Al-Wahidi (al-Basit)Yunus · 10:33–43

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Yunus 10:33–43

10:33Page 212

كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ٣٣

Thus the word [i.e., decree] of your Lord has come into effect upon those who defiantly disobeyed - that they will not believe.

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾، قال الزجاج: الكاف في موضع نصب أي مثل أفعالهم جازاهم ربك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 18.]] هذا كلامه. وشرحه أبو بكر [[هو ابن الأنباري.]] فقال: (ذلك) إشارة إلى مصدر ﴿تُصْرَفُونَ﴾ تلخيصه: مثل ذلك الصرف حقت كلمة ربك، وموضع ﴿ذَلِكَ﴾ خفض بالكاف، والكاف موضعها نصب [[ساقط من (ى).]] بـ ﴿حَقَّتْ﴾ على تقدير: حقت الكلمة مثل ذلك الصرف [[ذكر قوله ابن الأنباري مختصرًا بن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 30.]].

وقال بعض أهل المعاني: المشبه به في ﴿كَذَلِكَ﴾ معنى قوله: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [ومعناه ليس بعد الحق إلا الضلال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] كذلك حقت الكلمة، وعلى هذا: الكاف في موضسع رفع بالابتداء، وخبره ﴿حَقَّتْ﴾ وذكر أبو بكر قولًا آخر في ﴿كَذَلِكَ﴾ وهو أنه بمعنى هكذا [["زاد المسير" 4/ 30.]] إشارة إلى الحاضر وهو مصدر ﴿حَقَّتْ﴾ ويكون موضع ﴿كَذَلِكَ﴾ نصبًا بـ ﴿حَقَّتْ﴾ ولا تكون الكاف فيه منفصلة مما بعدها، وتقديره إذا لم تفصل الكاف منه: هذا الحق حقت كلمة ربك [وقد ترفع (كذلك) إذا استحق الرفع، وهذا المعنى ذهب إليه مقاتل بن سليمان [[لم أجده في "تفسيره".]]، والكلبي [[رواه الثعلبي 7/ 14 أ، والبغوي 4/ 132.]]، وجماعة من المفسرين [[انظر: "تفسير السمرقندي" 2/ 98، وابن الجوزي 4/ 30.]]، أعني أنهم يقولون: معنى الحرف: هكذا حقت كلمة ربك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، والدليل على أن (هكذا) يرفع وينصب ويخفض بكماله وجملته ولا يُقضى عليه بانفصال [[في (ح) و (ز): (انفصال).]] بعضه من بعض حكايته الفراء عن أبي ثروان [[هو: أبو ثروان العكلي، من بني عُكْل، أعرابي فصيح مصنف، له من الكتب "خلق الإنسان"، وكتاب "معاني الشعر". انظر: "الفهرست" ص 73، "إنباه الرواة" 4/ 105، ولم أجد من ترجم له ترجمة وافية.]]: ليس بهكذا [[في (م): (هكذا)، وهو خطأ.]]، فدخول الباء على (هكذا) يكشف أنه مشبه بـ (هذا)، ويؤكد هذا الفصل ما ذكره صاحب النظم أن (كذلك) قد تكون تحقيقًا وإثباتًا لما قبله من الخبر، كما أن (كلا) ردٌ وإبطال لما قبله من الخبر، وعلى هذا (كذلك) كلمة [[في (ى): (كذلك حقت كلمة)، وهو خطأ.]] بكماله وجملته، ولا يُقضى عليه بانفصال بعضه عن بعض.

وقوله تعالى: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ وقرئ كلمات ربك [[يعني الجمع، وهي قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر، وقرأ الباقون بالتوحيد. انظر: كتاب "السبعة" ص 326، "تحبير التيسير" ص 122، "إتحاف فضلاء البشر" ص 216.]]، وذكر المفسرون في معناها [[ساقط من (ح).]] قولين، أحدهما: حق وعد ربك الذي بينه في غير موضع من كتابه من تعذيبه أهل الكفر وإصارته إياهم إلى الهلاك والبوار، وهذا معنى قول الزجاج: أي: مثل أفعالهم جازاهم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 18.]].

أما توحيد الكلمة وجمعها، فمن وحدها فإنه أراد الجمع؛ لأن ما أوعد الله -عز وجل- به وتهدد به الكفار كلام يجمع حروفًا وألفاظًا [[في (م): (ألفاظًا وحروفًا).]]، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة: 20] الآية، فجعل هذه الجملة وغيرها من آي الوعيد كلمة وإن كانت في الحقيقة كلمات؛ لأنهم قد يسمون القصيدة والخطبة كلمة، وهذا نحو قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: 137]، يعني بالكلمة قوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 5] الآية، فجعلها كلها كلمة؛ وذلك لأنها إذا كانت الكلمات في معنى واحد كانت كأنها كلمة واحدة، هذا قول أبي بكر، وأبي علي [[يعني الفارسي، انظر: "الحجة" 4/ 273.]].

قال أبو بكر: ويجوز أن يكون أراد الكلمات، فأوقع الواحد موقع الجمع كقوله: وأما جلدها فصليب [[هذا بعض بيت، وهو بكماله:

بها جِيَف الحسرى فأما عظامها ... فبِيضٌ وأما جلدها فصليب

والبيت لعلقمه الفحل في "ديوانه" ص 40، "خزانة الأدب" 7/ 559، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 93، "كتاب سيبويه" 1/ 209.

والشاعر يصف طريقًا شاقًا قطعه حتى يصل إلى ممدوحه، والحسرى: جمع حسير، وهو البعير الذي كلّ وانقطع سيره إعياء أو هزالًا فيتركه أصحابه، وابيضت عظامه: يعني أكلت السباع والطيور ما عليها من لحم، وجلد صليب: أي يابس، أو لم يدبغ. انظر: "شرح أبيات سيبويه"، "خزانة الأدب"، نفس الموضعين السابقين.]]

يعني جلودها، وقال أبو علي: ويجوز أن تكون: ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ التي يراد بها الجنس، وقد أوقع على بعض الجنس، كما أوقع اسم الجنس على بض، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: 137، 138]، فأوقع اسم الليل على ذلك الوقت الذي يقرون فيه عليهم وهو بعض الجنس [[اهـ. كلام أبي علي، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 273.]].

القول الثاني: في معنى الكلمة، أنه أراد: حق عليهم ما سبق من علم الله فيهم وما جبلهم عليه من الشقاء، وهذا قول ابن عباس [[رواه بمعناه مختصرًا ابن أبي حاتم 6/ 1951، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 551.]]، وقوله تعالى: ﴿عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، قال ابن عباس: يريد كذبوا [["تنوير المقباس" ص 212، ولفظه: كفروا.]].

قال أهل المعاني: فسقوا في كفرهم، أي تمردوا فيه، والفسق الخروج في المعصية إلى الكبيرة، فإن كانت كفرا فالخروج إلى أكبره [[انظر: "المفردات في غريب القرآن" (فسق) ص380 بمعناه.]].

وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ موضع (أن) رفع [[ساقط من (ى).]] بدل من (كلمة ربك) قاله الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 18.]]، وابن الأنباري، وهذا على القول الثاني في تفسير الكلمه، وعلى القول الأول تكون (أن) [[ساقط من النسخ عدا (م).]] منصوبة، لحذف الخافض، ويكون المعنى: حقت الكلمة عليهم؛ لأنهم لا يؤمنون، أو بأنهم لا يؤمنون، ذكره الفراء [["معاني القرآن" 1/ 463.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 18.]] جميعًا، ويقول الكسائي: موضعها خفض بالخافض المضمر معها [[لم أعثر على مصدره.]].

10:34Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ ٣٤

Say, "Are there of your 'partners' any who begins creation and then repeats it?" Say, "Allāh begins creation and then repeats it, so how are you deluded?"

قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 213.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 140 أ.]]، والمفسرون [["تفسير ابن جرير" 11/ 115، والسمرقندي 2/ 98، "الدر المنثور" 3/ 552.]]: يعني آلهتهم التي يعبدون من دون الله، وذكرنا معنى إضافة الشركاء إليهم في قوله: ﴿أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ﴾ [يونس: 28].

وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ أي: يرشد إلى دين الإسلام، ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ أي: إلى الحق.

قال أبو إسحاق: تقول هديت إلى الحق وهديت للحق بمعنى واحد [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 19.]] وهذا مما ذكرناه في أول الكتاب [[في أول البقرة [2].]].

قال ابن عباس: يريد [[ساقط من (ى)، وفي (ح): (يريد به).]] يرشد إلى الحق أهل الحق [[ذكره بمعناه ابن زنجلة في "حجة القراءات" ص 332.]].

قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ أي: آلله الذي يهدي ويرشد إلى الحق أهل الحق أحق أن يتبع أمره، أو الأصنام التي لا تهدي أحدًا ولا تهدي إلى خير؟! وهذا معنى قول ابن عباس [[انظر: "تنوير المقباس" ص 213، "حجة القراءات" ص 332.]]، والحسن [[لم أعثر على قوله.]]، والمفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 116، والثعلبي 7/ 14 ب، والسمرقندي 2/ 98، والبغوي 4/ 133، وابن كثير 2/ 457.]].

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾، قال ابن عباس: يريد يرشد، وما ذلك إلا بيد الله، وما يفعله إلا بأوليائه [[لم أقف عليه.]].

وقال مقاتل: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ يعني: هذا الذي يعبد الأوثان [[نص عبارة مقاتل: إلا أن يهدى، وبيات ذلك في: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ [النحل: 76] انظر: "تفسير مقاتل" 140 ب.]]، فعلى هذا الهداية لا ترجع إلى الوثن إنما ترجع إلى عابده، وتصحيحه في النظم أن يكون التقدير: أمن [[في (ح): (أم لا).]] لا يهدي غيره أو عابده أو أحدًا، ثم حذف المفعول وتم الكلام، ثم قال: ﴿إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ على الاستثناء المنقطع بمعنى: لكن إن هدي ذلك العابد اهتدى، أي إن هداه الله اهتدى، فأما الصنم فلا هداية عنده، وهذا المعنى على قراءة من قرأ (أَمَّنْ لَا يَهْدي)

ساكنة الهاء خفيفة الدال [[وبهذا قرأ حمزة والكسائي وخلف. انظر كتاب "السبعة" ص 326، "إرشاد المبتدي" ص 362، "تقريب النشر" ص 122، "إتحاف فضلاء البشر" ص 249.]].

وقرئ (يَهَدّي) [[بفتح الياء والهاء وتشديد الدال، وهي قراءة ابن كثير وابن عامر وورش وأبي عمرو في أحد الوجهين. انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، و (يِهِدّي) [[بكسر الياء والهاء وتشديد الدال، وهي قراءة أبي بكر عن عاصم.]]، و (يَهِدّي) [[بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال، وهي قراءة حفص عن عاصم، ويعقوب.]]، و (يَهْدّي) [[بإسكان الهاء وتشديد الدال، وهي قراءة نافع وأبي عمرو، غير أن أبا عمرو كان يشم الهاء شيئًا من الفتح. انظر المصادر السابقة، نفس المواضع.]]، ومعانيها كلها (يفتعل) وإن اختلفت ألفاظها.

والجميع أدغموا التاء في الدال لمقاربتها لها؛ ألا ترى أن التاء والطاء والدال من حيز واحد.

واختلفوا في تحرك الهاء، فمن فتح الهاء ألقى حركة الحرف المدغم وهي الفتحة على الهاء كما ألقاها على ما قبل [[في (ى): (قبلها).]] المدغم في مُعِدّ ومُمِدّ، ومن حرك الهاء بالكسر فلأن الكلمة عنده تشبه المنفصلة، فلم يُلق حركة المدغم على ما قبله نحو (قومْ موسى) إذا أدغم [[في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 277 الذي نقل منه النص: واسم موسى لا يُلقى على الساكن منه حركة المدغم.]] لا يلقى على الساكن منه حركة المدغم فلما لم يجز ذلك تركت الهاء على سكونها، فالتقت مع [[في (ح): (على).]] الحرف المدغم، وهما ساكنان فحرك الأول منهما بالكسر لالتقاء الساكنين، ومن سكّن الهاء جمع بين الساكنين، وقد بينا حكم الجمع بين ساكنين في هذا النحو فيما تقدم.

ومن قرأ (يِهِدّي) بكسر الياء والهاء فقال الزجاج: هي رديئة لثقل الكسر في الياء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 19، ولا معنى لوصفها بالرداءة وهي قراءة متواترة، قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 6/ 199 بعد أن نقل رأي سيبويه في منع كسر ياء المضارعة: وهذا فيه غض من قراءة أبي بكر، لكنه قد تواتر قراءة، فهو مقبول، وانظر رأي سيبويه في "كتابه" 4/ 110، وانظر توجيه القراءة لغة في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 279، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 332.]].

قال أبو علي: أتبع الياء ما بعدها من الكسر، وليس الكسر في الياء على لغة من يكسر حروف المضارعة من التاء والنون في نحو تِعلم ونِعلم؛ لأن من يقول تِعلم [[بكسر التاء.]] لا يقول يِعلم [[بكسر الياء.]]، ومن قال [[في (ى): (قرأ)، وهو خطأ.]]: أنت تِهتدي [[بكسر التاء.]] لا يقول: هو يِهتدي [[بكسر الياء.]]، ولكن الكسرة في الياء للإتباع، كما أنه لم تكسر الياء في: يِيْجل [[رسمت الكلمة في النسخ بلا نقط، والكلمة في "الحجة للقراء السبعة" 4/ 279،= ==وقال سيبويه في "كتابه" 4/ 110: وأما يوجل ونحوه فإن أهل الحجاز يقولون: يوجل، فيجرونه مجرى علمت، وغيرهم من العرب سوى أهل الحجاز يقولون في توجل: هي تيجل، وأنا إيجل، ونحن نِيجل، وإذا قلت (يفعل) فبعض العرب يقولون: ييجل، كراهية الواو مع الياء.]]، من حيث كسرت التاء في تِعلم، ولكن كسرت لتنقلب الواو ياء، كذلك هاهنا كسرت للإتباع. هذا وجه القراءة في ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾.

فأما معنى لا تهتدي إلا أن تهدى، وهي لا تهتدي وإن هديت؛ لأنها موات من حجارة وأوثان ولكن الكلام نزل على أنها إن هديت اهتدت، وإن لم تكن في الحقيقة كذلك؛ لأنهم لما اتخذوها آلهة عبر عنها كما يعبر عمن يعلم ويفعل [[ساقط من (ح).]] ويعقل، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: 73]، وكما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: 194]، وإنما هي موات؛ ألا ترى أنه قال: ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ [الأعراف: 194]، ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 195]، وكذلك قوله: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾ [فاطر: 14] الآية، وأجرى اللفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعلم، كذلك هاهنا وصف بصفة من يعقل وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، و (إِلَّا) على هذا بمنزلة (حتى) كأنه قال [[ساقط من (م).]]: أمن لا يهدي [[في (م): (يهتدي).]] حتى يُهدى، أي من لا يَعلم حتى يُعلم، ولا يستدل على شيء حتى يُدل عليه، وإن كان لو دُل أو أُعلم لم يعلم ولم يستدل.

وهذا الذي ذكرنا وجه آخر في قراءة من قرأ: (أَمَّن لَا يَهْدِي إلا أن يُهدى) [[يعني قراءة حمزة ومن معه، انظر: "الحجة للقراء السبعة" 4/ 276.]] [أي أمن لا يهدي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] غيره ولكن يُهدى، أي [لا يعلم شيئًا ولا يعرفه لكن] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] يُهدى، أي لا هداية له، ولو هدي أيضًا لم يهتد [[في العبارة غموض؛ إذ قوله: (ولكن يُهدى) يناقض قوله: (ولو هدي أيضًا لم يهتد)، والعبارة هكذا أيضاً في "الحجة" 4/ 376، وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 7/ 147: والذي أقول: إن قراءة حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى: (أمن لا يهدي أحدًا إلا أن يُهدى ذلك الأحد بهداية من عند الله).]]، إلا أن اللفظ جرى عليه، هذا كلام أبي علي الفارسي [["الحجة للقراء السبعة" 4/ 275 - 280، مع التقديم والتأخير والاختصار.]]، وهو وجه الآية.

وذكر المتأخرون من أهل التفسير وجهين في قوله: ﴿أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ لا يساوي واحد منهما أن يحكى فتركته [[الوجهان للثعلبي في "تفسيره" 7/ 15 أ، ونص عبارته: في معنى الآية وجهان: فصرفها قوم إلى الرؤساء والمضلين، أراد لا يرشدون إلا أن يُرشدوا، وحملها الآخرون على الأصنام وهو وجه الكلام، والمعنى: لا يمشي إلا أن يحمل، ولا ينتقل عن مكانه إلا أن ينقل.]]، ولم أر للمتقدمين فيه شيئًا [[بل روى ابن جرير في "تفسيره" 11/ 116، عن مجاهد: أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي إلا أن يهدى، قال: الأوثان، الله يهدي منها ومن غيرها من شاء لما شاء، ولم يتبين لي مراده.]]، وتأويل الآية أنهم نُسبوا إلى غاية الذهاب عن الحق والزيغ عنه [[في (ى): (عنهم).]] في معادلتهم الآلهة بالله ﷺ.

وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾، قال الزجاج: (ما لكم) كلام تام كأنهم قيل: لهم أي شيء لكم في عبادة الأوثان؟ ثم قيل لهم: ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ علي أي حال تحكمون؟ وموضع (كيف) نصب بـ ﴿تَحْكُمُونَ﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 20.]].

وقال مقاتل: كيف تقضون حين زعمتم أن مع الله شريكًا [["تفسير مقاتل" 140 أبنحوه، والنص في "الوسيط" 2/ 547.]].

وقال عطاء: بئسما حكمتم إذ جعلتم لله شريكًا ليس [[في (ى) و (م): (من ليس).]] بيده منفعة ولا مضرة [[لم أقف عليه.]].

10:35Page 213

قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ ٣٥

Say, "Are there of your 'partners' any who guides to the truth?" Say, "Allāh guides to the truth. So is He who guides to the truth more worthy to be followed or he who guides not unless he is guided? Then what is [wrong] with you - how do you judge?"

No commentary for this ayah

10:36Page 213

وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٣٦

And most of them follow not except assumption. Indeed, assumption avails not against the truth at all. Indeed, Allāh is Knowing of what they do.

قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ﴾، قال ابن عباس: هم الرؤساء، وأما السفلة فلا يعلمون شيئًا إلا ما قالت [[في (ح): (قال).]] الرؤساء [[لم أقف عليه.]].

وقوله تعالى: ﴿إِلَّا ظَنًّا﴾ يعني: ما يستيقنون أنها آلهة.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ قيل: لا يغني من عذاب الله شيئاً، ولا يدفع شيئًا من العذاب [[هذا قول مقاتل في "تفسيره" 140 ب بمعناه، وابن عباس في رواية الكلبي كما في "تنوير المقباس" ص 213.]]، و (الحق) على هذا هو الله، وظنهم أن الأصنام آلهة، وأنها تشفع لهم لا يغني عنهم شيئًا، وقال عطاء عن ابن عباس: يريد ليس الظن كاليقين [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 547، عن عطاء.]]، يريد بالحق: اليقين، والمعنى على هذا: إن الظن لا يقوم مقام العلم، وفي هذا دليل على أن من كان في مسائل الأصول ظانًّا لم يكن مؤمنًا.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، قال [[يعني ابن عباس، وانظر القول في "تنوير المقباس" ص 213 بمعناه.]]: يريد من كفرهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]].

10:37Page 213

وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٧

And it was not [possible] for this Qur’ān to be produced by other than Allāh, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt,1 from the Lord of the worlds.

قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 20 بنحوه.]]، وابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 32 مختصرًا.]]: هذا جواب لقولهم ﴿ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا﴾ [يونس: 15] و (أن) مع (يُفْتَرَى) مصدر مقضيًا عليه بالنصب تقديره: وما كان هذا القرآن افتراءً من دون الله، كما تقول: ما كان هذا الكلام كذبًا.

﴿وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [أي: ولكن كان تصديق الذي بين يديه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ى).]] من الكتب وأنباء الأمم السالفة وأقاصيص أنبيائهم، وهذا قول المفسرين [[انظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 117، والماوردي 2/ 435، والبغوي 4/ 134.]]. قال أبو إسحاق: ويجوز أن يكون المعنى: ولكن تصديق الذي بين يديه [[في "معاني القرآن وإعرابه" المطبوع: يدي، والصواب ما ذكره الواحدي؛ لأن القرآن قبل البعث، ولو قيل: البعث بين يدي القرآن لكان المعنى: البعث قبيل القرآن، وهذا لا يصح، وفي "لسان العرب" (يدي) 8/ 4954: يقال: بين يديك كذا لكل شيء أمامك، قال الله -عز وجل-: ﴿مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [الأعراف: 17] ويقال: إن بين يدي الساعة أهوالاً، أي: قدامها.]] القرآن، أي تصديق الشيء الذي تقدمه القرآن، أي يدل على أمر البعث والنشور [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 20.]]، فعلى القول الأول الكناية في ﴿يَدَيْهِ﴾ تعود إلى القرآن، وعلى القول الثاني تعود إلى الذي قال ابن الأنباري [[لم يرد لابن الأنباري قول في هذه الجملة من الآية، ولا يمكن أن يكون مراده قول ابن الأنباري الآتي، لعدم اتفاقه مع معنى القول الثاني، ولعل المؤلف يريد قول أبي إسحاق الزجاج.]].

تحقيق القول الأول: ولكن تصديق الوحي الذي بين يدي القرآن من الكتب، فالقرآن شاهد لما تقدمه من الكتب أنها حق، وموافق لها في الأخبار وشاهد لها، إذ جاء على ما تقدمت به البشارة فيها.

وتحقيق القول الثاني: ولكن تصديق البعث الذي القرآن بين يديه؛ لأن القرآن يخبر بالبعث، ويدعو إلى الاستعداد له، قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون المعنى ولكن تصديق النبي [[في (ح): (الشيء)، وهو خطأ.]] الذي بين يدي القرآن [[يعني محمدًا ﷺ، وانظر تفسير القول في "الجامع لأحكام القرآن" 8/ 344.]]؛ [لأنهم شاهدوا النبي ﷺ وعرفوه قبل أن يسمعوا منه القرآن [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 32.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]].

وقوله تعالى: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ أراد وتفصيل ما في الكتاب من الحلال والحرام والفرائض والسنن والأحكام، وما في الكتاب هو الكتاب لذلك قال: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ كأن المعنى وتفصيل المكتوب من هذه الأشياء، والتفصيل: التبيين، وقد مر، وهذا معنى قول ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 213.]].

وقال الحسن: ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ﴾ الوعد لمن آمن بالنعيم، والوعيد لمن عصي بالعذاب الأليم [[لم أجده.]]، والمعنى على هذا أيضًا: تفصيل المكتوب من الوعد والوعيد، والقرآن أتى ببيان هذا، وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي في كونه ونزوله من رب العالمين، قال ابن عباس: يريد أنه من عند رب العالمين [["تنوير المقباس" ص 213 بمعناه.]].

10:38Page 213

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨

Or do they say [about the Prophet (ﷺ)], "He invented it?" Say, "Then bring forth a sūrah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."

وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الآية، قال الزجاج وغيره: هذا تقرير لهم لإقامة الحجة عليهم [[اهـ. كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21، وانظر: "تفسير ابن جرير" 11/ 117، والسمرقندي 2/ 99 بمعناه.]]، وهي إلزامهم أن يأتوا بسورة مثله إن كان كما يقولون، وتقديره: بل أتقولون.

وقد ذكرنا حكم هذا الاستفهام عند قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا﴾ [[قال هناك: (أم) تقع عاطفة بعد الاستفهام، كقولك: أخرج زيد أم عمرو، وأزيد عندك أم عمرو، فيكون معنى الكلام: أيهما عندك، ولا تكاد تكون عاطفة إلا بعد الاستفهام. وأطال الكلام حولها.]] [البقرة: 108]، وهذا احتجاج عليهم بعد احتجاج؛ لأن الآية الأولى أوجبت كونه من عند الله بتصديقه الذي بين يديه، وفي هذه الآية ألزموا أن يأتوا بسورة مثله إن كان مفترى.

وقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قال الزجاج: وادعوا إلى أن يعينكم على ذلك من استطعتم ممن هو في التكذيب مثلكم وإن خالفكم في أشياء [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21.]].

وقال غيره: معناه: ادعوا إلى معاونتكم على المعارضة كل من تقدرون عليه [["تفسير الثعلبي" 7/ 15 ب بنحوه من قول ابن كيسان، ورواه ابن أبي حاتم 6/ 1953، عن ابن عباس بمعناه.]]، واستقصاء تفسير هذه الآية قد مضى في سورة البقرة عند [[في (ى): (في).]] قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ [البقرة: 23] الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي في أنه اختلقه.

10:39Page 213

بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩

Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.

قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ يعني: القرآن، أي كذبوا به لما لم يعلموه، قال عطاء: يريد أنه ليس خلقٌ يحيط بجميع علم القرآن [[لم أجده.]]، وقال الحسين بن الفضل: هذا كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [[ذكره بنحوه الثعلبي 7/ 15 ب، وابن الجوزي 4/ 33، والقرطبي 8/ 345.]] [الأحقاف: 11].

وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾، قال أبو إسحاق: أي: لم يكن معهم علم تأويله، وهذا دليل أن علم التأويل ينبغي أن ينظر فيه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21.]]، وقال ابن كيسان في هذه الآية: يقول: لم يعلموه تنزيلًا، ولا علموه تأويلاً، فكذبوا به [[لم أجده.]]، وتلخيص هذا المعنى يعود إلى أنهم جهلوا القرآن وعلمه وعلم تأويله فعادوه [[في (ى): (فعادوا).]] بالتكذيب، وفي الآية قول آخر وهو أن معنى قوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي بما في القرآن من الجنة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب.

وقوله تعالى. ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: لم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب بما يؤول إليه أمرهم من العقوبة [["زاد المسير" 4/ 33، ورواه الثعلبي 7/ 15 ب، عن الضحاك مختصرًا، وذكره الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21 مختصرًا أيضاً.]]، ويدل على صحة هذا التأويل قوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: بالبعث [والقيامة، وتكذيب الكفار من الأمم الخالية كان بالبعث] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).]] والقيامة، لا [[في (ى): (ولا).]] بالقرآن، وعلى القول الأول شبّه تكذيبهم بالقرآن والنبي بتكذيب الأمم الخالية أنبياءهم فيما وعدوهم به، والقولان في الآية أشار إليهما أبو إسحاق [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21.]].

وذُكر قول ثالث، هو أن معنى قوله: ﴿بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أي يقول: لم يعلموه يقينًا [[انظر: "معاني القرآن الكريم" للنحاس 3/ 294، "زاد المسير" 4/ 33.]]، ويعني قولهم: ﴿افْتَرَاهُ﴾ مهو يقول: بل كذبوا القرآن بقولهم افتراه، وأنه مفترى وهم شاكون في قولهم هذا، ولم يتيقنوا أنه مفترى [وهذا معنى قول الزجاج: هذا والله أعلم، قيل في الذين كفروا [[في (م): (كذبوا).]] وهم شاكون [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 21.]].

وقوله: ﴿وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ أي: لم يأتهم حقيقة ما يقولون أنه مفترى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح).]]، والتأويل ما يؤول إليه الأمر، وقوله: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ﴿الظَّالِمِينَ﴾ ﴿كَيْفَ﴾ في موضع نصب على خبر (كان) ولا يجوز أن يعمل [[في (خ) و (ز): (يجوز).]] فيها (انظر)؛ لأن ما قبل الاستفهام لا يعمل فيه.

10:40Page 213

وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤٠

And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters.

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ الآية، قال المفسرون: أخبر الله تعالى عن إيمان قوم علم [[ساقط من (ى).]] أنهم يؤمنون، وعن كفر قوم علم [[ساقط من (ى).]] أنهم لا يؤمنون، وهذا إخبار عما سبق في علم الله تعالى [[انظر معناه في "تفسير ابن جرير" 11/ 118، والثعلبي 7/ 15 ب، والبغوي 4/ 134.]]، قال الكلبي: نزلت في أهل مكة [[ذكره المؤلف في "الوسيط" 2/ 548، وهو أحد قولين ذكرهما الفيروزأبادي في "تنوير المقباس" ص 213 عنه، عن ابن عباس، والقول الثاني لفظه: من اليهود، وهو ما ذكره السمرقندي 2/ 99، وابن الجوزي 4/ 34.]].

وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾، قال عطاء: يريد المكذبين [["زاد المسير" 4/ 34، "الوسيط" 2/ 548.]]، وهذا تهديد لهم.

10:41Page 213

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٤١

And if they deny you, [O Muḥammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."

قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الآية، قال مقاتل [[رواه الثعلبي 7/ 16 أ، والبغوي 4/ 135، وذكره أيضاً بغير سند المؤلف في "الوسيط" 2/ 548، والقرطبي في "تفسيره" 8/ 346، ولعل القول لمقاتل بن حيان، إذ لم أجده في "تفسير مقاتل بن سليمان".]]، والكلبي [[المصادر السابقة، نفس المواضع، "زاد المسير" 4/ 34.]]: هذه الآية منسوخة بآية الجهاد [[ليس بين هذه الآية وآيات الجهاد منافاة حتى يحكم بالنسخ، بل هذه الآية بمعنى == قولى تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] فهي إخبار بالبراءة منهم، والمفاصلة معهم، وأما ما قد يفهم منها من المتاركة وعدم التعرض لهم بسوء فإنه -إن كان الأمر كذلك- من أحكام حالة ضعف المسلمين، وعدم قدرتهم على الجهاد وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالحكم موقوف بتلك الحالة، ويزول بزوالها، والسلف يطلقون على هذا الحكم لفظ النسخ، وليس هو كذلك في اصطلاح المتأخرين، قال الزركشي في "البرهان" 2/ 423 بعد أن ذكر للنسخ أقسامًا: (الثالث: ما أمر به لسبب ثم يزول السبب، كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر وبالمغفرة للذين لا يرجون لقاء الله، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها، ثم نسخه إيجاب ذلك، وهذا ليس بنسخ في الحقيقة، وإنما هو نسء ... ، وبهذا التحقيق تبين ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليس كذلك، بل هي من المنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا). وقال الأصفهاني في "تفسيره" 4/ 75 أ، بعد أن ذكر قول الكلبي ومقاتل في نسخ الآية: وهذا بعيد؛ لأن شرط الناسخ أن يكون رافعًا لحكم المنسوخ، ومدلول هذه الآية اختصاص كل واحد بأفعاله، وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب، وذلك لا ينافي وجوب الجهاد، فلا تكون آية الجهاد رافعة لشيء من مدلولات هذه الآية.]].

10:42Page 213

وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ ٤٢

And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear [i.e., benefit from this hearing], although they will not use reason?

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ الآية، قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين؛ كانوا يستمعون إلى النبي ﷺ للاستهزاء والتكذيب فلم ينتفعوا باستماعهم [["زاد المسير" 4/ 34.]]، قال الله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾، قال أبو إسحاق: أي: ظاهرهم ظاهر من يستمع [[في (ي): (يسمع).]]، وهم لشدة عداوتهم وبغضهم بمنزلة الصم [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 22.]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ﴾، قال ابن عباس: يريد أنهم شر من الصم؛ لأن الصم لهم عقول وقلوب، وهؤلاء قد أصم الله قلوبهم [["زاد المسير" 4/ 35.]].

وقال الزجاج: أي [[ساقط من (ى).]]: ولو كانوا مع ذلك جهالًا [[اهـ كلام الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 22.]]، أخبر الله تعالى أن هؤلاء يستمعون استماع استهزاء لا استماع انتفاع، فهم بمنزلة الصم الجهال؛ إذ لم ينتفعوا بما سمعوا، وقال قوم: هذه الآية والتي قبلها إخبار أنه [[في (ى): (لأنه).]] لا يؤمن إلّا من وفقه الله تعالى، فذكر أن هؤلاء الكفار يستمعون القرآن وهم كالصم الذين لا يعقلون لعدم التوفيق، وصرف الله قلوبهم عن الانتفاع بما سمعوا، فقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ مثلٌ ضربه الله لنبيه ﷺ، يقول: كما لا تقدر أن تسمع من سلبته السمع، كذلك لا تقدر أن تسمعهم إسماعًا ينتفعون به، وقد حكمت عليهم أن [[في (ح): (لأن).]] لا يؤمنوا [[انظر معنى هذا القول في "تفسير ابن جرير" 11/ 119، والثعلبي 7/ 16 أ، والبغوي 4/ 135، والقرطبي 8/ 346.]].

10:43Page 214

وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ ٤٣

And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?

قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: يريد متعجبين منك [["زاد المسير" 4/ 35، "الوسيط" 2/ 548.]]، ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ يريد: أن الله أعمى قلوبهم فلا يبصرون شيئًا من الهدى كما يبصر المؤمنون، وهذا كما قال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46].

وقال أبو إسحاق: ومنهم من يقبل إليك بالنظر وهو كالأعمى من بغضه لك، وكراهته ما يراه من آياتك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 22.]]، هذا على القول الأول في الآية الأولى [[وهو أنهم لشدة بغضهم لمحمد بمنزلة الصم.]]، وعلى القول الثاني [[وهو أنهم يستمعون القرآن وهم بمنزلة الصم لعدم التوفيق.]] معناه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ فيبصرك ويراك ولا يؤمن بك، وأنت [[في (ح) و (ز): (وإنك).]] لا تقدر على أن توفقه للإيمان كما لا تقدر أن تخلق للأعمى بصرًا يهتدي به، وذكر ابن قتيبة: أن الله فضل السمع على البصر حيث قرن بذهاب السمع ذهاب العقل، ولم يقرن بذهاب النظر إلا ذهاب البصر [["تأويل مشكل القرآن" ص 7.]].

قال ابن الأنباري: وهذا عندي غلط؛ لأن الذي نفاه الله مع السمع بمنزلة الذي نفاه مع البصر؛ إذ كان الله -عز وجل- أراد إبصار القلوب، ولم يرد إبصار العيون، فالذي يبصره القلب هو الذي يعقله. وهذا الذي ذكره أبو بكر يكون على القول الأول في الآيتين، وعلى القول الثاني: يقال: إن الله تعالى نفى العقل [عن [[في (ى): (على)، وهو خطأ.]] الصم لا من حيث أن فقد السمع يوجب فقد العقل، ولكنه زاد نفي العقل] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ح) و (ز).]] تأكيدًا؛ يقول: لا تقدر أن تسمع الصم الذين لا يعقلون؛ لأن الأصم إذا كان غير عاقل كان أبعد من الانتفاع بما يقال له، فإنه لا يفهم الإشارة أيضًا، وإذا كان عاقلًا فهم الإشارة، فقامت له مقام السمع، يؤكد ما قلناه أنا نشاهد الصم عاقلين، فلو كان الأمر على بما ذكره بن قتيبة وجب أن لا يوجد أصم عاقلًا.

قال أبو بكر: وكيف يكون السمع أفضل وبالبصر يكون جمال الوجه، وبذهابه شينه، وذهاب السمع لا يكسب الوجه شينًا، والعرب تسمي العينين (الكريمتين)، ولا تصف السمع بمثل هذا؛ ومنه الحديث: يقول الله تعالى: من أذهبت كريمتيه فصبر [[في (م): (فصبر واحتسب).]] لم أرض له ثوابًا دون الجنة [[رواه نحوه البخاري في "صحيحه" (5653) كتاب المرضى، باب: فضل من ذهب بصره، والترمذي في "سننه" (2400) كتاب الزهد، باب: ما جاء في ذهاب البصر، والدارمي في "سننه" كتاب الرقاق، باب: فيمن ذهب بصره فصبر 2/ 217 (2795)، وأحمد في "المسند" 3/ 144.]] " [[ذكر بعض قول ابن الأنباري هذا الرازي في "تفسيره" 17/ 102، ولابن الأنباري كتاب في الرد على ابن قتيبة لم يكمله، ولعل هذا النص منه.

انظر مقدمة "تأويل مشكل القرآن" ص70، وقول ابن الأنباري هذا يذكرنا بقول الشريف المرتضى في كتابه "غرر الفوائد ودرر القلائد" المعروف بـ"الأمالي" 2/ 13، بعد أن ذكر رأيًا لابن الأنباري: وهذا الذي ذكره ابن الأنباري غير صحيح، ونظن أن الذي حمله على الطعن في هذا الوجه حكايته له عن ابن قتيبة؛ لأن من شأنه أن يرد كل ما يأتي به ابن قتيبة وإن تعسف في الطعن عليه اهـ. وأقول: الواقع يؤيد رأي ابن قتيبة في تفضيل السمع على البصر، فكم من كفيف بلغ شأوًا عظيمًا في العلم والتعليم والنبوغ والتصنيف وقيادة الأمم، ولم نسمع ذلك في شأن الصم الذين ولدوا كذلك.]].

وأنشد لبعض من أصيب بعينيه: أصغي إلى قائدي لمخبرني ... إذا المقينا عمن يحييني

لله عينن التي فجعت بها ... لو أن دهرًا بها يواتيني

لو كنت خُيِّرت ما أَخَذْتُ ... بها تعميرَ نوح في ملك قارون [[الأبيات للخريمي كما في "عيون الأخبار" 4/ 57، و"الحيوان" للجاحظ 3/ 113، و"معاهد التنصيص" 1/ 253، و"الشعور بالعور" 1/ 246، و"الشعر والشعراء" ص 854، و"نكت الهيمان" ص 71.]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском