Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:172
7:172Page 173
وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ ١٧٢
And [mention] when your Lord took from the children of Adam - from their loins - their descendants and made them testify of themselves, [saying to them], "Am I not your Lord?" They said, "Yes, we have testified." [This] - lest you should say on the Day of Resurrection, "Indeed, we were of this unaware."
«وَسُئِلَ ﷺ عَنْ قَوْله تَعالى ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
فَقالَ: إنّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ بِيَمِينِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خُلِقَ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ، وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ عَلى ظَهْرِهِ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ، وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟ فَقالَ: إنّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ فَيَدْخُلَ النّارَ».
[فَصْلٌ الخِلافُ في خَلْقِ الأجْسادِ قَبْلَ الأرْواحِ أوِ العَكْسُ]
وَأمّا قَوْلُ إسْحاقَ: إنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أنَّها الأرْواحُ قَبْلَ الأجْسادِ، فَإسْحاقُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى - قالَ بِما بَلَغَهُ، وانْتَهى إلى عِلْمِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِإجْماعٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ: هَلْ خُلِقَتِ الأجْسادُ قَبْلَ الأرْواحِ، أوْ مَعَها؟ عَلى قَوْلَيْنِ حَكاهُما شَيْخُنا، وغَيْرُهُ.
وَهَلْ مَعْنى الآيَةِ أخْذُ الذُّرِّيَّةِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ، وإشْهادُهم بِما فَطَرَهم عَلَيْهِ، أوْ إخْراجُهم مِن ظَهْرِ آدَمَ واسْتِنْطاقُهُمْ؟ عَلى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ.
والَّذِينَ قالُوا: " إنَّ الأرْواحَ خُلِقَتْ قَبْلَ الأجْسادِ " لَيْسَ مَعَهم نَصٌّ مِن كِتابِ اللَّهِ ولا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وغايَةُ ما مَعَهم قَوْلُهُ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآيَةَ، وقَدْ عُلِمَ أنَّها لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
وَأمّا الأحادِيثُ الَّتِي فِيها أنَّهُ " أخْرَجَهم مِثْلَ الذَّرِّ "، فَهَذا هَلْ هو أشْباحُهم أوْ أمْثالُهُمْ؟ فِيهِ قَوْلانِ، ولَيْسَ فِيها صَرِيحٌ بِأنَّها أرْواحُهم.
والَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ القُرْآنُ، والسُّنَّةُ، والِاعْتِبارُ أنَّ الأرْواحَ إنَّما خُلِقَتْ مَعَ الأجْسادِ، أوْ بَعْدَها، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ خَلَقَ جَسَدَ آدَمَ قَبْلَ رُوحِهِ، فَلَمّا سَوّاهُ وأكْمَلَ خَلْقَهُ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، فَكانَ تَعَلُّقُ الرُّوحِ بِهِ بَعْدَ خَلْقِ جَسَدِهِ.
وَكَذَلِكَ سُنَّتُهُ سُبْحانَهُ في خَلْقِ أوْلادِهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ المُتَّفَقُ عَلى صِحَّتِهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «إنَّ خَلْقَ أحَدِكم يُجْمَعُ في بَطْنِ أُمِّهِ أرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ» ".
وَقَدْ غَلِطَ بَعْضُ النّاسِ حَيْثُ ظَنَّ أنَّ نَفْخَ الرُّوحِ إرْسالُ الرُّوحِ وبَعْثُها إلَيْهِ، وأنَّها كانَتْ مَوْجُودَةً قَبْلَ ذَلِكَ، ونَفْخَها تُعَلُّقُها بِهِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُرادَ الحَدِيثِ، بَلْ إذا تَكامَلَ خَلْقُ الجَنِينِ أرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ المَلِكَ فَنَفَخَ فِيهِ نَفْخَةً، فَتَحْدُثُ الرُّوحُ بِتِلْكَ النَّفْخَةِ، فَحِينَئِذٍ حَدَثَتْ لَهُ الرُّوحُ بِواسِطَةِ النَّفْخَةِ.
وَكَذَلِكَ كانَ خَلْقُ المَسِيحِ: أرْسَلَ اللَّهُ المَلَكَ إلى أُمِّهِ، فَنَفَخَ في فَرْجِها نَفْخَةً فَحَمَلَتْ بِالمَسِيحِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا - قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا - قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧-١٩].
وَهَذا صَرِيحٌ في إبْطالِ قَوْلِ مَن قالَ: " إنَّ هَذِهِ الرُّوحَ الَّتِي خاطَبَها هي رُوحُ المَسِيحِ "، فَإنَّ رُوحَ المَسِيحِ إنَّما حَدَثَتْ مِن تِلْكَ النَّفْخَةِ الَّتِي نَفَخَها رَسُولُ اللَّهِ، وكَيْفَ يَقُولُ المَسِيحُ لِأُمِّهِ: أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا؟ وكَيْفَ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿فَنَفَخْنا فِيها مِن رُوحِنا﴾ [الأنبياء: ٩١]، أيْ مِن رُوحِ ولَدِها، فَتَكُونُ رُوحُ المَسِيحِ هي النّافِخَةَ لِنَفْسِها في بَطْنِ أُمِّهِ؟!
وَهَذا قَوْلٌ تَكْثُرُ الدَّلائِلُ عَلى بُطْلانِهِ، وإنَّما أشَرْنا إلى ذَلِكَ إشارَةً.
وقال في (كتاب الروح) ما نصه:
المسألة الثامنة عشرة [وهي تقدم خلق الأرواح على الأجساد أو تأخر خلقها عنها]
فهذه المسألة للناس فيها قولان معروفان حكاهما شيخ الإسلام وغيره، وممن ذهب إلى تقدم خلقها محمد بن نصر المروزي وأبو محمد بن حزم، وحكاه ابن حزم إجماعا. ونحن نذكر حجج الفريقين وما هو الأولى منها بالصواب.
قال من ذهب إلى تقدم خلقها على خلق البدن: قال اللّه تعالى: ﴿ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكم ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ قالوا ثم للترتيب والمهلة فقد تضمنت الآية أن خلقها مقدم على أمر اللّه للملائكة بالسجود لآدم.
ومن المعلوم قطعا أن أبداننا حادثة بعد ذلك، فعلم أنها الأرواح.
قالوا: ويدل عليه قوله سبحانه: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ قالوا: وهذا الاستنطاق والإشهاد إنما كان لأرواحنا إذ لم تكن الأبدان حينئذ موجودة، ففي الموطأ:
حدثنا: مالك عن زيد بن أبي أنيسة أن عبد الحميد بن الرحمن بن زيد بن الخطاب أخبره عن مسلم بن يسار الجهني أن عن عمر بن الخطاب سأل عن هذه الآية: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يسأل عنها فقال: «خلق اللّه آدم ثم مسح ظهره بيمينه فاستخرج منه ذريته، فقال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون، وخلقت هؤلاء للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون» فقال رجل: يا رسول اللّه ففيم العلم؟ فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه إذا خلق الرجل للجنة استعمله بعمل أهل الجنة حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة فيدخله به الجنة، وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار فيدخله النار».
قال الحاكم: هذا حديث على شرط مسلم، وروى الحاكم أيضا من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: «لما خلق اللّه آدم مسح ظهره، فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة أمثال الذر، ثم جعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصا} من نور، ثم عرضهم على آدم فقال: من هؤلاء يا رب؟ قال: هؤلاء ذريتك، فرأى رجلا منهم أعجبه وبيص ما بين عينيه؛ فقال: يا رب من هذا؟ فقال: هذا ابنك داود يكون في آخر الأمم، قال: كم جعلت له من العمر؟ قال: ستين سنة، قال: يا رب زده من عمري أربعين سنة، فقال اللّه تعالى: ﴿إذا يكتب ويختم فلا يبدل، فلما انقضى عمر آدم جاء ملك الموت قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ فقال: أو لم تجعلها لابنك داود؟ قال: فجحد فجحد ذريته ونسي فنسيت ذريته وخطئ فخطئت ذريته- قال هذا على شرط مسلم. ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح﴾. ورواه الإمام أحمد من حديث ابن عباس قال: لما نزلت آية الدين، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن أول من جحد آدم». وزاد محمد بن سعد: ثم أكمل اللّه لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة.
وفي صحيح الحاكم أيضا من حديث أبي جعفر الرازي حدثنا الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية قال جمعهم له يومئذ جميعا ما هو كائن إلى يوم القيامة فجعلهم أرواحا ثم صورهم واستنطقهم فتكلموا وأخذ عليهم العهد والميثاق: وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ} قال فإني أشهد عليكم السماوات السبع والأرضين السبع وأشهد عليكم أباكم آدم: أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ} فلا تشركوا بي شيئا فإني أرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي وأنزل عليكم كتبي، فقالوا نشهد أنك ربنا وإلهنا لا رب لنا غيرك، ورفع لهم أبوهم آدم فرأى فيهم الغني والفقير وحسن الصورة وغير ذلك، فقال رب لو سويت بين عبادك، فقال إني أحب أن أشكر، ورأى فيهم الأنبياء مثل السرج وخصوا بميثاق آخر بالرسالة والنبوة فذلك قوله: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ وهو قوله تعالى: {فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} وهو قوله تعالى: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الأُولى﴾ وقوله تعالى: ﴿وما وجَدْنا لِأكْثَرِهِمْ مِن عَهْدٍ وإنْ وجَدْنا أكْثَرَهم لَفاسِقِينَ﴾ وكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا فدخل من فيها. وهذا إسناد صحيح.
فقال إسحاق بن راهويه: حدثنا بقية بن الوليد قال: أخبرني الزبيدي محمد بن الوليد عن راشد بن سعد عن الرحمن بن أبي قتادة البصري عن أبيه عن هشام بن حكيم بن حزام أن رجلا قال: يا رسول اللّه أ نبدأ الأعمال أم قد مضى القضاء؟ فقال: «إن اللّه لما أخرج ذرية آدم من ظهره أشهدهم على أنفسهم ثم أفاض بهم في كفيه، فقال: هؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، فأهل الجنة ميسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ميسرون لعمل أهل النار».
قال إسحاق: وأنبأنا النضر، حدثنا أبو معشر عن سعيد المقبري ونافع مولى الزبير عن أبي هريرة قال: لما أراد اللّه أن يخلق آدم- فذكر خلق آدم- فقال له آدم: أي يدي أحب إليك أن أريك ذريتك فيها؟ فقال: يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين، فبسط يمينه فإذا فيها ذريته كلها ما هو خالق إلى يوم القيامة، الصحيح على هيئته، والمبتلي على هيئته، والأنبياء على هيئتهم، فقال ألا أعفيتهم كلهم؟ فقال: إني أحب أن أشكر». وذكر الحديث.
وقال محمد بن نصر: حدثنا محمد بن يحيى، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا الليث بن سعد، حدثني ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن عبد اللّه بن سلام قال: «خلق اللّه آدم ثم قال بيديه فقبضهما، فقال: اختر يا آدم، فقال: اخترت يمين ربي، وكلتا يديه يمين، فبسطها فإذا فيها ذريته، فقال:
من هؤلاء يا رب؟ قال: من قضيت أن أخلق من ذريتك من أهل الجنة إلى أن تقوم الساعة.
قال: وأخبرنا إسحاق حدثنا جعفر بن عون، أنبأنا هشام بن سعد زيد بن أسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال: لما خلق آدم مسح ظهره فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة.
وحدثنا إسحاق وعمرو بن زرارة، أخبرنا إسماعيل عن كلثوم بن جبر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية قال: مسح ربك ظهر آدم فخرجت منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة، فأخذ ميثاقهم: أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى شَهِدْنا.
ورواه أبو جمرة الضبعي ومجاهد وخبيب بن أبي ثابت وأبو صالح وغيرهم عن ابن عباس.
وقال إسحاق أخبرنا جرير عن منصور عن مجاهد عن عبد اللّه بن عمرو في هذه الآية قال: أخذهم كما يؤخذ المشط بالرأس.
وحدثنا حجاج عن ابن جريج عن الزبير بن موسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: إن اللّه ضرب منكبه الأيمن فخرجت كل نفس مخلوقة للجنة بيضاء نقية، فقال: هؤلاء أهل الجنة، ثم ضرب منكبه الأيسر فخرجت كل نفس مخلوقة للنار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النار، ثم أخذ عهده على الإيمان به والمعرفة له ولأمره والتصديق وبأمره من بني آدم كلهم وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدقوا وعرفوا وأقروا.
وذكر محمد بن نصر من تفسير السدي عن ابن مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ الآية. لما أخرج اللّه آدم من الجنة قبل أن يهبط من السماء مسح صفحة ظهر آدم اليمنى فأخرج منه ذرية بيضاء مثل اللؤلؤ وكهيئة الذر فقال لهم: أدخلوا الجنة برحمتي، ومسح صفحة ظهره اليسرى فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، فقال: أدخلوا النار ولا أبالي}
فذلك حيث يقول: وأصْحابُ اليَمِينِ} وأصْحابُ الشِّمالِ} ثم أخذ منهم الميثاق فقال: أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى} فأعطاه طائفة طائعين وطائفة كارهين على وجه التقية فقال هو والملائكة شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ، أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} فليس أحد من ولد آدم إلا وهو يعرف أن اللّه ربه، ولا مشرك إلا وهو يقول: إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ} فذلك قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا وقوله تعالى: {فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكم أجْمَعِينَ﴾ قال: يعني يوم أخذ عليهم الميثاق.
قال إسحاق: وأخبرنا روح بن عبادة حدثنا موسى بن عبيدة الربذي قال:
سمعت محمد بن كعب القرظي يقول في هذه الآية: وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ الآية أقروا له بالإيمان والمعرفة الأرواح قبل أن يخلق أجسادها.
قال: وحدثنا الفضل بن موسى عن عبد الملك عن عطاء في هذه الآية قال:
أخرجوا من صلب آدم حين أخذ منهم الميثاق ثم ردوا في صلبه.
قال إسحاق: وأخبرنا علي بن الأجلع عن الضحاك قال: إن اللّه أخرج من ظهر آدم يوم خلقه ما يكون إلى أن تقوم الساعة فأخرجهم مثل الذر فقال: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ قالت الملائكة: ﴿شَهِدْنا أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ ثم قبض بيمينه فقال: هؤلاء في الجنة، وقبض أخرى فقال: هؤلاء في النار.
قال إسحاق: وأخبرنا أبو عامر العقدي وأبو نعيم الملائي قال: حدثنا هشام ابن سعد عن يحيى وليس بابن سعيد قال: قلت لابن المسيب: ما تقول في العزل؟ قال: إن شئت حدثتك حديثا هو حق، إن اللّه سبحانه لما خلق آدم أراه كرامة لم يرها أحد من خلق اللّه، أراه كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة، فمن حدثك أن يزيد فيهم شيئا أو ينقص منهم فقد كذب ولو كان لي سبعون ما باليت.
وفي تفسير ابن عيينة عن الربيع بن أنس عن أبي العالية: ولَهُ أسْلَمَ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا} قال: يوم أخذه الميثاق.
قال إسحاق: فقد كانوا في ذلك الوقت مقرين وذلك أن اللّه عز وجل أخبر أنه قال: أ لَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى واللّه تعالى لا يخاطب إلا من يفهم عنه المخاطبة ولا يجيب إلا من فهم السؤال، فإجابتهم إياه بقولهم دليل على أنهم قد فهموا عن اللّه وعقلوا عنه استشهاده إياهم: أ لَسْتُ بِرَبِّكم فأجابوه من بعد عقل منهم للمخاطبة وفهم لها بأن ﴿قالُوا بَلى﴾ فأقروا له بالربوبية.
[فصل: الدليل على أن الأرواح خلقت بعد الأبدان]
واحتجوا أيضا بما رواه أبو عبد اللّه بن منده أخبرنا محمد بن صابر البخاري، حدثنا محمد بن المنذر بن سعيد الهروي، حدثنا جعفر بن محمد بن هارون المصيصي، حدثنا عتبة بن السكن، حدثنا أرطاة بن المنذر، حدثنا عطاء بن عجلان، عن يونس بن حلبس، عن عمرو بن عبسة قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول: «إن اللّه خلق أرواح العباد قبل العباد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».
فهذا بعض ما احتج به هؤلاء.
قال الآخرون: الكلام معكم في مقامين، أحدهما: ذكر الدليل على أن الأرواح خلقت بعد خلق الأبدان، الثاني: الجواب عما استدللتم به.
فأما المقام الأول: فقد قال تعالى ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى﴾ وهذا خطاب للإنسان الذي هو روح وبدن فدل على أن جملته مخلوقة بعد خلق الأبوين وأصرح منه قوله يا أيُّها النّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكم مِن نَفْسٍ واحِدَةٍ وخَلَقَ مِنها زَوْجَها وبَثَّ مِنهُما رِجالًا كَثِيرًا ونِساءً واتَّقُوا اللَّهَ} الآية، وهذا صريح في أن خلق جملة النوع الإنساني بعد خلق أصله.
فإن قيل: فهذا لا ينفي تقدم خلق الأرواح على أجسادها وإن خلقت بعد خلق أبي البشر كما دلت عليه الآثار المتقدمة.
قيل: سنبين إن شاء اللّه تعالى أن الآثار المذكورة لا تدل على سبق الأرواح الأجساد سبقا مستقرا ثابتا. وغايتها أن تدل بعد صحتها وثبوتها على أن بارئها وفاطرها سبحانه صور النسم وقدر خلقها وآجالها وأعمالها واستخرج تلك الصور من مادتها ثم أعادها إليها، وقدر كل فرد من أفرادها في وقته المقدر له، ولا تدل على أنها خلقت خلقا مستقرا ثم استمرت موجودة حية عالمة ناطقة كلها في موضع واحد، ثم ترسل منها إلى الأبدان جملة بعد جملة، كما قاله أبو محمد بن حزم، فهل تحمل الآثار ما لا طاقة لها به؟ نعم، الرب سبحانه يخلق منها جملة بعد جملة على الوجه الذي سبق به التقدير أولا، فيجي ء الخلق الخارجي مطابقا للتقدير السابق، كشأنه تعالى في جميع مخلوقاته، فإنه قدر لها أقدارا وآجالا وصفات وهيئات ثم أبرزها إلى الوجود مطابقة لذلك التقدير الذي قدره لها لا تزيد عليه ولا تنقص منه.
فالآثار المذكورة إنما تدل على إثبات القدر السابق، وبعضها يدل على أنه سبحانه استخرج أمثالهم وصورهم، وميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وأما مخاطبتهم واستنطاقهم وإقرارهم له بالربوبية وشهادتهم على أنفسهم بالعبودية، فمن قاله من السلف فإنما هو بناء منه على فهم الآية، والآية لم تدل على هذا بل دلت على خلافه.
وأما حديث مالك فقال أبو عمر: هو حديث منقطع، مسلم بن يسار لم يلق عمر بن الخطاب، وبينهما في هذا الحديث نعيم بن ربيعة، وهو أيضا مع الإسناد لا يقوم به حجة، ومسلم بن يسار هذا مجهول، قيل: إنه مدني وليس بمسلم بن يسار البصري. قال ابن أبي خيثمة: قرأت على يحيى بن معين حديث مالك هذا عن زيد بن أبي أنيسة فكتب بيده على مسلم بن يسار «لا يعرف».
ثم ساقه أبو عمر من طريق النسائي (أخبرنا) محمد بن وهب حدثنا محمد ابن سلمة قال: حدثني أبو عبد الرحيم قال: حدثني زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد بن عبد الرحمن عن مسلم بن يسار عن نعيم بن ربيعة.
ثم ساقه من طريق سخبرة (حدثنا) أحمد بن عبد الملك بن واقد، حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم عن زيد بن أبي أنيسة عن عبد الحميد عن مسلم عن نعيم، قال أبو عمر: وزيادة من زاد في هذا الحديث نعيم بن ربيعة ليست حجة أن الذي لم يذكره حفظ، وإنما الزيادة من الحافظ المتقن.
وجملة القول في هذا الحديث: أنه حديث ليس إسناده بالقائم لأن مسلم ابن يسار ونعيم بن ربيعة جميعا غير معروفين بحمل العلم، ولكن معنى هذا الحديث قد صح عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من وجوه كثيرة ثابتة يطول ذكرها من حديث عمر بن الخطاب وغيره جماعة يطول ذكرهم.
ومراد أبو عمر الأحاديث الدالة على القدر السابق، فإنها هي التي ساقها بعد ذلك، فذكر حديث عبد اللّه بن عمر في القدر وقال في آخره: وسأله رجل من مزينة أو جهينة، فقال: يا رسول اللّه ففيم العمل؟ فقال: «إن أهل الجنة ييسرون لعمل أهل الجنة، وأهل النار ييسرون لعمل أهل النار».
قال: وروى هذا المعنى في القدر عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم عن علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد اللّه بن عباس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو سريحة الغفاري وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عمرو وعمران بن حصين وعائشة وأنس بن مالك وسراقة بن جعشم وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت، وأكثر أحاديث هؤلاء لها طرق شتى ثم ساق كثيرا منها بإسناده.
وأما حديث أبي صالح عن أبي هريرة فإنما يدل على استخراج الذرية وتمثلهم في صور الذر، وكان منهم حينئذ المشرق والمظلم، وليس فيه أنه سبحانه خلق أرواحهم قبل الأجساد وأقرها بموضع واحد، ثم سل كل روح من تلك الأرواح عند حدوث بدنها إليه، نعم هو سبحانه يخص كل بدن بالروح التي قدر أن يكون له في ذلك الوقت، وأما أنه خلق نفس ذلك البدن في ذلك الوقت وفرغ من خلقها وأودعها مكان في معطلة عن بدنها حتى إذا أحدث بدنها أرسلها إليه من ذلك المكان فلا بدل شيء من الأحاديث ذلك البتة لمن تأملها.
وأما حديث أبي بن كعب فليس هو عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم، وغايته: لو صح، ولم يصح أن يكون من كلام أبي وهذا الإسناد يروي به أشياء منكرة جدا مرفوعة وموقوفة، وأبو جعفر الرازي وثق وضعف، وقال علي بن المديني: كان ثقة، وقال أيضا: كان يخلط، وقال ابن معين: هو ثقة، وقال أيضا:
يكتب حديثه إلا أنه يخطئ، وقال الإمام أحمد: ليس بقوي في الحديث، وقال أيضا: صالح الحديث، وقال الفلاس: سيئ الحفظ، وقال أبو زرعة: يهم كثيرا، وقال ابن حيان: ينفرد بالمناكير عن المشاهير.
قلت: ومما ينكر هذا الحديث قوله: فكان روح عيسى من تلك الأرواح التي أخذ عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا، فدخل في فيها. ومعلوم أن الروح الذي أرسل إلى مريم ليس هو روح المسيح بل ذلك الروح الذي نفخ فيها فحملت بالمسيح قال تعالى: ﴿فَأرْسَلْنا إلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا، قالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قالَ إنَّما أنا رَسُولُ رَبِّكِ لِأهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا﴾ فروح المسيح لا يخاطبها عن نفسه بهذه المخاطبة قطعا، وفي بعض طرق حديث أبي جعفر هذا أن روح المسيح هو الذي خاطبها وهو الذي أرسل إليها.
وهاهنا أربع مقامات:
- أحدها: أن اللّه سبحانه وتعالى استخرج صورهم وأمثالهم فميز شقيهم وسعيدهم ومعافاهم ومبتلاهم.
- والثاني: أن اللّه سبحانه أقام عليهم الحجة حينئذ وأشهدهم بربوبيته واستشهد عليهم ملائكته.
- الثالث: أن هذا هو تفسير قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾.
- الرابع: أنه أقر تلك الأرواح كلها بعد إخراجها بمكان وفرغ من خلقها، وإنما يتجدد كل وقت إرسال جملة منها بعد جملة إلى أبدانها.
فأما المقام الأول فالآثار متظاهرة به مرفوعة وموقوفة.
وأما المقام الثاني فإنما أخذ من أخذه من المفسرين من الآية، وظنوا أنه تفسيرها، وهذا قول جمهور المفسرين من أهل الأثر، وقال أبو إسحاق: جائز أن يكون اللّه سبحانه جعل لأمثال الذر التي أخرجها فهما تعقل به كما قال ﴿قالَتْ نَمْلَةٌ يا أيُّها النَّمْلُ ادْخُلُوا مَساكِنَكُمْ﴾. وقد سخر مع داود الجبال تسبح معه والطير.
وقال ابن الأنباري: مذهب أهل الحديث وكبراء أهل العلم في هذه الآية أن اللّه أخرج ذرية آدم من صلبه وأصلاب أولاده وهم في صور الذر، فأخذ عليهم الميثاق أنه خالقهم وأنهم مصنوعون، فاعترفوا بذلك وقبلوا، وذلك بعد أن ركب فيهم عقولا عرفوا بها ما عرض عليهم، كما جعل للجبل عقلا حين خوطب، وكما فعل ذلك بالبعير لما سجد، والنخلة حتى سمعت وانقادت حين دعيت.
وقال الجرجاني: ليس بين قول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج من ذريته» وبين الآية اختلاف بحمد اللّه؛ لأنه عز وجل إذا أخذهم من ظهر آدم فقد أخذهم من ظهور ذريته، لأن ذرية آدم لذريته، بعضهم من بعض وقوله تعالى: {أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ أي عن الميثاق المأخوذ عليهم، فإذا قالوا ذلك كانت الملائكة شهودا عليهم بأخذ الميثاق. قال: وفي هذا دليل على التفسير الذي جاءت به الرواية من أن اللّه تعالى قال للملائكة: اشهدوا، فقالوا: شهدنا. قال: وزعم بعض أهل العلم أن الميثاق إنما أخذ على الأرواح دون الأجساد، لأن الأرواح هي التي تعقل وتفهم، ولها الثواب وعليها العقاب، والأجساد أموات لا تعقل ولا تفهم، قال: وكان إسحاق بن راهويه يذهب إلى هذا المعنى، وذكر أنه قول أبي هريرة، قال إسحاق: وأجمع أهل العلم أنها الأرواح قبل الأجساد استنطقهم وأشهدهم، قال الجرجاني:
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ والأجساد قد بليت واضمحلت في الأرض والأرواح ترزق وتفرح، وهي التي تلد وتألم وتفرح وتحزن وتعرف وتنكر، وبيان ذلك في الأحلام موجود، وأن الإنسان يصبح وأثر لذة الفرح وألم الحزن باق في نفسه مما تلاقي الروح دون الجسد، قال: وحاصل الفائدة في هذا الفصل أنه سبحانه قد أثبت الحجة على كل منفوس ممن يبلغ وممن لم يبلغ بالميثاق الذي أخذه عليهم، وزاد على من بلغ منهم الحجة بالآيات والدلائل التي نصبها في نفسه وفي العالم، وبالرسل المنفذة إليهم مبشرين ومنذرين، وبالمواعظ بالمثلات المنقولة إليهم أخبارها، غير أنه عز وجل لا يطالب أحدا منهم من الطاعة إلا بقدر ما لزمه من الحجة وركب فيهم من القدرة وآتاهم من الأدلة. وبين سبحانه ما هو عامل في البالغين الذين أدركوا الأمر والنهي، وحجب عنا علم ما قدره في غير البالغين، إلا أنا نعلم أنه عدل لا يجوز في حكمه، وحكيم لا تفاوت في صنعه، وقادر لا يسأل عما يفعل، له الخلق والأمر، تبارك اللّه رب العالمين.
[فصل: معنى الآية: وإذا أخذ ربك ... ]
ونازع هؤلاء غيرهم في معنى الآية، وقالوا: معنى قوله ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي أخرجهم وأنشأهم بعد أن كانوا نطفا في أصلاب الآباء إلى الدنيا على ترتيبهم في الوجود، وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم بما أظهر لهم آياته وبراهينه التي تضطرهم إلى أن يعلموا أنه خالقهم، فليس من أحد إلا وفيه من صنعة ربه ما يشهد على أنه بارئه ونافذ الحكم فيه. فلما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق به كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته، كما قال في غير هذا الموضع ﴿شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ يزيدهم بمنزلة الشاهدين، وإن لم يقولوا نحن كفرة، وكما تقول: قد شهدت جوارحي بقولك تريد قد عرفته، فكأن جوارحي لو استشهدت وفي وسعها أن تنطق لشهدت، ومن هذا أعلامه وتبينه أيضا ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلهَ إلّا هُوَ﴾ يريد أعلم وبين، فأشبه ذلك شهادة من شهد عن الحكام وغيرهم. هذا كلام ابن الأنباري.
وزاد الجرجاني بيانا لهذا القول فقال حاكيا عن أصحابه: إن اللّه لما خلق الخلق ونفذ علمه فيهم بما هو كائن وما لم يكن بعد مما هو كائن، كالكائن إذ علمه بكونه مانع من غير كونه شائع في مجاز العربية أن يوضع ما هو منتظر بعد مما يقع بعد موقع الواقع لسبق علمه بوقوعه، كما قال عز وجل في موضع من القرآن كقوله تعالى: ﴿ونادى أصْحابُ النّارِ ونادى أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ﴿ونادى أصْحابُ الأعْرافِ﴾ وقال: فيكون تأويل قوله ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ وإذ يأخذ ربك﴾ وكذلك قوله ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أي ويشهدهم بما ركبه فيهم من العقل الذي يكون به الفهم ويجب به الثواب والعقاب، وكل من ولد بلغ الحنث وعقل الضر والنفع، وفهم الوعد والوعيد والثواب والعقاب، صار كأن اللّه تعالى أخذ عليه الميثاق في التوحيد بما ركب فيه من العقل وأراه من الآيات والدلائل على حدوثه، وأنه لا يجوز أن يكون قد خلق نفسه، وإذا لم يجز ذلك فلا بد له من خالق هو غيره ليس كمثله، وليس من مخلوق يبلغ هذا المبلغ ولم يقدح فيه مانع من فهم إلا إذا مرّ به أمر يفزع إلى اللّه عز وجل حين يرفع رأسه إلى السماء ويشير إليها بإصبعه علما منه بأن خالقه تعالى فوقه. وإذا كان العقل الذي منه الفهم والإفهام مؤديا إلى معرفة ما ذكرنا ودالا عليه، فكل من بلغ هذا المبلغ فقد أخذ عليه العهد والميثاق، وجائز أن يقال: أقر وأذعن وأسلم، كما قال اللّه عز وجل ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا}.
قال: واحتجوا بقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم: «رفع القلم عن ثلاث عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه»، وقوله عز وجل ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ فَأبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنها ثم قال تعالى وحَمَلَها الإنْسانُ﴾. فالأمانة هاهنا عهد وميثاق، فامتناع السماوات والأرض والجبال من حمل الأمانة لأجل خلوها من العقل الذي يكون به الفهم والإفهام، وحمل الإنسان إياها لمكان العقل فيه، قال: وللعرب فيها ضروب نظم، فمنها قوله:
؎ضمن القنان لفقعس بثباتها ∗∗∗ إن القنان لفقعس لا يأتلى
والقنان جبل}، فذكر أنه قد ضمن لفقعس، وضمانه له أنهم كانوا إذا حل بهم أمر من هزيمة أو خوف لجئوا إليه، فجعل ذلك كالضمان لهم، منه قول النابغة:
؎كأجارف الجولان هلل ربه ∗∗∗ وحوارن} منها خاشع متضائل
وأجارف الجولان جبالها وحوران الأرض التي إلى جانبها، وقال هذا القائل: إن في قوله تعالى: ﴿أنْ تَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ﴾ دليلا على هذا التأويل، لأنه عز وجل أعلم أن هذا الأخذ للعهد عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين. والغفلة هاهنا لا تخلوا من أحد وجهين: إما أن تكون عن يوم القيامة أو عن أخذ الميثاق، فأما يوم القيامة فلم يذكر سبحانه في كتابه أنه أخذ عليهم عهدا وميثاقا بمعرفة البعث والحساب، وإنما ذكر معرفته فقط، وأما أخذ الميثاق الأطفال والإسقاط، إن كان هذا العهد مأخوذا عليهم كما قال المخالف فهم لم يبلغوا بعد أخذ هذا الميثاق عليهم مبلغا يكون منهم غفلة عنه فيجحدونه وينكرونه، فمتى تكون هذه الغفلة منهم وهو عز وجل لا يؤاخذهم بما لم يكن منهم، وذكر ما لا يجوز ولا يكون محال. وقوله تعالى أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} فلا يخلو هذا الشرك الذي يؤاخذون به أن يكون منهم أنفسهم أو من آبائهم، فإن كان منهم فلا يجوز أن يكون ذلك إلا بعد البلوغ وثبوت الجحد عليهم، إذ الطفل لا يكون منه شرك ولا غيره، وإن كان من غيرهم فالأمة مجمعة على أن لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} كما قال عز وجل في الكتاب وليس هذا بمخالف لما روي عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: أن اللّه مسح ظهر آدم وأخرج منه ذريته فأخذ عليهم العهد، لأنه صلى اللّه عليه وآله وسلم اقتص قول اللّه عز وجل فجاء مثل نظمه فوضع الماضي من اللفظ موضع المستقبل. قال: وهذا شبيه القصة بقصة قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكم مِن كِتابٍ وحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾، فجعل سبحانه ما أنزل على الأنبياء من الكتاب والحكمة من ميثاقا أخذه من أممهم بعدهم يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جاءَكم رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكم لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ ولَتَنْصُرُنَّهُ﴾، ثم قال للأمم أ أقْرَرْتُمْ وأخَذْتُمْ عَلى ذلِكم إصْرِي قالُوا أقْرَرْنا قالَ فاشْهَدُوا وأنا مَعَكم مِنَ الشّاهِدِينَ فجعل سبحانه بلوغ الأمم كتابه المنزل على أنبيائهم حجة عليهم كأخذ الميثاق عليهم وجعل معرفتهم به إقرارا منهم.
قلت: وشبيه به أيضا قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences