ زِيادَتِها. ولا بُدَّ أنَّ عَفْوَهُ وحِلْمَهُ وصَفْحَهُ يَكْسِرُ عَنْهُ شَوْكَةَ عَدُوِّهِ. ويَكُفُّ مِن جَزَعِهِ، بِعَكْسِ الِانْتِقامِ. والواقِعُ شاهِدٌ بِذَلِكَ أيْضًا.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ الثّامِنُ مَشْهَدُ الجِهادِ]

المَشْهَدُ الثّامِنُ: مَشْهَدُ الجِهادِ وهو أنْ يَشْهَدَ تَوَلُّدَ أذى النّاسِ لَهُ مِن جِهادِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأمْرِهِمْ بِالمَعْرُوفِ. ونَهْيِهِمْ عَنِ المُنْكَرِ. وإقامَةِ دِينِ اللَّهِ، وإعْلاءِ كَلِماتِهِ.

وَصاحِبُ هَذا المَقامِ: قَدِ اشْتَرى اللَّهُ مِنهُ نَفْسَهُ ومالَهُ وعِرْضَهُ بِأعْظَمِ الثَّمَنِ. فَإنْ أرادَ أنْ يُسَلِّمَ إلَيْهِ الثَّمَنَ فَلْيُسَلِّمْ هو السِّلْعَةَ لِيَسْتَحِقَّ ثَمَنَها. فَلا حَقَّ لَهُ عَلى مَن آذاهُ. ولا شَيْءَ لَهُ قَبْلَهُ، إنْ كانَ قَدْ رَضِيَ بِعَقْدِ هَذا التَّبايُعِ. فَإنَّهُ قَدْ وجَبَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ.

وَهَذا ثابِتٌ بِالنَّصِّ وإجْماعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم. ولِهَذا «مَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ المُهاجِرِينَ مِن سُكْنى مَكَّةَ - أعَزَّها اللَّهُ - ولَمْ يَرُدَّ عَلى أحَدٍ مِنهم دارَهُ ولا مالَهُ الَّذِي أخَذَهُ الكُفّارُ. ولَمْ يُضَمِّنْهم دِيَةَ مَن قَتَلُوهُ في سَبِيلِ اللَّهِ».

وَلَمّا عَزَمَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلى تَضْمِينِ أهْلِ الرِّدَّةِ ما أتْلَفُوهُ مِن نُفُوسِ المُسْلِمِينَ وأمْوالِهِمْ. قالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ - بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - تِلْكَ دِماءٌ وأمْوالٌ ذَهَبَتْ في اللَّهِ. وأُجُورُها عَلى اللَّهِ، ولا دِيَةَ لِشَهِيدٍ فَأصْفَقَ الصَّحابَةُ عَلى قَوْلِ عُمَرَ. ووافَقَهُ عَلَيْهِ الصِّدِّيقُ.

فَمَن قامَ لِلَّهِ حَتّى أُوذِيَ في اللَّهِ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الِانْتِقامَ. كَما قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ ﴿وَأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧].

[فَصْلٌ المَشْهَدُ التّاسِعُ مَشْهَدُ النِّعْمَةِ]

المَشْهَدُ التّاسِعُ: مَشْهَدُ النِّعْمَةِ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ.

أحَدُها: أنْ يَشْهَدَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ في أنْ جَعَلَهُ مَظْلُومًا يَتَرَقَّبُ النَّصْرَ. ولَمْ يَجْعَلْهُ ظالِمًا

يَتَرَقَّبُ المَقْتَ والأخْذَ. فَلَوْ خُيِّرَ العاقِلُ بَيْنَ الحالَتَيْنِ - ولا بُدَّ مِن إحْداهُما - لاخْتارَ أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا.

وَمِنها: أنْ يَشْهَدَ نِعْمَةَ اللَّهِ في التَّكْفِيرِ بِذَلِكَ مِن خَطاياهُ. فَإنَّهُ ما أصابَ المُؤْمِنَ هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا أذًى إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ مِن خَطاياهُ. فَذَلِكَ في الحَقِيقَةِ دَواءٌ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنهُ داءُ الخَطايا والذُّنُوبِ. ومَن رَضِيَ أنْ يَلْقى اللَّهَ بِأدْوائِهِ كُلِّها وأسْقامِهِ، ولَمْ يُداوِهِ في الدُّنْيا بِدَواءٍ يُوجِبُ لَهُ الشِّفاءَ: فَهو مَغْبُونٌ سَفِيهٌ. فَأذى الخَلْقِ لَكَ كالدَّواءِ الكَرِيهِ مِنَ الطَّبِيبِ المُشْفِقِ عَلَيْكَ. فَلا تَنْظُرْ إلى مَرارَةِ الدَّواءِ وكَراهَتِهِ ومَن كانَ عَلى يَدَيْهِ. وانْظُرْ إلى شَفَقَةِ الطَّبِيبِ الَّذِي رَكَّبَهُ لَكَ، وبَعَثَهُ إلَيْكَ عَلى يَدَيْ مَن نَفْعَكَ بِمَضَرَّتِهِ.

وَمِنها: أنْ يَشْهَدَ كَوْنَ تِلْكَ البَلِيَّةِ أهْوَنَ وأسْهَلَ مِن غَيْرِها. فَإنَّهُ ما مِن مِحْنَةٍ إلّا وفَوْقَها ما هو أقْوى مِنها وأمَرُّ. فَإنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَها مِحْنَةٌ في البَدَنِ والمالِ فَلْيَنْظُرْ إلى سَلامَةِ دِينِهِ وإسْلامِهِ وتَوْحِيدِهِ. وأنَّ كُلَّ مُصِيبَةٍ دُونَ مُصِيبَةِ الدِّينِ فَهَيِّنَةٌ. وأنَّها في الحَقِيقَةِ نِعْمَةٌ. والمُصِيبَةُ الحَقِيقِيَّةُ مُصِيبَةُ الدِّينِ.

وَمِنها: تَوَفِيَةُ أجْرِها وثَوابِها يَوْمَ الفَقْرِ والفاقَةِ. وفي بَعْضِ الآثارِ: أنَّهُ يَتَمَنّى أُناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ لَوْ أنَّ جُلُودَهم كانَتْ تُقْرَضُ بِالمَقارِيضِ، لِما يَرَوْنَ مِن ثَوابِ أهْلِ البَلاءِ.

هَذا. وإنَّ العَبْدَ لَيَشْتَدُّ فَرَحُهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِما لَهُ قِبَلَ النّاسِ مِنَ الحُقُوقِ في المالِ والنَّفْسِ والعِرْضِ. فالعاقِلُ يَعُدُّ هَذا ذُخْرًا لِيَوْمِ الفَقْرِ والفاقَةِ. ولا يُبْطِلُهُ بِالِانْتِقامِ الَّذِي لا يُجْدِي عَلَيْهِ شَيْئًا.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ العاشِرُ مَشْهَدُ الأُسْوَةِ]

المَشْهَدُ العاشِرُ: مَشْهَدُ الأُسْوَةِ وهو مَشْهَدٌ شَرِيفٌ لَطِيفٌ جِدًّا. فَإنَّ العاقِلَ اللَّبِيبَ يَرْضى أنْ يَكُونَ لَهُ أُسْوَةٌ بِرُسُلِ اللَّهِ، وأنْبِيائِهِ وأوْلِيائِهِ، وخاصَّتِهِ مِن خَلْقِهِ. فَإنَّهُمْ

أشَدُّ الخَلْقِ امْتِحانًا بِالنّاسِ، وأذى النّاسِ إلَيْهِمْ أسْرَعُ مِنَ السَّيْلِ في الحُدُورِ. ويَكْفِي تَدَبُّرُ قَصَصِ الأنْبِياءِ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَعَ أُمَمِهِمْ وشَأْنِ نَبِيِّنا ﷺ وأذى أعْدائِهِ لَهُ بِما لَمْ يُؤْذَهُ مَن قَبْلَهُ. «وَقَدْ قالَ لَهُ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لَتُكَذَّبَنَّ ولَتُخْرَجَنَّ ولَتُؤْذَيَنَّ. وقالَ لَهُ: ما جاءَ أحَدٌ بِمِثْلِ ما جِئْتَ بِهِ إلّا عُودِيَ. وهَذا مُسْتَمِرٌّ في ورَثَتِهِ كَما كانَ في مُوَرِّثِهِمْ ﷺ.»

أفَلا يَرْضى العَبْدُ أنْ يَكُونَ لَهُ أُسْوَةٌ بِخِيارِ خَلْقِ اللَّهِ، وخَواصِّ عِبادِهِ: الأمْثَلِ فالأمْثَلِ؟

وَمَن أحَبَّ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ فَلْيَقِفْ عَلى مِحَنِ العُلَماءِ، وأذى الجُهّالِ لَهم. وقَدْ صَنَّفَ في ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ كِتابًا سَمّاهُ مِحَنَ العُلَماءِ.

[فَصْلٌ المَشْهَدُ الحادِيَ عَشَرَ مَشْهَدُ التَّوْحِيدِ]

المَشْهَدُ الحادِيَ عَشَرَ: مَشْهَدُ التَّوْحِيدِ وهو أجَلُّ المَشاهِدِ وأرْفَعُها. فَإذا امْتَلَأ قَلْبُهُ بِمَحَبَّةِ اللَّهِ، والإخْلاصِ لَهُ ومُعامَلَتِهِ، وإيثارِ مَرْضاتِهِ، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ، وقُرَّةِ العَيْنِ بِهِ، والأُنْسِ بِهِ، واطْمَأنَّ إلَيْهِ. وسَكَنَ إلَيْهِ. واشْتاقَ إلى لِقائِهِ، واتَّخَذَهُ ولِيًّا دُونَ مَن سِواهُ، بِحَيْثُ فَوَّضَ إلَيْهِ أُمُورَهُ كُلَّها. ورَضِيَ بِهِ وبِأقْضِيَتِهِ. وفَنِيَ بِحُبِّهِ وخَوْفِهِ ورَجائِهِ وذِكْرِهِ والتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ، عَنْ كُلِّ ما سِواهُ: فَإنَّهُ لا يَبْقى في قَلْبِهِ مُتَّسَعٌ لِشُهُودِ أذى النّاسِ لَهُ ألْبَتَّةَ. فَضْلًا عَنْ أنْ يَشْتَغِلَ قَلْبُهُ وفِكْرُهُ وسِرُّهُ بِتَطَلُّبِ الِانْتِقامِ والمُقابَلَةِ. فَهَذا لا يَكُونُ إلّا مِن قَلْبٍ لَيْسَ فِيهِ ما يُغْنِيهِ عَنْ ذَلِكَ ويُعَوِّضُهُ مِنهُ. فَهو قَلْبٌ جائِعٌ غَيْرُ شَبْعانَ. فَإذا رَأى أيَّ طَعامٍ رَآهُ هَفَّتْ إلَيْهِ نَوازِعُهُ. وانْبَعَثَتْ إلَيْهِ دَواعِيهِ. وأمّا مَنِ امْتَلَأ قَلْبُهُ بِأعْلى الأغْذِيَةِ وأشْرَفِها: فَإنَّهُ لا يَلْتَفِتُ إلى ما دُونَها. وذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشاءُ. واللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ.

(فَصْلٌ)

وَأمّا قَوْلُهُ: أنْ يَسْتَفِيدَ بِمَعْرِفَةِ أقْدارِ النّاسِ، وجَرَيانِ الأحْكامِ عَلَيْهِمْ: مَحَبَّتَهم لَهُ، ونَجاتَهم بِهِ.

فَلِأنَّهُ إذا عامَلَهم بِهَذِهِ المُعامَلَةِ: مِن إقامَةِ أعْذارِهِمْ، والعَفْوِ عَنْهُمْ، وتَرْكِ مُقابَلَتِهِمُ: اسْتَوَتْ كَراهَتُهم ومَحَبَّتُهم لَهُ. وكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِنَجاتِهِمُ الأُخْرَوِيَّةِ أيْضًا.

إذْ يُرْشِدُهم ذَلِكَ إلى القَبُولِ مِنهُ. وتَلَقِّي ما يَأْمُرُهم بِهِ ويَنْهاهم عَنْهُ أحْسَنَ التَّلَقِّي. هَذِهِ طِباعُ النّاسِ.

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ]

قالَ الدَّرَجَةُ الثّانِيَةُ: تَحْسِينُ خُلُقِكَ مَعَ الحَقِّ. وتَحْسِينُهُ مِنكَ: أنْ تَعْلَمَ أنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنكَ يُوجِبُ عُذْرًا، وأنَّ كُلَّ ما يَأْتِي مِنَ الحَقِّ يُوجِبُ شُكْرًا، وأنْ لا تَرى لَهُ مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.

هَذِهِ الدَّرَجَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلى قاعِدَتَيْنِ.

إحْداهُما: أنْ تَعْلَمَ أنَّكَ ناقِصٌ. وكُلُّ ما يَأْتِي مِنَ النّاقِصِ ناقِصٌ. فَهو يُوجِبُ اعْتِذارَهُ مِنهُ لا مَحالَةَ. فَعَلى العَبْدِ أنْ يَتَعَذَّرَ إلى رَبِّهِ مِن كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ مِن خَيْرٍ وشَرٍّ. أمّا الشَّرُّ: فَظاهِرٌ. وأمّا الخَيْرُ: فَيَعْتَذِرُ مِن نُقْصانِهِ. ولا يَراهُ صالِحًا لِرَبِّهِ.

فَهُوَ - مَعَ إحْسانِهِ - مُعْتَذِرٌ في إحْسانِهِ. ولِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ أوْلِياءَهُ بِالوَجَلِ مِنهُ مَعَ إحْسانِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وقُلُوبُهم وجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]

وَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هُوَ الرَّجُلُ يَصُومُ، ويَتَصَدَّقُ. ويَخافُ أنْ لا يُقْبَلَ مِنهُ»

فَإذا خافَ فَهو بِالِاعْتِذارِ أوْلى.

والحامِلُ لَهُ عَلى هَذا الِاعْتِذارِ أمْرانِ:

أحَدُهُما: شُهُودُ تَقْصِيرِهِ ونُقْصانِهِ.

والثّانِي: صِدْقُ مَحَبَّتِهِ. فَإنَّ المُحِبَّ الصّادِقَ يَتَقَرَّبُ إلى مَحْبُوبِهِ بِغايَةِ إمْكانِهِ. وهو مُعْتَذِرٌ إلَيْهِ، مُسْتَحْيٍ مِنهُ: أنْ يُواجِهَهُ بِما واجَهَهُ بِهِ. وهو يَرى أنَّ قَدْرَهُ فَوْقَهُ وأجَلُّ مِنهُ. وهَذا مُشاهَدٌ في مَحَبَّةِ المَخْلُوقِينَ.

القاعِدَةُ الثّانِيَةُ: اسْتِعْظامُ كُلِّ ما يَصْدُرُ مِنهُ سُبْحانَهُ إلَيْكَ، والِاعْتِرافُ بِأنَّهُ يُوجِبُ الشُّكْرَ عَلَيْكَ، وأنَّكَ عاجِزٌ عَنْ شُكْرِهِ. ولا يَتَبَيَّنُ هَذا إلّا في المَحَبَّةِ الصّادِقَةِ. فَإنَّ المُحِبَّ يَسْتَكْثِرُ مِن مَحْبُوبِهِ كُلَّ ما يَنالُهُ. فَإذا ذَكَرَهُ بِشَيْءٍ وأعْطاهُ إيّاهُ: كانَ سُرُورُهُ بِذِكْرِهِ لَهُ، وتَأْهِيلِهِ لِعَطائِهِ: أعْظَمَ عِنْدَهُ مِن سُرُورِهِ بِذَلِكَ العَطاءِ بَلْ يَغِيبُ بِسُرُورِهِ بِذِكْرِهِ لَهُ عَنْ سُرُورِهِ بِالعَطِيَّةِ. وإنْ كانَ المُحِبُّ يَسُرُّهُ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ لَهُ، وإنْ نالَهُ بِمَساءَةٍ.

كَما قالَ القائِلُ:

؎لَئِنْ ساءَنِي أنْ نِلْتَنِي بِمُساءَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ سَرَّنِي أنِّي خَطَرْتُ بِبالِكا

فَكَيْفَ إذا نالَهُ مَحْبُوبُهُ بِمَسَرَّةٍ - وإنْ دَقَّتْ - فَإنَّهُ لا يَراها إلّا جَلِيلَةً خَطِيرَةً. فَكَيْفَ هَذا مَعَ الرَّبِّ تَعالى الَّذِي لا يَأْتِي أبَدًا إلّا بِالخَيْرِ؟ ويَسْتَحِيلُ خِلافُ ذَلِكَ في حَقِّهِ. كَما يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ خِلافُ كَمالِهِ. وقَدْ أفْصَحَ أعْرَفُ الخَلْقِ بِرَبِّهِ عَنْ هَذا بِقَوْلِهِ: «والشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ» أيْ لا يُضافُ إلَيْكَ. ولا يُنْسَبُ إلَيْكَ. ولا يَصْدُرُ مِنكَ. فَإنَّ أسْماءَهُ كُلَّها حُسْنى، وصِفاتِهِ كُلَّها كَمالٌ، وأفْعالَهُ كُلَّها فَضْلٌ وعَدْلٌ، وحِكْمَةٌ ورَحْمَةٌ ومَصْلَحَةٌ. فَبِأيِّ وجْهٍ يُنْسَبُ الشَّرُّ إلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى؟ فَكُلُّ ما يَأْتِي مِنهُ فَلَهُ عَلَيْهِ الحَمْدُ والشُّكْرُ. ولَهُ فِيهِ النِّعْمَةُ والفَضْلُ.

قَوْلُهُ: وأنْ لا يَرى مِنَ الوَفاءِ بُدًّا.

يَعْنِي: أنَّ مُعامَلَتَكَ لِلْحَقِّ سُبْحانَهُ بِمُقْتَضى الِاعْتِذارِ مِن كُلِّ ما مِنكَ، والشُّكْرِ عَلى ما مِنهُ - عَقْدٌ مَعَ اللَّهِ تَعالى لازِمٌ لَكَ أبَدًا، لا تَرى مِنَ الوَفاءِ بِهِ بُدًّا. فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأمْرٍ عارِضٍ، وحالٍ يُحَوَّلُ. بَلْ عَقْدٌ لازِمٌ عَلَيْكَ الوَفاءُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.

[فَصْلٌ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ التَّخَلُّقُ بِتَصْفِيَةِ الخُلُقِ]

قالَ الدَّرَجَةُ الثّالِثَةُ: التَّخَلُّقُ بِتَصْفِيَةِ الخُلُقِ. ثُمَّ الصُّعُودُ عَنْ تَفْرِقَةِ التَّخَلُّقِ. ثُمَّ التَّخَلُّقُ بِمُجاوَزَةِ الأخْلاقِ.

هَذِهِ الدَّرَجَةُ ثَلاثَةُ أشْياءَ.

أحَدُها: تَصْفِيَةُ الخُلُقِ بِتَكْمِيلِ ما ذُكِرَ في الدَّرَجَتَيْنِ قَبْلَهُ. فَيُصَفِّيهِ مِن كُلِّ شائِبَةٍ وقَذًى ومُشَوِّشٍ. فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ صَعِدْتَ مِن تَفْرِقَتِهِ إلى جَمْعِيَّتِكَ عَلى اللَّهِ. فَإنَّ التَّخَلُّقَ والتَّصَوُّفَ تَهْذِيبٌ واسْتِعْدادٌ لِلْجَمْعِيَّةِ. وإنَّما سَمّاهُ تَفْرِقَةً: لِأنَّهُ اشْتِغالٌ بِالغَيْرِ. والسُّلُوكُ يَقْتَضِي الإقْبالَ بِالكُلِّيَّةِ، والِاشْتِغالَ بِالرَّبِّ وحْدَهُ عَمّا سِواهُ.

ثُمَّ يَصْعَدُ إلى ما فَوْقَ ذَلِكَ. وهو مُجاوَزَةُ الأخْلاقِ كُلِّها بِأنْ يَغِيبَ عَنِ الخَلْقِ والتَّخَلُّقِ. وهَذِهِ الغَيْبَةُ لَها مَرْتَبَتانِ عِنْدَهم.

إحْداهُما: الِاشْتِغالُ بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ.

والثّانِيَةُ: الفَناءُ في الفَرْدانِيَّةِ الَّتِي يُسَمُّونَها حَضْرَةَ الجَمْعِ وهي أعْلى الغاياتِ

عِنْدَهم. وهي مَوْهِبِيَّةٌ لا كَسَبِيَّةٌ. لَكِنَّ العَبْدَ إذا تَعَرَّضَ وصَدَقَ في الطَّلَبِ: رُجِيَ لَهُ الظَّفَرُ بِمَطْلُوبِهِ. واللَّهُ أعْلَمُ.

[فَصْلٌ مَدارُ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ الحَقِّ]

وَمَدارُ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَ الحَقِّ، ومَعَ الخَلْقِ: عَلى حَرْفَيْنِ. ذَكَرَهُما عَبْدُ القادِرِ الكِيلانِيُّ فَقالَ:

كُنْ مَعَ الحَقِّ بِلا خَلْقٍ. ومَعَ الخَلْقِ بِلا نَفْسٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском