Ibn al-QayyimAl‑A'raf · 7:172

Ibn al-Qayyim · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:172, continued

فهذا ميثاقه الذي أخذه عليهم بعد إرسال رسله إليهم بالإيمان به وتصديقه، ونظيره قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ ولا يَنْقُضُونَ المِيثاقَ﴾ وقوله تعالى: ﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يا بَنِي آدَمَ أنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ. وأنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ فهذا عهده إليهم على ألسنة رسله، ومثله قوله تعالى لبني إسرائيل ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ ومثله ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ﴾ وقوله تعالى ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، فهذا ميثاق أخذه منهم بعد بعثهم كما أخذ من أممهم بعد إنذارهم، وهذا الميثاق الذي لعن سبحانه من نقضه، وعقبه بقوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهم وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسِيَةً﴾ فإنما عاقبهم بنقضهم الميثاق الذي أخذه عليهم على ألسنة رسله، وقد صرح به في قوله تعالى وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ واذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ} ولما كانت هذه الآية ونظيرها في سورة مدنية، خاطب بالتذكير بهذا الميثاق فيها أهل الكتاب، فإنه ميثاق أخذه عليهم بالإيمان به وبرسله، ولما كانت هذه آية الأعراف في سورة مكية، ذكر فيها الميثاق والإشهاد العام لجميع المكلفين ممن أقر بربوبيته ووحدانيته وبطلان الشرك، وهو ميثاق وإشهاد تقوم به عليهم الحجة، وينقطع به العذر، وتحل به العقوبة ويستحق بمخالفته الإهلاك، فلا بد أن يكونوا ذاكرين له عارفين به، وذلك ما فطرهم عليه من الإقرار بربوبيته وأن فاطرهم ربهم، وأنهم مخلوقون مربوبون، ثم أرسل إليهم رسله يذكرونهم بما في فطرهم وعقولهم، ويعرفونهم حقه عليهم، وأمره ونهيه ووعده ووعيده.

ونظم الآية إنما يدل على هذا من وجوه متعددة:

- أحدها: أنه قال ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ﴾ ولم يقل آدم، وبنو آدم غير آدم.

- الثاني: أنه قال ﴿مِن ظُهُورِهِمْ﴾ ولم يقل ظهر، وهذا بدل بعض من كل أو بدل اشتمال، وهو أحسن.

- الثالث: أنه قال ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ولم يقل ذريته.

- الرابع: أنه قال ﴿وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ أي جعلهم شاهدين على أنفسهم، فلا بد أن يكون الشاهد ذاكرا لما شهد به، وهو إنما يذكر شهادته بعد خروجه إلى هذه الدار لا يذكر شهادة قبلها.

- الخامس: أنه سبحانه أخبر أن حكمة هذا الإشهاد إقامة الحجة عليهم لئلا يقولوا يوم القيامة ﴿إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ والحجة إنما قامت عليهم بالرسل والفطرة التي فطروا عليها كما قال تعالى ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.

- السادس: تذكيرهم بذلك لئلا يقولوا يوم القيامة ﴿إنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ ومعلوم أنهم بالإخراج لهم من صلب آدم كلهم وإشهادهم جميعا ذلك الوقت فهذا لا يذكره أحد منهم.

- السابع: قوله تعالى أوْ تَقُولُوا إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} فذكر حكمتين في هذا التعريف والإشهاد إحداهما أن لا يدعو الغفلة، والثانية أن لا يدعو التقليد، فالغافل لا شعور له، والمقلد يتبع في تقليده غيره.

- الثامن: قوله تعالى: ﴿أفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ﴾ أي لو عذبهم بجحودهم وشركهم لقالوا ذلك، وهو سبحانه إنما يهلكهم لمخالفة رسله وتكذيبهم، فلو أهلكهم بتقليد آبائهم في شركهم من غير إقامة الحجة عليهم بالرسل لأهلكهم بما فعل المبطلون، أو أهلكهم مع غفلتهم عن معرفة بطلان ما كانوا عليه. وقد أخبر سبحانه أنه لم يكن ليهلك القرى بظلم وأهلها غافلون، وإنما يهلكهم بعد الأعذار والإنذار.

- التاسع: أنه سبحانه أشهد كل واحد على نفسه أنه ربه وخالقه، واحتج عليهم بهذا الإشهاد في غير موضع من كتابه كقوله تعالى: ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَهم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأنّى يُؤْفَكُونَ﴾ أي: فكيف يصرفون عن التوحيد بعد هذا الإقرار منهم أن اللّه ربهم وخالقهم؛ وهذا كثير في القرآن فهذه هي الحجة التي أشهدهم على أنفسهم بمضمونها وذكرتهم بها رسله بقوله تعالى: ﴿أ في اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ فاللّه تعالى إنما ذكرهم على ألسنة رسله بهذا الإقرار والمعرفة ولم يذكرهم قط بإقرار سابق على إيجادهم ولا أقام به عليهم حجة.

- العاشر: أنه جعل هذا آية: وهي الدلالة الواضحة البينة المستلزمة لمدلولها، بحيث لا يتخلف عنها المدلول، وهذا شأن آيات الرب تعالى، فإنها أدلة معينة على مطلوب معين مستلزمة للعلم به، فقال تعالى: {وكَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ أي مثل هذا التفصيل والتبيين نفصل الآيات لعلهم يرجعون من الشرك إلى التوحيد ومن الكفر إلى الإيمان.

وهذه الآيات التي فصّلها هي التي بينها في كتابه من أنواع مخلوقاته، وهي آيات أفقية ونفسية وهي آيات في نفوسهم وذواتهم، وآيات في الأقطار والنواحي مما يحدثه الرب تبارك وتعالى، مما يدل على وجوده ووحدانيته وصدق رسله، وعلى المعاد والقيامة. ومن أبينها ما أشهد به كل واحد على نفسه من أنه ربه وخالقه ومبدعه، وأنه مربوب مخلوق مصنوع حادث بعد أن لم يكن، ومحال أن يكون حدث بلا محدث، أو يكون هو المحدث لنفسه، فلا بد له من موجد أوجده، ليس كمثله شيء.

وهذا الإقرار والمشاهدة فطرة فطروا عليها، ليست بمكتسبة، وهذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ مطابقة لقول النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة» ولقوله تعالى: ﴿فَأقِمْ وجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ ولكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ. مُنِيبِينَ إلَيْهِ﴾.

ومن المفسرين من لم يذكر إلا هذا القول فقط كالزمخشري، ومنهم من لم يذكر إلا القول الأول فقط، ومنهم من حكى القولين كابن الجوزي والواحدي والماوردي وغيرهم.

وقال الحسن بن يحيى الجرجاني: فاعترض معترض في هذا الفصل بحديث يروى عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه قال: «إن اللّه مسح ظهر آدم فأخرج منه ذريته وأخذ عليهم العهد ثم ردهم في ظهره»، وقال: إن هذا مانع من جواز التأويل ذهبت إليه لامتناع ردهم في الظهر إن كان أخذ الميثاق عليهم بعد البلوغ وتمام العقل، قيل له: إن معنى ثم ردهم في ظهره ثم يردهم في ظهره كما قلنا إن معنى أخذ ربك: يأخذ ربك، فيكون معناه: ثم يردهم في ظهره بوفاتهم، لأنهم إذا ماتوا ردوا إلى الأرض للدفن، آدم خلق منها ردوا فيها، فإذا ردوا فيها فقد ردوا في آدم وفي ظهره، إذ كان آدم خلق منها وفيها رد، وبعض الشيء من الشيء، وفيما ذهبتم إليه من تأويل هذا الحديث على ظاهره تفاوت بينه وبين ما جاء به القرآن في هذا المعنى إلا أن يرد تأويله إلى ما ذكرناه لأنه عز وجل قال:

وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ} ولم يذكر آدم في الفصل إنما هو هاهنا مضاف إليه لتعريف ذريته أنهم أولاده، وفي الحديث: أنه} «مسح ظهر آدم»، فلا يمكن رد ما جاء في القرآن وما جاء في الحديث إلى الاتفاق إلا بالتأويل الذي ذكرناه.

قال الجرجاني: وأنا أقول: ونحن نذهب إلى ما روي في الآية عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وما ذهب إليه أهل العلم من السلف الصالح أمثل، وله أقبل وبه آنس، واللّه ولي التوفيق لما هو أولى وأهدى.

على أن بعض أصحابنا من أهل السنّة قد ذكر في الرد على هذا القائل معنى يحتمل ويسوغ في النظم الجاري ومجاز العربية بسهولة، وإمكان من غير تعسف ولا استكراه، وهو أن يكون قوله تعالى: {وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مبتدأ خبر من اللّه عز وجل عما كان منه في أخذ العهد عليهم، وإذ تقتضي جوابا يجعل جوابه قوله تعالى: {قالُوا بَلى وانقطع هذا الخبر بتمام قصته، ثم ابتدأ عز وجل خبرا آخر يذكر ما يقوله المشركون يوم القيامة، فقالوا: شهدنا، يعني نشهد، كما قال الحطيئة:

؎شهد الحطيئة حين يلقى ربه ∗∗∗ أن الوليد أحق بالعذر

بمعنى يشهد الحطيئة، يقول تعالى: نشهد أنكم ستقولون يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أي عما هم فيه من الحساب والمناقشة والمؤاخذة بالكفر، ثم أضاف خبرا آخر فقال: أوْ تَقُولُوا بمعنى وأن تقولوا، لأن أو بمعنى واو النسق، مثل قوله تعالى: ﴿ولا تُطِعْ مِنهم آثِمًا أوْ كَفُورًا﴾ فتأويله: ونشهد أن تقولوا يوم القيامة: إنَّما أشْرَكَ آباؤُنا مِن قَبْلُ وكُنّا ذُرِّيَّةً مِن بَعْدِهِمْ} أي أنهم أشركوا وحملونا على مذهبهم في الشرك في صبانا فجرينا على مذاهبهم واقتدينا بهم، فلا ذنب لنا إذ كنا مقتدين بهم، والذنب في ذلك لهم، قالوا: إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ} يدل على ذلك قولهم: أ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ المُبْطِلُونَ أي حملهم إيانا على الشرك، فتكون القصة الأولى خبرا عن جميع المخلوقين بأخذ الميثاق عليهم، والقصة الثانية خبر عما يقول المشركون يوم القيامة من الاعتذار.

وقال: فيما ادعاه المخالف أنه تفاوت فيما بين الكتاب والخبر لاختلاف ألفاظهما فيهما قولا يجب قبوله بالنظائر والعبر التي تأيد بها لمخالفته، فقال: إن الخبر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أن اللّه مسح ظهر آدم، أفاد زيادة خبر كان في القصة التي ذكر اللّه تعالى في الكتاب بعضها ولم يذكر كلها ولو أخبر صلى اللّه عليه وآله وسلم به سوى هذه الزيادة التي أخبر بها مما عسى أن يكون قد كان في ذلك الوقت الذي أخذ فيه العهد مما يضمنه اللّه كتابه لما كان في ذلك خلاف ولا تفاوت بل كان زيادة في الفائدة.

وكذلك الألفاظ إذا اختلف في ذاتها وكان مرجعها إلى أمر واحد لم يوجب تناقضا كما قال عز وجل في كتابه في خلق آدم فذكر مرة أنه خلق من تراب ومرة أنه خلق من حمأ مسنون، ومرة من طين لازب، ومرة من صلصال كالفخار. فهذه الألفاظ مختلفة ومعانيها أيضا في الأحوال مختلفة إذ الصلصال غير الحمأ، والحمأة غير التراب إلا أن مرجعها كلها في الأصل إلى جوهر واحد وهو التراب ومن التراب تدرجت هذه الأحوال.

فقوله سبحانه وتعالى: ﴿وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾

وقوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مسح ظهر آدم فاستخرج منه ذريته معنى واحد في الأصل إلا أن قوله صلى اللّه عليه وآله وسلم مسح ظهر آدم زيادة في الخبر عن اللّه عز وجل ومسحه عز وجل ظهر آدم واستخراج ذريته منه مسح لظهور ذريته واستخراج ذريتهم من ظهورهم كما ذكر تعالى لأنا قد علمنا أن جميع ذرية آدم لم يكونوا من صلبه لكن لما كان الطبق الأول من صلبه ثم الثاني من صلب الأول ثم الثالث من صلب الثاني جاز أن ينسب ذلك كله إلى ظهر آدم لأنهم فرعه وهو أصلهم.

وكما جاز أن يكون ما ذكر اللّه عز وجل أنه استخرجه من ظهور ذرية آدم من ظهر آدم جاز أن يكون ما ذكر صلى اللّه عليه وآله وسلم أنه استخرجه من ظهر آدم من ذريته إذ الأصل والفرع شيء واحد، وفيه أيضا أنه عز وجل لما أضاف الذرية إلى آدم في الخبر احتمل أن يكون الخبر عن الذرية وعن آدم كما قال عز وجل:

فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ} والخبر في الظاهر عن الأعناق والنعت للأسماء المكنية فيها وهو مضاف إليها، كما كان آدم مضافا إليه هناك، وليسا جميعا بالمقصودين في الظاهر بالخير، ولا يحتمل أن يكون قوله خاضعين للأعناق، لأن وجه جمعها خاضعات ومنه قول الشاعر:

؎وتشرق بالقول الذي قد أذعته ∗∗∗ كما شرقت صدر القناة من الدم

فالصدر مذكر، وقوله شرقت أنت لإضافة الصدر إلى القناة.

فهذا بعض كلام السلف والخلف في هذه الآية، وعلى تقدير فلا تدل على خلق الأرواح قبل الأجساد خلقا مستقرا، وإنما غايتها أن تدل على إخراج صورهم وأمثالهم في صور الذر واستنطاقهم، ثم ردهم إلى أصلهم إن صح الخبر بذلك، والذي صح إنما هو إثبات القدر السابق وتقسيمهم إلى شقي وسعيد.

[فصل: الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق الأبدان]

وأما الدليل على أن خلق الأرواح متأخر عن خلق أبدانها فمن وجوه:

أحدها: أن خلق أبي البشر وأصلهم كان هكذا، فإن اللّه سبحانه أرسل جبريل فقبض قبضة من الأرض ثم خمرها حتى صارت طينا، ثم صوره، ثم نفخ فيه الروح بعد أن صوره، فلما دخلت الروح فيه صار لحما ودما حيا ناطقا.

ففي تفسير أبي مالك وأبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود عن أناس من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم: لما فرغ اللّه عز وجل من خلق ما أحب، استوى على العرش، فجعل إبليس ملكا على سماء الدنيا، وكان من الخزان قبله من ملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزان أهل الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازنا، فوقع في صدره وقال: ما أعطاني اللّه هذا إلا لمزية لي.

وفي لفظ لمزية لي على الملائكة، فلما وقع ذلك الكبر في نفسه اطلع اللّه على ذلك منه، فقال اللّه للملائكة: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالوا ربنا وما يكون حال الخليفة، وما يصنعون في الأرض؟ قال اللّه: تكون له ذرية يفسدون في الأرض، ويتحاسدون، ويقتل بعهم بعضا، قالوا: ربنا أ تَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ} يعني من شأن إبليس، فجعل جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها، فقال الأرض:

إني أعوذ باللّه منك أن تقبض مني، فرجع ولم يأخذ، وقال: رب إنها عاذت بك فأعذتها، فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها، فبعث ملك الموت. فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ باللّه أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط، فلم يأخذ من مكان واحد، فأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء. ولذلك خرج بنو آدم مختلفين، فصعد به قبل الرب عز وجل حتى عاد طينا لازبا، واللازب هو الذي يلزق بعضه ببعض، ثم قال للملائكة: إنِّي خالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ. فَإذا سَوَّيْتُهُ ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ}، لخلقه اللّه بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه ليقول له: تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه، فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعا إبليس، فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة، فذلك حين يقول: مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ} ويقول: لأمر ما خلقت! ودخل من فيه فخرج من دبره، فقال للملائكة: لا ترهبوا من هذا، فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكته، فلما بلغ الحين الذي يريد اللّه جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس، فقالت الملائكة: قل الحمد للّه، فقال:

الحمد للّه، فقال له اللّه: يرحمك ربك.

فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، وقبل أن يبلغ الروح رجليه نهض عجلان إلى ثمار الجنة، فذلك حين يقول: خُلِقَ الإنْسانُ مِن عَجَلٍ} وذكر باقي الحديث.

قال يونس بن عبد الأعلى: أخبرنا ابن وهب، حدثنا ابن زيد قال: لما خلق اللّه النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا وقالوا: ربما لم خلقت هذه النار؟ ولأي شيء خلقتها؟ قال: لمن عصاني من خلقي.

ولم يكن للّه يومئذ خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، إنما خلق آدم بعد ذلك، وقرأ قوله تعالى: ﴿هَلْ أتى عَلى الإنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ قال عمر بن الخطاب: يا رسول اللّه ليت ذلك الحين، ثم قال:

وقالت الملائكة: ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟ لا يرون له خلقا غيرهم، قال: لا! إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة. وذكر الحديث.

قال ابن إسحاق: فيقال واللّه أعلم: خلق اللّه آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار ولم تمسه نار، فيقال واللّه أعلم: لما انتهى الروح إلى رأسه عطس فقال: الحمد للّه ...

وذكر الحديث.

والقرآن والحديث والآثار تدل على أنه سبحانه نفخ فيه من روحه بعد خلق جسده، فمن تلك النفخة حدثت فيه الروح، ولو كانت روحه مخلوقة قبل بدنه مع جملة أرواح ذريته لما عجبت الملائكة من خلقه، ولما تعجبت من خلق النار، وقالت: لأي شيء خلقتها؟ وهي ترى أرواح بني آدم فيهم المؤمن والكافر والطيب والخبيث.

ولما كانت أرواح الكفار كلها تبعا لإبليس، بل كانت الأرواح الكافرة مخلوقة قبل كفره، فإن اللّه سبحانه إنما حكم عليه بالكفر بعد خلق بدن آدم وروحه، ولم يكن قبل ذلك كافرا، فكيف تكون الأرواح قبله كافرة ومؤمنة وهو لم يكن كافرا إذ ذاك؟ وهل حصل الكفر للأرواح إلا بتزيينه وإغوائه، فالأرواح الكافرة إنما حدثت بعد كفره، إلا أن يقال: كانت كلها مؤمنة ثم ارتدت بسببه، والذي احتجوا به على تقديم خلق الأرواح يخالف ذلك.

وفي حديث أبي هريرة في تخليق العالم الأخبار عن خلق أجناس العالم تأخر خلق آدم إلى يوم الجمعة، ولو كانت الأرواح مخلوقة قبل الأجساد لكانت من جملة العالم المخلوق في ستة أيام، فلما لم يخبر عن خلقها في هذه الأيام علم أن خلقها تابع لخلق الذرية، وأن خلق آدم وحده هو الذي وقع في تلك الأيام الستة، وأما خلق ذريته فعلى الوجه المشاهد المعاين.

ولو كان للروح وجود قبل البدن وهي حية عالمة ناطقة لكانت ذاكرة لذلك في هذا العالم شاعرة به ولو بوجه ما.

ومن الممتنع أن تكون حية عالمة ناطقة عارفة بربها، وهي بين ملأ من الأرواح، ثم تنتقل إلى هذا البدن ولا تشعر بحالها قبل ذلك بوجه ما.

وإذا كانت بعد المفارقة تشعر بحالها وهي في البدن على التفصيل وتعلم ما كانت عليه هاهنا مع أنها اكتسبت بالبدن أمورا عاقتها عن كثير من كمالها، فلأن تشعر بحالها الأول وهي غير معوقة هناك بطريق الأولى، إلا أن يقال: تعلقها بالبدن واشتغالها بتدبيره منعها من شعورها بحالها الأول.

فيقال: هب أنه منعها من شعورها به على التفصيل والكمال فهل يمنعها عن أدنى شعور بوجه ما مما كانت عليه قبل تعلقها بالبدن، ومعلوم أن تعلقها بالبدن لم يمنعها عن الشعور بأول أحوالها وهي في البدن، فكيف يمنعها من الشعور بما كان قبل ذلك.

وأيضا فإنها لو كانت موجودة قبل البدن لكانت عالمية حية ناطقة عاقلة، فلما تعلقت بالبدن سلبت ذلك كله، ثم حدث لها الشعور والعلم والعقل شيئا فشيئا، وهذا لو كان لكان أعجب الأمور أن تكون الروح كاملة عاقلة ثم تعود ناقصة ضعيفة جاهلة، ثم تعود بعد ذلك إلى عقلها وقوتها، فأين في العقل والنقل والفطرة ما يدل على هذا؟ وقد قال تعالى: ﴿واللَّهُ أخْرَجَكم مِن بُطُونِ أُمَّهاتِكم لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ والأبْصارَ والأفْئِدَةَ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ فهذه الحال التي أخرجنا عليها هي حالنا الأصلية، والعلم والعقل والمعرفة والقوة طارئ علينا، حادث فينا بعد أن لم يكن، ولم نكن نعلم قبل ذلك شيئا البتة، إذ لم يكن لنا وجود نعلم ونعقل به.

وأيضا فلو كانت مخلوقة قبل الأجساد وهي على ما هي الآن من طيب وخبث وكفر وإيمان وخير وشر لكان ذلك ثابتا لها قبل الأعمال، وهي إنما اكتسبت هذه الصفات والهيئات من أعمالها التي سعت في طلبها واستعانت عليها بالبدن فلم تكن لتتصف بتلك الهيئات والصفات قبل قيامها بالأبدان التي بها عملت تلك الأعمال.

وإن كان قدر لها قبل إيجادها ذلك ثم خرجت إلى هذه الدار على ما قدر لها فنحن لا ننكر الكتاب والقدر السابق لها من اللّه، ولو دل دليل على أنها خلقت جملة ثم أودعت في مكان حية عالمة ناطقة ثم كل وقت تبرز إلى أبدانها شيئا فشيئا لكنا أول قائل به.

فاللّه سبحانه على كل شيء قدير ولكن لا نخبر عنه خلقا وأمرا إلا بما أخبر به عن نفسه على لسان رسوله صلى اللّه عليه وآله وسلم، ومعلوم أن الرسول صلى اللّه عليه وآله وسلم لم يخبر عنه بذلك، وإنما أخبر بما في الحديث الصحيح: «إن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح» فالملك وحده يرسل إليه، فينفخ فيه، فإذا نفخ فيه كان ذلك سبب حدوث الروح فيه، ولم يقل:

يرسل الملك إليه بالروح فيدخلها في بدنه، وإنما أرسل إليه الملك فأحدث فيه الروح بنفخته فيه، لا أن اللّه سبحانه أرسل إليه الروح التي كانت موجودة قبل ذلك بالزمان الطويل مع الملك، ففرق بين أن يرسل إليه الملك لينفخ فيه الروح، وبين

أن يرسل إليه روح مخلوقة قائمة بنفسها مع الملك، وتأمل ما دل عليه النص من هذين المعنيين وباللّه التوفيق.

[فَصْلٌ ضَلالُ القَدَرِيَّةِ في مَعْنى الفِطْرَةِ والرَّدُّ عَلَيْهِمْ]

قالَ شَيْخُنا: واعْلَمْ أنَّ هَذا الحَدِيثَ لَمّا صارَتِ القَدَرِيَّةُ يَحْتَجُّونَ بِهِ عَلى قَوْلِهِمُ الفاسِدِ، صارَ النّاسُ يَتَأوَّلُونَهُ تَأْوِيلاتٍ يُخْرِجُونَهُ بِها عَنْ مُقْتَضاهُ، فالقَدَرِيَّةُ مِنَ المُعْتَزِلَةِ، وغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلى الإسْلامِ، واللَّهُ لا يُضِلُّ أحَدًا، ولَكِنْ أبَواهُ يُضِلّانِهِ، والحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ مِن وجْهَيْنِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ لَمْ يُولَدْ أحَدٌ مِنهم عَلى الإسْلامِ أصْلًا، ولا جَعَلَ اللَّهُ أحَدًا مُسْلِمًا، ولا كافِرًا، ولَكِنَّ هَذا أحْدَثَ لِنَفْسِهِ الكُفْرَ، وهَذا أحْدَثَ لِنَفْسِهِ الإسْلامَ، واللَّهُ لَمْ يَفْعَلْ واحِدًا مِنهُما عِنْدَهم بِلا نِزاعٍ عِنْدَ القَدَرِيَّةِ، ولَكِنْ هو دَعاهُما إلى الإسْلامِ، وأزاحَ عِلَلَهُما، وأعْطاهُما قُدْرَةً مُماثِلَةً فِيهِما تَصْلُحُ لِلْإيمانِ، والكُفْرِ، ولَمْ يَخْتَصَّ المُؤْمِنُ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي حُصُولَ الإيمانِ، فَإنَّ ذَلِكَ عِنْدَهم غَيْرُ مَقْدُورٍ، ولَوْ كانَ مَقْدُورًا لَكانَ ظُلْمًا، وهَذا قَوْلُ عامَّةِ المُعْتَزِلَةِ، وإنْ كانَ بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ كَأبِي الحُسَيْنِ يَقُولُ: إنَّهُ خَصَّ المُؤْمِنَ بِداعِي الإيمانِ، ويَقُولُ: عِنْدَ الدّاعِي والقُدْرَةِ يَجِبُ وُجُودُ الإيمانِ، فَهَذا في الحَقِيقَةِ مُوافِقٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، فَهَذا أحَدُ الوَجْهَيْنِ.

الثّانِي: أنَّهم يَقُولُونَ إنَّ مَعْرِفَةَ اللَّهِ لا تَحْصُلُ إلّا بِالنَّظَرِ المَشْرُوطِ بِالعَقْلِ، فَيَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ المَعْرِفَةُ عِنْدَهم ضَرُورِيَّةً، أوْ تَكُونَ مِن فِعْلِ اللَّهِ تَعالى، وإنِ احْتَجَّتِ القَدَرِيَّةُ بِقَوْلِهِ: " «فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ» " مِن جِهَةِ كَوْنِهِ أضافَ التَّغْيِيرَ إلى الأبَوَيْنِ، يُقالُ لَهُمْ: أنْتُمْ تَقُولُونَ إنَّهُ لا يَقْدِرُ اللَّهُ ولا أحَدٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ عَلى أنْ يَجْعَلَهُما يَهُودِيَّيْنِ ولا نَصْرانِيَّيْنِ، ولا مَجُوسِيَّيْنِ، بَلْ هُما فَعَلا بِأنْفُسِهِما ذَلِكَ بِلا قُدْرَةٍ مِن غَيْرِهِما، ولا فِعْلٍ مِن غَيْرِهِما، فَحِينَئِذٍ لا حُجَّةَ لَكم في قَوْلِهِ: " «فَأبَواهُ يُهَوِّدانِهِ، ويُنَصِّرانِهِ، ويُمَجِّسانِهِ» ".

وَأهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّ غَيْرَ اللَّهِ لا يَقْدِرُ عَلى جَعْلِ الهُدى، والضَّلالِ في قَلْبِ أحَدٍ، فَقَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ دَعْوَةُ الأبَوَيْنِ إلى ذَلِكَ، وتَرْغِيبُهُما فِيهِ، وتَرْبِيَةُ الوَلَدِ عَلَيْهِ، كَما يَفْعَلُ المُعَلِّمُ بِالصَّبِيِّ، وذَكَرَ الأبَوَيْنِ بِناءً عَلى الغالِبِ المُعْتادِ، وإلّا فَقَدَ يَقَعُ ذَلِكَ مِن أحَدِهِما، ومِن غَيْرِهِما حَقِيقَةً وحُكْمًا.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهم وأشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾، فَأجابُوا بِكَلام شاهِدِينَ مُقِرِّينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُمْ، ثُمَّ وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ.

قالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: فَقَوْلُهُ: " ثُمَّ وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ " زِيادَةٌ مِنهُ لَيْسَتْ في الكِتابِ، ولا جاءَتْ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ.

وَسَنَذْكُرُ الأخْبارَ المَرْوِيَّةَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ لِنُبَيِّنَ لِلنّاظِرِ فِيها أنَّهُ لا حُجَّةَ لَهُ فِيها، وأنَّهُ لا دَلِيلَ في شَيْءٍ مِنها أنَّ الأطْفالَ يُولَدُونَ، وهم عارِفُونَ بِاللَّهِ مِن وقْتِ سُقُوطِهِمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ.

قُلْتُ: قَوْلُهُ: " ثُمَّ وُلِدُوا عَلى ذَلِكَ " إنْ أرادَ بِهِ أنَّهم وُلِدُوا حالَ سُقُوطِهِمْ وخُرُوجِهِمْ مِن بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ عالِمِينَ بِاللَّهِ، وتَوْحِيدِهِ، وأسْمائِهِ، وصِفاتِهِ فَقَدْ أصابَ في الرَّدِّ عَلَيْهِ، وإنْ أرادَ أنَّهم وُلِدُوا عَلى حُكْمِ ذَلِكَ الأخْذِ، وأنَّهم لَوْ تُرِكُوا لَما عَدَلُوا عَنْهُ إذا عَقَلُوا، فَهو الصَّوابُ الَّذِي لا يُرَدُّ.

قالَ مُحَمَّدٌ: فَمِن أجْلِ ما رُوِيَ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ حَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: حَدَّثَنا يَحْيى قالَ: قَرَأْتُ عَلى مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ الخَطّابِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْها؟ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ، فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً، فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ، وبِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فاسْتَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّةً فَقالَ: خَلَقْتُ هَؤُلاءِ لِلنّارِ، وبِعَمَلِ أهْلِ النّارِ يَعْمَلُونَ، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَفِيمَ العَمَلُ؟

فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: " إنَّ اللَّهَ إذا خَلَقَ العَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن عَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، وإذا خَلَقَ العَبْدَ لِلنّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أهْلِ النّارِ حَتّى يَمُوتَ عَلى عَمَلٍ مِن أعْمالِ أهْلِ النّارِ، فَيَدْخُلُ بِهِ النّارَ».

حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى، ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سِنانٍ الرُّهاوِيُّ، عَنْ أبِيهِ، أخْبَرَنا زَيْدُ بْنُ أبِي أُنَيْسَةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ رَبِيعَةَ الأزْدِيِّ، قالَ مُسْلِمٌ: سَألْتُ نُعَيْمًا، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ نُعَيْمٌ: كُنْتُ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَجاءَ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْها؟ فَقالَ. . . الحَدِيثَ، وهَذا يُبَيِّنُ عِلَّةَ الحَدِيثِ الأوَّلِ، وأنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن عُمَرَ.

قالَ: وحَدَّثَنا إسْحاقُ، أخْبَرَنا حَكّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ

عُمارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي مُحَمَّدٍ رَجُلٍ مِن أهْلِ المَدِينَةِ قالَ: «سَألْتُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾

فَقالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْها كَما سَألْتَنِي، فَقالَ: " خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ بِيَدِهِ، ونَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ، ثُمَّ أجَّلَهُ فَمَسَحَ ظَهْرَهُ، فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأحْسَنِ أعْمالِهِمْ فَأُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَأخْرَجَ ذَرًّا، فَقالَ: ذَرٌّ ذَرّاتُهم لِلنّارِ يَعْمَلُونَ بِما شِئْتُ مِن عَمَلٍ، ثُمَّ أخْتِمُ لَهم بِأسْوَأِ أعْمالِهِمْ فَأُدْخِلُهُمُ النّارَ» ".

قُلْتُ: هَذا الحَدِيثُ أدْخَلَهُ مالِكٌ في " مُوَطَّئِهِ " عَلى ما فِيهِ مِنَ العِلَّةِ، ونَحْنُ نَذْكُرُ عِلَّتَهُ.

قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ حَسَنٌ، مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن عُمَرَ، وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم في هَذا الإسْنادِ بَيْنَ مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ وبَيْنَ عُمَرَ رَجُلًا مَجْهُولًا.

وَقالَ أبُو القاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الكِنانِيُّ: لَمْ يَسْمَعْ مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ هَذا مِن عُمَرَ، رَواهُ عَنْ نُعَيْمٍ، عَنْ عُمَرَ.

وَقالَ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ: قَرَأْتُ عَلى يَحْيى بْنِ مَعِينٍ حَدِيثَ مالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ، فَكَتَبَ بِيَدِهِ عَلى مُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ: " لا يُعْرَفُ ".

وَقالَ أبُو عُمَرَ: " هَذا حَدِيثٌ مُنْقَطِعٌ بِهَذا الإسْنادِ؛ لِأنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ هَذا لَمْ يَلْقَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وبَيْنَهُما في هَذا الحَدِيثِ نُعَيْمُ بْنُ رَبِيعَةَ، وهَذا أيْضًا - مَعَ هَذا الإسْنادِ - لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، ومُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ هَذا مَجْهُولٌ، قِيلَ: إنَّهُ مَدَنِيٌّ، ولَيْسَ بِمُسْلِمِ بْنِ يَسارٍ البَصْرِيِّ ".

قالَ: " وجُمْلَةُ القَوْلِ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ حَدِيثٌ لَيْسَ إسْنادُهُ بِالقائِمِ؛ لِأنَّ مُسْلِمَ بْنَ يَسارٍ ونُعَيْمَ بْنَ رَبِيعَةَ جَمِيعًا غَيْرُ مَعْرُوفَيْنِ بِحَمْلِ العِلْمِ.

وَلَكِنْ مَعْنى هَذا الحَدِيثِ قَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن وُجُوهٍ ثابِتَةٍ كَثِيرَةٍ يَطُولُ ذِكْرُها مِن حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وغَيْرِهِ. " انْتَهى.

وَنَحْنُ نَذْكُرُ بَعْضَ تِلْكَ الأحادِيثِ.

قالَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ: أخْبَرَنا بَقِيَّةُ بْنُ الوَلِيدِ قالَ: أخْبَرَنِي الزُّبَيْدِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قَتادَةَ النَّصْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ هِشامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ: «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُبْتَدَأُ الأعْمالُ، أمْ قَدْ قُضِيَ القَضاءُ؟ فَقالَ: " إنَّ اللَّهَ لَمّا أخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِن ظَهْرِهِ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ أفاضَ بِهِمْ في كَفَّيْهِ فَقالَ: هَؤُلاءِ لِلْجَنَّةِ، وهَؤُلاءِ لِلنّارِ، فَأهْلُ الجَنَّةِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ مُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أهْلِ النّارِ».

أخْبَرَنا عَبْدُ الصَّمَدِ، ثَنا حَمّادٌ، ثَنا الجُرَيْرِيُّ، عَنْ أبِي نَضْرَةَ «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ: أبُو عَبْدِ اللَّهِ دَخَلَ عَلَيْهِ أصْحابُهُ يَعُودُونَهُ، وهو يَبْكِي، فَقالُوا: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " إنَّ اللَّهَ قَبَضَ قَبْضَةً بِيَمِينِهِ، وأُخْرى بِيَدِهِ الأُخْرى، فَقالَ: هَذِهِ لِهَذِهِ، وهَذِهِ لِهَذِهِ، ولا أُبالِي " فَلا أدْرِي في أيِّ القَبْضَتَيْنِ أنا».

أخْبَرَنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، ثَنا إسْماعِيلُ بْنُ رافِعٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ، ثُمَّ جَعَلَهُ طِينًا، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى إذا كانَ حَمَأً مَسْنُونًا، ثُمَّ خَلَقَهُ، وصَوَّرَهُ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتّى إذا كانَ صَلْصالًا كالفَخّارِ كانَ إبْلِيسُ يَمُرُّ بِهِ فَيَقُولُ: خُلِقْتَ لِأمْرٍ عَظِيمٍ، ثُمَّ نَفَخَ اللَّهُ فِيهِ مِن رُوحِهِ. قالَ: يا رَبِّ ما ذُرِّيَّتِي؟ قالَ: اخْتَرْ يا آدَمُ. قالَ: أخْتارُ يَمِينَ رَبِّي - وكِلْتا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ - ثُمَّ بَسَطَ اللَّهُ كَفَّهُ فَإذا كُلُّ مَن هو كائِنٌ مِن ذُرِّيَّتِهِ في كَفِّ الرَّحْمَنِ» ".

أخْبَرَنا النَّضْرُ، أخْبَرَنا أبُو مَعْشَرٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، ونافِعٍ مَوْلى الزُّبَيْرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: " «لَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَخْلُقَ آدَمَ - فَذَكَرَ خَلْقَ آدَمَ - فَقالَ لَهُ: يا آدَمُ، أيُّ يَدَيَّ أحَبُّ إلَيْكَ أنْ أُرِيَكَ ذُرِّيَّتَكَ فِيها؟ فَقالَ: يَمِينُ رَبِّي - وكِلْتا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ - فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَإذا فِيها ذُرِّيَّتُهُ كُلُّهُمْ: ما هو خالِقٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، الصَّحِيحُ عَلى هَيْئَتِهِ، والمُبْتَلى عَلى هَيْئَتِهِ، والأنْبِياءُ عَلى هَيْئاتِهِمْ، فَقالَ: ألا أغْنَيْتَهم كُلَّهُمْ؟ فَقالَ: إنِّي أحْبَبْتُ أنْ أُشْكَرَ». . . . " وذَكَرَ الحَدِيثَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском