Al-Wahidi (al-Basit)Hud · 11:29–40

Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic

Hud 11:29–40

11:29Page 225

وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allāh. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْه﴾، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 97.]]: الكناية تعود [[في (ي): (تفرد).]] على معنى الرحمة في قوله: ﴿وَآتَانِي رَحْمَةً﴾، وهي معنى الهدى والإيمان. وقال غيره [[الثعلبي 7/ 39 أ، الطبري 12/ 29، البغوي 4/ 171، القرطبي 9/ 26.]]: الهاء [[في (ي): (إنها).]] كناية عن تبليغ الرسالة، وقد سبق معناه فاستدل عليه وكنى عنه، وكذا قال المفسرون: لا أسألكم جعلاً على تبليغ الرسالة، وقال عطاء: يريد على ما أدعوكم إليه.

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، قال ابن جريج [[الطبري 12/ 29 - 30، "زاد المسير" 4/ 98.]]: إنهم سألوه طرد الذين آمنوا به ليؤمنوا به؛ أنفة من أن يكونوا معهم على سواء.

وقال أبو إسحاق [[كذا في جميع النسخ ولعله ابن إسحاق. البغوي 4/ 171، ابن عطية 7/ 276.]]: هذا يدل على أنهم سألوه أن يطردهم.

وقال ابن الأنباري: سألوه [[في (ب): (ساموه).]] طرد المؤمنين عنه، الذين هم سفلة عندهم، [فقال: لا يجوز لي طردهم إذ كانوا يلقون ربهم فيجزيهم بإيمانهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]، ويأخذ لهم ممن ظلمهم وصغر شؤونهم، وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 48.]] في قوله ﴿إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾، قال ابن عباس:

يريد: تجهلون ربوبية ربكم وعظمته [[الطبري 12/ 35، "زاد المسير" 4/ 98.]]، وقال أهل المعاني: تجهلون أن هؤلاء خير منكم لإيمانهم بربهم وكفركم به.

11:30Page 225

وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠

And O my people, who would protect me from Allāh if I drove them away? Then will you not be reminded?

قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 13، وفيه "من يمنعني من الله".]]: يقول: من يمنعني من عذاب الله، وكذلك ما في القرآن منه [[يعني: ما جاء في القرآن بهذا اللفظ فهو بالمعنى الذي ذكره.]]، والنصر من كذا: المنع منه، ومعنى الآية إذا طردت المؤمنين كان ذلك ذنبًا ارتكبته، فمن يدفع عني عذاب الله، وهذا دليل على أن العالم يلزمه مصابرة المتعلم، ولا يجوز له طرده والامتناع عما يطلب من العلم، ولو لم يصبر كان تعرض للعقوبة.

11:31Page 225

وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allāh will never grant them any good. Allāh is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers [i.e., the unjust]."

قوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾، ذكرنا معنى الخزائن في مثل هذه الآية في سورة الأنعام [[وهو قوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام:50]. قال: "الخزائن جمع الخزانة، وهي اسم المكان الذي يخزن فيه الشيء، وخزن الشيء: إحرازه بحيث لا تناله الأيدي. والخزانة أيضاً: عمل الخازن" اهـ.]]، قال ابن عباس في هذه الآية: يريد مفاتيح الغيب. قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 98، والبغوي 4/ 172، "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 1027، (خزن).]]: الخزائن هاهنا يعني بها غيوب الله وما هو مطوي عن الخلق، وإنما وجب أن يكون هذا جوابًا من نوح عليه السلام لهم لما قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ﴾ الآية، فادَّعوا أن هؤلاء المؤمنين اتبعوه في ظاهر ما يرى منهم، وهم في الحقيقة غير متبعين له، فقال مجيبًا لهم: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ﴾ غيوب الله التي يعلم منها ما ينطوي عليه الناس ويضمرونه، ولا أعلم ما يغيب عني مما يسترونه في نفوسهم؛ فسبيلي قبول إيمانهم الذي يظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلا الله، فقيل للغيوب: خزائن لغموضها على الناس واستتارها عنهم، كما يقال: خزن المال: إذا غيبه.

[وقوله: ﴿وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾، هذا جواب لقولهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾ أي: لا ينبغي أن تحتجوا عليّ بأمر لا أدعيه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].

وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 38 بنحوه.]]: ﴿تَزْدَرِي﴾ تستقل وتستبخس [[في (ب): (تستحسن)، وهو وهم من الناسخ.]]، يقال: أزريت على [[في (ب): (في).]] الرجل: إذا عبت عليه وخسست فعله، وأصل تزدري: تزتري، إلا أن هذه التاء تبدل بعد الزاي دالاً؛ لأن التاء من حروف الهمس، وحروف الهمس خفية، والتاء بعد الزاي تخفى فأبدل منها الدال لجهرها، وكذلك (يفتعل) من الزينة والزيادة [[يعني: تزدان، وتزداد.]].

وقال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 30، "زاد المسير" 4/ 99، البغوي 4/ 172، القرطبي 9/ 27.]]: ﴿لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ يريد: تحتقر وتستصغر، يعني المؤمنين.

﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا﴾ [وذلك أنهم قالوا: هم أراذلنا، فقال نوح: لا أقول إن الله لا يؤتيهم خيرًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 49 بمعناه.]]: أي إن كنتم تزعمون أنهم إنما اتبعوني في ظاهر الرأي، فليس علي أن أطلع على ما في نفوسهم، فإذا رأيت من يوحد الله عملت على ظاهره، ورددت علم ما في نفوسهم إلى الله.

وقوله تعالى: ﴿إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 99.]]: أي إن طردتهم تكذيبًا لظاهرهم ومبطلاً لإيمانهم.

11:32Page 225

قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢

They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

No commentary for this ayah

11:33Page 225

قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣

He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

No commentary for this ayah

11:34Page 225

وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

قوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 100، البغوي 4/ 172، ابن عطية 7/ 281، القرطبي 9/ 28.]] في رواية عطاء: يريد أن يضلكم، وقال الحسن [[قال به الطبري 12/ 32، وانظر: ابن عطية 7/ 281، "زاد المسير" 4/ 100، القرطبي 9/ 28.]]: يهلككم، وهو معنى وليس بتفسير؛ وذلك أنه لما كان يؤدي إلى الإهلاك فسر به.

وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 100، "البحر المحيط" 5/ 219.]]: في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ثلاثة أجوبة للمفسرين وأهل اللغة: منها أن يوقع الغي في قلوبكم لما سبق لكم من الشقاء، وقال بعضهم: أن يهلككم، قال: وهذا الجواب مرغوب عنه؛ لأنه يخالف الآثار، ومذاهب الأئمة، ولا يعرف الصادقون من أهل اللغة هذا من كلام العرب؛ إذ المعروف عندهم: أغويت فلانًا إذا أضللته بشر دعوته إليه وحسنته له، وغوي هو إذا ضل، [ويروى عن غير واحد من الصحابة أنه فسر يغويكم: يضلكم، هذا كلامه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]].

قال أصحابنا: فبان بهذه الآية أن الإغواء بإرادة الله تعالى، وأنه إذا أغوى فلا هادي لذلك الغاوي [[لا شك أن الهداية والضلال من الله تعالى كما قال عز وجل: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: 186]، وقال: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: 39]، ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: 37]، ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: 97]، فالهداية من الله، والاهتداء من العبد، فالاهتداء الذي هو فعل العبد هو أثر فعله سبحانه، فهو الهادي والعبد المهتدي. انظر: "شفاء العليل" لابن القيم ص 170.]].

ثم ذكر نوح عليه السلام دليل المسألة فقال: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: هو إلهكم وسيدكم وخالقكم، وتأويله: أنه إنما يتصرف في ملكه فله التصرف كيف شاء [["زاد المسير" 4/ 100.]].

11:35Page 225

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥

Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾، هذا من الاستفهام المتوسط [[قلت: المراد بالاستفهام المتوسط أن يكون معنى الآية: أيكتفون بما أوحيت إليك من القرآن، أم يقولون إنه ليس من عند الله. قاله ابن القشيري. انظر: "البحر المحيط" 5/ 208، "الدر المصون" 4/ 83.]]، وقد ذكرناه في مواضع، ومعنى ﴿افْتَرَيْتُهُ﴾ اختلقه وافتعله وجاء به من عند نفسه، والهاء تعود إلى الوحي الذي أتاهم به.

وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيَّ إِجْرَامِي﴾، الإجرام: اقتراف السيئة واكتسابها. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 49 بنحوه.]]: ويقال جرم في معنى أجرم، ورجل مجرم وجارم، وهذا من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى فعليّ إثم إجرامي أو عقوبة إجرامي. قاله أبو علي [[انظر:"الحجة" 3/ 197.]] وغيره.

وقال أهل المعاني [[القرطبي 9/ 29، البغوي 4/ 173.]]: في الآية محذوف دل عليه الكلام، وهو أن المعنى إن كنت افتريته فعلي عقاب إجرامي، وإن كانت الأخرى فعليكم عقاب تكذيبي، فحذف ما حذف لدلالة الباقي عليه، كقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 9]، ولم يذكر المشبه به.

وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي: من الكفر والتكذيب، والمعنى: أنه ليس علي من إجرامكم عائدُ ضرر، وإنما عائد الضرر عليكم، فاعملوا على تذكر هذا المعنى، وأكثر المفسرين [[البغوي 4/ 173، القرطبي 9/ 29، ابن عطية 7/ 283.]] على أن هذا من محاورة نوح قومه. وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 145ب، البغوي 4/ 173، القرطبي 9/ 29، وبه قال الطبري 12/ 32، ابن عطية 7/ 282.]]: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ يعني [[ساقط من (ي).]] محمدًا ﷺ، يقول المشركون: افترى القرآن، وهذه الآية معترضة بين قصة نوح عليه السلام.

11:36Page 225

وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، قال ابن عباس [[رواه الطبري 12/ 33 عن الضحاك، وأحمد في "الزهد"، وابن المنذر وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 592 عن الحسن، والبغوي 4/ 173، و"زاد المسير" 4/ 100، وابن عطية 7/ 284، والقرطبي 9/ 29.]] وغيره: لما جاءه هذا من عند الله دعا على قومه، فقال: ﴿لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: 26] الآية وما بعدها.

وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَبْتَئِسْ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 13.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]]: لا تحزن ولا تستكن، قال ابن عباس [[الطبري عن ابن عباس "فلا تحزن" 12/ 32، وكذا عن مجاهد أيضًا وقتادة. وابن أبي حاتم 6/ 2025 في الحاشية.]]: يريد فلا تُغم، وقال أبو زيد [["تهذيب اللغة" 1/ 411 (بئس).]]: ابتأس الرجل إذا بلغه شيء يكرهه، وأنشد أبو عبيد [["تهذيب اللغة" 1/ 411 (بئس).

والبيت لحسان كما في "ديوانه" ص 189، اللسان (بأس) 1/ 200، "التنبيه والإيضاح" 2/ 261، "تاج العروس" (بأس) 8/ 196، "أساس البلاغة" (بأس)، وبلا نسبة في "مقاييس اللغة" 1/ 338، و"المخصص" 12/ 317.]]:

ما يُقْسِمِ الله أَقْبَلَ غير مبتئسٍ ... منه وأقعُدْ كريمًا ناعم البال

أي غير حزين ولا كاره، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 39 ب، والطبري 12/ 33.]]: يقول لا تحزن فإني مهلكهم ومنقذك، وهذا تسلية من الله عز وجل لنوح عن قومه بما أعلمه [[في (ي): (أعلمهم).]] من حالهم.

11:37Page 225

وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾، قال ابن عباس [[البغوي 4/ 173، "زاد المسير" 4/ 101، "تنوير المقباس" / 140، الثعلبي 7/ 40أ، ابن أبي حاتم 6/ 2026 عنه قال: بعين الله.]]: بمرأى منا، وقال الضحاك [[الثعلبي 7/ 40 أ.]]: بمنظر منا، وقال الربيع [["زاد المسير" 4/ 101، البغوي 4/ 173، القرطبي 9/ 30، الثعلبي 7/ 40 أ.]]: بحفظنا، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]]: بإبصارنا إياك وحفظنا لك. هذا كلامهم، والمعنى بحيث نراها، فكنى عن يرى بأعين على طريق البلاغة، وتأويله: بحفظنا إياك حفظ من يراك، ويملك [[في (ي): (يعلم).]] دفع السوء عنك، وقيل [[القرطبي 9/ 30، "البحر المحيط" 5/ 220.]]: بأعين أوليائنا من الملائكة [[ساقط من (ي).]] الموكلين بك، وحكى ابن الأنباري عن بعض المفسرين بأبصارنا إليك، وهذا معنى ما ذكرنا، هذا [[هكذا في النسخ.]] طريقة المحققين، وهي موافقة لما حكينا من أقوال أئمة المفسرين.

وقال أبو بكر [["تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2293، "زاد المسير" 4/ 101.]]: جمع العين هاهنا على مذهب العرب في إيقاعها الجمع على الواحد، وهذا قول أصحاب الأثر والنقل يقولون الأعين يُعنى بها العين، وعين الله لا تفسر بأكثر من ظاهرها، ولا يسع أحدًا أن يقول: كيف هي أو ما صفتها، وهذه طريقة السلف [[انظر: "اللسان" 5/ 3196 (عين)، ومذهب السلف في هذه الصفه وغيرها == من الصفات هو الإثبات، أعني إثبات الصفة وتفويض الكيفية إلى الله تعالى، على ما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، أما تفويض الصفة والكيف فهو مذهب المبتدعة الذين لا يثبتون الصفة بل يفوضونها، وما نقله المؤلف هنا ظاهره الحق، ولكنه لا يتسق مع مذهبه الأشعري فلعله فهم منه التفويض والله أعلم. انظر: "التوحيد" لابن خزيمة ص 42، "الإبانة" لأبي الحسن 53، "شرح أصول اعتقاد أهل السنة" لللالكائي 2/ 412، "الاعتقاد" للبيهقي 41، "شرح الواسطية" 67.]].

وقوله تعالى: ﴿وَوَحْيِنَا﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 34، الثعلبي 7/ 40 أ، وابن أبي حاتم 6/ 2025 - 2026، وانظر: "الدر" 3/ 592.]]: وذلك أنه [[في (ي): (أنهم).]] لم يعلم كيف صنعة الفلك، فأوحى الله إليه أن يصنعها على مثل جؤجؤ الطائر، فعلى هذا المعنى اصنعها على ما أوحينا إليك من صفتها وحالها، ويجوز أن يكون المعنى بوحينا إليك أن اصنعها.

وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾، قال الخليل [["العين"4/ 222، "تهذيب اللغة" 1/ 1053، (خطب)، "اللسان" 2/ 1194. عن الليث.]]: الخطاب مراجعة الكلام، يقال: خاطبته خطابًا. فجعل الخطاب اسمًا لما يتردد بين المتكلمين من ابتداء وجواب، والكلام إذا تضمن المسألة قيل فيه خاطب، ومنه قوله: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي﴾ أي لا تسألني في معناهم [[هكذا في النسخ والمعنى غير واضح.]]، قال ابن عباس [[رواه الطبري 12/ 34 عن ابن جريج، وأبو الشيخ عن ابن جريج أيضًا كما في "الدر" 3/ 592، وأخرج ابن أبي حاتم 6/ 2026، وأبو الشيخ عن قتادة نحوه. "الدر المنثور" 3/ 592.]]: يريد: لا تراجعني ولا تحاورني ولا تسألني.

وقوله تعالى: ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]] وأبو بكر: في إمهال الذين ظلموا، أو في تأخير العذاب عنهم، ويراد بالذين ظلموا قومه، قال ابن الأنباري: فدعا نوح بعد هذا القول طاعة لله واتباعًا لأمره علي قومه، فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ﴾ [نوح: 26] الآية، وقيل: المراد بالذين ظلموا امرأته وابنه كنعان [[البغوي 4/ 174، "البحر المحيط" 5/ 121.]].

11:38Page 226

وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

قوله تعالى: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾، قال أبو علي الجرجاني: معناه: وأقبل يصنع فاقتصر على قوله: ﴿وَيَصْنَعُ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾، قال محمد بن إسحاق [[الطبري 12/ 36، "زاد المسير" 4/ 103، البغوي 4/ 175، ابن عطية 7/ 290.]]: قالوا: يا نوح صرت بعد النبوة نجارًا؟ وقال عامة المفسرين [[البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103، القرطبي 9/ 32.]]: إنهم رأوه ينجر الخشب، ويبني شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك قال: أعمل سفينة تجري في الماء، ولم يكونوا رأوا قبل ذلك السفينة، ولا ماء هناك يحمل مثلها، فكانوا يتضاحكون ويتعجبون من عمله لها، فقال نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50 بمعناه.]]: إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم كما تستجهلون. وقال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 103.]]: إن تسخروا منا لما ترون من صنعة الفلك فإنا نعجب من غفلتكم عما قد أظلكم من العذاب.

وقال بعض المفسرين [[البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103، القرطبي 9/ 33، "تفسير مقاتل" 146 أ.]]. إن تسخروا منا الساعة، فإنا نسخر منكم بعد الغرق، ووقوع البوار بكم. وقال أهل المعاني [[البغوي 4/ 175، "زاد المسير" 4/ 103.]]: سمى الثاني سخرية، [وليس بسخرية] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] في الحقيقة؛ ليتفق اللفظان فيكون اتفاقهما أخف على اللسان، وقد مضى لهذا نظائر.

11:39Page 226

فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ﴾ الآية، قال ابن عباس [[انظر: ابن عطية 7/ 290، "زاد المسير" 4/ 104، القرطبي 9/ 33، "البحر المحيط" 5/ 222، ابن كثير 2/ 487.]]: هذا وعيد وتهديد، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 50.]]: أعلمهم ما يكون عاقبة أمرهم، أي فسوف تعلمون من أحق بالخزي ومن هو أحمد عاقبة.

وفي قوله: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ﴾ وجهان:

أحدهما: أن يكون استفهامًا بمعنى (أي)، كأنه قيل: فسوف تعلمون أينا يأتيه عذاب، وعلى هذا محله رفع بالابتداء.

والثاني: أن يكون بمعنى (الذي) ويكون في محل النصب.

وقوله تعالى: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أي: يجب عليه وينزل به، وسنذكر استقصاء هذا الحرف عند قوله: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ في سورة طه [81] إن شاء الله.

وقوله تعالى: ﴿عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ يعني عذاب الآخرة.

11:40Page 226

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ أي: أمرنا بعذابهم وإهلاكهم.

وقوله تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾، اختلفوا في معنى التنور؛ فقال ابن عباس [[الطبري 12/ 38، الثعلبي 7/ 41 ب، وأخرجه أيضًا سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596، ابن عطية 7/ 291.]] في رواية الضحاك: ظهر الماء على وجه الأرض، وقيل لنوح عليه السلام: إذا رأيت الماء على وجه الأرض، فاركب أنت وأصحابك، وهذا قول عكرمة والزهري وابن عيينة [[رواه عنهم الطبري 12/ 38، الثعلبي 7/ 41 ب، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176.]]، ورواية الوالبي أيضاً عن ابن عباس [[ابن أبي حاتم 6/ 2029.]].

وقال قتادة [[الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 41 ب، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596، وروي هذا القول عبد بن حميد وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ عن ابن عباس كما في "الدر" 3/ 596.]]: ذكر لنا [[في (ي): (له).]] أنه أرفع الأرض وأشرفها، جعل ذلك علامة بين نوح عليه السلام وبين ربه عز وجل.

قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 105.]]: والمعنى على هذا: ونبع الماء من أعالي الأرض ومن الأمكنة المرتفعة، فشبهت لعلوها بالتنانير.

روي عن علي [[الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 41 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2029، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 596.]] رضي الله عنه أنه قال: هو تنوير الصبح، ومعناه: طلع الفجر، قال أبو بكر: ومن ذهب إلى هذا قال: المعنى وبرز النور وظهر الضوء، وتقضى الليل، فشبه تتابع الأضواء والأنوار بخروج النار من التنور.

وقال ابن عباس [[الطبري 12/ 39، الثعلبي 7/ 42 أ، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176، ابن عطية 7/ 291.]] في رواية عطية وعطاء: يريد التنور الذي يخبز فيه، قال الحسن [[الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 41 ب، البغوي 4/ 176، وذكره ابن الجوزي عن ابن عباس. انظر: "زاد المسير" 4/ 105.]]: وكان تنورًا من حجارة، وكان لآدم وحواء حتى صار إلى نوح، وقيل له: إذا رأيت الماء يفور من التنور فاركب أنت وأصحابك.

وقال مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 146 أ، "زاد المسير" 4/ 106، البغوي 4/ 176.]] عن عدة من أهل التفسير: فار التنور من أقصى دار نوح بعين وردة من أرض الشام.

وقال مجاهد [[الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 42 أ، "زاد المسير" 4/ 105، البغوي 4/ 176.]]: نبع الماء من التنور فعلمت به امرأته فأخبرته، وكان ذلك بناحية الكوفة، وهو قول الشعبي [[الطبري 12/ 40، الثعلبي 7/ 42 أ، البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 105.]] واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 14.]]، قال: هو تنور الخابز، ونحو هذا قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 105.]].

قال أبو بكر [[ما ذكره عن ابن الأنباري هو الذي رجحه الطبري 12/ 40، وهو قول أكثر المفسرين كما قال البغوي 4/ 176، وقال ابن كثير 2/ 488: هذا قول جمهور السلف وعلماء الخلف.]]: والقول الذي يذهب إليه: هو أن التنور تنور الخبز؛ لأن الحمل على الظاهر الذي [[ساقط من (ب).]] هو حقيقة أولى من العمل على المجاز، والتمثيل. وأما التنور في اللغة [[هذا النقل إلى نهايته من "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 456 (تنر).]]؛ فقال الليث [[الليث هو: ابن نصر بن سيار الخراساني، ويقال ابن المظفر بن نصر، إمام لغوي، من أصحاب الخليل، ويقال هو صاحب (العين). انظر: "تهديب اللغة" 1/ 47، "معجم الأدباء" 17/ 43.]]: التنور عمت بكل لسان وصاحبه تنار [[ساقط من (ي).]].

قال الأزهري: وهذا يدل على أن الاسم أعجمي فعربته العرب [فصار عربيًا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] علي بناء فعول، والدليل على ذلك أن أصل بنائه تنر، ولا يعرف في كلام العرب نون قبل راء، وهو نظير ما دخل من كلام العجم في كلام العرب، مثل الديباج والدينار والسندس والاستبرق ولما تكلمت بها العرب صارت عربية.

وقوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾، قال أبو الحسن الأخفش [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 327، "الحجة" 4/ 324.]]: يقال للاثنين هما زوجان، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: 49] قال الحسن [[ذكره الطبري 12/ 41 من غير إسناد.]]: السماء زوج، والأرض زوج، والشتاء زوج، والصيف زوج، والليل زوج، والنهار زوج، حتى يصير الأمر إلى الله جل جلاله الفرد الذي لا يشبهه شيء، ويقال للمرأة هي زوج، وللرجل [[ساقط من (ب).]] هو زوجها، وقال تعا لي: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء: 1] [يعني المرأة، فالواحد يقال له زوج كما ذكرنا، وقد يقال للاثنين هما زوج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]]؛ قال لبيد [[من معلقته، وصدره:

من كل محفوف يُظلُ عصيه

المحفوف: الهودج الذي ستر بالثياب، عصيه: عصى الهودج، والزوج: النمط الواحد من الثياب، والكلة من الستور: ما خيط فصار كالبيت، القرام: الغطاء، وهو الستر المرسل على جانب الهودج، انظر: "ديوانه" ص 96، "شرح المعلقات السبع" ص 531، "اللسان" 3/ 1886 (زوج)، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 328، "تهذيب اللغة" 2/ 1574.]]:

زوج عليه كِلَّة وقِرامُها

ففسر الزوج بشيئين، ويدل على أن الزوج يقع على الواحد قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (143) وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [[الأنعام: 143، 144، ومن هنا بدأ النقل عن "الحجة" 4/ 327.]] فالزوجان في قوله: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ يراد بهما الشياع، وليس يراد بذلك الناقص عن الثلاثة، قال ابن عباس [[البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 106، الطبري 12/ 40.]] في قوله: ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ يريد في السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾؛ الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن [[انظر: الرازي 17/ 226.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 40، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2030 وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 601.]] وقتادة [[الطبري 12/ 41.]] والضحاك [[الطبري 12/ 41.]]، قالوا ذكرا وأنثى.

وقرأ حفص [["التبصرة" / 538، "السبعة" 333، "النشر" 3/ 114، "إتحاف" 2/ 125، "الحجة" 4/ 324.]] ﴿مِن كُلٍّ﴾ بالتنوين أراد من كل شيء، ومن كل زوج زوجين اثنين، فحذف المضاف إليه، ويكون انتصاب اثنين على أنه صفة لزوجين، أتي به للتأكيد، كما قال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: 51] وقد جاء في غير هذا من الصفات ما مصرفه إلى التأكيد، كقولهم: نعجة أنثى، وأمس الدابر، وقوله: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [[الحاقة: 13. وفي (ي): (نعجة)، وهي في سورة ص: الآية 23.]]، وعلى قراءة العامة نصب اثنين بالحمل، وليس صفة لزوجين [[إلى هنا انتهى النقل عن "الحجة" 4/ 328 بتصرف.]].

وقوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾، أي احمل أهلك، قال المفسرون [[الطبري 12/ 41، الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 176، "زاد المسير" 4/ 106.]]: يعني ولده وعياله، ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾، قال ابن عباس: يريد من كان في علمي أنه يغرق بفعله وكفره، قالوا [[الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 176 - 177، "زاد المسير" 4/ 106، القرطبي 9/ 35.]]: يعني: امرأته واعلة، وابنه كنعان، ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾، يريد واحمل من صدقك، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 43، الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 177، "زاد المسير" 4/ 107، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2032، وأبو الشيخ كما في "الدر المنثور" 3/ 601، القرطبي 9/ 35.]]: ثمانون إنسانًا وكان فيهم ثلاثة من بنيه: سام وحام ويافث، وثلاث كنائن له، ونحو ذلك قال مقاتل بن سليمان [[الثعلبي 7/ 42 ب، البغوي 4/ 177، "زاد المسير" 4/ 107.]] وغيره، وقالوا: قرية الثمانين [[قال ياقوت الحموي: بُليدة عند جبل الجودي، قرب جزيرة ابن عمر التغلبي فوق الموصل، كان أول من نزله نوح -عليه السلام -، لما خرج من السفينة ومعه ثمانون إنسانًا، فبنوا لهم مساكن بهذا الموضع وأقاموا به، فسمي الموضع بهم، "معجم البلدان" 2/ 84.]] بناحية الموصل، إنما سميت لأن هؤلاء لما خرجوا من السفينة بوها، فسميت بهم، وعلى هذا سمى الله ثمانين قليلاً.

قال أبو إسحاق: لأن ثمانين [[في جميع النسخ (ثمانون) والصواب ما ذكرته، كما هو في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 52.]] قليل في جملة أمة نوح.

قال ابن الأنباري: ووحد القليل؛ لأنه لفظ مبني للجمع لما كان الواحد لا يوصف [[في (ب): (يصف).]] به ولا الاثنين، فلما كان مبناه للجمع استغنى عن علامة الجمع، وجمع في قوله: ﴿لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: 54] استيثاقًا من الجمع، لما كان (قليل) لفظه لفظ الواحد، كما جمعت العرب البيوت وهي جمع؛ للاستيثاق فقالوا: بيوتات، قال: ويجوز أن يقال في توحيد القليل إنه وصف لجمع خرج على تقطيع الواحد، تقديره وما آمن معه إلا نفر قليل، وقيل: أراد الجمع فاكتفى بالواحد منه، كقوله [[البيت لجرير من قصيدة له في هجاء تيم بن قيس من بكر بن وائل، وصدره:

الواردون وتيم في ذرى سبأ

والشاهد أنه قال: جلد ولم يقل جلود. انظر: ديوانه ص252، "معاني القرآن" 1/ 308، ومعني البيت أن تيم يحتمون بسبأ ويمتنعون بها، ولا عصمة لهم من == أنفسهم. "الخزانة" 3/ 372، "الطبري" 14/ 117، "اللسان" 5/ 2590، "المخصص" 1/ 31، 4/ 41.]]: قد عض أعناقهم جلد الجواميس

وقد مرَّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском