Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Hud 11:71–77
11:71Page 229
وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١
And his wife was standing, and she smiled.1 Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.
قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾، قال المفسرون [[الثعلبي 7/ 49 أ، الطبري 12/ 711، البغوي 4/ 188.]]: يعني سارة بنت هاران بن ناحور ابنة عم إبراهيم.
وقوله تعالى: ﴿قَائِمَةٌ﴾، قيل: كانت قائمة من وراء الستر تتسمع إلى الرسل، وقيل: كانت قائمة تخدم الأضياف، وإبراهيم جالس معهم، ويؤكد هذا التأويل قراءة ابن مسعود [[ساقط من (ب)، والقراءة ذكرها الطبري 12/ 72، والثعلبي 7/ 49 أ، والقرطبي 9/ 66.]] (وامرأته قائمة وهو قاعد فضحكت) واختلفوا في معنى الضحك هاهنا وفي سببه، فرُوي عن ابن عباس [[أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر في "الدر" 2/ 613، "زاد المسير" 4/ 130.]] أنه قال: ضحكت أي: عجبت من فزع إبراهيم، وهذا قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 147 ب، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 188، القرطبي 9/ 67، "زاد المسير" 4/ 130.]] والكلبي [[الطبري 12/ 72، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189.]] قالا: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة وهو [[ساقط من (ب).]] فيما بين حشمه وخدمه، فقيل لها: يا أيتها الضاحكة ستلدين غلامًا، فذلك قوله: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، فعلى هذا القول ضحكت للتعجب [[في (ب): (للتعجب).]] ففسر ضحكت: تعجبت لما كان بسبب العجب.
وروى سعيد عن قتادة [[الطبري 12/ 72، الثعلبي 7/ 49 ب، عبد الرزاق 2/ 306، وابن المنذر، وابن أبي حاتم 6/ 2054، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 616، البغوي 4/ 189، ورجح هذا القول الطبري 12/ 74.]] قال: ضحكت من غفلة قوم لوط وقرب العذاب منهم، وحكى الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]] في هذه الآية قولين:
أحدهما: أنها [[في (ب): (أنه).]] ضحكت سرورًا بما زال عنها من الخوف؛ لأنها قد كانت خافت كما خاف إبراهيم، فلما قالوا إنَّا أرسلنا إلى قوم لوط زال عنهما جميعًا الخوف فضحكت سرورًا بالأمن.
الثاني: أن هذا على التقديم والتأخير، بتقدير: وامرأته قائمة فبشرناها بإسحاق فضحكت سرورًا بالتبشير، فقدم الضحك ومعناه التأخير، وعلى هذا التقدير يحمل أيضاً ما روي عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 49 ب، "زاد المسير" 4/ 130، البغوي 4/ 189.]] ووهب [[الطبري 12/ 72، الثعلبي 7/ 49 ب، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 616، "زاد المسير" 4/ 130، البغوي 2/ 393.]] أنهما قالا: ضحكت تعجبًا من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها.
وحكى أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 61.]] قولاً آخر؛ وهو أن سارة قالت لإبراهيم: اضمم إليك ابن أخيك لوطًا، فإن العذاب سينزل بقومه، فلما قالت الرسل: إنا أرسلنا إلى قوم لوط، ضحكت سرورًا بموافقتها الصواب لما أتى الأمر على ما توهمت.
وقال مجاهد [[الطبري 12/ 73، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 188، "زاد المسير" 4/ 130، ابن عطية 7/ 345، القرطبي 9/ 66.]] وعكرمة [[الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 188، "زاد المسير" 4/ 130، القرطبي 9/ 66.]]: فضحكت أي: حاضت عند فرحها بالسلامة من الخوف، وجعل حيضها علامة لقرب وقت المولود الذي تبشر به، قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]]: ضحكت: [حاضت لم يسمعه من ثقة، وقال الزجاج [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 62.]]: ليس بشيء ضحكت: حاضت] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 130.]]: قد أنكر الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22، "تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099.]] وأبو عبيد [["الدر المصون" 4/ 114.]]، وأبو عبيدة [[لم أجده في "مجاز القرآن" في موضعه 1/ 293.]] أن تكون ضحكت بمعنى [[ساقط من (ب).]] حاضت، وعرفه غيرهم وأنشد [[القائل: تأبط شرًّا، والبيت في "المحتسب" 1/ 324، "جمهرة ابن دريد" 2/ 167، "اللسان" (ضحك) 5/ 2558، "شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي ص 837، "تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099، "المعاني الكبير" 1/ 214، وينسب البيت أيضًا للشنفرى، ولابن أخت تأبط شرًّا أو لخلف الأحمر، انظر: "ديوان الشنفرى" 84، و"الأغاني" 6/ 83، ولخلف الأحمر في "ديوان الحماسة" 2/ 837، و"شرح الحماسة" للتبريزي 2/ 164.]]:
يضحك الضبع [[في (ي): (الذئب).]] لقتلى هذيل ... وترى الذئب لها يستهل
قال: أراد تحيض فرحًا، وحكى الليث [["تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099.]] في هذه الآية. فضحكت طمثت، وحكى الأزهري [["تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099.]] أن أصله ضحاك الطلعة إذا انشقت، قال. وقال الأخطل [[البيت في "تهذيب اللغة" (ضحك) 3/ 2099، "اللسان" (ضحك) 5/ 2558،"تاج العروس" (ضحك) 13/ 603.]] فيه بمعنى الحيض: تضحك الضبع من دماء سليم ... إذ رأتها على الحداب تمور
قال الكميت:
وأضحكت الضباع سيوف سعد ... بقتلى ما دفن ولا ورينا
وقال أبو عمرو [[البيت في: "شرح هاشميات الكميت" 286، "الطبري" 12/ 74، "اللسان" (ضحك) 5/ 2558.]]:
سمعت أبا موسى الحامض [[أبو موسى الحامض هو: سليمان بن محمد بن أحمد، نحوي، من العلماء باللغة والشعر، تلميذ ثعلب روى عنه أبو عمر الزاهد، من أهل بعداد، كان ضيق الصدر سيء الخلق، فلقب بالحامض، توفي سنة 305 هـ. انظر: "وفيات الأعيان" 1/ 214، "إنباه الرواة" 2/ 21، "الأعلام" 3/ 132، "تاريخ بغداد" 9/ 61.]] قال: سُئل ثعلب عن قوله ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أي: حاضت، وقيل: إنه جاء في الخبر، فقال ثعلب: ليس في كلام العرب، والتفسير مسلم لأهل التفسير، فقيل له: فأنت أنشدتنا:
تضحك "الضبع" لقتلى هذيل
فقال ثعلب: تضحك هاهنا تكشر، وذلك أن الذئب ينازعها على القتلى فتكشر في وجهه وعيدًا، فيتركها ويمر.
وقوله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ﴾، قال المفسرون [[القرطبي 9/ 69.]]: كان إبراهيم قد ولد له من هاجر إسماعيل وكبر وشب، فتمنت سارة أن يكون لها ابن، وأيست من ذلك لكبر سنها، فبشرت على كبر السن بولد يكون نبيًا، ويلد نبيًا وهو قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 62.]]: بشروها بأنها تلد إسحاق وأنها تعيش إلى أن ترى ولد ولده. ﴿وَرَاءِ﴾ هنا تُفسر تفسيرين، أحدهما بمعنى: بعد، وهو قول ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 131، وابن أبي حاتم 6/ 2056.]] في رواية الكلبي ومقاتل [["زاد المسير" 4/ 131، ولم أجده في "تفسير مقاتل".]]؛ قالوا: ومن بعد إسحاق يعقوب.
وروى حيان بن أبحر [[ذكره في "الدر" 3/ 616 عن ابن الأنباري في الوقف والابتداء. وقال عن حسان، وانظر: الثعلبي 7/ 49 ب، الطبري 12/ 75.]] قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل من هذيل فقال له: ما فعل فلان؟ لرجل منهم، قال: مات وترك أربعة من الولد وثلاثة من الوراء، قال الله تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ يعني: ولد الولد، وهو قول الشعبي [[أخرجه ابن الأنباري في "الوقف والابتداء". انظر: "الدر" 3/ 616، وانظر: الثعلبي 7/ 49 ب، الطبري 12/ 75.]] في هذه الآية، ورُوي أنه أقبل ومعه ابن ابن له، فقيل له: هذا ابنك؟ فقال: هذا ابني من الوراء، ونحو هذا قال قتادة، فإن قيل يعقوب ولد إسحاق لصلبه فكيف يكون وراء له وإنما هو وراء للجد، كما قال الشعبي لولد ولده هذ ابن ي من الوراء [ونحو هذا] [[ساقط من (ي).]].
قال ابن الأنباري [["الأضداد" 69، "زاد المسير" 4/ 131، "اللسان" (ورى) 8/ 4821.]]: معناه من الوراء المنسوب إلى إسحاق يعقوب؛ لأنه قد كان الوراء لإبراهيم -عليه السلام -، من جهة إسحاق وإسماعيل عليهما السلام، فلو قال من الوراء يعقوب لم يعلم أهذا الوراء منسوب إلى إسحاق أم إلى إسماعيل، فأضيف إلى إسحاق لينكشف المعنى، ومثل هذا من الإضافة قوله -عز وجل-: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: 74،62]. يريد أين الشركاء المنسوبون إليّ بزعمكم، قال: ومن حمل وراء على (بعد) [[في (ي): (البعد).]] لزم ظاهر العربية، إذ العرب تقول: ليس وراء هذا شيء أي بعده قال النابعة [[النابغة الذبياني "ديوانه" ص 27،وفي معاهد التنصيص 7/ 2 (مطلب) بدل (مذهب). "تهذيب اللغة" 4/ 3878.]]:
حلفتُ فلم أتركْ لنفسكَ ريبةً .... وليس وراءَ الله للمرء مذهبُ
يعني: بعد الله، قال ورُفع يعقوب بـ (من) لأن المعنى فبشرناها [بإسحاق وبشرناها من وراء إسحاق] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] بيعقوب، فلما لم يظهر التبشير ثانيًا ولم يعد معه باء غلَّب الظاهر فرفع يعقوب بمن، وهو داخل بالتبشير في المعنى، كما تقول العرب: أمرت لزيد بإبل ولأخيه غنم، فيرفعون الغنم باللام والمعنى وأمرت لأخيه بغنم، فلما لم يعد الأمر مع الباء غلب الظاهر فرفعت الغنم بلام الصفة، وذلك منوي مراد.
وقال أبو إسحاق [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 63.]]: رفعه على ضربين؛ أحدهما: ابتداء مؤخر معناه التقديم، المعنى: ويعقوب يحدث لها من وراء إسحاق، وهذا هو القول الذي ذكره أبو بكر؛ لأن من رفعه بـ (من) جعله ابتداء مؤخرًا، كما تقول (في الدار زيد). الثاني مما ذكره أبو إسحاق أنه مرفوع بالفعل الذي يعمل في [[ساقط من (ي).]] ﴿مِنْ وَرَاءِ﴾؛ كأنه قال: ويثبت لها من وراء إسحاق يعقوب، وقرأ ابن عامر وحمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ [[قرأ حفص وابن عامر وحمزة بفتح الباء، والباقون بالرفع، انظر: "السبعة" ص 338، "إتحاف" 258، "الكشف" 1/ 534، "الحجة" 4/ 364.]] بفتح الباء، قال [الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]]: من قرأ ذلك نوى به الخفض يريد: ومن وراء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] إسحاق بيعقوب قال: ولايجوز هذا إلا بإظهار الباء.
قال أبو بكر [["تهذيب اللغة" (عقب) 3/ 2508، "اللسان" (عقب) 5/ 3030.]]: من قال: إن (يعقوب) على قراءة حمزة في موضع خفض بالباء فقد غلط عند الفراء [["معاني القرآن" 2/ 22.]] وسيبويه [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 101، وانظر: "الكتاب" 1/ 48 - 49.]]؛ لأن واو النسق لا يفصل بينها وبين المنسوق بالصفات ولا غيرها، فلا يقال: مررت بأخيك ومن بعده أبيك؛ لأن الواو مع الأب بمنزلة الشيء الواحد فلا تدخل بينهما الصفة، ولا يجوز أن يضمر بعد الواو في الآية تبشير آخر معه باء؛ لأنه لا يصلح ضمير شيئين على هذه الشريطة، ولا تعمل الباء مضمرة إذا كانت صلة لفعل يتصل به ضمير، كما لا تعمل إلا مظهرة حتى يظهر الفعل معها، ألا ترى أن الذي يقول مررت أبيك لا يضمر الباء هاهنا ويخفض بها، فامتناعها هناك من أن تظهر وتعمل كامتناعها هاهنا، قال: والصحيح في إعراب ﴿يَعْقُوبَ﴾ النصب بفعل مضمر يشاكل معناه معنى [[ساقط من (ب).]] التبشير على تقدير: ومن وراء إسحاق وهبنا لها يعقوب، كما تقول العرب: مررت بأخيك وأباك، يريدون بـ (مررت) (جُزْت) كأنه قيل: جزت أخاك وأباك وكما قال جرير [[القائل جرير في هجاء الأخطل، والبيت في "ديوانه" ص163، سيبويه والشنتمري 1/ 48، 86، "المقتضب" 4/ 153، وهو بلا نسبة في الطبري 12/ 75، "المحتسب" 2/ 78، "معاني القرآن" 2/ 21، 3/ 124، وهو في هذه القصيدة يفخر ببني قيس عيلان بن مضر بن نزار جميعًا علي بني ربيعة بن نزار وهم قوم الأخطل التغلبي، فذكر "بني بدر" الفزاريين من قيس عيلان، و"منظور بن سيار الفزاري" العبسي و"عامر بن الطفل" من بني جعفر بن كلاب، انظر: تعليق محمود شاكر على الطبري 15/ 396 - 397.]]:
جئني بمثل بني بدر لقومهم ... أو مثل أسرة منظور بن سيار
أو عامرَ بن طفيل في مركبة ... أو جارنا يوم نادى القوم يا جار
أراد: أعطني مثل بني بدر أو مثل [[ساقط من (ي).]] أسرة. وقال آخر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 22 قال: أنشدني بعض بني باهلة.]]:
لو جئت بالتمر له ميسرًا
والبيضَ مطبوخًا معًا والسكرا
لم يرضه ذلك حتى يسكرا
أراد لو أطعمته التمر والبيض. قال رؤبة [[من أرجوزة له. انظر: "ملحق ديوانه" ص 190، "أساس البلاغة" (فسق)، وينسب للعجاج كما في سيبويه والشنتمري 1/ 49، وليس في ديوانه، وبلا نسبة في "شرح شذور الذهب" 402، "المحتسب" 2/ 43، "الخصائص" 2/ 432، "شرح التصريح" 1/ 288.]]: يهوين في نجد وغورا غائرًا ... فواسقا عن قصدها جوائرا
أراد: يدخلن نجدًا. وكل ما ذكره أبو بكر من ردّ وجه الخفض وتوجيه النصب هو قول الفراء والزجاج وشرح كلامهما. وذكر أبو علي [["الحجة" 4/ 364 - 367 بتصرف.]] أن قومًا ذهبوا في قراءة حمزة إلى العمل على موضع الجار [[ساقط من (ب).]] والمجرور كقوله [[عجز بيت لكعب بن جعيل، وصدره:
ألا حيّ ندماني عُمْيدَ بن عامرٍ
انظر: سيبويه والشنتمري 1/ 34 - 35، ابن السيرافي ص 253، وبلا نسبة في "الإنصاف" 285، و"المقتضب" 4/ 112، 154، و"المحتسب" 2/ 362.]]:
إذا ما تلاقينا من اليوم أو غدًا
وقوله [[عجز بيت لعقيبة الأسدي، أو لعبد الله بن الزبير، وصدره:
معاوي إننا بشر فأسجح
انظر: سيبويه 1/ 34، 352، "الخزانة" 1/ 343، 2/ 143، "شرح المفصل" 2/ 109، "شرح أبيات المغني" 7/ 53، "الإنصاف" 284، "سر صناعة الإعراب" 1/ 294، 131، "سمط الآلئ" /148، "نسبه في الأزمنة والأمكنة" 21/ 317 لعمرو بن أبي ربيعة.]]:
فلسنا بالجبال ولا الحديدا
كذلك هاهنا قوله: ﴿إِسْحَاقَ﴾ الجار والمجرور في موضع النصب فحمل عليه قوله: ﴿وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾ بالعطف، قال أبو علي: وهذا الوجه في الفتح كوجه قول من جعل يعقوب في موضع الخفض، وذلك أن الفصل في هذا بين واو العطف والحرف المعطوف بالظرف قبيح، سواء عطفت على المرفوع أو المنصوب أو المجرور، وذلك أن الفعل [يصل بحرف العطف، وحرف العطف هو الذي يشرك في الفعل وبه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] يصل الفعل إلى المفعول به، كما يصل بحرف الجر إذا قلت (مررت يزيد) [[قائمًا كما في "الحجة" 4/ 365.]]، ولا يجوز الفصل بين الباء وزيد، كذلك لا يجوز الفصل في قولك ضربت زيدًا وعمرًا بين الواو وعمرو؛ لأن الحرف العاطف مثل الجار في أنه يشرك في الفعل، كما يوصل الجار الفعل وليس نفس الفعل العامل في الموضعين جميعًا وإذا كان كذلك قبح الفصل بالظرف في العطف، وقد جاء [[في (ب): (جاز)، والصحيح ما أثبتهُ كما في "الحجة" 4/ 366.]] ذلك في الشعر، قال ابن أحمر [[من قصيدة يذكر فيها جماعة من قومه لحقوا بالشام فصار يراهم في النوم إذا أتى الليل، انظر: "ديوانه" ص 129، "الحماسة البصرية" 1/ 262، " أمالي ابن الشجري" 1/ 192، "الخصائص" 2/ 378، "الإنصاف" 299، المذكور (أثالا). "الكتاب" 2/ 270، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 487، "اللسان" (حنش) 2/ 1023، "المقاصد النحوية" 2/ 421.]]:
أبو حنش يؤرقنا وطلق ... وعبّادٌ وآونةً أثالُ
ففصل بالظرف في العطف على المرفوع. وقال الأعشى:
يوما تراها كشبه أرديه الـ ... ـعصب ويومًا أديمها نغلا [[البيت من قصيدة له يمدح فيها سلامة ذا فائش، في "ديوانه" ص 170 (أردية الخمس)، والعصب: ضرب من البرود، ونغل الأديم: فسد في الدباغ. وانظر: "شرح أبيات المغني" 2/ 163 - 164، "اللسان" (نغل) 8/ 4490، وبلا نسبة من "الخصائص" 2/ 395، "الإيضاح" / 148.]] ففصل بالظرف بين المشرك في النصب وما أشركه فيه، فإذا قبح هذا فالوجه أن تحمل قراءة حمزة ﴿يَعْقُوبَ﴾ بالنصب على فعل آخر مضمر يدل عليه (بشرنا) كما تقدم، ولا يحل على الوجهين الآخرين لاستوائهما في القبح [[إلى هنا انتهى النقل من "الحجة" 4/ 364 - 367 بتصرف.]].
11:72Page 230
قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢
She said, "Woe to me!1 Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"
قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى﴾. قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 63.]]: الأصل فيه يا ويلتي فأبدل من الياء والكسرة [الألف؛ لأن الألف أخف من الياء والكسرة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وقد ذكرنا مثل هذا في قراءة من قرأ ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ﴾ [هود: 42] بفتح الياء، قال [[القائل أبو إسحاق الزجاج في الموضع السابق 3/ 63.]]: والاختيار في الكلام إن وقف عليه بالهاء "يا ويلتاه" فأما المصحف فلا يخالف، ويوقف إذا [[في (ي): (إن).]] اضطر واقف بغير هاء، وذكرنا معنى هذا النداء في قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ﴾ [المائدة: 31] [[وقد نقل هناك عن الزجاج قوله: المعنى يا ويلتا تعالى، فإنه من إبّانك، أي: قد لزمني الويل، قال: والوقف في غير القرآن: يا ويلتاه. اهـ. وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" 2/ 167.]]، وهذه الكلمة إنما تقال عند الإيذان بورود الأمر الفظيع.
وقوله تعالى: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾، قال الليث [["تهذيب اللعة" (عجز) 3/ 2337.]]: العجوز المرأة الشيخة والجميع العجز والعجائز، والفعل عجزت تعجز عجزًا، وعجّزت تعجِّز تعجيزًا فهي مُعَجِّزة والتشديد أكثر، قال يونس [["تهذيب اللغة" (عجز) 3/ 2337.]]: امرأة مُعجِّزة: طعنت في السن، ويقال للمرأة [اتقي الله في شبيبتك وعجزك.
قال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (عجز) 3/ 2337.]]: ويقال للمرأة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] عجوزة بالهاء أيضًا.
قال ابن إسحاق [[الطبري 12/ 77، الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.]]: كانت [[ساقط من (ي).]] ابنة تسعين سنة، وقال عطاء ومجاهد [[الثعلبي 7/ 49 ب، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 132، القرطبي 9/ 70.]]: تسع وتسعين سنة، جعل الله -عز وجل- الولد على تلك الحال معجزًا لنبيه إبراهيم -عليه السلام -، وإنما تعجبت من مقدور الله تعالى -مع إيمانها- بطبع البشرية إذا ورد مثلُ هذا على النفس من غير فكر ولا روية، كما ولى موسى عليه السلام مدبرًا حتى قيل له: ﴿أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ﴾ [القصص: 31].
وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾، ذكرنا معنى البعل والبعولة في سورة البقرة [[البقرة: 228.]] والنساء [[النساء: 128. وخلاصة ما ذكره أن المراد بالبعل الزوج، وإنما سمي بذلك لأحد أمرين: إما لأنه مستبعل لها وقد غلطه الأزهري، وإما لأنه سيدها ومالكها. وانظر: "تهذيب اللغة" 1/ 363 (بعل).]]، وقال عطاء ومجاهد [[الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 132.]]: كان إبراهيم عليه السلام في ذلك الوقت ابن مائة سنة.
وقال ابن إسحاق [[الطبري 12/ 76، الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 189، "زاد المسير" 4/ 133.]]: ابن عشرين ومائة سنة. وقال الكلبي [["تنوير المقباس" ص 143، "زاد المسير" 4/ 132.]]: ابن تسع وتسعين سنة.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 63، وانظر: "تهذيب اللغة" (بعل) 1/ 362.]]: (شيخا) منصوب على الحال، والحال هاهنا نصبه من لطيف النحو وغامضه، وذلك أنك إذا قلت: هذا زيد قائمًا، فإذا كنت تقصد أن تخبر من لم يعرف زيدًا أنه زيد لم يجز هذا؛ لأنه لا يكون زيدًا ما دام قائمًا فإذا زال عن القيام فليس يزيد، وإنما تقول للذي يعرف زيدًا هذا زيد قائمًا فيعمل في الحال التنبيه، المعنى [[ساقط من (ب).]]: انتبه لزيد في حال قيامه أو أشير لك إلى زيد في حال قيامه. قال ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 132.]]: وهذا إنما وقعت الإشارة معه إلى الشيخوخة، أي: تنبهوا على شيخوخة بعلي، كما يقول القائل: هذا الله لطيفًا كريمًا. يريد تنبهوا على لطفه وكرمه، وما يجهله -عز وجل- ذو عقل وتمييز.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾، العجيب بمعنى المُعْجِب يقال: أعجبني الشيء فهو معجب وعجيب، قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 77، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.]]: يريد أن يولد لابن مائة سنة ولكبرها وأنها حرمت الولد في شبابها وأعطيته في كبرها.
11:73Page 230
قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣
They said, "Are you amazed at the decree of Allāh? May the mercy of Allāh and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس [[قال به الطبري 12/ 77، "زاد المسير" 4/ 133، القرطبي 9/ 70.]]: يريد من قضاء الله وقدرته؟ وقال أهل المعاني: أنكرت الملائكة عليها لما تعجبت من ولادتها على كبر السن؛ لأن ما عرف سببه لا يتعجب منه، والله تعالى قادر لا يعجزه شيء.
قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ يحتمل أن يكون هذا دعاء من الملائكة لهم بالرحمة والبركة، ويحتمل أن يكون إخبارًا عن ثبوت ذلك لهم فيكون تذكيرًا بالنعمة عليهم، قال المفسرون [["زاد المسير" 4/ 133.]]: ومن هذه البركات أن الأسباط وجميع الأنبياء كانوا من إبراهيم وسارة.
وقوله تعالى: ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ يعني: بيت إبراهيم، قالوا: وفي هذا دليل على أن أزواج النبي ﷺ من أهل بيته تكذيبًا لمن أنكر ذلك؛ لأن الملائكة خاطبوا سارة بأهل البيت، وسموها أهل بيت إبراهيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾، الحميد الذي تحمد فعالُه، وهو بمعنى المحمود، والله تعالى الحميد المحمود والمستحمد إلى عباده، والمجيد: الماجد وهو ذو الشرف والكرم، يقال مجد الرجل يمجد مجدًا ومجادة، ومجُد يمجُد لغتان. قال الحسن والكلبي [[البغوي 4/ 190، "تنوير المقباس" ص 143.]]: المجيد: الكريم، وهو قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 308.]]، وقال ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.]]: المجيد: الرفيع، وقال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف والرفعة والكرم والصفات المحمودة، وأصله من قولهم: مجدت الدابة إذا أكثرت علفها، رواه أبوه عبيد عن أبي عبيدة [["تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.]]، وقال النضر [["تهذيب اللغة" (مجد) 5/ 3344، وهو النضر بن شميل.]]: مجدت الإبل تمجد مجدًا إذا شبعت، وقال الأصمعي [["تهذيب اللغة" (مجد) 4/ 3345.]]: أمجدتُ الدبة علفًا أكثرت لها ذلك، وقال أبو حية [[أبو حية النميري هو: الهيثم بن الربيع بن كثير، من شعراء الدولتين الأموية والعباسية، شاعر مجيد متقدم، يروي عن الفرزدق وكان كذابًا بخيلاً. توفي سنة 183هـ. انظر: "الشعر والشعراء" ص 522، "الأغاني" 12/ 61.
والبيت قاله في وصف امرأة. "ديوانه" ص 123، وانظر: "البحر المحيط" 5/ 237، "الدر المصون" 6/ 359، "اللسان" (مجد) 4/ 3345.]]:
تزيد على صواحبها وليست ... بماجدة الطعام ولا الشراب
أي: ليست بكثيرة الطعام ولا الشراب، وقال الليث [["تهذيب اللغة" (مجد) 10/ 683.]]: أمجد فلان عطاءه ومجده إذا كثره، واستمجد المرخ والعفار [[هما شجرتان في الحجاز يستوقد منهما النار.
والمثل هو (في كل الشجر نار، واستمجد المرخ والعفار) أي: استكثرا من النار فصلحا للاقتداء بهما، شبها بمن يكثر من االعطاء طلبًا للمجد، "تهذيب اللغة" 4/ 3345.]] أي: استكثر من العفار [أي: استكثر من النار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أي).]].
11:74Page 230
فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ ٧٤
And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue [i.e., plead] with Us1 concerning the people of Lot.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ﴾ الآية، الروع: الإفزاع، يقال: راعه يروعه روعًا [[ساقط من (ي).]] إذا أفزعه، قال عنترة [[البيت من معلقته المشهورة، انظر: "ديوانه" ص 123، والخمخم، بقلة لها حب أسود، وذلك أنهم كانوا مجتمعين في الربيع، فلما يبس البقل، سفت حب الخمخم، فكان ذلك نذيرًا بوشك فراقهم. وانظر: الطبري 12/ 78، "اللسان" (حمم) 3/ 1270، (خمم) 3/ 1270، "ديوان الأدب" 3/ 105، "كتاب العين" 3/ 43، "تاج العروس" (خمم)، وبلا نسبة في "تهذيب اللغة" 1/ 1106.]]:
ما راعني إلا حمولةُ أهلها ... وسْط الديار تَسَفُّ حب الخمخم [[في حاشية (ب): (والحمحم أيضًا بالحاء والخاء).]]
والرُّوع النفس وهو موضع الرَّوْع، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 134، الطبري 12/ 78.]]: يريد الفزع؛ قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 64.]]: يعني ارتياعه لما أنكرهم حين لم يأكلوا العجل.
قال تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى﴾، قال ابن عباس [[رواه الطبري عن ابن إسحاق 15/ 401، البغوي 2/ 394، القرطبي 9/ 72.]]: يريد بإسحاق ويعقوب.
وقوله تعالى: ﴿يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾، (لمَّا) [[في (ي): (إلى)،]] تصحبها الأفعال الماضية؛ لأنها جعلت في الكلام لما قد وقع بوقوع غيره، تقول: (لَمَّا جاء زيد جاء عمرو)، وهاهنا قيل: (يجادلنا) على لفظ المستقبل، وذلك أن (لما) لما كانت شرطًا للماضي جاز أن يقع بعدها المستقبل بمعنى الماضي، كما أن (إنْ) [[ساقط من (ي).]] لما كانت شرطًا للمستقبل، جاز أن يقع بعدها الماضي بمعنى المستقبل، نحو: إن جاء زيد، حيث قال الله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: 10].
وفيه وجه آخر وهو أن يكون قوله: ﴿يُجَادِلُنَا﴾ [حكاية لحال قد مضت، المعنى: لما ذهب عنه الروع أخذ يجادلنا] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] وأقبل يجادلنا، فأضمر هذا الفعل قبل المستقبل؛ لأن (لما) تقتضيه، وفي كل كلام يخاطب به معنى (أخذ) و (أقبل) إذا أردت حكايته حال، والوجهان ذكرهما الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 94 بتصرف.]] وابن الأنباري.
قال الزجاج: والوجه الثاني هو الذي أختاره، ومعنى يجادلنا: يجادل رسلنا من الملائكة في قول جميع المفسرين [[الطبري 12/ 78، الثعلبي 7/ 50 أ، البغوي 4/ 190، ابن عطية 7/ 354، "زاد المسير" 4/ 134، القرطبي 9/ 72، ابن كثير 2/ 495.]]؛ قالوا جميعًا: إن الرسل لما قالوا لإبراهيم: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾، قال لهم: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم؟ قالوا: لا. قال: [فأربعون؟ قالوا: لا. قال:] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] فثلاثون؟ قالوا: لا. فما زال ينقص، فيقولون: لا، حتى قال: فواحد؟ قالوا: لا، فاحتج عليهم بلوط وقال: إن فيها لوطًا؛ فقالوا: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، وهذا معنى جدال إبراهيم في قوم لوط.
وقال أهل المعاني [[ذكر هذا القول الطبري 12/ 79 ورده، والثعلبي 7/ 50 أ.]]: معنى (يجادلنا) يسألنا ويكلمنا فيهم ويراجعنا في ذلك، إلا أنه استعير لفظ يجادل؛ لأنه كان يحرص في السؤال حرص المجادل، والآية الثانية ذكرنا تفسيرها في سورة التوبة [[عند قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [آية: 114]. وخلاصة ما ذكره أن الأوّاه كما قال أبو عبيدة: المتأوّه شفقًا وفرقًا، المتضرع يقينًا ولزومًا للطاعة. والحليم، قال ابن عباس: لم يعاقب أحدًا إلا لله، ولم ينتصر من أحدٍ إلا لله.]].
11:75Page 230
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥
Indeed, Abraham was forbearing, grieving1 and [frequently] returning [to Allāh].
No commentary for this ayah
11:76Page 230
يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦
[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."
قوله تعالى: ﴿يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾. قال الزجاج: المعنى: فقلنا يا إبراهيم، وقال المفسرون: قالت الرسل عند ذلك يا إبراهيم أعرض عن هذا، وأشير بـ (هذا) إلى الجدال.
11:77Page 230
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧
And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort1 and said, "This is a trying day."
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾، قال ابن عباس [[انظر: القرطبي 9/ 73.]] في رواية الكلبي: لما قفلت الرسل من عند إبراهيم إلى لوط، توضأ إبراهيم وقام يصلي، وكان بين قريته وقرية لوط أربعة فراسخ، فانتهوا إلى قرية لوط، فبصرت ابنتا لوط -وهما يستقيان- بالملائكة فرأتا هيئة حسنة، قالتا: ما شأنكم؟ ومن أين أقبلتم؟ وأين تريدون؟ قالوا: من موضع كذا، نريد هذه القرية، قالتا: فإن أهلها يفعلون كذا وكذا. فقالوا: أبها من يضيفنا؟ قالتا: نعم، هذا الشيخ وأشارتا إلى لوط، فلما جاؤوه ورأى هيئتهم خاف قومه عليهم فسيء بهم وضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا يوم عصيب، ومعنى سِيء بهم ساءه مجيؤهم، وساء يسوء فعل لازم ومجاوز، يقال: سؤته فسيء مثل شغلته فشغل، وسررته فسر.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.]]: أصله سُوِءَ بهم إلا أن الواو أسكنت ونقلت كسرتها إلى السين، قال عامة أهل التأويل [[الطبري 12/ 81، البغوي 4/ 190، ابن عطية 7/ 357، "زاد المسير" 4/ 135.]]: إنما سيء بهم لوط؛ لأنه لما نظر من حسن وجوههم، وطيب روائحهم، أشفق عليهم من قومه أن يقصدوهم بما يقصدون به غيرهم من المطالبة بالفعل الخبيث، وعلم أنه سيحتاج إلى المدافعة عن [[في (ب): (علي).]] أضيافه.
وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1278.]]: الذرع يوضع موضع الطاقة، والأصل فيه أن يذرع البعير بيديه في سيرة ذرعًا على قدر سعة خطوه، فإذا حمل على أكثر من طوقه ضاق ذَرْعُهُ عن ذلك فضعف ومد عنقه، فجُعِلَ ضيق الذرع عبارةً عن ضيق الوسع والطاقة،، فيقال: ما لي به ذرع ولا ذراع، أي: ما لي به طاقة، الدليل على صحة هذا أنهم يجعلون الذراع في موضع الذرع فيقولون ضقت بالأمر ذراعًا، قال القطامي [["ديوانه" ص 44، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 256، و"اللسان" (ت ى ز).]]:
إذا التَّيَّازُ ذو العضلات قُلْنا ... إليكَ إليكَ ضاق بها ذراعًا
فمعنى ضاق بهم ذرعا: ضاق صبره وعظم المكروه عليه، وقال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 66.]] يقال: ضاق زيد بأمره ذرعًا: إذا لم يجد من المكروه في ذلك الأمر مخلصًا، ولم أر أحدًا ذكر في أصل الذرع أحسن مما ذكره الأزهري، وغيره [[القرطبي 9/ 74، الثعلبي 7/ 50 ب.]] يقول: ضاق ذرعًا أي: ضاق بهم صدرًا، وليس يعرف أصله، وذكر ابن الأنباري [["زاد المسير" 4/ 136. وذكر قولًا ثالثًا عنه هو أن معناه: وقع به مكروه عظيم لا يصل إلى دفعه عن نفسه.]] قولين: أحدهما: أصله (من ذرع فلان القيء) إذا غلبه وسبقه، ومعنى ضاق ذرعه: ضاق حبس المكروه في نفسه، وهذا ليس بظاهر، والقول الثاني [[ساقط من (ب).]]: أن الذرع كناية عن الوسع؛ لأن الذراع من اليد، والعرب تقول ليس هذا في يدي يعنون ليس في وسعي، وهذا قريب مما قاله الأزهري، ولكن لم يبين بيانه.
وقال الفراء [["معاني القرآن" 1/ 79، "زاد المسير" 4/ 136.]]: الأصل فيه (وضاق ذرعٌ بهم)، فنقل الفعل عن الذرع إلى ضمير لوط [[في (ي): (لفظ).]]، ونصب الذرع بتحول الفعل عنه، كما قال ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]. وقد ذكرنا نظير هذا في قوله: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130].
وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾. قال المفسرون وجميع أهل المعاني [[الطبري 12/ 82، البغوي 4/ 190، الرازي 18/ 31، "البحر المحيط" 5/ 246، "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 67.]]: يوم شديد، قال أبو بكر: قال الكسائي [["تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2454.]]: العصيب: الشديد يقال منه عصب اليوم يعصب عصابة.
وقال الفراء [["تهذيب اللغة" (عصب) 3/ 2453.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 27.]] وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 1/ 293.]]: العصيب الشديد، وأنشد أبو عبيدة قول هانئ العنبري [[بيتان من الرجز وقد نسبهما الواحدي هنا إلى هانئ العنبري، وبلا نسبة في: "مجاز القرآن" 1/ 294، الطبري 12/ 82، القرطبي 9/ 74، "زاد المسير" 4/ 107، "مجمع البيان" 5/ 277.]]:
يوم عصيب يعصب الأبطالا
عصبَ القوي السُّلَّم الطوالا
قال أبو عبيدة: وإنما قيل له عصيب؛ لأنه يعصب الناس بالشر، وأنشد لعدي بن زيد [[هذا البيت من قصيدة قالها وهو في حبس النعمان بن المنذر، و (لزاز الخصم) الشديد المعاند ذو البأس في الملمات، و (عرد عن خصمه) أحجم ونكص، انظر: "ديوانه" ص 39، "مجاز القرآن" 1/ 294، "الأغاني" 2/ 111، الطبري 12/ 82، "اللسان" (سلك) 4/ 2073، "كتاب الجيم" 3/ 208.]]:
وكنتُ لِزازَ خصمِك لم أعرِّدْ ... وقد سلكوك في يوم عصيب
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences