Al-Wahidi (al-Basit) · Tafsir · in Arabic
Hud 11:83–92
11:83Page 231
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣
Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.
قوله تعالى: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ هي من نعت قوله: ﴿حِجَارَةً﴾ ومعناها المعلمة، ومضى الكلام في مثلها عند قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 125] [[وذكر هنا أقوالًا في معنى (المسومة):
1 - الواعية.
2 - المعلمة.
3 - الحسان.]]. وقوله: (مسومين) [[قال في هذا الموضع: أي معلمين، قد سوَّموا فهم مسوّمين، والسُّومة العلامة يفرق بها الشيء من غيره.]].
واختلفوا في كيفية تلك العلامة، فقال الحسن [[الثعلبي 7/ 53 ب، البغوي 4/ 194.]] والسدي [[الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، البغوي 4/ 194.]]: مختومة، وهو اختيار أبي عبيدة [[في (ب): (عبيد)، انظر: "مجاز القرآن" 1/ 297.]]، والقتبي [[هو ابن قتيبة، انظر: "مشكل القرآن وغريبه" ص 213.]] قالا: كان عليها أمثال الخواتيم.
وقال قتادة وعكرمة [[الطبري 12/ 95، عبد الرزاق 2/ 309، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625، "زاد المسير" 4/ 145.]]: كان بها نضح من حمرة، وهو قول أبي صالح [["زاد المسير" 4/ 145.]]، والحسن [["زاد المسير" 4/ 145.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" 2/ 24.]]؛ قال أبو صالح: رأيت منها عند أم هانئ، وهي حجارة فيها خطوط [[في (ب): (خطط).]] حمر على هيئة الجَزْع.
قال الحسن: كانت معلمة ببياض وحمرة، وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة في بياض، وذلك تسويمها، وأجمل ابن جريج [[الطبري 12/ 95، الثعلبي 7/ 53 ب، "زاد المسير" 4/ 146، البغوي 4/ 194 وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625.]] القول في تلك العلامة ولم يذكر كيفيتها فقال: كانت [[ساقط من (ج).]] عليها سيما لا تشاكل [[ساقط من (ي).]] حجارة الأرض، واختاره الزجاج [["معانى القرآن وإعرابه" 3/ 72.]] قال: مسومة بعلامة يعلم بها أنها ليست من حجارة أهل الدنيا.
قال أهل المعاني: جعل فيها علامات تدل على أنها معدة للعذاب، وذلك أملأ للنفوس وأهول في الصدور، وقال الربيع [[الثعلبي 7/ 53 ب وعزاه السيوطي لابن جرير وابن أبي حاتم 6/ 2069، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625، وفي الطبري 12/ 96 عن الربيع قال: عليها سيما خطوط. وكذا عند ابن أبي حاتم.]]: مكتوب على كل حجر اسم من رمي به.
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي: في خزائنه التي لا يُتصرف في شيء منها إلا بإذنه [["زاد المسير" 4/ 146.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾، يعني: كفار قريش، قال مجاهد [[الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، وابن المنذر وابن أبي حاتم 6/ 2069، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 625.]]: يرهبهم بها، وقال قوم [[رُوي عن عكرمة أيضًا كما في الطبري 12/ 96، والربيع أخرجه ابن أبي حاتم 6/ 2070، وأبو الشيخ عنه كما في "الدر" 3/ 625، وغيرهم. البغوي 4/ 194.]]: يعني كل ظالم وكافر من ذلك الوقت إلى يوم القيامة، قال قتادة [[الطبري 12/ 96، الثعلبي 7/ 53 ب، وابن أبي حاتم 6/ 2070، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 626، والبغوي 4/ 194، و"زاد المسير" 4/ 146.]]: والله ما أجار الله منها ظالمًا بعد قوم لوط، وحكى الفراء [["معاني القرآن" 2/ 25.]]: يعني: قوم لوط، أي أنها لم تكن لتخطئهم.
قال ابن الأنباري على هذا القول: وإنما ذكر هذا بعد تبيين الله تعالى نزول العذاب بهم توكيدًا للمعنى السابق، كما قال: ﴿الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46]، والأكثرون على أن المراد به من ظالمي هذه الأمة وهم كفارها، روي عن أنس أنه قال: سأل رسول الله ﷺ جبريل [[ساقط من (ب).]] عن هذا فقال: يعني ظالمي أمتك، ما من ظالم منهم إلا وهو بعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة [[أخرجه الطبري عن قتادة 12/ 96، كما سبق، وأخرجه أيضًا عن أبي بكر الهذلي قال: يقول: "وما هي من الظالمين ببعيد" فلا يأمنها منهم ظالم، 15/ 440 رقم (18447).]].
11:84Page 231
۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤
And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ﴾ الآية، قد ذكرنا في سورة [الأعراف: 85] أن (مدين) اسم لابن إبراهيم [[في (ي): (ابن إبراهيم).]]، ثم صار اسمًا للقبيلة، وكثير من المفسرين يذهب إلى أن (مدين) اسم مدينة بناها مدين بن إبراهيم. قال ابن الأنباري: وإلى هذا المعنى ذهب الفراء [["معاني القرآن" 2/ 304، ومدين مدينة على بحر القُلزُم محاذية لتبوك على نحو من ست مراحل. انظر: "معجم البلدان" 5/ 77.]] وأنشد [[القائل هو كثير، و (العُصْمُ) جمع الأعصم وهو الوعل، و (العقول) جمع عقل وهو الملجأ وشعف العقول رءوسها وأعاليها، والفارد: الوعل المسن أو الشاب، "معجم البلدان" (مدين) 5/ 77، "معاني القرآن" 2/ 304، وينسب لجرير وهو في "ديوانه" ص 308، "اللسان" (رهب) 3/ 1748، "تاج العروس" (رهب) 2/ 42، وقافيته (الفادر).]]:
رهبان مدينَ لو رأوك تنزلوا ... والعُصْمُ من شَعَفِ العقول الفارد
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 72.]]: والمعنى على هذا: وأرسل إلى أهل مدين فحذف الأهل.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾، نهاهم عن التطفيف وبخس الحق في المكيال، وهو ما يكال به، والميزان وهو ما يوزن به، ونقص المكيال أن يجعله على حد هو أنقص مما هو المحدود والمعهود فيما بينهم، ونقص الميزان أن يجعل السنجات [[السنجات التي توضع في "الميزان" لتبين قدر الموزون، ولقال: صنجة بالصاد وبالسين أفصح، فارسي معرب. انظر: "تهذيب اللغة" (سنج) 2/ 1768، "اللسان" (سنج) 4/ 2112.]] التي يوزن بها أخف، وما يوزن به فهو ميزان، والسنجات يوزن بها [[ساقط من (ي).]]، ولا يتصور نقص الميزان في الكفتين.
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾. قال عامة المفسرين [[الطبري 12/ 99، الثعلبي 7/ 54 أ، "زاد المسير" 4/ 147.]]: يعني النعمة والخصب وكثرة المال وزينة الدنيا، ومعنى قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بعد نهيهم [[في (ي): (نهيكم).]] عن التطفيف يحتمل وجهين:
أحدهما: ما قال المفسرون [[روى الطبري 12/ 98 - 99 هذا القول عن ابن عباس والحسن، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 147.]] أنه حذرهم غلاء السعر وزوال النعمة [إن لم يتوبوا فكأنه قال: لا تطففوا فيحل بكم العذاب وزوال النعمة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]].
والآخر: ما ذكره الفراء [["معاني القرآن" 2/ 25.]] قال: أراد: لا تنقصوا المكيال وأموالكم كثيرة يعني بعد أن أنعم الله عليكم برخص السعر وكثرة المال، فأي حاجة بكم إلى التطفيف وسوء الكيل والوزن؟
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾، توعدهم بعذاب يحيط بهم، فلا يفلت منهم أحد، والمحيط من صفة اليوم في الظاهر، وهو في المعنى من صفة [[في (ي): (الموصوف).]] العذاب [[ساقط من (ي).]]، وذلك أن يوم العذاب إذا أحاط بهم [فقد أحاط بهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] العذاب [[الطبري 12/ 101 نحوه.]].
11:85Page 231
وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥
And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.
قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي: أتموها بالعدل، والإيفاء: الإتمام، والوفاء: التمام، وكل شيء بلغ التمام فقد وفي، وهذا يدل على صحة التفسير الذي ذكرنا في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾؛ لأنه قال أوفوا المكيال والميزان، ولو أراد إيفاء المكيل والموزون لقال: أوفوا بالمكيال والميزان.
11:86Page 231
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦
What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."
قوله تعالى: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. قال ابن عباس [[ذكره الطبري 12/ 101 ثم قال: وهذا قول رُوي عن ابن عباس بإسناد غير مرتضى عند أهل النقل، الثعلبي 7/ 54 أ، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 148.]]: ما أبقى الله لكم من الحلال بعد إيفاء الكيل والوزن خير من البخس والتطفيف، يعني: من تعجيل النفع بالبخس في المكيال والميزان، والمعنى على هذا القول: الذي يبقيه الله لكم من الحلال عند إعراضكم عن الحرام: أبقى [[في (ي): (أنمى).]] لأموالكم في الدنيا وأصلح لأحوالكم في الآخرة.
وقال الحسن [[المروي عن الحسن هو قوله: (رزق الله خير لكم من بخسكم الناس) أخرجه أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627، وابن أبي حاتم 6/ 2072.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 100، الثعلبي 7/ 54 أ، البغوي 4/ 195، وابن أبي حاتم 6/ 2072.]]: بقية الله: طاعة الله، وعلى هذا معني البقية: الطاعة والمسارعة إلى الخيرات؛ وذلك لأنه يبقى ثوابها أبدًا. وقال قتادة [[الطبري 12/ 101، عبد الرزاق 2/ 311، وابن أبي حاتم 6/ 2072، وأبو الشيخ، كما في "الدر" 3/ 626، "زاد المسير" 4/ 149.]]: حظكم من ربكم خير لكم.
قال ابن الأنباري: وتفسير البقية على هذا التأويل حظهم من الله وما يجب عليهم من تطلب [[في (ي): (التطلب).]] رضاه بما يتعبدهم به، سميت بقية؛ لأنها تبقى ولا تبيد.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، قال أهل المعاني [["زاد المسير" 4/ 149.]]: شرط الإيمان في كونه خيرًا لهم؛ لأنهم [[ساقط من (ي).]] إن كانوا مؤمنين بالله عرفوا صحة ما يقول، وأيضًا فإنه يكون خيرًا لهم إذا كانوا مؤمنين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾، ذهب بعضهم أنه قال هذا؛ لأنه لم يؤمر بقتالهم وإكراههم [[يفهم من هذا أن من الأنبياء من أمر أن يكره قومه على الإيمان، ونصوص الكتاب والسنة بخلاف ذلك، قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة: 256]. وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99]. وقال: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]. فالدين ليس فيه إكراه لأنه يلزم فيه الإختيار، فلو آمن ظاهرًا خوفًا أو طمعًا فلا يصح إيمانه. انظر: الطبرى 12/ 28 - 29، 101.]] على الإيمان، وقد أحكمنا شرح هذا في سورة الأنعام في قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأنعام: 104] [[وخلاصة ما ذكره أنه قد جاءهم الحق الواضح البيّن الذي لا يحتاج معه إلى إكراه لأن مهمته البلاغ.]]، في آخر هذه الآية قال بعض أهل المعاني: إن شعيبًا دعاهم إلى حفظ النعمة بترك المعصية، ثم قال: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي: لا يحفظ النعمة عليكم إلا الله -عز وجل-، ولست الذي أحفظها عليكم فاتقوه بطاعته يحفظها عليكم.
11:87Page 231
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧
They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾، وتقرأ (أصلاتك) على واحدة، وتوجيه القراءتين [[قرأ حفص وحمزة والكسائي بالتوحيد، وقرأ الباقون بالجمع، وحجة من وحّد أن (الصلاة) بمعنى الدعاء، والدعاء صنف واحد وهي مصدر والمصدر يقع للقليل والكثير بلفظه، وحجة من جمع أنه قدر أن الدعاء مختلف أجناسه وأنواعه فجمع المصدر لذلك، انظر: "الكشف" 1/ 507، "السبعة" ص 317، "إتحاف" ص 259.]] ذكرناه في سورة براءة [[عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [براءة: 103]. ونقل في توجيه القراءة ما ذكره أبو علي حيث قال: "الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد، كقوله سبحانه: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19]، فإذا اختلفت جاز أن يجمع، لاختلاف ضروبه، كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾. ومن المفرد الذي يراد به الجمع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: 35]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43]، والمصدر إذا سمي به صار بالتسمية وكثرة الاستعمال كالخارج عن حكم المصادر، وإذا جمعت المصادر إذا اختلفت نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ فأنْ يُجْمَع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر.]]، قال عطاء عن ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 149 عن عطاء.]]: يريدون دينك يأمرك، وعلى هذا كنى عن الدين بالصلوات؛ لأنها من الدين مما كانوا يرونه يفعلها تدينًا، والمعنى: أفي دينك الأمر بذا؟ وهو معنى قول الحسن [[القرطبي 9/ 87.]]، ورُوي عن ابن عباس [[الثعلبي 7/ 54 أ، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 149، القرطبي 9/ 87.]] أيضًا أنه قال: كان شعيب كثير الصلاة [[في (ي): (الصلوات).]] لذلك قالوا هذا.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾. قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 72.]]: وهذا دليل [[ساقط من (ب).]] على أنهم كانوا يعبدون غير الله -عز وجل-. قال صاحب النظم: قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ وليس للصلاة أمر ولا نهي، وهذا يحمل على أن تكون الصلاة [[ساقط من (ب).]] سببًا للفعل المتصل بها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] من أجل صلاته؛ لأن الصلاة من الإيمان والإيمان مانع منهما، فقد صارت الصلاة سببًا للامتناع منهما، فيصح على هذا الترتيب أن يقال: الصلاة مانعة من ذلك وآمرة به، وكذلك قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ﴾ أي: من أجل أنك تصلي تأمرنا أن نترك ما يعبد آباؤنا، أي: صلاتك تحملك على ذلك؟ فلذلك جاز أن يضاف الأمر إليها، فأما قوله: ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ﴾ أوقع الأمر على شعيب وهو في المعنى واقع على قومه، والتأويل: أصلاتك تأمرك أن تأمرنا أن نترك، فلما ذكر معنى الأمر أولًا اقتصر عليه ولم يُعد ذكره.
وقوله تعالى: ﴿مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ وقد خلوا وماتوا وجاءت الحكاية عن فعلهم على وزن الاستقبال، والتأويل: إن شاء الله أن نترك ما كان يعبد آباؤنا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] أي كانت تتلوا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ﴾، قال ابن الأنباري [[في (ي): (ابن عباس)، وانظر: "زاد المسير" 4/ 150.]]: (أن) منسوقة على (ما) في قوله ﴿مَا يَعْبُدُ﴾ على تقدير أو نترك أن نفعل وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" 2/ 52.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]، وزاد الفراء قولًا آخر شرحه أبو بكر، وهو: أن تكون (أن) منصوبة بفعل مضمر يراد به تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتنهانا أن نفعل، فدل الأمر على النهي، فحذف كما حذف البرد لما دل عليه الحر في قوله ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [[النحل:81.]]، ومعنى قوله ﴿أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ قال الكلبي [[نقله ابن الجوزي عن ابن عباس، "زاد المسير" 4/ 150، وانظر: "تنوير المقباس" 144.]]: أي من البخس والظلم ونقص المكيال والميزان، وهو اختيار الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]؛ قال: المعنى: إنا قد تراضينا بالبخس فيما بيننا.
وقال ابن عباس [["البحر المحيط" 5/ 253 عن ابن المسيب.]] في رواية عطاء: يريد قطع الدنانير والدراهم، وهو قول القرظي [[الطبري 12/ 102، "زاد المسير" 4/ 150، وابن المنذر كما في "الدر" 3/ 627، "البحر المحيط" 5/ 253.]] وزيد بن أسلم [[الطبري 12/ 102، "زاد المسير" 4/ 150، القرطبي 9/ 88، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627.]]؛ قالوا: كان ينهاهم عن ذلك.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، قال ابن عباس [[الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 195، "زاد المسير" 4/ 150.]]. يريدون: السفيه الجاهل، وعلى هذا كنوا بالحليم الرشيد عن السفيه الجاهل.
قال أبو بكر: وهذا التفسير مشاكل للغة [[في (ب): (اللغة).]]؛ لأن العربي يقول لمخاطبه إذا استحمقه: يا عاقل من يقول هذا غيرك؟ يريد يا أحمق، ويقول لمن يستجهله: يا حليم فكر [[ساقط من (ب).]] فيما تسمع، يعني يا جاهل.
قال الشاعر [[البيت لشييم بن خويلد كما في "اللسان" (خفق) 2/ 1214.]]:
فقلت لسيدنا يا حليم ... إنك لم تأس أسواء [[في (ب): (تأسوا سواء).]] رفيقًا
فآخر البيت يدل على أنه استجهله وخاطبه بالحلم كانيا عن غيره، وهذا قول مقاتل بن سليمان [["تفسير مقاتل" 148 ب.]] قال: معناه: إنك لأنت السفيه الضال، وقال الحسن وابن جريج [[الطبري 12/ 103.]] والكلبي وابن زيد وأكثر أهل التأويل: هذا على طريق الاستهزاء بشعيب.
وقال ابن كيسان [[الثعلبي 7/ 54 ب، "زاد المسير" 4/ 150، ورجحه القرطبي 9/ 87.]]: هذا على طريق الصحة، قالوا له: إنك فينا حليم رشيد فليس يليق بك شق عصا قومك ومخالفة دينهم.
11:88Page 231
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨
He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾، مضى هذا في موضعين من هذه السورة [[هود 28، 63.]].
وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، قال ابن عباس وأكثر المفسرين [[انظر: الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، القرطبي 9/ 89، "البحر المحيط" 5/ 254.]]: يعني حلالا، وروى الكلبي [[ذكره في "زاد المسير" 4/ 151 وعزاه لابن عباس، وذكره البغوي 4/ 196 ولم يعزه.]]: أن شعيبًا كان كثير المال، قال ابن الأنباري: اعتد بكثرة المال نعمة من الله تعالى لما كان حلالاً سليمًا من التبعات، وقال جماعة من المفسرين: الرزق الحسن هاهنا: الهدى والتوفيق للرشد.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 33، وانظر الثعلبي 7/ 54 ب، "زاد المسير" 4/ 151 البغوي 4/ 196.]] وغيره: جواب (إن) هاهنا محذوف لعلم المخاطب، المعنى: إنْ كنت على بينة من ربي ورزقني المال الحلال، [أتّبع الضلال فأبخس وأطفف، يريد أن الله قد أغناه بالمال الحلال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] وذكرنا معنى هذا الشرط في قصة نوح [[عند قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ [هود: 28].]].
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾، [قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 144.]]: يريد وما أريد أن أفعل ما أنهاكم عنه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وقال قتادة [[الطبري 12/ 103، البغوي 4/ 196، "زاد المسير" 4/ 151، الثعلبي 7/ 54 ب، ابن أبي حاتم 6/ 2074، أبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 627.]]: لم أكن لأنهاكم عن أمر ثم أرتكبه، ومعنى هذا القول أنه يقول: لا أنهى عن قبيح وأفعله كمن ليس مستنظرًا [[في (ي): (مستنصرًا)، ولعل الصواب "مستبصرًا".]] فيه، قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]: أي لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه، وإنما أختار لكم ما أختار لنفسي، وتلخيص معنى اللفظ: وما أخالفكم بالقصد إلى [ما أنهاكم عنه؛ يقال: خالفه إلى] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] ذلك الأمر إذا أتاه [[في (ب): (أراه).]] مخالفًا له.
وقال أبو بكر: بَيَّنَ أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله، وترك البخس والتطفيف، هو مما يرتضيه لنفسه ولا ينطوي إلا عليه، فكان بهذا ماحضًا لهم النصيحة، إذ اختار لهم ما اختاره لنفسه.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ﴾ أي ما أريد إلا الإصلاح فيما بيني وبينكم بأن تعبدوا الله وحده وتفعلوا كما يفعل من يخاف الله، قاله ابن عباس.
قوله تعالى: ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾، مفعول الاستطاعة محذوف تقديره ما استطعته، أي ما استطعت الإصلاح، واستطاعة الإصلاح هو الإبلاغ والإنذار فقط، ولا يستطيع إجبارهم على الطاعة، وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 73.]]؛ لأنه قال في قوله ﴿مَا اسْتَطَعْتُ﴾: أي بقدر طاقتي، [وقدر طاقتي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] إبلاغكم وإنذاركم، ولست قادرًا على إجباركم على الطاعة، ثم أعلم أنه لا يقدر هو ولا غيره على الطاعة إلا بتوفيق الله جل وعز، فقال: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، أي أرجع إليه في المعاد في قول ابن عباس [[الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 196، القرطبي 9/ 90.]] ومجاهد [[الطبري 12/ 103، والبغوي 4/ 196، وابن أبي حاتم 6/ 2074، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 628.]].
وقال الحسن [[انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 244.]]: إليه أرجع بعملي ونيتي، وروي أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر شعيبًا قال: "ذاك خطيب الأنبياء" [[أخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 620 عن محمد بن إسحاق قال: "وشعيب بن ميكائيل النبي ﷺ، بعثه الله نبيًا، فكان من خبره، وخبر قومه ما ذكر الله في القرآن. وكان رسول الله ﷺ إذا ذكره قال: "ذاك خطيب الأنبياء لمراجعته قومه" سكت عنه الذهبي في "التلخيص"، وفيه سلمة بن الفضل بن الأبرش، قال في "الميزان": 2/ 192: (ضعفه ابن راهويه، وقال البخاري: في حديثه بعض المناكير، وقال ابن معين: كتبنا عنه وليس في المغازي أتم من كتابه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو حاتم: لا يحتج به).
والحديث ذكره السيوطي في "الدر" 3/ 504 وقال: أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم عن ابن إسحاق قال ذكر لي يعقوب بن أبي سلمة أن رسول الله ﷺ كان إذا ذكر شعيبًا == قال: "ذاك خطيب الأنبياء لحسن مراجعته قومه فيما يرادهم به، فلما كذبوه وتوعدوه بالرجم والنفي من بلاده، وعتوا على الله، أخذهم عذاب يوم الظلة ... إلخ".]] لحسن مراجعته قومه.
11:89Page 232
وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩
And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.
قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي﴾، قال ابن عباس [[ذكر هذا القول من غير عزو الثعلبي 7/ 54 ب، البغوي 4/ 196.]] والحسن [[القرطبي 9/ 90.]] وقتادة [[الطبري 12/ 104، والقرطبي 9/ 90، وابن أبي حاتم 6/ 2074، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 628.]]: لا يحملنكم، وقال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 26.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: لا يكسبنكم، وقد مرَّ في سورة المائدة [[عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [آية: 2].]].
قوله تعالى: ﴿شِقَاقِي﴾ أي خلافي وعداوتي.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ﴾، (أن) في محل النصب؛ لأنه المفعول الثاني لقوله: ﴿يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.
ومعنى الآية [[ساقط من (ي).]]: لا تكسبنكم معاداتكم إياي أن يصيبكم عذاب العاجلة ﴿مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ من الغرق ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ من الريح العقيم ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾ من الرجفة والصيحة.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾، قال ابن عباس [[إسحاق بن بشر، وابن عساكر كما في "الدر" 3/ 628 - 629.]]: يريد [[ساقط من (ي).]]: قد كنتم لهم جيرانا وقرابة، وقد رأيتم ما أصيبوا به وما صاروا إليه من سخط الله وعذابه، فعلى هذا أراد: ليسوا ببعيد في الدار والنسب.
وقال قتادة [[الطبري 12/ 104، عبد الرزاق 2/ 311، "الدر" 3/ 629، ابن أبي حاتم 6/ 2075 بنحوه.]]: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ في الزمان الذي بينكم وبينهم، واختاره الزجاج فقال [[ساقط من (ي)، وانظر: "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: كان إهلاك قوم لوط أقرب الإهلاكات التي عرفوها، فكأنه قال لهم: العظة في قوم لوط قريبة منكم.
قال ابن الأنباري: فعلى القول الأول [[ساقط من (ي).]] كأنه يقول [[في (ب): (قال).]]: إنكم للعذاب الواقع بهم أذكر وأحفظ منكم لما لحق الأمم السالفة؛ لأن دارهم أقرب إلى داركم، فبحفظكم ذلك يلزمكم الإشفاق والحذر من مثل مصرعهم، وعلى القول الثاني كأنه يقول: إن وقتهم أقرب إليكم من أوقات من مضى من المهلكين، ولقرب وقتهم منكم ما يجب أن تراعوا وتحاذروا، ووحد البعيد [[قاله ابن الأنباري انظر: "زاد المسير" 4/ 151]] على القول الأول؛ لأنه أراد: وما قوم لوط منكم بمكان بعيد، ويجوز أن يكون وَحَّده على لفظ القوم؛ لأنه على لفظ الواحد، وأنشد [[بيتان من الرجز لم أهتد إلى قائلهما. انظر: "شرح المفصل" 9/ 80.]]:
لو أن قومي حين تدعوهم حمل
على الجبال الصم لارفض الجبل
ولم يقل حملوا.
11:90Page 232
وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠
And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾، قال أهل المعاني: معناه: اطلبوا المغفرة بأن تكون غرضكم، ثم توصلوا إليه بالتوبة، وهو ترتيب حسن وقد مرَّ هذا في أول السورة [[آية:4.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾، قال ابن عباس [["تنوير المقباس" ص 144.]]: بأوليائه ومن صدق أنبياءه.
﴿وَدُودٌ﴾ [[ساقط من (ي).]]، قال الفراء [["تهذيب اللغة" (ود) 4/ 3857.]]: يقال [[ساقط من (ي).]]: ودِدت أوَد هذا أفضل الكلام وقال بعضهم وددت و (يفعل) منها يود لا غير، قال الكسائي [["تهذيب اللغة" (ود) 4/ 3857 ولم أجده من كلام الكسائي بل هو من كلام الفراء.]]: وسمعت ودَدت بالفتح وهي قليلة، وأنكر البصريون ودَدت وهو لحن عندهم.
قال الزجاج [["تهذيب اللغة" (ود) 4/ 3857.]]: قد علمنا أن الكسائي لم يحك وددت إلا وقد سمعه، [ولكنه سمعه] [[ساقط من (ي).]] ممن لا يكون قوله حجة.
قال ابن الأنباري [["الزاهر" 1/ 88، 89، "زاد المسير" 4/ 152، "تهذيب اللغة" 4/ 3858، "لسان العرب" (ود) 8/ 4794، وفيها (المحب لعبادة).]]: الودود في أسماء الله المجيب لعباده، من قولهم: وددت الرجل أوده وَدا ووُدا ووَدادا ووِدادًا ووِدادة ووَدادة.
وقال الأزهري [[الكتاب مفقود، ذكره ياقوت "معجم الأدباء" 17/ 164، وأورده الداودي في طبقات المفسرين (2/ 65) بلفظ تفسير الأسماء الحسنى، وسماه صاحب "كشف الظنون" 2/ 50: "شرح أسماء الله الحسنى".]] من كتاب "شرح أسماء الله": قال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون ودودٌ فعولًا بمعنى مفعول، كركوب وحلوب [[في (ي): (حمول).]] ومعناه: أن عباده الصالحين يودونه ويحبونه؛ لما [[في (ي): (بما).]] عرفوا من فضله ولما سبغ عليهم من نعمائه، وكلتا الصفتين مدح؛ لأنه جل ذكره إنْ أحب عباده المطيعين فهو فضل منه، وإنْ أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من إحسانه.
11:91Page 232
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١
They said, "O Shuʿayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ الآية، معنى الفقه في اللغة [["تهذيب اللغة" (فقه) 5/ 404، 405.]]: فهم الكلام بما تضمن من المعنى، وقد صار اسمًا لضرب من علوم الدين، فمعنى الفقه في اللغة الفهم، يقال: أوتي فلانٌ فقهًا في الدين، أي فهما، وقوله ﷺ: "فقهه في الدين" [[في (ي): التأويل.]] [[أخرجه البخاري (143) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء، بلفظ "اللهم فقهه في الدين" وأخرجه أحمد في أربعة مواضع بلفظ (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) 4/ 127 برقم 2397، و4/ 315 برقم 2881، و5/ 15 برقم 3033، و5/ 41 برقم 3102، وصححه أحمد شاكر في جميع المواضع السابقة، وأخرجه بلفظ (اللهم فقهه في الدين) دون زيادة (وعلمه التأويل) 5/ 12 برقم 3023، وصححه أحمد شاكر.
وأخرجه الطبراني في الكبير 10/ 291 بلفظ (اللهم أعطه الحكمة، وعلمه التأويل) == قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 450: رواه الطبراني وفيه من لم أعرفه. ورواه الطبراني في موضع آخر 10/ 293 بلفظ (اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين).]] أي فقهه تأويله، ونحو هذا قال ابن عباس والمفسرون [[البغوي 4/ 197، القرطبي 9/ 91، ابن عطية 7/ 384.]] في قوله ﴿مَا نَفْقَهُ﴾: ما نفهم.
فإن قيل: إن شعيبا كان يخاطبهم بلسانهم فلم قالوا ما نفقه؟
قال أبو بكر [["زاد المسير" 4/ 152.]]: فيه جوابان: أحدهما [[ساقط من (ي).]]: ما نفقه صحة كثير مما تقول، يعنون ما يذكر من التوحيد والبعث والنشور، وما يلزم من الزكاة، ويحظر من التطفيف، فزعموا أن هذا مما لا يفهمون صحته إذ كانوا منكرين دين شعيب، فحذفت الصحة وقام "كثير" مقامها، والثاني: أنهم كانوا يستثقلون سمع بعض [[ساقط من (ي).]] ما يأتي به عن ربه تعالى من ذم الكفار وعيب ما يرتكبون، فكانوا كأنهم لا يفقهونه، كما تقول لمن تكره كلامه: ما أفهم ما تقول، وما أستطيع أن أسمع كلامك، وأنت [في الحقيقة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]] تفهم وتستطيع، إلا أن هذا باب من المجاز، استعملته العرب وعرف في خطابها.
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾، قال سعيد بن جبير [[الطبري 12/ 105، وأبو الشيخ وابن عساكر كما في "الدر" 3/ 629، و"زاد المسير" 4/ 152، والقرطبي 9/ 91، وابن أبي حاتم 6/ 2076.]] وقتادة [["زاد المسير" 4/ 152، القرطبي 9/ 91 وروي هذا القول ابن أبي حاتم 6/ 2076 عن سعيد بن جبير، والحاكم 2/ 568 وصححه والخطيب وابن عساكر عن ابن عباس، "الدر" 3/ 629.]]: أعمى.
وقال سفيان [[الطبري 12/ 105، والثعلبي 7/ 55 أ، وأبو الشيخ كما في "الدر" 3/ 129 بلفظ قال: كان أعمى، والقرطبي 9/ 91. وابن أبي حاتم 6/ 2076 بلفظ كان ضعيفًا.]]: كان ضعيف البصر، وقال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: حمير تسمي الضرير ضعيفًا؛ لأنه قد ضعف بذهاب بصره.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال أبو عبيد [["تهذيب اللغة" (رهط) 2/ 1488.]] عن أبي زيد: النفر والرهط [ما دون العشرة من الرجال، وقال أبو العباس [["تهذيب اللغة" (رهط) 2/ 1488.]]: المعشر والنفر والقوم والرهط] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ب).]] معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم، وهذا [[في (ي): (وهو).]] للرجال دون النساء، وقال الليث [["تهذيب اللغة" (رهط) 2/ 1488.]]: الرهط عدد يجمع من ثلاثة إلى عشرة، قال المفسرون [[الطبري 12/ 106، الثعلبي 7/ 55 أ، الزجاج 3/ 74، البغوي 4/ 197، القرطبي 9/ 91، ابن عطية 7/ 385.]]: لولا عشيرتك.
وقوله تعالى: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾، قال الأزهري [["تهذيب اللغة" (رجم) 2/ 1375.]]: الرجم القتل، وقد جاء في غير موضع من كتاب الله تعالى، وإنما قيل للقتل رجم؛ لأنهم كانوا [[في (ي): (قالوا).]] إذا قتلوا إنسانًا رموه بالحجارة حتى يموت، ثم قيل لكل قتل رجم، والرجم السب والشتم؛ ومنه قوله تعالى ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] أي لأسبنك ولأشتمنك، والرجم: القول بالظن، ومنه قوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ [الكهف: 22] والرجم اللعن، والشيطان الرجيم من هذا.
قال ابن عباس [[أخرجه إسحاق بن بشر وابن عساكر كما في "الدر" 3/ 628، الثعلبي 7/ 55 أ، البغوي 4/ 197.]] في قوله: ﴿لَرَجَمْنَاكَ﴾: لقتلناك.
قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: والرجم من شر القتلات، وقال قوم من المفسرين [[رجحه الطبري 12/ 106، "زاد المسير" 4/ 153، القرطبي 9/ 91، ابن عطية 7/ 385.]]: لشتمناك وسببناك وطعنا عليك.
قال أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: وكان رهطه من أهل ملتهم؛ فلذلك أظهروا الميل إليهم، والإكرام لهم.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾، قال ابن عباس: يريد [["زاد المسير" 4/ 153، القرطبي 9/ 91 من غير نسبه.]]: ما أنت علينا بمنيع.
11:92Page 232
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢
He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allāh? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس [["زاد المسير" 4/ 153 بنحوه.]]: يريد أمنع عليكم من الله، المنيع القوي، قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 74.]]: وتأويله: أنتم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكرامًا لرهطي، والله -عز وجل- أولى بأن يتبع أمره، كأنه يقول: حفظكم إياي في الله أولى منه في رهطي.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾، قال الليث [["تهذيب اللغة" (ظهر) 3/ 2255.]]: الظهري الشيء الذي تنساه وتغفل عنه، قال ابن عباس [[الطبري 12/ 106.]]: يريد ألقيتموه خلف ظهوركم وامتنعتم من قتلي مخافة قومي، والله أعز وأكبر من جميع خلقه.
قال الفراء [["معاني القرآن" 2/ 26.]]: يقول رميتم أمر الله وراء ظهوركم، يعني تعظمون أمر رهطي، وتتركون أن تعظموا الله وتخافوه.
وقال ابن الأنباري [["الأضداد" 255.]]: الظهري يقصد به هاهنا إلى الإهمال [والاطّراح تقول العرب: سألت فلانا حاجة فظهر بها] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ي).]]، وسألته حاجة فجعلها ظهرية، أهملها وطرحها [[ساقط من (ي).]] ولم يلتفت إليها. وأنشد للفرزدق:
تميمَ بنَ زيد لا تكونَنَّ حاجتي ... بظهر فلا يخفى عليّ جوابُها
قال: معناه: لا تكون مهملة مطرحة، وقال قتادة [[الطبري 12/ 106 - 107.]] في هذه الآية:
أعززتم قومكم وظهرتم بربكم، قال أبو بكر: يريد بقوله ظهرتم: أهملتم وأعرضتم عن طاعته، وجميع أهل [["معاني الفراء" 2/ 26، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 298، "معاني الزجاج" 3/ 75، "معانى النحاس" 3/ 377.]] المعاني قالوا: الكناية في قوله: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ تعود إلى أمر الله، وما جاءهم به شعيب من الله تعالى، وهو في الظاهر يعود على اسم الله تعالى، ولكنه يعرف بالمعنى أن المراد منه الأمر، كما تقول العرب: جعلتني خلف ظهرك ودبر أذنك، يريدون: جعلت أمري وحاجتي وكلامي.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي خبير بأعمال العباد حتى يجازيهم، في قول جميع المفسرين [[الطبري 12/ 108، "زاد المسير" 4/ 153، ابن عطية 7/ 387.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences