Ibn al-QayyimAl‑A'raf · 7:167–171

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:167–171

7:167Page 172

وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٦٧

And [mention] when your Lord declared that He would surely [continue to] send upon them until the Day of Resurrection those who would afflict them with the worst torment. Indeed, your Lord is swift in penalty; but indeed, He is Forgiving and Merciful.

[فَصْلٌ: ضَرَرُ الذُّنُوبِ في القَلْبِ كَضَرَرِ السُّمُومِ في الأبْدانِ]

مِما يَنْبَغِي أنْ يُعْلَمَ، أنَّ الذُّنُوبَ والمَعاصِيَ تَضُرُّ، ولا بُدَّ أنَّ ضَرَرَها في القَلْبِ كَضَرَرِ السُّمُومِ في الأبْدانِ عَلى اخْتِلافِ دَرَجاتِها في الضَّرَرِ، وهَلْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ شَرٌّ وداءٌ إلّا سَبَبُهُ الذُّنُوبُ والمَعاصِي، فَما الَّذِي أخْرَجَ الأبَوَيْنِ مِنَ الجَنَّةِ، دارِ اللَّذَّةِ والنَّعِيمِ والبَهْجَةِ والسُّرُورِ إلى دارِ الآلامِ والأحْزانِ والمَصائِبِ؟

وَما الَّذِي أخْرَجَ إبْلِيسَ مِن مَلَكُوتِ السَّماءِ وطَرَدَهُ ولَعَنَهُ، ومَسَخَ ظاهِرَهُ وباطِنَهُ فَجَعَلَ صُورَتَهُ أقْبَحَ صُورَةٍ وأشْنَعَها، وباطِنَهُ أقْبَحَ مِن صُورَتِهِ وأشْنَعَ، وبُدِّلَ بِالقُرْبِ بُعْدًا، وبِالرَّحْمَةِ لَعْنَةً، وبِالجَمالِ قُبْحًا، وبِالجَنَّةِ نارًا تَلَظّى، وبِالإيمانِ كُفْرًا، وبِمُوالاةِ الوَلِيِّ الحَمِيدِ أعْظَمَ عَداوَةٍ ومُشاقَّةٍ، وبِزَجَلِ التَّسْبِيحِ والتَّقْدِيسِ والتَّهْلِيلِ زَجَلَ الكُفْرِ والشِّرْكِ والكَذِبِ والزُّورِ والفُحْشِ، وبِلِباسِ الإيمانِ لِباسَ الكُفْرِ والفُسُوقِ والعِصْيانِ، فَهانَ عَلى اللَّهِ غايَةَ الهَوانِ، وسَقَطَ مِن عَيْنِهِ غايَةَ السُّقُوطِ، وحَلَّ عَلَيْهِ غَضَبُ الرَّبِّ تَعالى فَأهْواهُ، ومَقَتَهُ أكْبَرَ المَقْتِ فَأرْداهُ، فَصارَ قَوّادًا لِكُلِّ فاسِقٍ ومُجْرِمٍ، رَضِيَ لِنَفْسِهِ بِالقِيادَةِ بَعْدَ تِلْكَ العِبادَةِ والسِّيادَةِ، فَعِياذًا بِكَ اللَّهُمَّ مِن مُخالَفَةِ أمْرِكَ وارْتِكابِ نَهْيِكَ.

وَما الَّذِي أغْرَقَ أهْلَ الأرْضِ كُلَّهم حَتّى عَلا الماءُ فَوْقَ رَأْسِ الجِبالِ؟ وما الَّذِي سَلَّطَ الرِّيحَ العَقِيمَ عَلى قَوْمِ عادٍ حَتّى ألْقَتْهم مَوْتى عَلى وجْهِ الأرْضِ كَأنَّهم أعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٌ، ودَمَّرَتْ ما مَرَّ عَلَيْهِ مِن دِيارِهِمْ وحُرُوثِهِمْ وزُرُوعِهِمْ ودَوابِّهِمْ، حَتّى صارُوا عِبْرَةً لِلْأُمَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟

وَما الَّذِي أرْسَلَ عَلى قَوْمِ ثَمُودَ الصَّيْحَةَ حَتّى قَطَعَتْ قُلُوبَهم في أجْوافِهِمْ وماتُوا عَنْ آخِرِهِمْ؟

وَما الَّذِي رَفَعَ قُرى اللُّوطِيَّةِ حَتّى سَمِعَتِ المَلائِكَةُ نَبِيحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، فَجَعَلَ عالِيَها سافِلَها، فَأهْلَكَهم جَمِيعًا، ثُمَّ أتْبَعَهم حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أمْطَرَها عَلَيْهِمْ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ مِنَ العُقُوبَةِ ما لَمْ يَجْمَعْهُ عَلى أُمَّةٍ غَيْرِهِمْ، ولِإخْوانِهِمْ أمْثالُها، وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ؟ وما الَّذِي أرْسَلَ عَلى قَوْمِ شُعَيْبٍ سَحابَ العَذابِ كالظُّلَلِ، فَلَمّا صارَ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ أمْطَرَ عَلَيْهِمْ نارًا تَلَظّى؟

وَما الَّذِي أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ في البَحْرِ، ثُمَّ نَقَلَتْ أرْواحَهم إلى جَهَنَّمَ، فالأجْسادُ لِلْغَرَقِ، والأرْواحُ لِلْحَرْقِ؟

وَما الَّذِي خَسَفَ بِقارُونَ ودارِهِ ومالِهِ وأهْلِهِ؟

وَما الَّذِي أهْلَكَ القُرُونَ مِن بَعْدِ نُوحٍ بِأنْواعِ العُقُوباتِ، ودَمَّرَها تَدْمِيرًا؟

وَما الَّذِي أهْلَكَ قَوْمَ صاحِبِ يس بِالصَّيْحَةِ حَتّى خَمَدُوا عَنْ آخِرِهِمْ؟

وَما الَّذِي بَعَثَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قَوْمًا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ، وقَتَلُوا الرِّجالَ، وسَبُوا الذُّرِّيَّةَ والنِّساءَ، وأحْرَقُوا الدِّيارَ، ونَهَبُوا الأمْوالَ، ثُمَّ بَعَثَهم عَلَيْهِمْ مَرَّةً ثانِيَةً فَأهْلَكُوا ما قَدَرُوا عَلَيْهِ وتَبَّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا؟

وَما الَّذِي سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أنْواعَ العُقُوباتِ، مَرَّةً بِالقَتْلِ والسَّبْيِ وخَرابِ البِلادِ، ومَرَّةً بِجَوْرِ

المُلُوكِ، ومَرَّةً بِمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وآخِرُ ذَلِكَ أقْسَمَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ مَن يَسُومُهم سُوءَ العَذابِ﴾ [الأعراف: ١٦٧].

قالَ الإمامُ أحْمَدُ حَدَّثَنا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنا صَفْوانُ بْنُ عُمَرَ وحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: لَمّا فُتِحَتْ قُبْرُصُ فُرِّقَ بَيْنَ أهْلِها، فَبَكى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَرَأيْتُ أبا الدَّرْداءِ جالِسًا وحْدَهُ يَبْكِي، فَقُلْتُ: يا أبا الدَّرْداءِ ما يُبْكِيكَ في يَوْمٍ أعَزَّ اللَّهُ فِيهِ الإسْلامَ وأهْلَهُ، فَقالَ: ويْحَكَ يا جُبَيْرُ، ما أهْوَنُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذا أضاعُوا أمْرَهُ، بَيْنَما هي أُمَّةٌ قاهِرَةٌ ظاهِرَةٌ لَهُمُ المُلْكُ، تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ فَصارُوا إلى ما تَرى.

وَقالَ عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ: أنْبَأنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: سَمِعْتُ أبا البَخْتَرِيِّ يَقُولُ: أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَنْ يَهْلِكَ النّاسُ حَتّى يَعْذِرُوا مِن أنْفُسِهِمْ».

وَفِي مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إذا ظَهَرَتِ المَعاصِي في أُمَّتِي عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أما فِيهِمْ يَوْمَئِذٍ أُناسٌ صالِحُونَ؟ قالَ: بَلى، قُلْتُ: كَيْفَ يُصْنَعُ بِأُولَئِكَ؟ قالَ: يُصِيبُهم ما أصابَ النّاسَ، ثُمَّ يَصِيرُونَ إلى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ».

وَفِي مَراسِيلِ الحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لا تَزالُ هَذِهِ الأُمَّةُ تَحْتَ يَدِ اللَّهِ وفي كَنَفِهِ ما لَمْ يُمالِئْ قُرّاؤُها أُمَراءَها، وما لَمْ يُزَكِّ صُلَحاؤُها فُجّارَها، وما لَمْ يُهِنْ خِيارَها أشْرارُها، فَإذا هم فَعَلُوا ذَلِكَ رَفَعَ اللَّهُ يَدَهُ عَنْهُمْ، ثُمَّ سُلِّطَ عَلَيْهِمْ جَبابِرَتُهم فَسامُوهم سُوءَ العَذابِ، ثُمَّ ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالفاقَةِ والفَقْرِ».

وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ».

وَفِيهِ أيْضًا عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوشِكُ أنْ تَتَداعى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ مِن كُلِّ أُفُقٍ، كَما تَتَداعى الأكَلَةُ عَلى قَصْعَتِها، قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أمِنَ قِلَّةٍ بِنا يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: أنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، ولَكِنَّكم غُثاءٌ كَغُثاءِ السَّيْلِ، تُنْزَعُ المَهابَةُ مِن قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، ويُجْعَلُ في قُلُوبِكُمُ الوَهَنُ، قالُوا وما الوَهَنُ؟ قالَ: حُبُّ الحَياةِ وكَراهَةُ المَوْتِ».

وَفِي المُسْنَدِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَمّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهم أظْفارٌ مِن نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهم وصُدُورَهُمْ، فَقُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ؟ فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ ويَقَعُونَ في أعْراضِهِمْ».

وَفِي جامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ قَوْمٌ يَخْتِلُونَ الدُّنْيا بِالدِّينِ، ويَلْبَسُونَ لِلنّاسِ مُسُوكَ الضَّأْنِ مِنَ اللِّينِ، ألْسِنَتُهم أحْلى مِنَ السُّكَّرِ، وقُلُوبُهم قُلُوبُ الذِّئابِ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أبِي يَغْتَرُّونَ؟ وعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟ فَبِي حَلَفْتُ، لَأبْعَثَنَّ أُولَئِكَ فِتْنَةً تَدَعُ الحَلِيمَ فِيها حَيْرانَ».

وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا مِن حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ عَلَيٌّ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا يَبْقى مِنَ الإسْلامِ إلّا اسْمُهُ، ولا مِنَ القُرْآنِ إلّا رَسْمُهُ، مَساجِدُهم يَوْمَئِذٍ عامِرَةٌ، وهي خَرابٌ مِنَ الهُدى، عُلَماؤُهم شَرُّ مَن تَحْتَ أدِيمِ السَّماءِ، مِنهم خَرَجَتِ الفِتْنَةُ وفِيهِمْ تَعُودُ.

وَذَكَرَ مِن حَدِيثِ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: إذا ظَهَرَ الزِّنا والرِّبا في قَرْيَةٍ أذِنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِهَلاكِها.

وَفِي مَراسِيلِ الحَسَنِ: إذا أظْهَرَ النّاسُ العِلْمَ، وضَيَّعُوا العَمَلَ، وتَحابُّوا بِالألْسُنِ، وتَباغَضُوا بِالقُلُوبِ، وتَقاطَعُوا بِالأرْحامِ، لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأصَمَّهم وأعْمى أبْصارَهم.

وَفِي سُنَنِ ابْنِ ماجَهْ مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: كُنْتُ عاشِرَ عَشْرَةِ رَهْطٍ مِنَ المُهاجِرِينَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأقْبَلَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَجْهِهِ فَقالَ: «يا مَعْشَرَ المُهاجِرِينَ خَمْسُ خِصالٍ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ تُدْرِكُوهُنَّ: ما ظَهَرَتِ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ حَتّى أعْلَنُوا بِها إلّا ابْتُلُوا بِالطَّواعِينِ والأوْجاعِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ في أسْلافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، ولا نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ابْتُلُوا بِالسِّنِينَ وشِدَّةِ المَئُونَةِ وجَوْرِ السُّلْطانِ، وما مَنَعَ قَوْمٌ زَكاةَ أمْوالِهِمْ إلّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّماءِ فَلَوْلا البَهائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، ولا خَفَرَ قَوْمٌ العَهْدَ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِن غَيْرِهِمْ فَأخَذُوا بَعْضَ ما في أيْدِيهِمْ، وما لَمْ تَعْمَلْ أئِمَّتُهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ إلّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهم بَيْنَهُمْ».

وَفِي المُسْنَدِ والسُّنَنِ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ مَن كانَ قَبْلَكُمْ، كانَ إذا عَمِلَ العامِلُ فِيهِمْ بِالخَطِيئَةِ جاءَهُ النّاهِي تَعْذِيرًا، فَإذا كانَ مِنَ الغَدِ جالَسَهُ وواكَلَهُ وشارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلى خَطِيئَةٍ بِالأمْسِ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ذَلِكَ مِنهُمْ، ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ثُمَّ لَعَنَهم عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ السَّفِيهِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، ثُمَّ لَيَلْعَنَكم كَما لَعَنَهُمْ».

وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَمْرٍو الصَّنْعانِيِّ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى يُوشَعَ بْنِ نُونٍ: إنِّي مُهْلِكٌ مِن قَوْمِكَ أرْبَعِينَ ألْفًا مِن خِيارِهِمْ، وسِتِّينَ ألْفًا مِن شِرارِهِمْ، قالَ: يا رَبِّ، هَؤُلاءِ الأشْرارُ، فَما بالُ الأخْيارِ؟ قالَ: لَمْ يَغْضَبُوا لِغَضَبِي، وكانُوا يُؤاكِلُونَهم ويُشارِبُونَهم.

وَذَكَرَ أبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ البَرِّ عَنْ أبِي عِمْرانَ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَلَكَيْنِ إلى قَرْيَةٍ، أنْ دَمِّراها بِمَن فِيها، فَوَجَدا رَجُلًا قائِمًا يُصَلِّي في مَسْجِدٍ، فَقالا: يا رَبِّ، إنَّ فِيها عَبْدَكَ فُلانًا يُصَلِّي، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: دَمِّراها ودَمِّراهُ مَعَهُمْ، فَإنَّهُ ما تَمَعَّرَ وجْهُهُ فِيَّ قَطُّ.

وَذَكَرَ الحُمَيْدِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: قالَ: حَدَّثَنِي سُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مِسْعَرٍ: «أنَّ مَلَكًا أُمِرَ أنْ يَخْسِفَ بِقَرْيَةٍ، فَقالَ: يا رَبِّ، إنَّ فِيها فُلانًا العابِدَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ بِهِ فابْدَأْ، فَإنَّهُ لَمْ يَتَمَعَّرْ وجْهُهُ فِيَّ ساعَةً قَطُّ».

وَذَكَرَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا أصابَ داوُدُ الخَطِيئَةَ قالَ: يا رَبِّ اغْفِرْ لِي: قالَ قَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وألْزَمْتُ عارَها بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ يا رَبِّ، كَيْفَ وأنْتَ الحَكَمُ العَدْلُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، أنا أعْمَلُ الخَطِيئَةَ وتُلْزِمُ عارَها غَيْرِي، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، إنَّكَ لَمّا عَمِلْتَ الخَطِيئَةَ لَمْ يُعَجِّلُوا عَلَيْكَ بِالإنْكارِ.

7:168Page 172

وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ١٦٨

And We divided them throughout the earth into nations. Of them some were righteous, and of them some were otherwise. And We tested them with good [times] and bad that perhaps they would return [to obedience].

(فصل)

اعلمْ أنَّ اليَهُودَ مُبَدَّدُونَ في شَرْقِ الأرْضِ وغَرْبِها وجَنُوبِها وشَمالِها، كَما قالَ تَعالى: ﴿وَقَطَّعْناهم في الأرْضِ أُمَمًا﴾

وَما مِن جَماعَةٍ مِنهم في بَلْدَةٍ إلّا إذا قَدِمَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن أهْلِ دِينِهِمْ مِن بِلادٍ بَعِيدَةٍ يُظْهِرُ لَهُمُ الخُشُونَةَ في دِينِهِ والمُبالَغَةَ في الِاحْتِياطِ، فَإنْ كانَ مِن فُقَهائِهِمْ شَرَعَ في إنْكارِ أشْياءَ عَلَيْهِمْ يُوهِمُهم قِلَّةَ دِينِهِمْ وعَمَلِهِمْ، وكُلَّما شَدَّدَ عَلَيْهِمْ قالُوا: هَذا هو العالِمُ، فَأعْلَمُهم أعْظَمُهم تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، فَتَراهُ أوَّلَ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ لا يَأْكُلُ مِن أطْعِمَتِهِمْ وذَبائِحِهِمْ، ويَتَأمَّلُ سِكِّينَ الذّابِحِ ويَشْرَعُ في الإنْكارِ عَلَيْهِ بِبَعْضِ أمْرِهِ، ويَقُولُ: لا آكُلُ إلّا مِن ذَبِيحَةِ يَدِي.

فَتَراهم مَعَهُ في عَذابٍ، ويَقُولُونَ: هَذا عالِمٌ غَرِيبٌ قَدِمَ عَلَيْنا فَلا يَزالُ يُنْكِرُ عَلَيْهِمُ الحَلالَ، ويُشَدِّدُ عَلَيْهِمُ الآصارَ والأغْلالَ، ويَفْتَحُ لَهم أبْوابَ المَكْرِ والِاحْتِيالِ، وكُلَّما فَعَلَ هَذا قالُوا: هَذا هو العالِمُ الرَّبّانِيُّ والحاخامُ الفاضِلُ، فَإذا رَآهُ رَئِيسُهم قَدْ مَشى حالُهُ وقِيلَ بَيْنِهِمْ مَقالَهُ، وزَنَ نَفْسَهُ مَعَهُ فَإذا رَأى أنَّهُ أزْرى بِهِ وطَعَنَ عَلَيْهِ، لَمْ يَقْبَلْ مِنهُ، فَإنَّ النّاسَ في الغالِبِ يَمِيلُونَ مَعَ الغَرِيبِ، ويَنْسُبُهُ أصْحابُهُ إلى الجَهْلِ وقِلَّةِ الدِّينِ، ولا يُصَدِّقُونَهُ لِأنَّهم يَرَوْنَ القادِمَ قَدْ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ وضَيَّقَ، وكُلَّما كانَ الرَّجُلُ أعْظَمَ تَشْدِيدًا وتَضْيِيقًا كانَ أفْقَهَ عِنْدِهِمْ، فَيَنْصَرِفُ عَنْ هَذا الرَّأْيِ فَيَأْخُذُ في مَدْحِهِ وشُكْرِهِ، فَيَقُولُ: لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ ثَوابَ فُلانٍ إذْ قَوّى نامُوسَ الدِّينِ في قُلُوبِ هَذِهِ الجَماعَةِ، شَيَّدَ أساسَهُ، وأحْكَمَ سِياجَ الشَّرْعِ، فَيَبْلُغُ القادِمُ قَوْلَهُ فَيَقُولُ: هَذا ما عِنْدَكم أفْقَهُ مِنهُ، ولا أعْلَمُ مِنهُ وإذا لَقِيَهُ يَقُولُ: لَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ بِكَ أهْلَ بَلَدِنا ونَعَّشَ بِكَ هَذِهِ الطّائِفَةَ.

وَإنْ كانَ القادِمُ عَلَيْهِمْ حَبْرًا مِن أحْبارِهِمْ فَهُناكَ تَرى العَجَبَ العَجِيبَ مِنَ النّامُوسِ الَّذِي يَعْتَمِدُهُ والسُّنَنِ الَّتِي يُحْدِثُها، ولا يَعْتَرِضُ عَلَيْهِ أحَدٌ، بَلْ تَراهم مُسَلِّمِينَ لَهُ، وهو يَجْتَلِبُ دَرَّهم ويَجْتَلِبُ دِرْهَمَهم. وإذا بَلَغَهُ عَنْ يَهُودِيٍّ طَعْنٌ عَلَيْهِ، صَبَرَ عَلَيْهِ حَتّى يَرى مِنهُ جُلُوسًا عَلى قارِعَةِ الطَّرِيقِ يَوْمَ السَّبْتِ، أوْ يَبْلُغَهُ أنَّهُ اشْتَرى مِن مُسْلِمٍ لَبَنًا أوْ خَمْرًا أوْ خَرَجَ عَنْ بَعْضِ أحْكامِ المِشْنا، والتَّلْمُودِ، حَرَّمَهُ بَيْنَ مَلَأِ اليَهُودِ، وأباحَهم عِرْضَهُ، ونَسَبَهُ إلى الخُرُوجِ عَنِ اليَهُودِيَّةِ، فَيَضِيقُ بِهِ البَلَدُ عَلى هَذا الحالِ، فَلا يَسَعُهُ إلّا أنْ يُصْلِحَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَبْرِ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ، فَيَقُولُ لِلْيَهُودِ: إنَّ فُلانًا قَدْ أبْصَرَ رُشْدَهُ وراجَعَ الحَقَّ وأقْلَعَ عَمّا كانَ فِيهِ، وهو اليَوْمَ يَهُودِيٌّ عَلى الوَضْعِ، فَيَعُودُونَ بِالتَّعْظِيمِ والإكْرامِ.

وَأذْكُرُ لَكَ مَسْألَةً مِن مَسائِلِ شَرْعِهِمُ المُبَدَّلِ أوِ المَنسُوخِ، تُعْرَفُ بِمَسْألَةِ البَياما والجالُوسِ وهِيَ: أنْ عِنْدَهم في التَّوْراةِ: إذا أقامَ أخَوانِ في مَوْضِعٍ واحِدٍ وماتَ أحَدُهُما ولَمْ يُعَقِّبْ فَلا تَصِيرُ امْرَأةُ المَيِّتِ إلى رَجُلٍ أجْنَبِيٍّ بَلْ حَمُوها يَنْكِحُها، وأوَّلُ ولَدٍ يُولَدُ لَها يُنْسَبُ إلى أخِيهِ الدّارِجِ، فَإنْ أبى أنْ يَنْكِحَها خَرَجَتْ مُتَشَكِّيَةً إلى مَشْيَخَةِ قَوْمِهِ قائِلَةً: قَدْ أبى حَمْوِي أنْ يَسْتَبْقِيَ اسْمًا لِأخِيهِ في بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يُرِدْ نِكاحِي، فَيُحْضِرُهُ ويُكَلِّفُهُ أنْ يَقِفَ ويَقُولَ: ما أرَدْتُ نِكاحَها، فَتَتَناوَلَ المَرْأةُ نَعْلَهُ فَتُخْرِجُهُ مِن رِجْلِهِ وتُمْسِكُهُ بِيَدِها وتَبْصُقُ في وجْهِهِ، وتُنادِي عَلَيْهِ: كَذا فَلْيُصْنَعْ بِالَّذِي لا يَبْنِي بَيْتَ أخِيهِ، ويُدْعى فِيما بَعْدُ بِالمَخْلُوعِ النَّعْلِ، ويُنْبَذُ بَنُوهُ بِهَذا اللَّقَبِ.

وَفِي هَذا كالتَّلْجِئَةِ لَهُ إلى نِكاحِها، لِأنَّهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ قَدْ فُرِضَ عَلى المَرْأةِ وعَلَيْهِ ذَلِكَ، فَرُبَّما اسْتَحى وخَجِلَ مِن شَيْلِ نَعْلِهِ مِن رِجْلِهِ والبَصْقِ في وجْهِهِ، ونَبْذِهِ بِاللَّقَبِ المُسْتَكْرَهِ الَّذِي يَبْقى عَلَيْهِ وعَلى أوْلادِهِ عارُهُ، لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِن نِكاحِها، فَإنْ كانَ مِنَ الزُّهْدِ فِيها والكَراهَةِ لَها، بِحَيْثُ يَرى أنَّ هَذا كُلَّهُ أسْهَلُ عَلَيْهِ مِن أنْ يُبْتَلى بِها، وهانَ عَلَيْهِ هَذا كُلُّهُ في التَّخَلُّصِ مِنها لَمْ يُكْرَهْ عَلى نِكاحِها.

هَذا عِنْدَهم في التَّوْراةِ، ونَشَأ لَهم مِن ذَلِكَ فَرْعٌ مُرَتَّبٌ عَلَيْهِ وهُوَ: أنْ يَكُونَ مُرِيدًا لِلْمَرْأةِ مُحِبًّا لَها، وهي في غايَةِ الكَراهَةِ لَهُ، فَأحْدَثُوا بِهَذا الفَرْعِ حُكْمًا في غايَةِ الظُّلْمِ والفَضِيحَةِ، فَإذا جاءَتْ إلى الحاكِمِ أحْضَرُوهُ مَعَها ولَقَّنُوها، أنْ تَقُولَ: إنَّ حَمْوِي لا يُقِيمُ لِأخِيهِ اسْمًا في بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَرُدْ نِكاحِي، وهو عاشِقٌ لَها، فَيُلْزِمُونَها بِالكَذِبِ عَلَيْهِ، وأنَّها أرادَتْهُ فامْتَنَعَ - فَإذا قالَتْ ذَلِكَ ألْزَمَهُ الحاكِمُ أنْ يَقُومَ ويَقُولَ: ما أرَدْتُ نِكاحَها، ونِكاحُها غايَةُ سُؤْلِهِ وأُمْنِيَتِهِ، فَيَأْمُرُونَهُ بِالكَذِبِ فَيُخْرِجُ نَعْلَهُ مِن رِجْلِهِ إلّا أنَّهُ لا شَيْلَ هُنا ويُبْصَقُ في وجْهِهِ، ويُنادى عَلَيْهِ: هَذا جَزاءُ مَن لا يَبْنِي بَيْتَ أخِيهِ، فَلَمْ يَكْفِهِمْ أنْ كَذَبُوا عَلَيْهِ، وأقامُوهُ مَقامَ الخِزْيِ وألْزَمُوهُ بِالكَذِبِ والبُصاقِ في وجْهِهِ والعِتابِ عَلى ذَنْبٍ جَرَّهُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، كَما قِيلَ:

؎وَجَرْمٍ جَرَّهُ سُفَهاءُ قَوْمٍ ∗∗∗ وحَلَّ بِغَيْرِ جارِمِهِ العَذابُ

أفَلا يَسْتَحِي مِن تَعْيِيرِ المُسْلِمِينَ مَن هَذا شَرْعُهُ ودِينُهُ؟!

7:169Page 172

فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩

And there followed them successors who inherited the Scripture [while] taking the commodities1 of this lower life and saying, "It will be forgiven for us." And if an offer like it2 comes to them, they will [again] take it. Was not the covenant of the Scripture [i.e., the Torah] taken from them that they would not say about Allāh except the truth, and they studied what was in it? And the home of the Hereafter is better for those who fear Allāh, so will you not use reason?

(فائِدَة جليلة)

كل من آثر الدُّنْيا من أهل العلم واستحبها فَلا بُد أن يَقُول على الله غير الحق في فتواه وحكمه في خَبره وإلزامه لِأن أحْكام الرب سُبْحانَهُ كثيرا ما تَأتي على خلاف أغراض النّاس ولا سِيما أهل الرياسة والَّذين يتبعُون الشُّبُهات فَإنَّهُم لا تتمّ لَهُم أغراضهم إلّا بمخالفة الحق ودفعه كثيرا فَإذا كانَ العالم والحاكِم محبين للرياسة متبعين للشهوات لم يتم لما ذَلِك إلّا بِدفع ما يضاده من الحق ولا سِيما إذا قامَت لَهُ شُبْهَة فتتفق الشُّبْهَة والشهوة ويثور الهوى فيخفى الصَّواب وينطمس وجه الحق وإن كانَ الحق ظاهرا لا خَفاء بِهِ ولا شبة فِيهِ أقدم على مُخالفَته وقالَ لي مخرج بِالتَّوْبَةِ وفي هَؤُلاءِ وأشباههم قالَ تَعالى ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوات﴾ وقالَ تَعالى فيهم أيْضا ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ ورِثُوا الكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى ويَقُولُونَ سيغفر لنا وإن يَأْتِيهم عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ ألَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الكِتابِ أنْ لا يَقُولُوا عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ ودَرَسُوا ما فِيهِ والدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلا تعقلون﴾

فَأخْبر سُبْحانَهُ أنهم أخذُوا العرض الأدْنى مَعَ علمهمْ بِتَحْرِيمِهِ عَلَيْهِم وقالُوا سيغفر لنا وإن عرض لَهُم عرض آخر أخَذُوهُ فهم مصرون على ذَلِك وذَلِكَ هو الحامِل لَهُم على أن يَقُولُوا على الله غير الحق فَيَقُولُونَ هَذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمُونَ أن دينه وشرعه وحكمه خلاف ذَلِك أولا يعلمُونَ أن ذَلِك دينه وشرعه وحكمه فَتارَة يَقُولُونَ على الله مالا يعلمُونَ وتارَة يَقُولُونَ عَلَيْهِ ما يعلمُونَ بُطْلانه

وَأما الَّذين يَتَّقُونَ فيعلمون أن الدّار الآخِرَة خير من الدُّنْيا فَلا يحملهم حب الرياسة والشهوة على أن يؤثروا الدُّنْيا على الآخِرَة وطَرِيق ذَلِك أن يَتَمَسَّكُوا بِالكتاب والسّنة ويستعينوا بِالصبرِ والصَّلاة ويتفكروا في الدُّنْيا وزوالها وخستها والآخِرَة وإقبالها ودوامها وهَؤُلاء لا بُد أن يبتدعوا في الدّين مَعَ الفُجُور في العَمَل فيجتمع لَهُم الأمْرانِ فَإن اتِّباع الهوى يعمي عين القلب فَلا يُمَيّز بَين السّنة والبدعة أو ينكسه فَيرى البِدْعَة سنة والسّنة بِدعَة فَهَذِهِ آفَة العلماء إذا آثروا الدُّنْيا واتبعُوا الرياسات والشهوات وهَذِه الآيات فيهم إلَيّ قَوْله ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فانْسَلَخَ مِنها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الغاوِينَ ولَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها ولَكِنَّهُ أخْلَدَ إلى الأرْضِ واتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ فَهَذا مثل عالم السوء الَّذِي يعْمل بِخِلاف علمه.

7:170Page 172

وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٧٠

But those who hold fast to the Book [i.e., the Qur’ān] and establish prayer - indeed, We will not allow to be lost the reward of the reformers.

No commentary for this ayah

7:171Page 173

۞ وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١

And [mention] when We raised the mountain above them as if it was a dark cloud and they were certain that it would fall upon them,1 [and Allāh said], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that you might fear Allāh."

No commentary for this ayah

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском