Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Hud 11:107–113
11:107Page 233
خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧
[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.
قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، الأكثرون من أهل المعاني والتفسير على أن قوله: ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ للتأبيد [[الطبري 12/ 117، البغوي 4/ 200، "زاد المسير" 4/ 159، ابن عطية 7/ 401، القرطبي 9/ 99.]] والمراد به خالدين فيها أبدًا.
قال الضحاك [[الثعلبي 7/ 56 ب، البغوي 4/ 200، القرطبي 9/ 99.]]: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضهما، وكل ما علاك وأظلك فهو سماء، وكل ما استقرت عليه قدمك وثبت فهو أرض.
وقال الحسن [[الثعلبي 7/ 56 ب. وأخرج ابن أبي حاتم 6/ 2086، وأبو الشيخ عن الحسن قال: "تبدل سماء غير هذه السماء وأرض غير هذه الأرض، فما دامت تلك السموات وتلك الأرض" "الدر" 3/ 634.]] أراد: ما دامت الآخرة كدوام السماء والأرض في الدنيا.
وقال ابن قتيبه [["مشكل القرآن وغريبه" 1/ 213.]]: للعرب في معنى الأبد ألفاظ يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طما البحر، وما أقام الجبل، وما دامت السماء والأرض، في أشباه كثيرة لهذا، يريدون: لا أفعله أبدًا، فخاطبهم الله بما يستعملون.
وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 159.]]: إن الله تعالى خاطب العرب على ما تعقل، ومن ألفاظهم في التأبيد أن يقولوا: لا أفعل ذلك ما دامت السموات والأرض، وما أن السماء سماء، وما بلَّ بحر صوفة [["البيان والتبيين" 3/ 7.]]، وما ناحت الحمام وتغنت، وما أطت الإبل، وما اجترت الناب [[في (ب): (النار).]]، وما لألأت الفور [[في الثعلبي 7/ 57 أ "وما لألأت العُفْر بأذنابها". ويقال "ما لألأت الفوز بأذنابها" أي لا أفعل ذلك ما حركت الظباء أذنابها. انظر: "جمهرة الأمثال" 2/ 281، "اللسان" (لأ لأ، فور)، "سمط اللآلئ" ص 5، وفيه (ما لألأت العفر).]] فلما كانوا يستعملون هذه الألفاظ ظنًّا منهم أن هذه الأشياء لا تتغير، خاطبهم الله على سبيل ذلك فقال تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ عندكم وليست عندنا دائمة، كما قال -يعني أبا جهل-: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] أي عند نفسك، فأما عندنا فلا.
فعلى هذا القول معنى الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾؛ قال الفراء: [["معاني القرآن" 2/ 28.]] هذا استثناء استثناه الله تعالى ولا يفعله، كقولك: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعزيمتك على ضربه، فكذلك قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾، ولا يشاؤه.
هذا كلامه وزاده أبو بكر بيانا فقال: يجوز أن يكون الاستثناء ذكره الله تعالى وهو لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا، كما يقول الرجل لغلامه: والله لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وهو لا ينوي إلا ضربه، فمعنى الاستثناء منه أني لو شئت أني لا أضربك لقدرت، غير أني مجمع على ضربك، وكذلك معنى الآية خالدين فيها أبدًا إلا أن يشاء ربك، وهو لا يشاء إلا تخليدهم، فوقع الاستثناء على معنى لو شاء أن لا يخلدهم لقدر، والدليل على أن الاستثناء هاهنا لا يعود إلى [[في (ي): (على).]] نقص الخلود أن الله تعالى بين في مواضع من كتابه أنه يخلد الكافرين في النار، والمؤمنين في الجنة، فإذا ذكر في هذه الآية الاستثناء، كان ذلك استثناء لا يكون ولا يوجد، فجرى مجرى قول العرب: والله لأهجرنك أبدًا [[ساقط من (ب).]] إلا أن يشيب الغراب [[هذا المثل يضرب في الاستحالة، انظر: "المستقصى" 2/ 59، "فصل المقال" 474، 482، "تمثال الأمثال" 422.]]، وهذا الاستثناء لا يفيد نقص شيء من التأبيد؛ لأن الغراب لا يشيب، كذلك الله تعالى [لا يريد أن ينقصهم من الخلود شيئًا بعد أن أخبر به.
وهذا القول ذكره أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79.]] في أحد قولي أهل اللغة، وحكى قولا آخر، قال بعضهم]: [[ما بين المعقوفين مطموس في (ب).]] الاستثناء وقع من الخلود بمقدار موقفهم للحساب، المعنى: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار موقفهم للحساب.
وقال ابن كيسان: الاستثناء وقع بمقدار تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار، واختاره ابن قتيبة [["مشكل القرآن وغريبه" (1/ 214، "تأويل مشكل القرآن" / 76.]] فقال: خالدين في النار إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
وقيل: الاستثناء يعود إلى حبس الفريقين في البرزخ، وهذه الأقوال قريبة من السواء؛ لأنه يمكنك الجمع بينها فتقول: خالدين فيها أبدًا إلا مقدار مكثهم في الدنيا والبرزخ والوقوف للحساب، ثم يصيرون إلى النار أبدًا أو إلى الجنة أبدًا.
وقال جماعة [[ذكره الطبري 12/ 120 عن قتادة وأبي سنان، والضحاك، وخالد بن معدان. الثعلبي 7/ 57 أ، البغوي 4/ 250، "زاد المسير" 4/ 160 وعزاه لابن عباس والضحاك.]] من المفسرين: هذا الاستثناء يعود إلى إخراج أهل التوحيد [من النار] [[ساقط من (ي).]] وقدر مدة إدخال مذنبي المسلمين النار، وكأنه قال: خالدين في النار أبدًا إلا ما شاء ربك من [إخراج المذنبين إلى الجنة، وخالدين في الجنة أبدًا إلا ما شاء ربك من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] إدخال المذنبين النار مدة من المدد ثم يصيرون إلى الجنة، وهذا معنى قول ابن عباس [[الثعلبي 7/ 57 أ، وأخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2086، وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس كما في "الدر" 6/ 634، "زاد المسير" 4/ 160.]]، وعلى هذا الاستثناء وقع من الخلود، ولهذا قال: ﴿مَا شَاءَ﴾ ولم يقل من شاء؛ لأن المذنبين من المؤمنين لا يكونون أشقياء، والأشقياء هم الكافرون.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 80.]]: ويجوز أن يكون الاستثناء من الزفير والشهيق على أن لهم فيها زفيرًا وشهيقًا إلا ما شاء ربك [من أنواع العذاب الذي لم يذكر، وكذلك لأهل الجنة نعيم مما ذكر ولهم ما لم يذكر ما شاء ربك] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]. هذا كله إذا قلنا إن المراد بقوله ما دامت السموات والأرض التأبيد، [فإذا قلنا ليس المراد به التأبيد، وهو قول ابن عباس؛ لأنه قال في قوله ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]: من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما [["تنوير المقباس" ص 145، والثعلبي 7/ 56 ب.]]، وهذا لا يدل على التأبيد، لكنه يتبين بما قد حصل طول مدته وتصورت حالة مشاهدته، فكأنه قال: خالدين فيها مدة العالم، وسَهُلَ أمر الاستثناء لأن للسموات والأرضِ وقتا تتغيران فيه عن هيئتهما، يقول الله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾ [إبراهيم: 48]، فأراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، إلا ما شاء ربك من الزيادة المضاعفة لا إلى نهاية، و (إلا) هاهنا تكون بمعنى سوى أو (الواو) كما تقول في الكلام: لك عندي ألف إلا ألفين؛ أي سوى الألفين الذين لك عندي، والمعنى على هذا: خالدين فيها مقدار دوام السموات والأرض سوى ما شاء ربك أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وهذا أحد قولي الفراء [["معاني القرآن" 2/ 28.]]، واحد قولي أهل اللغة فيما حكاه الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 79.]]، وذكرنا في مواضع من هذا الكتاب كون (إلا) بمعنى الواو وبمعنى سوى [[ذهب الكوفيون وعلى رأسهم الفراء وثعلب -كما ذكر أبو حيان- ومن تبعهم كأبي عبيدة والأخفش والهروي وابن فارس والجرجاني وبعض أصحاب المعاجم كالجوهري وابن منظور والفيروزآبادي إلى أن (إلا) تأتي بمعنى الواو العاطفة، واحتجوا بكثرة مجيئه في كتاب الله وكلام العرب. وذهب البصريون ومن تبعهم كالطبري ومكي القيسي وأبي البركات الأنباري وابن مالك والمالقي والمرادي وابن عقيل وابن القيم إلى أن (إلا) لا تأتي بمعنى الواو، وعللوا صحة ما ذهبوا إليه بأمرين:
أحدهما: أن الأصل أن ينفرد كل حرف بمعنى، ولا يقع حرف بمعنيين؛ لما في ذلك من الاشتراك الملبس، وما صح منه عن العرب يقتصر عليه، ولا يقاس.
الثاني: أن (إلا) للاستثناء، وهو إخراج الثاني من حكم الأول، والواو للجميع، وهو يقتضي إدخال الثاني في حكم الأول، فلا يكون أحدهما بمعنى الآخر؛ لأن المعنيين متباينان. وأجابوا عما احتج به الكوفيون من الآيات والأبيات بأنها جميعًا محمولة على الاستثناء المنقطع. == ورجح أبو حيان مذهب البصريين، قال: وإثبات (إلا) بمعنى الواو لا يقوم عليه دليل والاستثناء سائغ فيما ادُّعي فيه أن (إلا) بمعنى (الواو).
راجع: "الإنصاف" 1/ 266 - 272، "البيان في غريب إعراب القرآن" 2/ 219،
"معاني القرآن" للفراء 1/ 89 - 90، 2/ 287 - 288، "مجاز القرآن" 1/ 60، "البحر المحيط" 1/ 442، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 152، "التبيين" 403، "الصحاح" (إلا) 6/ 2545، "لسان العرب" (إلا) 1/ 104، "القاموس المحيط" (إلا) 962، "معاني الحروف" / 128، "سر صناعة الإعراب" 1/ 303، "بدائع الفوائد" 3/ 70 - 71.]].
قال النحويون: إذا استثنينا [[في (ي): (استثنى).]] زائدًا من ناقص لحق بالأول، كما لو قال: لك عندي ألف إلا الألفين، فقد أقر بثلاثة الآلاف لأنه استثنى زائدًا من ناقص، ومعنى (إلا) هاهنا كمعنى الواو، وكذلك في الآية، الذي يشاؤه [[في (ب): (يشاء).]] الله من الخلود أكثر من مدة كون السموات والأرض، وكأن المعنى ما دامت السموات والأرض وما شاء ربك مما يريد إلى ما لا يتناهى [[قال القرافي -بعد أن ذكر الأقوال الذي الاستثناء في هذه الآية-: وهذه كلها أقوال لا حاجة إليها ولا ضرورة، بل الاستثناء صحيح على بابه لمقتضى ظاهر اللفظ، وأنه ما تقدم من الدوام قبل الدخول هذا كله إذا قلنا سموات الدنيا وأرضها، وإن قلنا سموات الجنة وأرضها وسماء النار وأرضها فهي تدوم لا إشكاك في الدوام. أ. هـ "الاستغناء في معنى الاستثناء" /420.]]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد من إخراج أهل التوحيد من النار.
11:108Page 233
۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨
And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا﴾، يقال [["تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690، اللسان (سعد) 4/ 2012.]] سَعِدَ فلان يَسْعَدُ سعادة وسَعْدًا فهو سعيد نقيض شقي، وقرأ أهل الكوفة ﴿سُعِدُوا﴾ بضم السين [[قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر (سَعِدوا) بفتح السين وقرأ حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم (سُعِدوا) بضم السين، "السبعة" 339 "الكشف" 1/ 536 "إتحاف" ص 260، الطبري 12/ 119.]]. وسيبويه والمحققون من أهل اللغة على أن كلام العرب (أسعده الله) وأنه لا يبني في الثلاثة من هذا للمفعول به، فلا يقال (سُعِدَ) كما لا يقال (شُقِي)؛ لأن السعادة مصدر لا يتعدي فعله، وقالوا في هذه القراءة: إنها لغة خارجة عن القياس، أو تكون من باب (فَعَلَ وفَعَلْتُه)، نحو: غاض الماء وغِضْتُه، وحَزَن وحَزَنْته، كذلك يقال سَعَد وسَعَدْتُه، فإن احتج صاحب هذه القراءة بقولهم (مسعود) وهو على (سعد)، فلا دلالة قاطعة في هذا؛ لأنه يجوز أن يكون مثل (أجنه الله فهو مجنون)، و (أحبه الله فهو محبوب)، جاء المفعول في نحو هذا على حذف الزيادة، كما جاء الفاعل بحذف الزيادة من نحو:
[يكشف عن] [[ساقط من (ي).]] جمَّاته دلو الدالْ [[من رجز ينسب للعجاج وبعده:
عباءة غبراء من أجن طال
انظر: "ديوانه" 321/ 2 الملحقات، "اللسان" (دلا) 3/ 1417، "أدب الكاتب" / 612، "تاج العروس" 7/ 193 (غثر)، "تهذيب اللغة" 2/ 1213.]]
وإنما هو المدلي، وكذلك قوله [[القائل العجاج وقبله:
عصرًا وخُضْنا عيشَهُ المعُدْلَجا
والمعنى: من أقام بهذا المهمه فقد هلك: "ديوانه": 2/ 43، "الخصائص" 2/ 210، "المحتسب" 1/ 92 "المخصص" 6/ 127 "المقتضب" 4/ 180.]]:
ومَهْمَهِ هالك من تعرجا في أحد القولين، والقول الآخر: أن تميمًا تقول: هلكني زيد، ومن الحذف قوله [[من أرجوزة لرؤبة يمدح فيها بلال بن أبي بردة، وبعده:
نضو قداح النايل النواضي
انظر: "ديوانه" 82، "المقتضب" 4/ 179، "المحتسب" 2/ 242، "اللسان" (غضا).]]:
يخرجن من أجواز ليل غاض
يريد: مُغْض، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر:22] وهي تلقح الشجر فإذا لقحتها وجب أن يكون الجمع: ملاقح: فجاء على حذف الزيادة، [وكذلك (مسعود) يجوز أن يكون على حذف الزيادة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، ثم يمكن أن يقال: ﴿سُعِدُوا﴾ أيضًا من أسعده الله، وقد جاء على حذف الزيادة كما ذكرنا في مسعود، هذا كلام المحققين من أهل اللغة [[ما سبق نقله بتصرف عن أبي علي الفارسي في كتابه "الحجة" 4/ 378 - 380.]]، والمتأخرون أجازوا: سعده الله وأسعده، فقد ذكر الزجاج [[باب الوفاق هو من كتاب "فعلت وأفعلت" للزجاج، وهو مرتب على الحروف فيذكر ما ورد على صيغة (فعلت وأفعلت) في كل حرف ويقسمه إلى قسمين: الوفاق: وهو ما اتفق في المعنى، والخلاف: ما اختلف في المعنى. انظر: الإحالة هنا في كتاب "فعلت وأفعلت" ص 21.]] في باب الوفاق: سَعَدَ الله جَدَّه، فهو مسعود، وأسعد جده فهو مُسْعَد، وذكر الفارابي: السعد معنى [[كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (بمعنى) بالباء.]] الإسعاد في باب فَعَلَ يَفْعَل [[في (ي): (معنى الإسعاد في باب الفعل فعل يفعل). وينظر: "ديوان الأدب" للفارابي 2/ 201.]]، وأجاز الأزهري [["تهذيب اللغة" (سعد) 2/ 1690.]] أيضًا: سعد وأسعد، ولعل هؤلاء ذهبوا في هذا الذي أجازوه إلى هذه القراءة، وقال الفراء [["الدر المصون" 4/ 131.]]: كلام العرب سعد الرجل وأسعده الله، إلا هذيلًا فإنهم يقولون: سُعد الرجل بالضم، وبذلك قرأ أصحاب [["البحر" 5/ 264، وهي قراءة حمزة والكسائي وحفص، وابن مسعود وطلحة بن مصرف وابن وثاب والأعمش.]] عبد الله، وقال الكسائي [["البحر" 5/ 264، "الدر المصون" 4/ 131.]]: سُعدوا وأسعدوا لغتان.
وقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، انتصب (عطاء) على المصدر بما دل عليه الأول، كأنه قيل: إعطاهم النعيم عطاءً غير مجذوذ، ويكون العطاء اسما أقيم مقام المصدر، كقول القطامي [[القطامي وصدره:
أكفرًا بعد رد الموت عني
انظر: "ديوانه" / 37، "الخزانة" 1/ 391 "شرح الشواهد" للعيني 3/ 505، "اللسان" (عطا) 5/ 3001، السيوطي / 287، "الدرر" 1/ 161، 2/ 127، "تذكرة النحاة" ص 456، "معاهد التنصيص" 1/ 179، "المقاصد النحوية" 3/ 505.]]:
وبعد عطائك المائة الرتاعا
والمجذوذ: المقطوع في قول المفسرين [[رواه الطبري 15/ 490 عن الضحاك وقتادة وابن عباس ومجاهد وأبي العالية وابن زيد، وانظر: الثعلبي 7/ 58 أ، البغوي 4/ 201، "زاد المسير" 4/ 162، القرطبي 9/ 103 ابن كثير 2/ 504.]] كلهم، يقال: جذه يجذه جذًّا، وجذ الله دابرهم. وقال النابغة [[النابغة الذبياني من قصيدته المشهورة في مدح عمرو بن الحارث الأعرج يقول في وصف سيوف الغسانين، و (السلوقي) الدروع منسوبة إلى سلوق مدينة باليمن،== "الصفاح": الحجارة العراض، "الحباحب" الشرر الذي يسقط من الزناد، وانظر: "ديوانه" ص 32 "أمالي ابن الشجري" 2/ 269، "اللسان" (سلق)، "تهذيب اللغة" 2/ 1737، الطبري 15/ 489، الزجاج 3/ 80 والقرطبي 9/ 103.]]: تَخُذّ السَّلُوقيَّ المضاعف نَسجُهُ ... ويوقدن بالصفاح نار الحباحب
والآية تدل على أن نعيم أهل الجنة لا ينقطع أبدًا.
11:109Page 234
فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ ١٠٩
So do not be in doubt, [O Muḥammad], as to what these [polytheists] are worshipping. They worship not except as their fathers worshipped before. And indeed, We will give them their share undiminished.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ﴾: و ﴿لَا تَكُ﴾ أصلها: لا تكن، وإنما حذفت النون عند سيبويه لكثرة استعمال هذا الحرف.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222.]] في قوله ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [[النحل: 120.]]: ذكر الجلة من البصريين أنه اجتمع فيها كثرة الاستعمال، ومع ذلك أشبهت النون حروف اللين بأنها تكون علامة كما تكون حروف اللين علامة، وأنها غنة تخرج من الأنف فلذلك احتملت الحذف.
وقال أبو الفتح الموصلي [["سر صناعة الإعراب" 2/ 238 باختصار.]]: أشبه الحروف الصحيحة بحروف المد: النون؛ لأنها ضارعت بالمخرج والزيادة والغنة والسكون في (لا تكن) حروفَ المد، فحذفت كما يحذفن إذا وقعن طرفًا.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني المشركين، قال أبو بكر الأنباري: قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ﴾ ليس على ظاهره؛ لأنه لا حجة ولا طعن عليهم بمعرفة أعيان معبوداتهم، ولكنه من باب حذف المضاف، تلخيصه: ولا تك في شك من حال ما يعبدون في أنها لا تضر ولا تنفع.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي إلا كعبادة آبائهم من قبل، ﴿مَا﴾ [[ساقط من (ي).]] مع الفعل بمنزلة المصدر؛ يريد: أنهم على طريق [[في (ي): (تقدير).]] التقليد يعبدون الأوثان كعبادة آبائهم.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾، أي من العذاب في قول ابن عباس [[هذا القول مروي عن ابن زيد كما في الطبري 12/ 123، والمروي عن ابن عباس هو "ما وعدوا فيه من خير أو شر" كما في الطبري 12/ 122، "زاد المسير" 4/ 162.]] وغيره.
11:110Page 234
وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ ١١٠
And We had certainly given Moses the Scripture, but it came under disagreement. And if not for a word1 that preceded from your Lord, it would have been judged between them. And indeed they are, concerning it [i.e., the Qur’ān], in disquieting doubt.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 58 ب، البغوي 4/ 202، "زاد المسير" 4/ 162، ابن عطية 7/ 407.]]: يعزّي النبي ﷺ، يعني أن هذا تسلية للنبي ﷺ بالحال التي تعم من التكذيب، أي إنْ كذبوا بالكتاب الذي [آتيناك، فقد كذب من قبلهم بالكتاب الذي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] آتينا موسى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 162، الطبري 12/ 232 من غير نسبة.]]: يريد أني أخرت أمتك إلى الموت أو إلى يوم [[ساقط من (ي).]] القيامة، ولولا ذلك لعجلت عقاب من كذبك، قال ابن الأنباري [[الرازي 18/ 69.]]: أعلم الله أنه لولا ما تقدم من حكمه بتأخير عذابهم إلى يوم القيامة، لكان الذي يستحقونه عند عظيم كفرهم إنزال عاجل العذاب بهم، لكن المتقدم من قضائه أخر ذلك عنهم في دنياهم، فابن عباس والكلبي [["تنوير المقباس" ص 145.]] وأكثر أهل التفسير على أن هذا في كفار مكة، وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 149 ب.]]: يُعني بهذا قوم من أصحاب موسى، والظاهر هو الأول؛ لأن الذين كذبوا بالتوراة أهلكوا في الدنيا عاجلًا، ولم تؤخر عقوبتهم إلى الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ يعني من القرآن، وفي قول مقاتل [[ساقط من (ي).]]: من كتاب موسى، ﴿مُرِيبٍ﴾ هو موقع للريبة.
11:111Page 234
وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١١١
And indeed, each [of the believers and disbelievers] - your Lord will fully compensate them for their deeds. Indeed, He is Aware of what they do.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، اختلف القراء [[قرأ ابن كثير ونافع بالتخفيف فيهما، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر تخفيف النون وتشديد الميم، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد النون، واختلفا في الميم فشددها حمزة وخففها الكسائي. وقرأ أبو عمرو مثل قراءة الكسائي، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ ابن عامر مثل قراءة حمزة، وقرأ حفص عن عاصم بالشديد فيهما مثل حمزة وابن عامر. انظر: "السبعة" 339، الطبري 12/ 232 - 124 ، "إتحاف" ص 260، "الكشف" 1/ 536.]] في تشديد ﴿إِنَّ﴾ و ﴿لمَّا﴾ وتخفيفهما؛ فقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿وَإِنَّ﴾ مشددة النون ﴿لمَا﴾ خفيفة، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.]]: تخفيف ﴿لمَا﴾ هو الوجه والقياس، ولام ﴿لمَا﴾ لام ﴿إِنَّ﴾ و (ما) زائدة مؤكدة لم تغير المعنى ولا العمل.
وقال أبو علي [["الحجة" 4/ 381 - 386 بتصرف واخصار.]]: هذه القراءة وجهها بين، ومثاله من الكلام (إن زيدًا [لما لينطلقن)]، [[ما بين المعقوفين بياض في (ب).]]، فاللام في (لما) هي اللام التي تقتضيه (إنَّ)، و (إنَّ) تقتضي أن يدخل على خبرها أو اسمها لام كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [[ساقط من (ي).]] [النحل: 18]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الحجر: 77]، واللام الأخرى هي التي لتلقّي القسم، نحو: (والله لتفعلن)، ودخلت (ما) لتفصل بين اللامين؛ لأنه إذا كره أن تجتمع "اللام" و"أن" مع اختلاف لفظيهما لاتفاقهما في معنى التأكيد ففصل بينهما فأنْ يفصل بين اللامين مع اتفاق اللفظين أجدر، فقوله ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾، نصب ﴿كُلًّا﴾ بـ (أن) ودخلت اللام -وهي لام الابتداء- على خبر "إن" وهو قوله ﴿لمَّا﴾، وقد دخلت في الخبر لام أخرى وهي التي يتلقى [[ساقط من (ي).]] بها القسم، وتختص بالدخول على الفعل ويلزمها في أكثر [[ساقط من (ب).]] الأمر أحد النونين، فلما اجتمعت اللامان فصل بينهما بـ (ما) كما فصل بين "أن" و"اللام"، فدخلت (ما) لهذا المعنى -وإن كانت زائدة- لتفصل.
وقال الفراء [["معانى القرآن" 2/ 28.]] في وجه هذه القراءة: جعل (ما) اسما للناس؛ كما قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] ثم جعل اللام التي فيها جوابًا لـ (إنَّ)، وجعل اللام التي في ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ لامًا دخلت على نية يمين فيما بين "ما" وصلتها، كما تقول: (هذا مَنْ لَيَذْهَبَنَّ)، و (عندي ما لَغَيْرُهُ خيرٌ منه)، ومثله ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72]، وهذا القول كالأول إلا أنه أجاز أن تكون "ما" هاهنا اسمًا بمعنى "مَنْ"، وعند الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.]] والبصريين (ما) صلة زائدة كما ذكرنا، وقرأ ابن كثير ونافع ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مخففتين. ووجه هذه القراءة ما ذكره سيبويه [["الحجة" 4/ 386.]]، وهو أنه قال: حدثنا من نثق به أنه سمع من العرب من يقول: (إنْ عمروًا [[في (أ)، (ب): (إن عمرًا).]] لمنطلق)، قال: وأهل المدينة يقرؤون ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ يخففون وينصبون.
قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (إن) 1/ 223، وفيه "وقال أبو طالب النحوي، فيما روى عنه المنذري، قال: أهل البصرة غير سيبويه وذويه يقولون: إن العرب تخفف (إن) الشديدة وتعملها .. " والصحيح ما أثبته كما في "الكتاب" 1/ 283.]]: أخبرني المنذري عن أبي طالب النحوي أنه قال: أهل البصرة أعني به سيبويه وذويه يقولون العرب تخفف (أنّ) الشديدة وتعملها وأنشدوا [[في رواية (ووجه مشرق النحر) وهو من شواهد سيبويه التي لم تنسب، والنقل مع الشاهد في "الكتاب" 2/ 135، وانظر: "الخزانة" 4/ 358، ابن الشجري 1/ 362، الطبري 12/ 125، "تهذيب اللغة" (إن) 1/ 223، "الإنصاف" ص 166، "أوضح المسالك" 1/ 378، "تلخيص الشواهد" ص 389، "شرح المفصل" 8/ 82، "اللسان" (أنن) 1/ 19، "المقاصد النحوية" 2/ 305.]]:
ووجه حسن النحر ... كأنْ ثدييه حقان
أراد (كأنّ) فخفف وأعمل، قال أبو علي [["الحجة" 4/ 386.]]: ووجه النصب بها مع التخفيف من القياس أن (أنَّ) مشبهة في نصبها بالفعل، والفعل يعمل محذوفًا كما يعمل غير محذوف [[في (ي): (كما يعمل في غير محذوف).]]، وذلك في نحو: (لم يك زيد منطلقًا)، وكذلك (لا أدر).
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 29.]]: لم نسمع العرب تخفف (أنَّ) وتعملها إلا مع المكني؛ لأنه لا يتبين فيه إعراب، نحو قوله [[البيت لم أعثر على قائله وهو في "الإنصاف" 169، "شرح المفصل" لابن يعيش 8/ 71، 73 "خزانة الأدب" 2/ 465، 4/ 452، "شرح الشواهد" للسيوطي ص 31، "همع الهوامع" 2/ 187، "الدر" 1/ 120، "الإنصاف" 1/ 205، "الجنى الداني" / 218، "شرح ابن عقيل" 1/ 384، "اللسان" (حرر) 2/ 830، "المقاصد النحوية" 1/ 311.]]:
فلو أنْكِ في يوم الرخاء سألتني ... فراقكِ لم أبخل وأنتِ صديق
فأما مع الظاهر فلا، لكن إذا خففوها رفعوا، قال: ومن قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا﴾ فإنهم نصبوا (كلًا) بـ ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ كأنه قال: وإن ليوفينهم كلا. قال: وهذا وجه لا أشتهيه؛ لأن اللام لا يقع الفعل الذي بعدها [[ساقط من (ب).]] على شيء قبله، وقرأ حمزة وابن عامر وحفص ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ مشددتان.
والكلام في تخفيف "إنَّ" وتشديدها قد ذكرناه، وبقي الكلام في تشديد ﴿لَمَّا﴾ هاهنا.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 81.]]: زعم بعض النحويين أن معناه (لمن ما) ثم قلبت النون ميمًا، فاجتمعت ثلاث ميمات، فحذفت إحداها وهي الوسطى فبقيت (لمّا). قال: وهذا القول ليس بشيء؛ لأن (من) لا يجوز حذفها لأنها اسم على حرفين، ولكن التشديد فيه قولان: أحدهما يروى عن المازني [["تهذيب اللغة" (لم) 4/ 3295.]] زعم أن أصلها "لَمَا" ثم شددت الميم. قال: وهذا القول ليس بشيء أيضًا [[في (جـ)، (ي): (أصلا).]]؛ لأن الحروف نحو: (ربّ) وما أشبهها تُخفف، ولسنا نثقل ما كان على حرفين.
قال: وقال بعضهم قولا [[ساقط من (ي).]] لا يجوز غيره والله أعلم، أن (لما) في معنى (إلا) كما تقول: سألتك لما فعلت وإلا فعلت، ومثله ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] معناها إلا عليها.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 29.]]: أما من شدد (لما) فإنه والله أعلم أراد لمن [[في (ي): لما.]] ما ليوفينهم، فلما اجتمعت ثلاث ميمات حذفت واحدة فبقيت ثنتان فأدغمت في صاحبتها كما قال [[لم أهتد إلى قائله، وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، الطبري 12/ 123 - 124 القرطبي 9/ 105، "الدر المصون" 6/ 403.]]:
واني لمما [[في (ب): (فلما).]] أصدر الأمر وجهه ... إذا هو أعيا بالسبيل مصادره
قال: وربما تحذف بعض الحروف إذا اجتمعت كما أنشد الكسائي [[لم أهتد إلى قائله. وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، الطبري 12/ 124، "الدر المصون" 6/ 403.]]:
وأشمتَّ العداة بنا فأضحوا ... لَدَيَّ تباشرون بما لقينا
معناه لَدَيَّ يتباشرون فحذف لاجتماع الياءات، ومثله [[لم أهتد إلى قائله. وانظر: "معاني القرآن" 2/ 29، "اللسان" (قدم) 6/ 3554، الطبري 15/ 495، "الدر المصون" 6/ 404.]]:
كأن من آخرها إلقادمِ ... مَخْرِمَ نجدِ فارع المخارمِ
أراد (إلى القادم)، فحذف اللام عند اللام، قال: وأما من جعل (لما) بمنزلة (إلا) فإنه وجه لا نعرفه، وقد قالت العرب: بالله لما قمت عنا، وإلا قمت عنا وأما (لما) بمعنى (إلا) في الاستثناء فلم يقولوه في شعر ولا غيره؛ لا يجوز: ذهب الناس لما زيد بمعنى [[في (ب): (المعنى).]] إلا، هذا كلامه، ومعنى (ما) في قوله "لمن ما" معنى (من)، وقد أنكر ما أجازه الزجاج.
قال أبو علي [["الحجة" 4/ 387.]]: من قرأ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتشديد [فيهما [[ساقط من (ي).]] فقراءته مشكلة، وكذلك قراءة أبي بكر عن عاصم: ﴿وإن كُلا﴾ بالتخفيف، ﴿لمَّا﴾ بالتشديد] [[و (¬7) ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] وذلك أن ﴿إِنَّ﴾ إذا نصب بها وإن كانت مخففة كانت بمنزلتها مثقلة، و ﴿لمَّا﴾ إذا شددت كانت بمنزلة إلا، فكما لا يحسن [(إن زيدًا إلا منطلق) كذلك لا يحسن] (¬7) تثقيل ﴿إِنَّ﴾ وتثقيل ﴿لَمَّا﴾، فأما مجيء ﴿لَمَّا﴾ هو في قولك: نشدتك الله لما فعلمت وإلا فعلت؛ فقال الخليل: الوجه لتفعلن كما تقول أقسمت عليك لتفعلن، وأما دخول إلا ولما فلأن المعنى الطلب، فكأنه أراد ما أسألك إلا فعل كذا فلم يذكر حرف النفي في اللفظ وإن كان مرادًا [كما كان مرادًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] في قولهم [[مثل عربي، انظر: "الإيضاح في علوم البلاغة" للخطيب القزويني 2/ 48، "المستقصى في أمثال العرب" للزمخشري 2/ 130.]] شرٌّ ما أَهَرَّ ذا ناب، أي ما أهره إلا شرٌ، وليس في الآية معنى نفي ولا طلب، وهذا إنما كان يحسن ﴿إِنَّ﴾ لو خففت فخفف ﴿إِنَّ﴾ ورفع ﴿كُلًّا﴾ بعدها ثم ثقل ﴿لَمَّا﴾، فكان يجوز تثقيل ﴿لَمَّا﴾ على أن يكون المعنى: ما كل إلا ليوفينهم، فيكون ذلك كقوله ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الزخرف: 35] فأما تثقل ﴿لمَّا﴾ مع النصب في (كل) فلا وجه له.
وهذا كله في إبطال ما أجازه الزجاج في تشديد ﴿لمَّا﴾؛ قال [[أي: أبو علي؛ انظر: "الحجة" 4/ 387، بتصرف.]]: وأما قول الفراء: المعنى (لمن ما) فادعم النون في الميم بعد ما قلبها ميمًا ثم حذفت إحدى [[ساقط من (ب).]] الميمات، فإن ذلك لا يسوغ، ألا ترى أن في هذه السورة مميات أكثر مما اجتمعن في (لمن ما) ولم يحذف منها شيء، وذلك في قوله ﴿وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ﴾ [هود: 48] فإذا لم يحذف شيء من هذا فلأن لا تحذف ثَمَّ أجدر، وقد قرئ ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا﴾ بالتنوين، والمعنى [[في (ب). (ومعنى).]] أن كلا جميعًا ليوفينهم، ومعنى اللم: الجمع فوصف بالمصدر كقوله ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: 19].
فإن قال قائل: إن (لما) فيمن ثقل أنها هي ﴿لمًّا﴾ هذه ووقف عليها بالألف تم أجري الوصل مجرى الوقف فذلك مما يجوز في الشعر.
قال الكسائي [["مشكل إعراب القرآن" ص 416.]]: من شدد ﴿إِنَّ﴾ وشدد ﴿لمَّا﴾ فالله أعلم بذلك ليس لي به علم، ولا من خفف "إنّ" ثم نصب (كلاّ) أيضًا وشدد "لمّا" فلست أدري أيضًا، قال أبو علي: ولم يبعد الكسائي فيما قال [[انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 387 - 388، بتصرف.]]. وقوله تعالى ﴿رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 126، البغوي 4/ 203، "زاد المسير" 4/ 164، القرطبي 9/ 104 من غير نسبة.]]: يريد جزاء بما عملوا، وعلى هذا هو من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: ليوفينهم ربك جزاء أعمالهم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، خبير قال: يريد بطاعة أوليائه وخبير بمعصية أعدائه.
11:112Page 234
فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١١٢
So remain on a right course as you have been commanded, [you] and those who have turned back with you [to Allāh], and do not transgress. Indeed, He is Seeing of what you do.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾، الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة، وذلك خلاف الأخذ في جهات اليمين والشمال، قال المفسرون [[الطبري 12/ 126، الثعلبي 7/ 59 أ، البغوي 4/ 203.]]: معناه فاستقم على العمل بأمر ربك والدعاء إليه في ﴿كَمَا أُمِرْتَ﴾ في القرآن.
وقال ابن عباس [[قلت: بل المروي عن ابن عباس خلاف هذا حيث قال: ما نزلت على رسول الله ﷺ آية هي أشد عليه من هذه الآية، ولذلك قال: "شيبتني هود وأخواتها" البغوي 2/ 404، القرطبي 9/ 107. قال في "كشف الخفاء" 2/ 20، رواه ابن مردويه في "تفسيره".وانظر: "المقاصد الحسنة" للسخاوي 255، 256، والترمذي (3297) == كتاب: التفسير، باب: ومن سورة الواقعة، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى بعد: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾.]]، والسدي [[الثعلبي 7/ 59 أ، القرطبي 9/ 107.]]: الخطاب له والمراد منه أمته.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ (مَنْ) في محل الرفع من وجوه؛ أحدها: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿فَاسْتَقِمْ﴾، أي فاستقم أنت وهم، والثاني: أن تكون عطفا على الضمير في ﴿أُمِرْتَ﴾، والثالث: أن تكون ابتداء على تقدير ومن تاب معك فليستقم، ومعنى ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 164.]]: يريد أصحابه الذين تابوا من الشرك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾، معنى الطغيان تجاوز المقدار، قال ابن عباس [[الرازي 18/ 71.]]: يريد تواضعوا لله ولا تَجَبَّروا على أحد.
وقال الكلبي [["زاد المسير" 4/ 164 ونسبه إلى ابن عباس.]]: ولا تطغوا في القرآن فتحلوا أو تحرموا ما لم يأمركم به الله، وقيل [[أخرجه الطبري 12/ 126 عن ابن زيد، وابن أبي حاتم 6/ 2089، وانظر. "الدر" 3/ 636، و"زاد المسير" 4/ 164، والثعلبي 7/ 59 أ.]]: لا تجاوزوا أمري ﴿إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، قال ابن عباس: لا تخفى عليه أعمال بني آدم، علم قبل أن يعملوا ما هم عاملون.
11:113Page 234
وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ١١٣
And do not incline toward those who do wrong, lest you be touched by the Fire, and you would not have other than Allāh any protectors; then you would not be helped.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾، يقال: ركِن يركَن ركونا، ومعنى الركون السكون إلى الشيء والميل إليه بالمحبة، ونقيضه النفور عنه، ولغة أخرى ركَن يركُن. قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (ركن) 2/ 1463.]]: وليست بفصيحة، وكان أبو عمرو أجاز ركَن يركَن بفتح [الكاف من الماضي والغابر، وهو خلاف ما عليه الأبنية في السالم.
وقال الكسائي [["البحر" 5/ 269، "الدر المصون" 4/ 144.]]: قريش تقول: ركِن يركَن وأهل نجد يقولون: ركَن يركُن؛ ومنه قراءة [[قراءة "تركُنوا"، بضم الكاف، قرأ بها عبد الوارث عن أبي عمرو، وهي قراءة قتادة وطلحة بن مصرِّف. انظر: "زاد المسير" 4/ 165، القرطبي 9/ 108 وطلحة بن مصرف هو: طلحة بن مصرف بن عمرو الهمداني ثقة حجة، أحد القراء الكبار، وأقرأ أهل زمانه، أدرك أنسًا ولم يسمع منه. توفي 12 اهـ. انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 473، "تهذيب التهذيب" 2/ 243، "غاية النهاية" 1/ 343.]] طلحة بن مصرف ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ بضم الكاف.
قال ابن عباس [[رواه الطبري بمعناه عن بعض المفسرين 12/ 172، الثعلبي 4/ 103، البغوي 2/ 404، "زاد المسير" 4/ 165.]] في قوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال: لا تميلوا؛ يريد في المحبة ولين الكلام والمودة.
وقال السدي وابن زيد [[روى عنهما الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 165، وانظر: البغوي 2/ 304 عن السدي، والطبري 12/ 127 عن ابن زيد، وكذا القرطبي 9/ 108.]]: لا تداهنوا الظلمة.
وقال أبو العالية [[الطبري 12/ 127، الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، القرطبي 9/ 108.]]: لا ترضوا بأعمالهم] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (ب)]].
وقال قتادة [[الطبري 12/ 127، قال: لا تلحقوا بالشرك، الثعلبي 7/ 59 ب، "زاد المسير" 4/ 165.]]: لا تلحقوا بالمشركين.
وقوله تعالى: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾، قال ابن عباس: هو أدب للمؤمنين ليس كمثل عقوبة الكفار، يريد أن قوله: ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [[ساقط من (ي).]] يتضمن عذابًا دون عذاب الكفار؛ لأنهم مخلدون في النار، وفي هذا دليل على أن المؤمن لا يخلد في النار، ودليل أيضاً على المنع من مصادقة المشركين وموالاة الظالمين، والميل إليهم بالمحبة والسكون.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 59 ب، البغوي 2/ 204، "زاد المسير" 4/ 165، من غير نسبة.]]: يريد من مانع يمنعكم من عذاب الله.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ استئناف كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [[آل عمران/ 111.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences